/ صفحة 344/
تفسير القرآن الكريم
لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الجليل الشيخ محمود شلتوت
سورة المائدة
-5-
خلاصة ما سبق فيما تضمنه النداء الثالث من نداءات سورة المائدة: نعمة الله على عباده -(مواثيق الله مع الناس) ميثاق الاعتراف بالربوبية - ميثاق الطاعة والامتثال بمقتضى الايمان - ميثاق الانبياء على البلاغ و تصديق بعضهم لبعض - ميثاق بنى آدم باتباع الهداية، و ترسم الرسالات الالهية - (المواثيق الخاصة ببعض الامم) ميثاق بنى اسرائيل - ميثاق أمة الاجابة لمحمد - ميثاق الله على نفسه - عهد الله للاولين هو عهده للاخرين - خطة الهية واحدة لانسانية فى قديمها و حديثها واحدة - النداء الرابع (ما يشتمل عليه هذا النداء) القوامية لله، و أثرها فى السمو بالانسان - القيام بالقسط و حمايته و لو بالقوة - العدل مع الصديق و العدو - اجمال مواطن الامر بالعدل فى القرآن - النداء الخامس: روايات المفسرين عن سبب نزول آيته - الاية تذكر بوقائع الاعتداء على المؤمنين عامة - و عمومها يشمل الاولين و الاخرين الى يوم الدين - عناية القرآن بتذكير المؤمنين بحوادث النصر - سر هذه العناية - موازنته بين نصر الله للمؤمنين و خذلانه للمكذبين و المخالفين - النداء السادس: لهذا النداء مكانة خاصة على ما قبله و ما بعده من نداءات السورة - ما يأمر به هذا النداء هو ملاك الامر كله - تذييل الاوامر القرآنية بالامر بالتقوى - ما يدل عليه ذلك من المعنى المقصود للتقوى - الوسيلة و المراد منها فى هذه الاية.
خلاصة ما سبق فيما تضمنه النداء الثالث من نداءات سورة المائدة:
تكلمنا فى العددين السابقين على ما تضمنه النداء الثالث مما يجب على المؤمن
/ صفحة 345/
أن يقوم به اذا أراد الصلاة، و كان من ذلك أولا - بيان أعضاء الوضوء و أعماله. و ثانياً: التطهر عند حصول الجنابة. و عرضنا فى هذا الموضوع الى تحقيق الموجب للغسل فى تلك الحالة، و خرجنا منه بترجيح مذهب الجمهور و هو: أن مجرد الالتقاء الوارد فى الحديث المشهور موجب للغسل حصل انزال أم لم يحصل انزال، كما عرضنا الى أن مصدر وجوب الاغتسال على المرأة من الحيض، انما هو السنة الصحيحة، و أن القرآن لم يشر فى قليل و لا كثير الى وجوب التطهر منه، و قلنا فى هذا المقام ان ((السنة))
مصدر مستقل فى بيان الاحكام التى لم يعرض لها القرآن اثباتاً أو نفياً، على أنه مما لا يقبل من أحد خلافه أن السنة تلحق ما لم يعرض القرآن لحكمه بما عرض له القرآن متى وجد المعنى الذى لاجله كان الحكم القرآنى فى الملحق به.عرضنا لهذا، و عرضنا لبدلية التراب أو الصعيد الطاهر عن الماء، و بينّا سر هذه البدلية، و ما تدل عليه من المعانى التى تتصل بالطهر النفسى، و استبقاء دوافع الامتثال فيما كلف به المؤمن من عملية الطهارة المطلوبة للصلوة. و تكلمنا بوجه خاص على الاسباب المبيحة للتيمم و ما تدل عليه الاية مع وقفة فى المقارنة بين ما اشتهر فى المذاهب الاسلامية فى هذا الموضوع و ما يستفاد من الاية بمقتضى أسلوبها، و بمقتضى ما عرف فى الشريعة من الاسباب المبيحة للترخص، و أشرنا الى كلام الفقهاء فى نواقض الوضوء و ما تشير اليه منها آية التيمم، و بينا مواضع اتفاقهم، و مواضع اختلافهم مع الاشارة الى ترجيح ما رأينا ترجيحه من مواضع الاختلاف فى تلك النواقض، و قد ختم هذا النداء بارشادين، لكل منهما أثر كبير فى توجيه المؤمنين الى التزام ما شرع الله من أحكام يطهّر بها النفوس، و يتمّ بهما النعمة دون ارهاق و لا اعناب.
تضمن أول الارشادين قوله تعالى
((ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم و ليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون)) .و تضمن ثانى الارشادين قوله تعالى بعد،
((واذكروا نعمة الله عليكم/ صفحة 346/
و ميثاقه الذى واثقكم به اذ قلتم سمعنا و أطعنا و اتقوالله ان الله عليم بذات الصدور)) .
