/ صفحة 289/
قال شيخى
لحضرة الكاتب الفاضل الاستاذ أحمد محمد بريرى
أعجب قراؤنا بهذا الباب الذى افتتحه الديب العبقرى الاستاذ أحمد محمد بريرى و اتخذ له هذا العنوان: ((قال شيخى))
.و فى هذا العدد باب آخر بعنوان
((لكن قال شيخى)) دمجته براعة عالم أديب من أساتذه كلية اللغة العربية و قد ابتدأه بمساجلة أدبية هادءة على النمط نفسه. و انا للاديبين الكبيرين لشاكرون.]المحرر[قال شيخى:
و أشعث قد قدّ السفار قميصه *** و جر الشواء بالعصا غير منضج
دعوت فلبانى الى ما ينوبنى *** كريم من الفتيان غير مزلج
فتى يملا الشيزى و يروى سنانه *** و يضرب فى رأس الكمى المدجج
أبلّ فلا يرضى بأدنى معيشة *** و لا فى بيوت الحى بالمتولج
و شعث نشاوى من كرى عند ضمّر *** أنحن بجعجاع قليل المعرج
و قعن به من أول الليل وقعة *** لدى ملقح من عود مرخ و منتج
قليلا كحسو الطير ثم تقلصت *** بنا كل فتلاء الذراعين عوهج
((المزلج)) : الدعىّ و الضعيف، أو قل هو الدون من كل شىء، و ((الشيزى)) : خشب كانوا - و لعلهم ما زالوا- يتخذون منه الفصاع و ((أبل)) : مصمم ماض لطيته لا يبالى و ((الجعجاع)) : الارض الغليظة و ((ملقح)) من القحت الريح الشجر فهو ملقح. و ((منتج)) من أنتج: أخرج أزهاره و عساليجه.
/ صفحة 290/
أفلا تنزع معى الى هذه الحياة البدوية التى تحملك حملا على الحل و الترحال و تحويل الحال. فأنت تارة تدعو الى ما ينوبك فتى جواداً يملا القصاع، شجاعاً يضرب رءوس الكماة المدججين فى السلاح، و أخرى توقظ رفاقك الذين انتشوا كرى لا خمراً، فأناخوا رواحلهم بمكان غليظ. لقد وقعت النوق أول الليل حيث شجر المرخ ملحقاً و منتجاً، ورفه الفتيان عن قلائصهم، و عن أنفسهم فى اغفاءة قصيرة لم يشأ ((الشماخ))
أن تطول فهو لايسمح لهم أن يريحوا و يستريحوا الا بقدر ما تشرب الطير - قليلا كحوس الطير - ثم النجاء النجاء على كل مفتولة الذراعين طويلة العنق تامة الخلق...قلت: مهلا سيد الشيخ، فنحن فى عصر الطائرات النفاثات لا عصر القلص الناجيات. و ليس من مقتضى السفر الان أن تكون أشعث أغبر. و أن تجر الشواء ملهوجا و لما ينضج كلا بل أنضجه ما شئت أو شاء لك الانضاج. أو ان أردت واقع الحال لاتنضجه فإن غيرك يؤدى هذا عنك، و ما عليك الا أن تأكل هنيئاً مريئاً، لقد ضرب الدهر بحجاب كثيف بيننا و بين الشماخ و شعره و وسائل عيشه بل لقد نقصت قواعد السلوك التى لعله كان يحسبها باقية ما بقيت السموات و الارض، نعم. نقضت و استبدل بها نقائضها. و الا أفيرضى سيدى الشيخ، و اذا رضى افيرضى له زملاؤه فى المجمع اللغوى أن يبدو
((منخرق القميص)) أو ((ممزق الثياب)) أو أن يقدم لضيفه قصاع الشيزى و قد فاضت بما لذوطاب فى ذوق البادية البائدة. أقول البادية البائدة فما أحسب الاعراب يحيون فيها و يأكلون و يشربون كما كان آباؤهم الاولون يفعلون.ان حاضرنا لكفيل أن يشغلنا عن ماضينا، و قد يسوغ أن يتجه فكرنا الى ما نتوقع أو ننتظر مما هو آت، أما مافات، فهيهات هيهات.
