/ صفحة 301/

لكن قال شيخى

لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الشيخ محمد الطنطاوى

الاستاذ فى كلية اللغة العربية

عفاريتا علىّ و أكل مالى *** و حلما عن أناس آخرينا

فهلا غير عمكمو ظلمتم *** اذا ما كتموا متظلمينا

فلو كنتم لكيسه أكاست *** و كيس الام أكيس للبنينا

قلت للابيات رابع أغفلته و قد ذكرها كلها الجاحظ فى الجزء الاول من البيان و التبيين قال:

و قال الاخر فى ايجاب الامهات و هو يخاطب بنى اخوته، و ذكر الابيات الاربعة و رابعها من الاهمية بمكان، و هو:

و كان لنا فزارة عم سوء *** و كنت له كشر بنى الاخينا(1)

و ذلك لانى تواق الى معرفة ما غمض على فيه من أمرين: الاول الصلة المعنوية بين الابيات الثلاثة و البيت الرابع مع أن الثلاثة تتضمن شكوى العم، و الرابع يتضمن شكوى ابن الخ فى عمه، و مجازاة العم بمثل صنيعه، فلست مستسيغاً المواءمة بينها و بينه، الثانى قلة التعبير فى الاستعمالات بلفظ (الاخينا) أيراد به المفرد أم الجمع؟ و ان أفاد الجاحظ أن معناه جمع كما تصرح به عبارته الماضية اذ قال (بنى اخوته).

قال: ان توقانك الى معرفة الغامض لاستبعاد الصلة جدير بالملاحظة، فالذى يبدو لى أن الرابع و ان وافق الثلاثة وزناً و روياً غريب عنها بشهادة التعاكس

ــــــــــ

(1) صفحة 163.

/ صفحة 302/

بينهما فى المعنى، و بعيد أن يجمع الشاعر بينهما متصلين كرواية الجاحظ، على أن الجاحظ نفسه يفيد ذلك، اذ أنه بعدئذ ذكر الابيات الثلاثة مقتصراً عليها مرتين: مرة فى الجزء الثانى من البيان، و أخرى فى الجزء الثالث منه، و أغفل فى المرتين كلتيهما الرابع(1). و لم يعرض فى المرات الثلاث الى نسبة الابيات لقائلها، و ليس لترك الرابع فى المرتين من تفسير الا نبّو الرابع فى نظره عن الابيات الثلاثة. و ربما يقال: أما كان الاحرى بالجاحظ أن يتلافى ما فرط منه فى الجزء الاول فيعمد الى حذف الرابع من الابيات حتى لا يحدث ما عرض من نقد عليه، لانه يجاب عنه أنه كان مجدوداً فى مصنفاته، اذ بمجرد تدوينها تتناولها الايدى و تسير بها الركبان، فلا يستطيع تدارك ما ندّ عنه وقت تأليفه، و من ذلك على سبيل التمثيل أنه فى الجزء الاول أيضاً من البيان و التبين عند الحديث على استطراف اللحن فى الاعراب من النساء فى الكلام استشهد بأبيات مالك بن أسماء بن خارجة الفزارى فى بعض نسائه.

أمغطىّ منى على بصرى للحـ *** بّ أم أنت أكمل الناس حسنا

و حديث الذه، هو مما *** ينعت الناعتون يوزن وزنا

منطق رائع و تلحن أحيا *** نا و خير الحديث ما كان لحنا(2)

فقال له على بن يحيى المنجم مثلك فى علمك و مقدارك من الادب تقول يستحسن من المرأة أن تكون غير فصيحة، و أن يعترى منطقها اللحن فى الاعراب، ليس الامر كذلك، و انما وصفها مالك بالظرف و الفطنة، و أنها تورى فى لفظها عن أشياء، قال الجاحظ قد فطنت لذلك بعد، فقال له فغيره و أصلحه، قال كيف لى بما سارت به الركبان، و فى رواية آلان، و قد صار الكتاب فى الافاق.

و ممن تبع الجاحظ فى هذا الوهم ابن قتيبة، فذكر فى مقدمة كتابه (عيون الاخبار) عدم استغراب اللحن فى النوادر حتى لا تذهب طلاوتها لمثل ما قال مالك بن أسماء.

ــــــــــ

(1) ج 2 ص 197، ج 3 ص 255.

(2) ح 1 ص 135 (الطبعة الثانية فى الكل)

/ صفحة 303/

لكن ابن دريد فى كتابه (الملاحن) حمل اللحن على الفطنة و التعريض، و تبعه القالى فى أماليه أوائل الجزء الاول، و قد نبه على وهم الجاحظ الاصبهانى فى الاغانى، و العسكرى فى كتابه (التصحيف و التحريف)، و الشريف المرتضى فى أماليه - المجلس التالى- مع تغليط ابن قتبية و تبعيته للجاحظ، و كذا نقل السهيلى فى الروض الانف (غزوة الخندق) و فى مجمع الامثال (ألحن من قينتى يزيد) بيان واف عن اللحن و طرافته من النساء مع ذكر شعر الفزارى، و احتجاج الجاحظ به ثم قال (فهذه عثرة منه لا تقال).