نعمة الله على عباده:
يذكر هم بأمرين: نعمة عليهم، و ميثاقه و عهده الذى عاهدهم به، و لله على المؤمنين نعم عامة تشملهم و تشمل غيرهم، و هى نعم الخالقية، و نعم الربوبية، و تنتظم نعمة الخلق و التكوين، و نعم التربية البدنية و العقلية، و نعم تسخير ما خلق فى السموات و الارض و ما بينهما لمصلحة الانسان، و قد أشار القرآن فى جميع سوره الى تفصيل كثير من هذه النعم ((هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعاً ثم استوى الى السماء فسواهن سبع سموات و هو بكل شىء عليم)) ((و لقد مكنا كم فى الارض و جعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون)) ((و هو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر و البحر، قد فصلنا الايات لقوم يعلمون، و هو الذى أنشأكم من نفس واحدة فمستقر و مستودع قد فصلنا الايات لقوم يفقهون، و هو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شىء، فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً متراكباً و من النخل من طلعها قنوان دانية و جنات من أعناب و الزيتون و الرمان مشتبها و غير متشابه، انظروا الى ثمرة اذا أثمر و ينعه ان فى ذلكم لايات لقوم يؤمنون)) ((خلق الانسان من نطفة فاذا هو خصيم مبين، و الانعام خقلها لكم فيها دفء و منافع و منها تأكلون)) اقرأ هذه الاية و ما بعدها من سورة النحل الى قوله تعالى: ((و ان تعدوا نعمة الله لاتحصوها)) ثم ارجع و اقرأ من قوله تعالى: ((و الله أنزل من السماء ماء فأحيا به الارض بعد موتها ان فى ذلك لاية لقوم يسمعون)) الى قوله ((يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و أكثرهم الكافرون)) ، و اقرأ فى سورة الروم من قوله تعالى ((و من آياته أن خلقكم من تراب، ثم اذا أنتم بشر تنتشرون)) الى قوله ((و له المثل الاعلى فى السموات و الارض و هو العزيز الحكيم))
.اقرأ هذا و أمثاله و هو كثير فى القرآن، و تدبر ما تدل عليه الايات،
/ صفحة 347/
و ما يحيط بك من عناصر هذا الكون و أفاعيلها فى نفسك لتعرف مقداره، أو لينفخ لك باب من أبواب المعرفة بنعمة الله عليك و على الناس و على الخلق أجمعين، و على المؤمن بعد ذلك الذى أجاب دعوة محمد، و نزع نفسه من الشرك و الوثنية أن ينظر فيما أنعم الله به عليه من نعمة الايمان و الهداية، و نعمة النصرة على الاعداء، و نعمة الاتحاد و الاعتصام، ((و اذكروا نعمة الله عليكم اذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته أخواناً و كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون)) ((و اذكروا اذ أنتم قليل مستضعفون فى الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم و أيديكم بنصرة و رزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون))
.(مواثيق الله مع الناس) ميثاق الاعتراف بالربوبية:
و كما لله على عباده المؤمنين نعم عامة و خاصة، له مع عباده أنواع من المواثيق أخذ بعضها على نفسه، و أخذ بعضها عليهم. أخذ عليهم ميثاق الايمان بوجوده، و الاعتراف بخالقيته،
((و اذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا انما أشرك آباؤنا من قبل و كنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون؟ و كذلك نفصل الايات و لعلهم يرجعون)) (1) و بمقتضى هذا العهد قالوا فى جواب: من خلق السموات و الارض؟ خلقهن الله.ميثاق الطاعة و الامتثال بمقتضى الايمان:
أخذ عليهم ميثاق الايمان على القيام بالاحكام، و الطاعة و الامتثال، و يتجلى هذا فى جميع التكاليف التى مهد لها بالنداء بوصف الايمان،
((يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)) ((يأيها الذين آمنوا لاتحلوا شعائر الله)) ((يأيها الذين آمنوا اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم)) (2) و هكذا الى آخر ما تراه فى القرآن من نحو هذه الايات الدالة على أن الايمان يقتضى العمل بالاحكام.ــــــــــ
(1) الاعراف 172، 173.
(2) النداءات الاولى من سورة المائدة.
/ صفحة 348/
ميثاق الأنبياء على البلاغ وتصديق بعضهم لبعض:
أخذ على الأنبياء ميثاق البلاغ، وميثاق تصديق بعضهم لبعض
((وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصْرى، قالوا أقررنا، قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين)) (1) ((وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم، وأخذنا منهم ميثاقا غليظا)) (2)وأخذ على العلماء الميثاق بيان الأحكام وما أنزل الله
((وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينّه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون)) (3)ميثاق بني آدم بانباع الهداية، وترسم الرسالات الإلهية:
وأخذ الميثاق على نبي آدم جميعا بانباع هدايته وترسم رسالاته
((يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)) (4) ((قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى)) (5)(المواثيق الخاصة ببعض الأمم) ميثاق بني اسرائيل:
وكما أخذه عاماً على بني آدم، أخذه خاصاً على بعض الأمم، فعلى بني اسرائيل
((وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا، قالوا سمعنا وعصينا)) (6) ((ولقد أخذ الله ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل)) (7)ــــــــــ
(1) آل عمران 81
(2) الأحزاب 7
(3) آل عمران. آية 87
(4) الآية 25 من سورة الأعراف
(5) الآية 124 سورة طه
(6) الآية 93 من سورة البقرة.