انى لاستحى أن أتحدث الى أساتذة الجامعة- بلغة العامة- عن
((ضمر أنخن بجعجاع قليل المعرج)) و ((ملقح من عود مرخ و منتج)) . ليكن هذا الحديث اذن حديثنا وحدنا و هو حسبنا أو نحن حسبه فما أظن غيرنا من الناس مضيعاً/ صفحة 291/
وقته فى ((شعث نشاوى من كرى)) . و اذا كان لابد لوقته أن يضيع ففى غير السفر على ظهور الجمال و الوقوف على الاطلال، أفلست معبراً عن الحقيقة! بلى، و ليس لى فخر الكشف عنها، بل هو لابى نواس، فهو الذى أخذ منذ مئات السنين على الشعراء ((صفة الطلول))
و ما اليها.و اذا كان الحديث ذا شجون فهل رأيتم ديوانه الجديد؟
قال: ديوان من؟
قلت: يعود الضمير على أقرب مذكور و هو فى كلامى أبو نواس.
قال: ان ديوان أبى نواس قديم قدم أبى نواس نفسه، و أنت تحدثنى عن ديوان جديد.
قلت: أعنى طبعه الجديد.
قال: لقد ضرب الدهر بحجاب كثيف بيننا و بين أبى نواس و شعره و وسائل عيشه. بل لقد نقضت قواعد السلوك التى لعله كان يحسبها باقى ما بقيت السموات و الارض
)) و الا أفترضى، و اذا رضيت أفيرضى لك أضرابك، أن تكون ((نسخة أخرى)) لابى نواس؟ اتتمدح بما كان يتمدح به؟ أأتناسى وقار الشيخوخة و أنشدك بعضاً من كل... كل جمع فأوعى فلم تفته صغيرة و لا كبيرة من شذوذ ((شذّاذ بغداد)) الا أحصاها؟ لماذا لم يحل الحجاب الكثيف الذى ضرب بينك و بين أبى نواس دون شعره؟ انه و الشماخ لمن أبناء العهد القديم بالقياس اليك، فليست مائة سنة أو مائة و خمسون أو ثلاثمائة فاصلا كبيراً بين رجلين ما داماكلاهما قد جاوزاك بأكثر من ألف عام... أنت لاترفض شعر الشماخ لانه بعيد عنك، و لا تقبل شعر أبى نواس لانه قريب منك، أو لان الاول يعالج من الامور ما لا تعالج، فى حين أن الثانى كان ينسج على منوال ينسجون عليه هذه الايام، و انما تنطق عن هوى فتحل القديم اذا جرى مجرى الطبع المريض، و تحرمه اذا نهج نهج الطبع السوى./ صفحة 292/
أيخيفك غريب الشماخ؟ فإن ((لتلميذ و البة)) غريبا، أم ينفرك أخو غطفان بما يطرق من معان لا تعنينا الان؟ فإن لصاحب ((جنان))
مقاصد لايتيممها الا ملتو عدل عن الصراط المستقيم صراط الطبع السليم.قلت: ان للشعر لجمالا فنيا بغض النظر عن معانيه و مراميه. فاذا أعجبت بالناحية الفنية فى مقول أبى نواس فليس مؤدى هذا أنى أقر القواعد السلوكية التى رسمها.
قال: و هل عدمت ما تسميه الجمال الفنى فى شعر الشماخ؟
قلت لم أنشده فأقول عدمته أو وجدته... و الظاهر أنه لا ملجأ لى من الشماخ الا اليه. فلنترك الجمال الفنى الى البحث اللغوى: لقد خبرنا الشماخ خبر (ملقح من عود مرخ و منتج) و متى صح إسم المفعول من مادة فقد صح إسم الفاعل.