عساك بعدئذ اقتنعت بأن هذا البيت الرابع فى رواية الجاحظ ليس رابع الابيات، انما رابع الابيات المتسق معها معنى، و المقتضية له كما يقتضيها، هو:

ولكن أمكم حمقت فجئتم *** غثاثاً ما نرى فيكم سمينا

و يدعم لك هذا الجمع أن هذه الابيات الاربعة فقط رواها ابن منظور فى اللسان (مادة كيس) و زاد على الثقة فى الرواية نسبتها لقائلها و هو رافع بن هريم، غير أن ابن منظور فى روايته جعل البيت الاول منها ثانيا و لا ضير فى ذلك، و المعنى بين الاربعة كماترى منسجم وثيق الارتباط كل بيت منها يتطلب ما قبله، فالاول التوبيخ على الاعتداء على العم و الحلم عن غيره، و الثانى الحض على وجوب صرف الظلم الى غير العم ان لم يكن من الظلم بد فى غرائزهم، و الثالث عدم كياسة أمهم و حماقتها و العرق دساس، و الرابع غثائتهم لحماقة الوالدة.

قلت: وضح لى معنى الابيات الاربعة وجودة الالتئام بينها، كما استبان لى عرفان قائلها: رافع بن هريم، وقرّ فى نفسى أن البيت الذى نقلته عن الجاحظ لايمت اليها بصلة، لكنه تفرع على هذا تشوفى الى معرفة قائله، و الارشاد الى قصيدته ان كان من قصيدة، و ان لم يك ذاك مقصوداً لى أولا.

قال: ستقف فى طى النصوص الاتية على أن قائله عقيل بن علفة و أن البيت فذ مفرد.

قلت: أترك الاختيار لك فى تقدير ماترى عند المناسبة و أعود الى أصل الموضوع طالباً شرح الامر الثانى الذى رغبت فى بيانه سابقاً و هو (الاخينا).

/ صفحة 304/

قال: سأنبئك بتأويله، بعد اذ عرفت ما يتعلق بالامر الاول:

ان (الاخينا) فى البيت جمع مذكر سالم لاخ، الا أنه جمع شاذ قياساً - و ما أكثر الشذوذ فى لغة الضاد السامية - و قد جرى الاخ مع الاب فى مضمار واحد استعمالا فى الافراد و الاضافة و التصغير و النسب، والتثنية و الجمع مصححاً و مكسراً- تلبية للقرابة بينهما فى النسب فهما موطنا عز المرء فى الحياة و قوته فى الجماعة، و انى لسائق لك شواهد جمعاً فيها جمع مذكر سالماً، بيد أنه يحسن تقديم الاب على الاخ تبعاً لاسبقيته زمناً و ان اندمج فى النقل عن العلماء ذكر الاخ معه، لانهما مشتركان كما سمعت، و الاحتجاج لاحدهما احتجاج للاخر، و دونك ما يحتج به فى جمع أب جمع مذكر سالماً عل حد جمع أخ على أخين.

قال سيبوية: ((و سألته - الخليل - عن أب فقال ان ألحقت به النون و الزيادة التى قبلها، قلت: أبون و كذلك أخ تقول أخون لاتغير البناء... و قال الشاعر:

فلما تبينّ أصواتنا *** بكين و فدّيننا بالابينا

أنشدناه من نثق به و زعم أنه جاهلى، و ان شئت كسّرت فقلت آباء و آخاء(1) و كذا اقتفاه فى الاستشهاد بالبيت: الزمخشرى فى المفصل (باب الاضافة) و ابن الشجرى فى الامالى - المجلس التاسع و الاربعين - و الرضى فى شرح الكافية (باب الاضافة) و شرح البغدادى فى خزانة الادب الشاهد الثامن و العشرين بعد الثلثمئة البيت قال: تبيّن: تعرفهن، و به روى أيضاً، و فدّيننا بالابينا، أى قلن: جعل الله آباءنا فداء لكم، و نقل عن ابن السيرافى عزو البيت لزياد بن واصل، و عن أبى محمد الاعرابى الفندجانى فى (فرحة الاديب) أن الغرض من البيت افتخار زياد بن واصل السلمى بآباء قومه و أمهاتهم، و أنهم قد ابلوا فى حروبهم، فلما عادوا الى نسائهم و عرفن أصواتهم فدينهم لابلائهم فى الحروب، و ذكر القصيدة كلها، ثم نقل عن ابن جنى فى (المحتسب) بعد هذا البيت... قول أبى طالب نظيراً له:

ألم تر أنى بعد هم هممته *** لفرقة حرمن أبين كرام

ــــــــــ

(1) ج 2 ص 101.