(7) الآية 12 من سورة المائدة.
/ صفحة 349/
ميثاق أمة الإجابة لمحمد:
وعلى أمة الإجابة لرسوله محمد(صلى الله عليه وسلم)
((واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور)) (1). وقد أخذ النبي(صلى الله عليه وسلم) في ذلك العهدَ على الرجال والنساء بالسمع والطاعة، وذكر الله تعالى في كتابه عهد النساء في سورة الممتحنة ((يأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم)) (2) وقد جاءت الأحاديث بعهد الرجال على السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر، وحمايته ونصرته مما يحمون منه أنفسهم وأولادهم.ميثاق الله على نفسه:
أما ميثاق الله على نفسه فهو ميثاق النصرة، والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة وقد جعل الوفاء به مشروطاً بوفاء العبد بميثاقه، ومرتبا على قيامه بما طلب منه ((وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم)) ((والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة أنا لا نضيع أجر المصلحين)) (3). ((وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك ترحمون)) (4). ((يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون)) (5)
عهد الله للأولين هو عهده للآخرين:
وهكذا إذا قرأنا القرآن وتدبرنا هذه الآيات وأمثالها، وجدنا أن عهد الله
ــــــــــ
(1) الآية 7 من المائدة
(2) الآية 12 من الممتحنة
(3) الآية 170 من سورة الأعراف
(4) الآية 55، 56 من سورة النور
(5) الآية 11 من سورة الصف.
/ صفحة 350/
للاولين من خلقه، هو عهده للاخرين منهم، و أن ما أخذه على الاولين، هو ما أخذه على الاخرين: ايمان بربوبيته، و تنزيه لالوهيته، و امتثال و طاعة لاحكامه و شرائعه،و من هنا نرى فى القرآن الكريم تذكير الاخرين بنعمه على الاولين اذا أطاعوا، و نقمه عليهم اذا خالفوا، فالمصدر واحد، و الهداية واحدة، و الخلق واحد.
خطة الهية واحد لانسانية فى قديمها و حديثها واحدة:
و من هنا جاءت الايات المصرحة باتحاد خطة الانبياء، و بأنهم جميعاً يوحى اليهم من عندالله، و بأن ما شرع للمتأخر من دين و عقيدة هو ما شرع المتقدم، فالانسانية فى نظر الالوهية واحدة، و وضعها واحد، لم تحكم فيها طبقات، و لا أجناس و لا أقاليم، و لا لغات، فالكل أمام المسئولية الالهية سواء، و كلهم مأخوذون بعهد الله و ميثاقه، ولكن الناس بأهوائهم و فتن هذه الحياة، جعلوا الرسالات الالهية الواحدة، و العدل الالهى الواحد، و الفضل الالهى الواحد، أنواعاً متعددة، و صوراً مختلفة متباينة، و انحاز كل فريق بدواعيه الخاصة الى ما حدد له و رسم لنفسه من شرعة و دين، و بذلك فرقوا دين الله، و هداية الله، و كانوا لانفسهم هم الظالمين،
((ان الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعاً لست منهم فى شىء، انما أمرهم الى الله، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون)) .هذا ما أردنا أن نفتح أبوابه أمام القارىء لرسالة الاسلام فى ظل من ختام النداء الثالث من النداءات الالهية فى سورة المائدة:
((و اذكروا نعمة الله عليكم و ميثاقه الذى واثقكم به اذ قلتم سمعنا و أطعنا و اتقوا الله ان الله عليم بذات الصدور)) .النداء الرابع:
و لا يفوت القارىء الكريم أن التذكير بمواثيق القادر القاهر، الرحيم المتفضل، مما يوجب الوفاء، و أن التذكير بالنعم مما يوجب الشكر، و الشكر و الوفاء طريقهما القيام بأحكام الله و ما يرضيه من أعمال الخير للفرد و الجماعة،
/ صفحة 351/
و لا ريب أن أعطم ما يغار الله عليه من الاحكام ما يكون محققاً للعدالة و الرحمة بين عباده، و من هنا جاء النداء الرابع من نداءات هذه السورة ((يأيها الذين آمنوا كونو قوامين لله شهداء بالقسط و لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى. و اتقوا الله ان الله خبير بما تعلمون))
.ما يشتمل عليه هذا النداء: القوّامية لله، و أثرها فى السمو بالانسان:
و قد اشتمل هذا النداء على أمور ثلاثة:
أولها: أن يكونوا قوامين لله، و هذا يمثل القوة و الاخلاص فى الافوال الافعال، و الثبات فى خدمته سبحانه و تعالى، و الارتفاع بالنفس عن منازل الانحطاط، و مزالق الهوى،
((قل ان صلاتى و نسكى و محياى و مماتى لله رب العالمين لا شريك له و بذلك أمرت و أنا أول المسلمين (1)) )، ((و من أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله و هو محسن و اتبع ملة ابراهيم حنيفاً(2)) ) ((و من أحسن قولا ممن دعا الى الله و عمل صالحاً و قال اننى من المسلمين)) .(3)لا يرضى الله لعباده الا أن يكونوا فى منازل السمو و الرفعة، و النأى عن مراتع الهوى، و الشهوات. لايرضى لهم الا السمو بأنفسهم الى مدارج القوة و السلطان و الهيمنة على كل ما سخر لهم فى هذه الحياة.
