/ صفحة 312/
من أعلام المسلمين:
أبو عبدالرحمن السلمى - م: 412 هـ
لحضرة الاستاذ الفاضل نورالدين شريبه
من علماء الازهر الشريف
-1-
1- خصائص القرن الرابع: تعدد أمراء المسلمين، استقلال الولاة بما تحت أيديهم تمتع المسلم بحقوق المواطن - فى غير قطره - برغم تفكك المملكة خراسان و دورها فى الحضارة الاسلامية، مدنها الهامة، نيسابور وصف جغرافى لها.
2- أبو عبدالرحمن السلمى: بيته، صباه و شبابه، شيوخه و تلاميذه، تأليفه فى التفسير و الحديث و التصوف، وفاته و دفنه.
3- مؤلفاته: أسماؤها و أماكن وجودها، العناية بنشر كتب أبى عبدالرحمن.
4- موقف العلماء من أبى عبدالرحمن: محمد بن يوسف القطان و اتهامه له بالوضع و الكذب تناقل هذه التهمة - حتى اليوم - و تحقيقها، رأى العلماء فى كتابه
((حقائق التفسير)) رأى الحاكم أبى عبدالله النيسابورى فى أبى عبدالرحمن..5- خصائص مدرسة السلمى فى نيسابور، الصلة بينها و بين مدرسة الجنيد فى بغداد.
أبو عبدالرحمن السلمى أحد أبناء نيسابور، و نيسابور أهم مدن اقليم خراسان فى القرن الرابع الهجرى.
1- خصائص القرن الرابع:
يعتبر أثبات المؤرخين القرن الرابع الهجرى نقطة تحول خطير فى تاريخ الامبراطورية الاسلامية، من شتى نواحيه: السياسية، و الفكرية.
/ صفحة 313/
فقد ظلت الخلافة الاسلامية فى عاصمة المملكة - المدينة، أو دمشق، أو بغداد - طوال القرون الثلاثة الاولى - هى المركز الرئيسى الذى يستمد منه الولاة، فى شتى بقاع، ((مملكة الاسلام))
(1)، سلطانهم; لا يخالفون عن ارادتها أو اتجهاها.و برغم تغلب الامويين على الاندلس بعد انقضاء دولتهم فى المشرق، عقيب معركة الزاب سنة 132 هـ -
749 م، فانهم لم يحاولوا تنصيب أنفسهم خلفاء على المسلمين مع أن الخلافة كانت فيهم من قبل، و اكتفوا بتسمية أنفسهم،
((بنى الخلائف)) .ولكن لم يلبث العالم الاسلامى فى العقد الاخير من القرن الثالث، أن قامت فيه خلافة جديدة، تناوىء خلافة بغداد تلك هى خلافة الفاطميين فى المغرب; اذ أنهم بعد فتح القيروان سنة 297 هـ – 909 م، اتخذوا لانفسهم لقب الخلافة(2).
و بذلك ضمت
((مملكة الاسلام)) خلفاء ثلاثة: خليفة أموياً فى الاندلس، و خليفة علوياً فاطمياً فى المغرب ثم فى مصر، و خليفة عباسياً فى بغداد، و كانوا - بذلك - يمثلون فى العالم الاسلامى الاحزاب السياسية التى كانت تتقاسمه.و انه لبحث طريف. يستطيع أن يستفيد منه أولئك الذين يهتمون بدراسة النظريات الدستورية، و أنظمة الحكم فى العالم الاسلامى، اذا ما تتبعوا أثر هذا الانقسام فى السلطة العليا، عند الفقهاء و علماء الكلام.
ــــــــــ
(1) يعتبر المقدسى أن مملكة الاسلام تمتد من كاشغر - فى أقصى المشرق - الى السوس الاقصى فى المغرب، و أنها تقطع فى نحو عشرة أشهر ((المقدسى)) : أحسن التقاسيم فى معرفة الاقاليم، طبعة ليدن سنة 1877: ص 64)) أما عند ابن حوقل، فحدود مملكة الاسلام هى: شرقيها أرض الهند و بحر فارس، و غربيها مملكة السودان، الذين يسكنون على المحيط الاطلسى، و شماليها بلاد الروم و ما يتصل بها من الارممن و اللان و الران و الخزر و البلغار و الصقالبة الترك و الصين، و جنوبيها بحر فارس ((المسالك و الممالك، طبعة ليدن سنة 1872: ص 10، 11)) الحضارة الاسلامية لمتز، ترجمة الاستاذ أبو ريده: ج 1 ص 3.
(2) شذرات الذهب، ج 3 ص 3.