أفتقول اذن: انتج انتاجا فهو منتج بكسر التاء؟
ان أصحاب اللغة لا يعملون القاعدة العامة اذا صرفوا نتج. فهم يقولون مثلا: (نتجت الناقة كعنى نتاجا و انتجت و قد نتجها أهلها، و انتجت الفرس حان نتاجها فهى نتوج لا منتج، و المنتج كمجلس الوقت الذى تنتج فيه، و غنمى نتائج أى فى سن واحدة، و أنتجت الناقة ذهبت على وجهها فولدت حيث لايعرف موضعها، و نتجت تزخرت ليخرج ولدها و أنتجوا أى عندهم أبل عوامل).
قال المحقق، ان أصحاب المنطق صرفوا نتج تصريفا لم يروه أصحاب اللغة، و هم يجرون القاعدة الا أن يقف فى سبيلها النقل فلك أن تتساءل، أتراهم أحصوا فلم يفتهم شىء؟
المؤكد أنه فاتتهم أشياء أضف اليها النسيان و الاهمال و الوهم و التصحيف و التحريف و غيرها، حتى لقد زعم بعضهم أن لغة (الاضداد) لا تمت بسبب الى الحقيقة، اللهم الا حقيقة أن أصحاب اللغة يخطئون فهل فاتهم أن ينقلوا مشتقات (نتج) كاملة، و هل أصاب أصحاب المنطق حين توسعوا فى (النتيجة) و نتج و أنتج مع ما يعنون من المعانى بهذه الالفاظ؟ من يدرى؟ فعلم ذلك عند علام
/ صفحة 293/
الغيوب، و اذا صح أن أصحاب اللغة نقلوا كل شىء، و أن العرب لم تستعمل كلمة انتاج كما استعملها أصحاب المنطق و رجال المال و الاعمال، فإن لغتنا العربية تتقبلها قبولا حسنا. و اذا لم تكن هكذا استعملت فى أصل الوضع فلا أقل من أنها تعربت غير دخيلة ما دمنا نعرف أباها أو قل أمها.
قلت: اذا كانوا قد عرفوا نتج و كل مشتقاتها و مزيداتها فلغير المعانى التى تنصب فى أذهاننا حين نسمع لفظ (انتاج) و اذا قبلتم هذه المعانى (لغة) فأنتم اذن تؤمنون بتطور اللغة أليس كذلك؟ قال هو كذلك فأنا أؤمن بتطور اللغة العربية فى الحدود التى شرعها الله، و إنها لاوسع من الاشتقاق و النحت و ما اليهما; اقرأ كتاب الله عزوجل تجد فيه حروفا لم تضعها العرب، و أخرى وضعتها لمعان أخر غير التى يقصد اليها القرآن.
قلت: هلا ضربتم لنا مثلا أحد تلك الالفاظ التى عرفت العرب مبناها و ان لم تعرف ما أحدثه القرآن فى معناها؟
قال: أضرب لك مثلا (النفاق) و العياذ بالله.
قلت: فليحفظ الله سبحانه و تعالى مجتمعنا من النفاق و المنافقين.
قال:
((لئن لم ينته المنافقون و الذين فى قلوبهم مرض و المرجفون فى المدينة لنغرينك بهم ثم لايجاورونك فيها الا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا و قتلوا تقتيلا)) .((اذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله و الله يعلم انك لرسوله و الله يشهد ان المنافقين لكاذبون)) .
((و ممن حولكم من الاعراب منافقون، و من أهل المدينة مردوا على النفاق))
قلت: حسبى فأنا أعلم أن أحاديث القرآن عن النفاق و المنافقين كثيرة، فما محل لشاهد؟
قال: محله أن الخالق الحكيم لم يحفظ مجتمعاً كائنا ما كان من وجود النفاق
/ صفحة 294/
حتى مجتمعاً شرف بخاتم الانبياء و المرسلين محمد عليه صلوات الله و الملائكة و الناس أجمعين.