((و اذ يعدكم الله احدى الطائفتين أنها لكم و تودّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم و يرد الله أن يحق الحق بكلماته و يقطع دابر الكافرين(4)) ) ((و لا تهنوا و لا تحزنوا و أنتم الاعلون ان كنتم مؤمنين(5)) ).القيام بالقسط و حمايته ولو بالقوة:
و ثانيها: الشهادة بالقسط، و هى الغاية من ارسال الرسل، و انزال الكتب ((لقد أرسلنا رسلنا بالبينات و أنزلنا معهم الكتاب و الميزان ليقوم الناس بالقسط
ــــــــــ
(1) من سورة الانعام 162، 163.
(2) من سورة النساء، 125.
(3) من سورة فصلت، 33.
(4) من سورة الانفال 7
(5) من سورة آل عمران، 129.
/ صفحة 352/
و أنزلنا الحديد فيه بأس شديد و منافع للناس، و ليعلم الله من ينصره و رسله بالغيب ان الله قوى عزيز.))
(1)فليس امام المؤمن فى تقرير الحق، أو الحكم به قرابة، و لا و لاء، و لا مال، و لا جاه، و لا فقر و لا غنى، و لا قوة و لا ضعف، فصاحب الحق هو القريب و ان كان بعيداً، و الغنى و ان كان فقيراً، و القوى و ان كان ضعيفاً
((يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله و لو على أنفسكم أو الوالدين و الاقربين ان يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا و أن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً)) (2)و لعلنا ندرك من هذه الايات أن العدل قد سمت به التعاليم الالهية عن مواطن التأثر بعواطف الابوة و البنوة، و وضع بازائه
((الحديد)) للاشارة الى أنه مطلوب من العباد، و يجب أن يسلكوا سبيله مهما كلفهم من جهود و تضحيات و لو باستعمال الحديد و النار.العدل مع الصديق و العدو:
و ثالثها: لم تقف الاية فى العدل عند طلب الشهادة به، بل أكدت هذا بالنهى عن الظلم و لو للاعداء، و حذرت أن تحمل العداوة و البغض على الظلم، و التساهل فى العدل، و لم تكتف بهذا، بل عادت فأمرت به ((اعدلوا هو أقرب للتقوى))
.اجمال مواطن الامر بالعدل فى القرآن:
و قد كثرت أوامر الله فى القيام بالعدل، فأمر به عاماً و خاصاً، أمر به مع المخالفين فى الدين، و أمر به فى الحكم و القضاء، و أمر به بين الاولاد و الزوجات و أمر به فى النفس، و آيات ذلك كثيرة شهيرة، فليرجع اليها و ليتتبعهافى القرآن من شاء.
ــــــــــ
(1) سورة الحديد، 25.
(2) سورة النساء، 135.