/ صفحة 314/
و لم يقتصر أمر الانقسام على الخلافة وحدها; بل ان قبضة بغداد، حين ضعفت عن أطراف هذه المملكة المترامية، بدأ أمراؤها يستقلون بأمرها، و يستبدون بحكمها(1)
و سواء أكانت العوامل الاساسية لهذا التفكك، راجعة الى ضعف السلطة المركزية فى بغداد; أو الى ظهور
((الحركات القومية)) فى هذه الاقطار; أو الى صعوبة الاتصال بين بغداد و أطراف المملكة، سواء أكان أحد هذه الاسباب وحده، أو هى كلها مجتمعة، أدت الى ذلك التفكك، فمما لا ريب فيه أن تيار التفكير الاسلامى لم يجمد، بل سار مسرعاً نحو الكمال ; حتى ليستطيع الباحث أن يقول - دون مغالاة - ان هذه التفكك السياسى كان بشير ازدهار فكرى و تسابق حضارى، قلما يشهد المرء له نظيراً فى تاريخ الحضارات.على أنه قد بقى لخليفة بغداد - و رقعة خلافته أوسع الرقع- سلطان روحى، يعترف به الولاة فى أقصى أطراف المملكة، و ان أضحوا أكثر قوة من الخليفة، و أوسع ملكاً منه. فهم يلتقون منه عهود ولايتهم، و خلعه عليهم، و يدعى له فى المساجد(2)
و تعدد الخلفاء، و استقلال الامراء بما تحت أيديهم من الملك، لم يكن معناه وضع حواجز أقليمية بين أجزاء هذه المملكة، بحيث تحول هذه الاجزاء بين المسلمين فى المشرق و بين اخوانهم فى المغرب; ولكن كان للمسلم حق المواطن فى كل جزء من العالم الاسلامى(3) تكرم وفادته، و يتلقى العلم عن الشيوخ فى بلاد ما وراءالنهر، و خراسان، فارس، و العراق; كما يتلقاه فى مصر، و الشام، و المغرب، و الاندلس، و كذلك الشأن فى التجارة. بل ان الامراء كانوا يتسابقون الى انزال العلماء فى رحابهم، و اكرام منزلههم، و يستطيع قارىء كتاب مثل:
((معجم البلدان)) لياقوت، أو كتاب ((الانساب)) للسمعانى، أو أى كتاب آخر من كتب الرحلات، أن يجد أدلة ذلك واضحة.ــــــــــ
(1) الحضارة الاسلامية: ج 1 ص 1.
(2) المصدر السابق: ج 1 ص 2.
(3) المصدر السابق: ج 1 ص 3.
/ صفحة 315/
فى هذا القرن ولد أبو عبدالرحمن بخراسان، و لخراسان حديث
* * *
خراسان:
كلمة خراسان - فى الفارسية القديمة- معناها
((أرض المشرق)) (1). و يقول ياقوت: ((أول حدودها، ممايلى العراق، أراذوار - قصبة جوين- و بيهق: و آخر حدودها، ممايلى الهند، طخارستان و غزنة و سجستان و كرمان. و ليس ذلك منها، انما هو أطراف حدودها.(2)و كانت خراسان ذات مركز هام فى الخلافة الاسلامية، فقد كان يضم الى واليها ما يتصل بها من الامارات التى تقل عنها أهمية. و لذلك عد
البلاذرى هذه البلاد ضمن حدود خراسان ((و انما ذكر البلاذرى هذا لان جميع ما ذكره من البلاد كان مضموماً الى والى خراسان، و كان إسم خراسان يجمعها)) .(3)و دخلت خراسان ضمن
((مملكة الاسلام)) فى عهد الخليفة الثالث، عثمان ابن عفان رضى الله عنه، حين فتحها عبدالله بن عامر بن كريز(4) على أن بن قتيبة يرى أن بلاد خراسان قد ابتدأ دخولها الاسلام فى عهد الخليفة الثانى، عمر رضى الله عنه، على يد الاحنف بن قيس، سنة ثمانى عشرة، و انما أعيد فتحها فى عهد عثمان، بعد أن انتقضت(5)، و يبدو أنها لم تكن هادئة طوال حكم الامويين، كما يصور ذلك ابن قتيبة، بل إنهاكانت دائماً تغلى بثورات تضطر الامراء الى التنقل بين كورها المختلفة، و الرحلة من نيسابور الى مرو، أو الى هراة، أو الى ترك خراسان كلها(6)ــــــــــ
(1)
Lands of eastern Caliphate, P. 382(2) معجم البلدان، نشرة فستنفيلد، ليبزج سنة 1866، ج 2 ص 409.
(3) المصدر السابق: ج 2 ص 410.