قلت: هذا معلوم ففيم اخبارى خبره؟
قال: فيم اذن دعاؤك الله أن يحفظ مجتمعكم من النفاق ما دمت تعلمه ضرورة اجتماعية، أتتطلب المستحيل؟ أو تتعلق ارادة الله به؟ أم تنزع الى لغو القول؟
قلت: و لم لا يكون كلامى على حذف مضاف بتقدير; ليحفظ الله مجتمعنا من شر النفاق، و اذا صح اعتراضكم و لم يسلم تعبيرى فانه يمتنع أن أقول:
((حفظنا الله من الشيطان الرجيم)) فإن ابليس من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم، أفليست هذه تساوى: وقى الله مجتمعنا من المنافقين؟ ان الوقاية منهم لاتستلزم القضاء عليهم، قال صدقت وها أنت ذا (تشيخ) أى تصبح شيخاً لشيخك.قلت: ما الى هذا قصدت، و اذا عدنا الى موضوعنا فانى لست أدرى; ما العلاقة بين أنتج و نافق؟ لقد كنا فى وضع كلمة انتاج و نقلها من معناها القديم الى معانيها المستحدثة، قال; فكذلك النفاق نقله القرآن المبين، فعبر به عن معان لم تلحظ فى أصل الوضع فما قالت العرب فى جاهليتها الاولى (نافق) الا لليربوع اذا أخذ فى (النافقاء) و هى جحره المكتوم يلجأ اليه اذا أحيط به أو ظن أنه قد أحيط به. و المنافق فى لغة القرآن هو الذى يكتم الكفر و يظهر الايمان، فهو ضريب اليربوع حذوك النعل بالنعل، لقد نقلت الكلمة، بل غلب طارفها على تليدها، فما أظن ذهنك متجها الى اليربوع و جحره اذا طرق أذنك (نافق) بل الى أولئك الذين يسترون الكفر و يظهرون الايمان.
قلت:
((ما فرطنا فى الكتاب من شىء)) . و تالله ما فكرت فى تفصيل الا وجدته أو مجمله أو أصله فى الايات البينات. و ان اللغة مادامت حية لمتطورة و الا فهى ميتة.قال: و لقد وضع لنا الخلاق العظيم الرواسم التى يجب أن تلتزمها لغة القرآن فى تطورها.
قلت: معنى هذا أن من حق المجمع اللغوى أن يضع ألفاظا جديدة لما يجد من المعانى.
/ صفحة 295/
قال: من حقه لا بل من واجبه أن يفعل مهتديا بهدى القرآن.
قلت: لقد سألنى شاب أجنبى كان يتعلم العربية. لماذا لا تقولون (محمد) بإسكان الدال فى جميع الاحوال بدل قولكم محمد بالرفع تارة و محمداً بالنصب تارة و محمد بالكسر ثالثة، و انها لفكرة فيما أرى، فلم لا يضع المجمع اللغوى هذه القاعدة - قاعدة تسكين أواخر الكلم متى ثبت أن الاذان قد تطورت فاستثقلت حركات الاعراب؟
قال: أفهذا روسم عثرت عليه فى كتاب الله أخزاك الله، أم تريد اقامة قواعد اللغة على فكرة شاب أجنبى أعيته حركات الاعراب؟
قلت: ان اللغة لمتطورة تطوراً تلقائياً، و من يدرى فقد تتحقق فكرة ذلك الشاب الاجنبى.
قال: كذبت و صدق أحكم الحاكمين
((انا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون)) و لن تتطور لغة القرآن الا فى حدوده لا تتعداها، بل هو معيار الادب العربى فى كل زمان و مكان، فالادب يرتفع و ينخفض بقدر ما يقرب و يبعد عن لغة الكتاب، فهو المثل الاعلى و أنت تدنو منه أو تنئاى عنه، ولكنك لن تبلغه أيا كان حظك من البلاغة.قلت: هذه قاعدة بديع، الادب العربى يسمو أو يهبط بقدر ما يدنو من القرآن أو ينآى عنه.