/ صفحة 353/
النداء الخامس: روايات المفسرين عن سبب نزول آيته:
ثم يجىء النداء الخامس
((يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم اذ همّ قوم أن يبسطوا اليكم أيديهم، فكف أيديهم عنكم، و اتقوالله و على الله فليتوكل المؤمنون)) و يحاول المفسرون كعادتهم أن يجعلوا الاية اشارة الى حادثة معينة، فيقول بعضهم أنها نزلت فى رجل هم بقتل النبى صلى الله عليه و سلم، و كان بيده السيف، و ليس مع النبى سلاح، قام على رأس رسول الله، و قال: من يمنعك؟ قال: الله، فوقع السيف من يده، فأخذه النبى صلى الله عليه و سلم، و قال: من يمنعك؟ قال الرجل: كن خير آخذ، قال النبى صلى الله عليه و سلم: تشهد ألا اله الا الله و أنى رسول الله؟ قال الرجل: أعاهدك ألا أقا تلك، و لا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فجاء الرجل الى قومه، و قال: جئتكم من عند خير الناس.و يقول آخرون: أنها نزلت فى قصة النبى مع بنى النضير حينما ذهب اليهم و معه أبوبكر و عمر و على يطلبون منهم الاعانة على قتل رجلين كان معهما أمان من النبى و لم يعلم به من قتلهما، و كان بين النبى و بنى النضير عهد التعاون فى الديات فلما حضر عندهم لذلك و هو بين أظهرهم، أظهروا له القبول، و قالوا: نعم يا أبا القاسم. قد آن لك أن تأتينا و تسألنا حاجة، اجلس حتى نطعمك و نعطيك الذى تسألنا، فلما جلس بجانب جدار لهم و جدوا أن الفرصة قد سنحت للغدر به، و هموا أن يطرحوا عليه صخرة، فأعلم النبى بذلك من ربه، فانطلق و تركهم.
الاية تذكر بوقائع الاعتداء على المؤمنين عامة:
و الذى نفهمه أن الاية تذكير عام بوقائع الاعتداء على المؤمنين، و ماكان من الاعداء من محاولة قتلهم، و التدبير لهم منذ بدء الدعوة و الاستجابة لها الى نهايتها، و لا ريب أن التذكير بها يتضمن التذكير بنعمة الخلاص منها; و توافر قواهم على رد العدوان، كما يتضمن لفت الانظار الى أسبابها من صدقهم و اخلاص نيتهم و تضامنهم فى رد كيد الكائدين، و كبح جماح الظالمين.
/ صفحة 254/
و عمومها يشمل الاولين و الاخرين الى يوم الدين:
و ليس التذكير بهذه النعمة قاصراً على من وقعت لهم تلك الوقائع، بل هى منّة عامة يجب أن يشكرها لله عزوجل كل مؤمن الى يوم القيامة، فالنبى هو الذى قد بلغ الرسالة، و أصحابه هم الذين تلقوها بالقبول و عملوا على نشرها فى الامصار و الجهات حتى وصلت سليمة من التحريف و التبديل الى الذين جاءوا من بعدهم، فهى نعمة عامة شاملة، موصولة النفع بالاجيال كلها الى يوم الدين ان شاء الله، و على المتأخرين الذين يعرفون فضل الله عليهم بهذه النعمة أن يذكروها و أن يقفوا من دينهم، و تعاليم نبيهم موقف السابقين الاولين حتى يكون فيهم لمن بعدهم القدوة الحسنة التى كانت لهم فى آبائهم الاولين، و بذلك ينتفع آخر الامة بما انتفع به أولها، و تكون الامة الاسلامية كالحلقة المفرغة يقوّى أولها آخرها، و يسلك آخرها سبيل أولها، هكذا يجب أن يكون، ولكن لله فى خلقه شئون و شئون.
عناية القرآن بتذكير المؤمنين بحوادث النصر:
هذا و قد عنى القرآن كثيراً بتذكر المؤمنين بحوادث النصر الذى سجله تاريخ الجهاد الاسلامى فى عهد التبليغ، و من ذلك قوله تعالى فى سورة الاحزاب: ((يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم اذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً و جنوداً لم تروها، و كان الله بما تعملون بصيراً، اذ جاءوكم من فوقكم و من أسفل منكم و اذ زاغت الابصار و بلغت القلوب الحناجر، و تظنون بالله الصنوناً هنالك ابتلى المؤمنون و زلزلوا زلزالا شديداً...)) الى أن يقول: ((و رد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالو خيراً، و كفى الله المؤمنين القتال و كان الله قوياً عزيزاً، و أنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم و قذف فى قلوبهم الرعب، فريقاً تقتلون، و تأسرون فريقاً، و أورثكم أرضهم و ديارهم و أموالهم و أرضاً لم تطئوها و كان الله على كل شىء قديراً)) (1)
ــــــــــ
(1) سورة الاحزاب الايات من 9- 27.
/ صفحة 355/
و قرأ فى مثل هذا من سورة الانفال قوله تعالى فى شأن غزوة بدر: ((اذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين))
.(1)سر هذه العناية:
و لا ريب أن من أقوى وسائل التربية فى الامم عرض صفحات الماضين، و أنها بما توحى من أسباب القوة، نور يضىء السبيل للسير فى طريق النصر، و الاحتفاظ بالمجد الذى كان للاباء.