(4) تاريخ الامم و الملوك،: ج 1 ص 235; و كذلك معجم البلدان: ج 2 ص 409.
(5) معجم البلدان: ج 2 ص 411.
(6) دائرة المعارف الاسلامية مادة: نيسابور
/ صفحة 316/
فلما جاءت الدعوة
العباسية كانت مهدها و حاضنتها، و كان ((أهل خراسان أهل الدعوة، و أنصار الدولة، فلما بلغ الله ارادته، من بنى أمية و بنى العباس، أقام أهل خراسان مع خلفائهم على أحسن حال، و أشد طاعة)) (1)و أشهر مدن خراسان أربع: هراة; و مرو، و بلخ، و نيسابور، و فى نيسابور ولد أبو عبدالرحمن السلمى.
* * *
نيسابور:
و نيسابور أهم مدن خراسان الاربع، و احدى مدن ايران الهامة فى العصور الوسطى(2) و هى مدينة قديمة، ذات شهرة فى تاريخ الفرس الدينى; فقد كان يقوم فى أحد طساسيجها - و هو ريوند(3) الى الشمال الغربى من المدينة فى تلالها، بيت من بيوت النار المقدسة الثلاثة المشهورة فى ايران، و هو بيت برزين مهر
)) (4)و يستعملها الجعرافيون العرب استعمالا يتوسعون فيه، فيطلقونها على الكورة كلها، التى تشمل الطبسين، و فوهستان، و جام، و بخارى، و طوس، و زوزان و اسفراين و أبرشهر(5) و غيرها من المدن التى تدخل فى نطاق كورتها.
و فى أضيق مدلولات
الكلمة كانوا يطلقونها على المدينة، و كانت قصبة أبرشهر; و بهذه التسمى كذلك كانت تسمى نيسابور. و قد تبين ذلك مما كان مضروباً على النقود فى عهد الامويين و العباسيين.(6)و لا يعنينا كثيراً أن نستعرض تاريخ المدينة من الوجهة السياسية: متى دخلت
ــــــــــ
(1) معجم البلدان: ج 2 ص 410، 411.
(2)
Lands of eastern Caliphate, P. 383(3) دائرة المعارف الاسلامية مادة: نيسابور
(4) المصدر السابق فى المادة ذاتها
(5) المصدر السابق فى المادة نفسها.
(6)
Lands of eastern Caliphate, P. 383/ صفحة 317/
ضمن أجزاء مملكة الاسلام؟ و ماذا كان شأن الثورات التى قامت بها؟ و ما بواعثها؟ ولكن الذى يعنينا فى الحديث هنا، هو أن نشير الى أن معاوية بن أبى سفيان لما استتب له الامر بعدعام الجماعة، ولى عبدالله بن عامر بن كريز على البصرة، و جعل اليه فتح خراسان و سجستان. فلما فتحها، سنة اثنتين و أربعين، أقام فى نيسابور قيس بن الهيثم السّلى و أمّره على خراسان، فظل واليا عليها حتى سنة خمس و أربعين(1) مما يقطع بأن السلميين كان لهم شأن ملحوظ فى أمر نيسابور.
و قد تقلب حظ هذه المدينة بين الانتعاش و الانتكاس، حتى اتخذها أبو العباس عبدالله بن طاهر، فى القرن الثالث، قصبة له، فبدأت تنتعش. و وصلت الى ذروة عمرآنهاحين النتقل أمرها الى السامانيين، فى القرن الرابع، و صارت حاضرة و الى خراسان، و منزل جنده.
و حسب الانسان أن يقرأ وصف المؤرخين و الجغرافيين من العرب، ليعجب لهذه الحركة الدائبة، التى تعج بها المدينة، فى شتى نواحى النشاط الانسانى، يقول الاصطخرى:
((انها كانت مقسمة الى اثنين و أربعين قسما، كل قسم طوله فرسخ و عرضه فرسخ(2) و يقول ياقوت: ((لم أر - فيما طوفت من البلاد - مدينة كانت مثلها)) (3) و فى نهاية القرن الرابع كانت هذه المدينة مستقر حركة الكرامية(4) كما كانت مركزاً هاما من مراكز التصوف فى العالم الاسلامى.* * *
فى هذا القرن عاش أبو
عبدالرحمن السلمى، و من هذه المنطقة خرج، و فى هذه المدينة ولد. فمن أبو عبدالرحمن السلمى؟ــــــــــ
(1) دائرة المعارف الاسلامية مادة: نيسابور
(2) الاصطخرى: ج 1 ص 254
(3) معجم البلدان: ج 4 ص 890.
(4) دائرة المعارف الاسلامية مادة: نيسابور