قال: ليست قاعدة بديعة بل هو أمر واقع مذ نزل به الروح الامين. ألم يكن من آثاره أن امحى سخف السجع، سجع كهانة الجاهلية و ما اليه، فكانوا يتكلمون تلك اللغة السليمة التى تراها نثراً و شعراً. ثم شاء الله أن يسخفوا كرة أخرى بفعل أصحاب البيان و البديع أو قل بفعل كهانة بديعية ان فى القرآن لبياناً و بديعاً فطرياً بيد أنك لا تجد فيه شيئاً يحيل (تفاح الخدود بنفسجا و كافور الترائب عنبراً) أو (زورقا من فضة أثقلته حمولة من عنبر).
قلت: يبدو أنكم تستقبحون (التجميل) أو التحسين اللفظى....
/ صفحة 296/
قال: أستقبح الغلو فى كل شىء وفى كل الاحوال بقدر ما أستحسن الاعتدال فأنت قد تبالغ فى التحسين أو التزوير الكلامى حتى لينقلب هو غاية يستخفى و راءها مقصدك أو معنى كلامك، انك اذ تسمع:
طرقت الباب حتى كل متنى *** فلما كل متنى كلمتنى
فقالت لى أيا اسماعيل صبراً *** فقلت لها أيا اسماعيل صبرى
لا ترثى لحال هذا الطارق المثابر حتى كلال الظهر أو قصمه و لا يعنيك من شعره كما لم يعنه هو نفسه فيما يبدو الا (الجناس) و ان
((أيا اسماعيل صبرى)) لطيفة اذ توارى إسم الشاعر.ألم تسمع بعض المحدثين يصور الظلام أو النور...
قلت: لقد قرأت بعض ما كتب (بييرلوتى) عن الظلام... إنهالصحف طويلة تعطيك صورة ناطقة لحياة رجل البحر و هو يكافح الموج فى دجى الليل البهيم، كما قرأت له و صفا للنور يجعلك تراه رأى العين.
قال:
((الله نور السموات و الارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح فى زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضىء و لو لم تمسسه نار نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء)) .ألا ليقل (بييرلوتى) أو غيره غربياً كان أو شرقياً، ليقولوا فى النور ما وسعهم القول فم أحسب
((الصورة النورية)) التى تنتظمها الاية الكريمة الا مثلا أعلى لن يدنو منه على قلة ألفاظه نور آخر مهما طالت الصحف التى تحتويه.و أما عن الظلام و الموج فحسب العالمين هذا البيان المبين
((أو كظلمات فى بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض اذا أخرج يده لم يكد يراها و من لم يجعل الله له نوراً فما له من نور)) .قلت: ما أظن من المستساغ أن نوازن بين كلام الناس و كلام رب الناس.
قال: صدقت و سقط فى يد شيخك مرة ثانية فى جلسة واحدة... أترانى
/ صفحة 397/
مضطرا الى أن أعفيك من ثرثرتى، و أرغب اليك فى أن تنصرف عنى و قد بلغت من لدنى عذراً.
قلت: اذا سلمت أنها سقطة أو سقط فى يدكم على حد تعبيركم فانى ما أعذرت و لا يحق لى أن أقول بلغت من لدنكم عذراً الا فى الثالثة فكذلك كان شأن موسى
(عليه السلام) مع صاحبه ((قال له موسى هل اتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً. قال انك لن تستطيع معى صبراً، و كيف تصبر على ما لم تحط به خبراً، قال ستجدنى ان شاء الله صابراً و لا أعصى لك أمراً، قال فإن اتبعتنى فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكرا. فانطلقا حتى اذا ركبا فى السفينة خرقها، قال أخرقتها لتغرق أهلها، لقد جئت شيئاً امراً. قال ألم أقل انك لن تستطيع معى صبراً، قال لاتؤاخذنى بما نسبت و لا ترهقني من أمرى عسراً. فانطلقا حتى اذا لقيا غلاما فقتله. قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس، لقد جئت شيئاً نكرا. قال ألم أقل لك انك لن تستطيع معى صبرا قال ان سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى قد بلغت من لدنى عذرا. فانطلقا حتى اذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه، قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً. قال هذا فراق بينى و بينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً.قال:
((أما السفينة فكانت لمساكين يعملون فى البحر فأردت أن أعيبها و كان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً. و أما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا و كفرا. فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة و أقرب رحماً و أما الجدار فكان لغلامين يتيمين فى المدينة و كان تحته كنز لهما و كان أبوهما صالحاً، فأراد ربك أن يبلغا أشدهما و يستخرجا كنزهما رحمة من ربك و ما فعلته عن أمرى ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً)) .قلت: الشاهد فى الايات الاولى حيث لا يعترف كليم الله بأن صاحبه قد بلغ من لدنه عذراً الا فى الثالثة ففيم تلاوة ما بعدها؟
قال: لقد كنت موشكاً أن تسمعنى صحفاً طويلة كتبها (بيير لوتى)فى النور
/ صفحة 298/
أو فى الظلام أو فيهما. فقد أنسيت... و لو أنك فعلت ما ضقت به و لا بك ذرعاً أفتمل أنت ان أتممت عليك قصة من أحسن القصص، ((نحن نقص عليك أحسن القصص بم أوحينا اليك هذا القرآن و ان كنت من قبله لمن الغافلين))
.قلت: و القصص و القصة، و كل ما اشتق من هذه المادة. فعل بها التطور الافاعيل. فهى فى لغتنا تؤدى معانى غير التى كانت تؤديها أيام نزل القرآن.
نحن نعنى بالقصة الاسطورة و ما أشبهها; أقرأتم أساطير (لافونتير) و مهازل (موليير) و مآسى (كورينى) و (راسين) و قصص (روسو) و (هيجو) و (شاتو بريان) و (أناتول فرانس)؟ ان كل هذا تجمعه كلمة قصة فى لغتنا العربية على اختلاف أسمائه فى اللغات الفرنجية.
و لسنابصدد وضع أسماء لهذه المسميات، و انما يكفينا فيما نحن فيه المدلول العام لكلمة قصة، فهى على اختلاف أنواعها و أشكالها لا تعدو أن تكون حديثاً مصنوعا أو موضوعاً بالمعنى الاصطلاحى لكلمتى مصنوع و موضوع.
قال: أى أنها حديث مفترى.
قلت: لتكن حديثاً مفترى، و لو متت بسبب قريب أو بعيد الى حقيقة واقعة. أفتجد فى لغة القرآن هذه الدلالة لكلمة (قصة) أو (قصص)؟
قال:
((نحن نقص عليك نبأهم بالحق)) . ((لقد كان فى قصصهم عبرة لاولى الالباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذى بين يديه و تفصيل كل شىء و هدى و رحمة لقوم يؤمنون)) فأنت ترى أن القصة فى لغة القرآن ليست حديثا مفترى، أفترفضون العبرة أو الموعظة الحسنة الا أن نأتيكم فى حديث مفترى؟.قلت: ان القصة العربية ما زالت طفلا مسترضعا ترضعه أمه القصة الغربية فهلا عنيتم فى المجمع اللغوى بهذا الوليد فيبلغ أشده و يستوى.
قال: لكل أدب خصائصه، و ليس من خصائص الادب العربى أن يتضمن القصة كما هى فى الاداب الوربية تراثاً يونانيا و لاتينيا، ان ما تسميه القصة العربية سيظل طفلا رضيعا أبد الابدين و ذهر الداهرين ما دمتم تجرون وراء الظل
/ صفحة 299/
أو الخيال، و تحاولون أن تغيروا طبائع الاشياء، و لو شاء الله أن يهديكم سواء السبيل لرسمتم (القصة العربية) كما يحدها روسم القرآن. أفلم يأن لكم أن تقتنعوا بأن القرآن هو معيار الادب العربى، معياره الابدى السرمدى، ان القصة العربية لن تقوم لها قائمة ما أردتموها حديثاً مفترى. أقيموها ان شئتم الافلاح حقيقة تاريخية أو اجتماعية خالصة من كل شائبة افترائية، و لا يكن قدوتكم (سوفوكل) مثلا، انه لقدوة لاداب غير أدبكم،و ان لكم فى سورة يوسف لمنهاجا، الا أن يعوج لكم الطبع الفاسد اعوجاجا.