موازنته بين نصر الله للمؤمنين و خذلانه للمكذبين و المخالفين:
و قد أراد الله فى هذا المقام أن يأخذ المؤمنين الى المثلات الماضية الاولى، ليؤكد لهم أن المخالفة و العصيان، و نقض العهود فى سنن الاجتماع من أسباب العواقب السيئة التى تنزل بالامة جزاء طبيعيا لمسلكها أزاء الحق و التهاون فيه. و من هنا قفى ذلك النداء بما كان عن موقف بنى اسرائيل من عهدالله و ميثاقه الذى أخذه عليهم، و سبحت الايات فى ذلك سبحاً طويلا. فلتقرأه من قوله تعالى
((و لقد أخذ الله ميثاق بنى اسرائيل و بعثنا منهم اثنى عشر نقيبا و قال الله انى معكم... الى قوله ((قال فانها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الارض فلا تأس على القوم الفاسقين)) .النداء السادس:
ثم يجىء بعد ذلك النداء السادس
((يأيها الذين آمنوا اتقوا الله و ابتغوا اليه الوسيلة و جاهدوا فى سبيله لعلكم تفلحون، ان الذين كفروا لو أن لهم ما فى الارض جميعاً و مثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم و لهم عذاب أليم، يريدون أن يخرجوا من النار و ما هم بخارجين منها و لهم عذاب مقيم)) .هذا هو النداء السادس من النداءات الالهية التى اشتملت عليها سورة المائدة، و قد طلب فيه من المؤمنين كما هو ظاهر تقوى الله، و ابتغاء الوسيلة اليه، و الجهاد فى سبيله. و ذيل برجاء الفلاح للمؤمنين اذا هم حققوا ذلك المطلوب، ثم ألحق به
ــــــــــ
(1) اقرأ الايات من 9-14.
/ صفحة 356/
ما يرشد الى عاقبة الكافرين الذين لم يعتمدوا فى تهذيب نفوسهم، و اصلاح حالهم على ما رسمه الله للمؤمنين فى هذا النداء، بل أطلقوا لانفسهم العنان تسبح وراء الشهوات و الاهواء الى أن يعاينوا ما أعد لهم من عاقبة سيئة، يحاولون التخلص منها بأعظم ما يمكن أن يقدمه المحرج سبيلا للخروج من المأزق الذى وقع فيه.
لهذا النداء مكانة خاصة على ما قبله و ما بعده من نداءات السورة:
و اذا قورن هذا النداء بغيره من النداءات التى وردت فى هذه السورة، فانه يظهر له مكانة خاصة تأخذ به عن مستوى النداءات كلها، و تجعل له شأناً جديراً بالعناية و التقدير، ذلك أن النداءات السابقة عليه و اللاحقة له يتعلق كل واحد منها بناحية معينة من نواحى التشريع، فالنداء الاول يطلب الوفاء بالعقود، و النداء الثانى يطلب المحافظة على شعائر الله و عدم احلالها، و النداء الثالث يطلب الطهارة حين ارادة الصلاة، و النداء الرابع يطلب القوامة لله، و الشهادة بالعدل، و يحذر الظلم، و النداء الخامس يطلب تذكر نعمة الله على المؤمنين بكف أيدى الاعداء عنهم. و النداء السابع يحذر من التخاذ الاعداء أولياء من دون المؤمنين، و فى معناه النداء الثامن، يلفت نظر المؤمنين الى أن المسارعة فى موالاة الاعداء ردة عن الدين، ثم يجيىء التاسع بلون آخر يدعو الى شدة الحذر من موالاتهم
((لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً و لعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم و الكفار أولياء)) و النداء العاشر ينكر تحريم الطيبات التى أحلها الله، و يحرم الحادى عشر الخمر و الميسر، و يتعلق الثانى عشر و الثالث عشر بتحريم قتل الصيد الذى ابتلى الله المؤمنين بالتمكن منه فى حالة الاحرام. و يتعلق الرابع عشر بالنهى عن سؤال ما ترك الله بيان حكمة توسعة على عباده، كما يتعلق الخامس عشر بتحديد مدى المسئولية التى يحملها المؤمنون فى الدعوة الى الخير، و الامر بالمعروف، و النهى عن المنكر، و يتعلق السادس عشر بكيفية الشهادة على الوصية فى حالة السفر.من هذا العرض الوجيز يتبين أن جميع النداءات الواردة فى السورة، خلا النداء السادس يتعلق بشأن خاص.
/ صفحة 357/
ما يأمر به هذا النداء هو ملاك الامر كله:
أما هذا النداء فانه يتعلق بملاك الامر كله، و أساس الامتثال فى جميع النداءات، بل فى جميع الاوامر و النواهى، و هو تقوى الله و ابتغاء الوسيلة اليه، و الجهاد فى سبيله.