/ صفحة 305/

و لا فارق بين الجمعين فى البيتين الا أن الجمع الاول لحقته ألف الاطلاق مدّا للروى، لان القافية مطلقة، و الثانى لم تقترن به هذه الالف لوقوعه فى خلال الشعر.

فاذا أضيف جمع أب حذفت نونه للاضافة، و عليه حمل العلماء قراءة من قرأ ((و اله أبيك ابراهيم و اسماعيل و اسحاق)) .

و لا اخالك بعد هذه الشواهد الا مطمئن القلب لجمع أب على أبين، و بالتالى لجمع أخ على أخين، فإن الاب و الاخ قد لزّا فى قرن جمعت بينها القربى و الاستعمال العربى، لكنى موف بالدليل لجمع أخ على غرار اب كعهدى لك، و سأبدأ بالبيت الذى سألت عنه معتمداً فى الحكم بالجمعية على قول العلماء الاعلام. و هاك ما يستشهد به على جمع أخ على أخين بعد النص من الجاحظ على الجمعية كما قرأت فى صدر عبارته.

قال أبو زيد فى نوادره (و قال عقيل بن علّفه المرى من مرة عطفان:

و كان لنا فزارة عم سوء *** و كنت له كشر بنى الاخينا يقال أخ و أخان و أخون و أب و أبان و أبون) - و قال فى موطن آخر: (و قال عقيل بن علفة المرى البيت... أراد الاخوة)(1). و على منهاج أبى زيد قال ابن منظور فى اللسان (أخ) و قد جمع بالواو و النون قال عقيل بن علفة المرى:

و كان بنو فزارة شر عم *** و كنت لهم كشر بنى الاخينا

و قد استشهد الرضى فى شرح الكافية (باب الاضافة) بالبيت على جمع أخ على أخين، و أوفى البغدادى فى خزانة الادب هذا البيت حقه من بيان و هو الشاهد التاسع و العشرون بعد الثلثمائة، و من كلامه (و الظاهر أن هذا البيت وحده لعقيل ابن علفة و هو غير مرتبط بالابيات التى أوردها الجاحظ قبله).

و مثيل هذا البيت قول الشاعر:

فقلنا أسلموا أنا أخوكم *** فقد برئت من الاحن الصدور

و هو فى شواهد ابن الشجرى فى الامالى: المجلس التاسع و الاربعين، و الاعلم

ــــــــــ

(1) ص 111، ص 191.

/ صفحة 306/

الشنتمرى على سيبويه عند الكلام على شاهد جمع الاب السابق.

و لا فاصل بين الجمعين فى البيتين الا أن الاول ردفته ألف الاطلاق دون الثانى، و أن الاول لم يضف دون الثانى، فلذا حذفت من الثانى نون الجمع للاضافة.

قلت: مثار هذا كله بيت عقيل، و أرغب أن أعرف العلاقة الزمنية بين رافع و عقيل، و أن أقف على أول من جمع بين شعريهما حتى أشبه الامر و التبس فاحتاج الى هذا البيان التفصيلى.

قال: أما الشاعر الاول فأدرك الاسلام، و أما الثانى فأموى، و أول من جمع بين شعريهما فيما أظن الجاحظ كما قلت آنفاً، غير أنه لم يعن بعزوها الى قائل و لم أر من اتبع الجاحظ فى هذا الجمع.

قلت: فماذاترى فى الختلاف الروايتين فى بيت عقيل: رواية ابن منظور:

و كان بنو فزارة شر عم *** و كنت لهم كشر بنى الاخينا

و رواية أبى زيد و الجاحظ:

و كان لنا فزارة شر عم *** و كنت له كشر بنى الاخينا

أى الروايتين أقرب مطابقة للواقع.

قال: اذا كنت على علم بنسب عقيل آثرت رواية اللسان على رواية النوادر و البيان، فإن جد عقيل الاعلى (مرة) و مرة يتلاقى جده الادنى (سعد) مع أخيه فزارة فى ذبيان أبيهما.

فعمومة فزارة لعقيل ناشئة من انسحابها على أبناء سعد و أحفادهم حتى عقيل، و تستتبع عمومة فزارة عمومة أبنائه الى عصر عقيل لعقيل، و عمومة أبناء فزازة فى عصره كانت مبعث شكواه و تبرمه فرعايتها أجدر فى الرواية من عمومة فزارة و لله در العرب فى الاعتزاز برعاية الانساب و ان طالت سلسلتها، و امتدت بها عصورها و أيامها، فقد كانت موئل فخارهم و نفارهم على أنه لا طائل تحت اختلاف الروايتين يعود بالنقض على شىء مما أسلفناه و العلم لله.