قلت: فلنعد عن القصة و عن الادب فى مدلوله الاصطلاحى الى مدلول
((أدبنى ربى فأحسن تأديبى)) أترون المسلمين قد تأدبوا هذا التأديب.قال: ان وسيلة هذا التأديب. هى فكرة التقريب، و انها لماضية مضاء، فقاضية قضاء، على الكيد الذى كاده للاسالم شانئوه. لقد رأوها أمة واحدة ما قامت الا على هذه الوحدة المستمدة من وحدانية الواحد الصمد. فلم لا يحل الاختلاف محل الائتلاف؟ إنهاكلمة قد اجتمعت فهلا تفرقت؟ هكذا قال أعداء القرآن، و استعانوا بالشيطان.
قلت: ولكنه أسلوب جاف غليظ لايخفى على الغبى بله اللبيب. فكيف جاز على المسلمين، و هم الاخوة فى الدين؟
قال: ذهبوا مذاهب شتى فى الفروع، و لا تثريب عليهم أن يختلفوا فى الجزئيات ما داموا مجتمعين على الكليات. بيد أن من أخرج أبويهم من الجنة أغواهم فنسوا الاصول و لم يذكروا غير الفروع.
ان منطق التقريب غير قابل للنقض فهو لا يزيد على أن يذكرنا انا نسينا الاصول و ما أنساناها الا الشيطان. ألست معى فى أن ابليس يعالج مذكان (التقريب) محنة ما عالجها من قبل الا أيام كان الرسول الامين و المسلمون الاولون.
قلت: المسلمون اخوان أحرار سواسية كأسنان المشط، أفهذه الاخوية و الحرية و المساواة أصل أم فرع؟
/ صفحة 300/
قال: بل أصل نصالا استنباطاً فماذا تلحظ فيه؟
قلت: الحظ أول ما الحظ: الخطأ التاريخى، فقد نسبوا هذا الاصل الى ثورة فرنساً عام سنة 1789 م.
قال: ان التاريخ لقصة... و لست أعنى أنه يقص عليك أنباء الادميين بالحق، بل أعنى أنه حديث مفترى أو قصة كقصص (أناتول فرانس)
قلت: العجيب أن رأى (أناتول فرانس) فى التاريخ هو رأيكم فهذا توارد الخواطر.
قال: أو وقع الحافر على الحاضر و بناء على رأيى أو رأى (أناتول فرانس) يكون ملحوظك الاول أشبه بعواء أم عامر.
قلت: أما لهذا السجع من آخر، فانى ألحظ ثانياً أن مقتضى ذلك الاصل أن نختلف نحن المسلمين، و أن نذهب ما شاء لنا الرأى من مذاهب: ان زيداً أخو عمرو، و هو كأخيه حر و ليس نسخة مكررة منه، و لكل رأى.
قال: بدهيات لا مشكلات و لا ملحوظات، و الا فما غايتك؟
قلت: أريد أن أقول ان تعدد المذاهب ظاهرة طبيعية، (فالامامية) غير (الزيدية)، و (المالكية) غير(الحنفية)، أفتريدون أن تمحوا هذا التغاير و تجمعوا أصحاب المذاهب على مذهب جديد؟
قال: بل أريد لكل أن يبقى على مذهبه و لا يزيد، و لا ينسى أنه مسلم قبل كل شىء و كل مذهب و ان المسلمين اخوة.
ان الغاء المذاهب عمل غير فطرى، فكيف ابتغيه فى دين هو دين الفطرة؟
ان واجب أهل المذاهب الاسلامية أن يردوا ما اختلفوا فيه الى الله و رسوله فإن أجمعوا على أمر فذاك، و الا فلكل مذهبه، و هم على كل حال اخوان فى الدين، مؤمنون بقوله تعالى
((ان هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون)) .أمة واحدة: هذه هى الحقيقة الكبرى التى تريد جماعة التقريب أن تبصر بها المسلمين على اختلاف مذاهبهم و ألوانهم، و انهم ان شاء الله لمتبصرون فمفلحون.