تذييل الاوامر القرآنية بالامر بالتقوى:
هذا الى أننا اذا نظرنانظرة عامة فى سائر الاوامر و النواهى الواردة فى كتاب الله لوجدناها جميعاً أو جلها يوضع الامر فيها ((بالتقوى))
تمهيداً أو تذييلاً لها.و ما عليك فى هذا سوى أن تستعرض آيات النداء للمؤمنين، و كذا آيات الاوامر و النواهى المجردة عن النداء، فترى ما قلناه من التمهيد أو التذييل بطلب التقوى قدراً مشتركاً فى أكثرها، فآية البر تختم بقوله
((أولئك الذين صدقوا و أولئك هم المتقون)) ، و آية الوصية تختم بوقوله ((حقاً على المتقين)) . و آية الصوم تختم بقوله ((لعلكم تتقون)) و آية الاهلة تختم بقوله ((و اتقوا الله لعلكم تفلحون)) و آية القتال فى الشهر الحرام تختمبقوله
((و اتقوا الله و اعلموا أن الله مع المتقين)) .و آية الحج تختم بقوله
((و اتقوا الله و اعلموا أن الله شديد العقاب)) و بقوله ((فإن خير الزاد التقوى و اتقونى يأولى الالباب)) . و آيات الطلاق تختم بقوله ((و اتقوا الله و اعلموا أن الله بكل شىء عليم)) . و آيات الرضاع تختم بقوله ((و اتقوالله و اعلموا أن الله بما تعملون بصير)) . و آية المتعة للمطلقات تختم بقوله ((حقاً على المتقين)) . و آية الربا تمهد بقوله ((يأيها الذين آمنوا اتقوا الله و ذروا ما بقى من الربا)) .و بعد: فهذه جولة فى سورة البقرة فقط، تريك كيف اتخذ الامر بالتقوى تذييلا لهذه التشريعات، و عليك باستقراء ما تستطيع أن تستقرئه من هذه الناحية لتصل الى الشق الاخر، و هو شق التذييل فى الاوامر بطلب التقوى، فيستقر فى نفسك ما قلنا فى شأن التقوى من جهة التمهيد و التذييل للاوامر و التشريعات.
ما يدل عليه ذلك من المعنى المقصود للتقوى:
و اذا دل هذا على شىء، فأول ما يدل عليه أن التقوى ليست كما اشتهر عبارة
/ صفحة 358/
عن خصوص امتثال الاوامر و اجتناب النواهى حتى تكون عملا جارحياً، و انما هى معنى فى القلب يرجع فى جملته الى تقدير العظمة الالهية، و امتلاء النفس بها امتلاءاً يدفع المؤمن الى المسارعة، و شدة الحرص و
الاحسان فى تحقيق أوامر الله و تشريعاته، و يدفع به فى الوقت نفسه الى انعام النظر و قوة التفكير فى ملكوت السموات و الارض لمعرفة أسرار الله فى كونه، و سننه فى خلقه، ثم الاتجاه الى هذه الاسرار، و العمل على اظهار رحمة الله فيها بعبادة، و الوقوف على السنن التى ربط بها بين الاسباب و المسببات، بين السعادة و أسبابها، و الشقاء و أسبابه بين العلم و أسبابه، و الغنى و أسبابه، و العزة و أسبابها... و هكذا الى آخر ما تمليه على العاقل المفكر هذه السنن الثابتة التى لا تتغير و لا تتبدل، و التى لا سعادة للانسان الا بتقديرها و العمل بمقتضاها. اذن ليست التقوى إمتثال الاوامر، و اجتناب النواهى، انما هى ذلك المعنى القلبى الذى تفنى به الارادات الانسانية فى ملكوت العظمة الاليهة، و هى الباعث على امتثال الاوامر، و اجتناب النواهى، و هى المحققة للاحسان فى طاعة الله و رسوله، فهى المبدأ و هى المنتهى، و هى الاولى و هى الاخرة.و لعلنا - لو تتبعنا مواقع التقوى فى القرآن الكريم - نقف فى معناها على أسرار لا تفى الاقلام بتدوينها، فلندع هذا الباب، و قد ثقبنا منه نافذة صغيرة ينفذ منها شعاع على القلب المستعد للتقوى فيدرك معناها، و يستشعر لذتها، و يقف ثملا بعظمة الله كلما سمع قوله تعالى
((ان تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً)) و لنرجع الى النداء.((يأيها الذين آمنوا اتقوا الله و ابتغوا اليه الوسيلة)) . و حسب القارىء منا فى الكلام على التقوى ما أسلفناه و ما أشرنا اليه.
الوسيلة و المراد منها فى هذه الاية:
أما الوسيلة، فقد قال الراغب: الوسيلة التوصل الى الشىء برغبة، و هى أخص من الوصيلة لتضمهنا معنى الرغبة. قال تعالى ((و ابتغوا اليه الوسيلة)) و حقيقة الوسيلة الى الله تعالى، مراعاة سبيله بالعلم و العبادة و تحرى مكارم الشريعة، و هى كالقربة... انتهى)) .
/ صفحة 359/
و قد روى تفسير الوسيلة بالقربة عن كثير من السلف، و عبارتهم: تقربوا اليه بطاعته و العمل بما يرضيه، و جاءت الكلمة فى الحديث اسماً لمنزلة معينة فى الجنة، فقد روى أن عبدالله بن عمر سمع النبى صلى الله عليه و سلم يقول: ((اذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على، فانه من صلى على صلاة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا لى الوسيلة، فانها منزلة فى الجنة لا تنبغى الا لعبد من عباد الله، و أرجو أن أكون هو، فمن سأل لى الوسيلة حلت عليه الشفاعة))
.هذا و من البين أنه لايمكن حملها فى القرآن على ارادة هذه المنزلة لاختصاصها كما جاء فى الحديث به صلى الله عليه و سلم، و الوسيلة التى وردت فى القرآن قد اقترن بها ما يجعلها صريحة فى ارادة القربة الى الله، فآيتنا تقول:
((اتقواالله و ابتغوا اليه الوسيلة، و جاهدوا فى سبيله)) و الضمائر لا مرجع لها سوى لفظ الجلالة، و آية الاسراء تقول: ((قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم و لا تحويلا، أولئك الذين يدعون يبتغون الى ربهم الوسيلة أيهم أقرب و يرجون رحمته و يخافون عذابه، و هى ظاهرة فى معنى القربة أيضاً من جهة ما تضمنته الاية من انكار دعوة غير الله مما لا يملك كشف الضر عن الداعين و لا تحويله.و من هنا قال الالوسى:
((كون الطلب هنا للنبى صلى الله عليه و سلم مما لا يكاد يذهب اليه ذهن سليم)) و لما كانت تقوى الله بالمثابة التى شرحنا، و كانت الوسيلة ترجع كما أسلفنا عن ((الراغب)) الى مراعاة سبيل الله بالعلم و العبادة، و تحرى أحكام الشريعة، و مكارم الاخلاق، و هما مما يثقل على النفس الانسانية التى تحيط بها الشهوات، و تتحكم فيها الرغبات، أن تحصل عليه فى يسر و سهولة شد الله أزر الانسان المؤمن بطلب الجهاد فى قطع هذا الطريق الشاق، و قواه على تحمل أعبائه بضمان الفلاح له فى الدنيا و الاخرة، فقال ((لعلكم تفلحون)) .و الاية بعد هذا واضحة فى معناها، واضحة فى هدفها، ليس لها مدلول و لا دلالة على غير ما يتبادر منها و تقضى به بيئتها، و هو الاعتماد فى الوصول الى الله على
/ صفحة 360/
المعنى القلبى المؤثر فى امتثال الاوامر و اجتناب النواهى بقصد مرضاة الله، و عن طريق الجهاد فى سبيله، و لم تشر الآية فى قليل و لا كثير الى مشروعية الاعتماد فى الوصول الى الفلاح على شىء من خارج النفس، و قد أيد هذا بتأييد العذاب على هؤلاء الجاهدين الذين ظلوا طول حياتهم يعتمدون فى تقربهم الى الله على دعاء غير الله، و يؤكد لهم أن مدار النجاح و الفلاح ليس على ما يتوهمه هؤلاء فى الامر فديتة، و لو أن لهم جميع ما فى الارض و مثله معه، و قدموا ذلك كله ليكون فداء لهم من العذاب يوم القيامة لم يتقبله الله منهم، و لا يكون له أثر فى تخفيف العذاب عنهم، لأن الله قد رسم لعباده سبيل الفلاح و النجاة، و أنه لا يكون ألا نابعا من قلب الانسان و نفسه، لا تكتسبه من أحد سواه ((قد افلح من زكاها و قد خاب من دساها))
فمن زكى نفسه بالايمان، و امتلا قلبه بعظمة الله، و اندفع بذلك الى امتثال أوامر الله، كان أهلا لرضوان الله و نعيمه و من دنس نفسه بالشرك، أو ظلمها بالمخالفة و العصيان، و كان مظلم القلب، كان من المغضوب عليهم، المخلدين فى النار، و لا تنفعهم شفاعة، و لا تقبل منهم فدية; اقرأ و تأمل قوله تعالى بعد النداء بطلب التقوى و ابتغاء الوسيلة. ((ان الذين كفروا لو أن لهم ما فى الارض جميعاً و مثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم و لهم عذاب أليم)) .نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن توجهت قلوبهم اليه، و لم يعتمدوا فى قبولهم و نجاتهم الا عليه، وأن يجعل ايماننا زكاة نفوسنا، و ثبات قلوبنا، و صلاح أعمالنا و فكاك اسارنا
((يوم لاينفع مال و لا بنون الا من أتى الله بقلب سليم)) .و الى اللقاء فى العدد المقبل، لنتحدث عن
((النداء السابع)) من نداءات هذه السورة، فنفتتح به العام الجديد لمجلة (رسالة الاسلام) ان شاء الله.و الحمدلله الذى بنعمته تتم الصالحات.