/ صفحة 385/
شعر المناسبات
لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الشيخ عبد الجواد رمضان
أستاذ الادب العربى في كلية اللغة العربية
((شعر مناسبات))
; كلمة تجرى على ألسنة النقاد و المعاصرين و أقلامهم، عندما يعرضون لكثير من الشعر الحديث; في سياق يدل على أنهم يريدون بها: أنه لا تنصح به عاطفة صادقة، و لا يمده طبع أصيل.و لعل منشأ هذه التسمية أن أكثر هذا النوع من الشعر له مواسم تهتاج فيها فحوله، فتهدر شقاشقها، و يعلو صخبها و يطغى سيله فيغمر أنهار الصحف و المجلات والنوادى والحفلات ; حتى يصاب عشاق الشعر من القراء بتخمة شعرية، تولد عقداً نفسية، تلقى بينها و بين الشعر عداء أبدياً متسحيل العلاج!
و التسمية على هذا الوجه معقولة مقبولة، قلّ أن يخالف فيها أديب; فإن في الاشعار التي تنظم في الهجرة، أو المولد الشريف، أو أعياد الملوك الذاهبين; ما يبغض في الشعر و الشعراء، و يهوى بهذا الفن الرفيع الى الحضيض.
ولكن الرأى الذي فيه نظر! على حد التعبير الازهرى; أن بعض النقاد المعاصرين ذوى الاخطار، يتوسعون في محيط
((شعر مناسبات)) فيطلقونها على جميع ((المدح)) في الشعر العربى، قديمة و حديثه; حتى ليتطرف بعضهم فيسحب هذا الحكم على المدائح النبوية; فاذا قلت له: أشعر مناسبات قول شوقى:تجلى مولد الهادى و عمت *** بشائره البوادى و القصابا(1)
و أسدت للبرية بنت وهب *** يداً بيضاء طوقت الرقابا؟
ــــــــــ
(1) القصابا: جمع قصبة: عاصمة.
/ صفحة 386/
و قوله:
الاشتراكبون أنت امامهم *** لو لا دعاوى القوم و الغلواء
داويت متئداً، و داووا طفرة *** و أخف من بعض الدواء الداء
قال لك: انه للمسلمين، و لا يكون الشعر شعراً الا اذا كان تأثيره عاما!
* * *
ينادى بذلك أكثر المثقفين ثقافة مدنية، و يسير في ركابهم فينادى به من يتلقون أدبهم عن
((مصاطب)) المقاهي وكتاب الصحف، تقليداً و ازراء بالادب العربى، أدب الضعفاء و المتأخرين!و اذا أهملنا هؤلاء المقلدين لان خطأهم و صوابهم غير مقصودين; فانه لامحيص لنا عن أن ننادى بأن وصف المدائح العربية جملة بأنها من شعر المناسبات خطأ صراح، منشؤه تطبيق أصول النقد الغربى على الادب العربى; مع أن الادب - دائماً - يتبع الذوق الخاص، و لكل ذوق معاييره و اتجاهاته، و غاية ما يعاب به شعر المدائح العربية أنه: شعر تكسب; و التكسب بالشعر لا يعيب الشاعر فنيّا; و انما يعيبه من ناحية الاخلاق و الكرامة الشخصية، و موضوع حكومة الناقد، أدب الاديب لا أخلاقه، و الا لضربنا بأكثر الاشعار عرض الحائط، لان أصحابها من فاسدى الاخلاق.
قد يرى نقاد الغرب أن أدب التكسب عندهم لايسمى أدباً، أو أنه أدب ضعيف، أو أدب مناسبات; فهذا شأنهم لا ننازعهم اياه، ولكن ليس لهم أن يحكموا على أدبنا بما يحكمون به على آدابهم، لان الشرق شرق، و الغرب غرب، و هما لايجتمعان على الادب بحال; و لست أعرف ما العاطفة التي يجب أن يصدر عنها الشعر عند أدباء الغرب، و لكنى أعرف أن الناقد العربى يقول: قواعد الشعر اربع: الرغبة، والرهبة، والطرب، والغضب.
فمع الرغبة يكون المدح و الشكر. و مع الرهبة يكون الاعتذار و الاستعطاف، و مع الطرب يكون الشوق و رقة النسب، و مع الغضب يكون الهجاء و التوعد والعتاب الموجع
/ صفحة 387/
و قال عبدالملك بن مروان لارطاة بن سهية: أتقول الشعر؟ فقال: و الله ما أطرب، و لا أغضب، و لا أشرب، و لا أرغب، و انما يكون الشعر عند احداهن; و قال أبو على البصير:
مدحت الامير الفضل أطلب عرفه *** و هل يستزاد قائل و هو راغب؟
فأفنى فنون الشعر و هي كثيرة *** و ما فنيت آثاره و المناقب
فجعل الرغبة غاية لا مزيد عليها. ا هـ(1)
و سأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه ابنة زهير بن أبى سلمى: ما فعلت حلل هرم بن سنان التي كساها اياك؟ قالت: أبلاها الدهر; قال: لكن ما كسا أبوك هر ما لم يبله الدهر.
و قال لبعض ولد هرم بن سنان: أنشدنى ما قال فيكم زهير; فانشده; فقال: لقد كان يقول فيكم فيحسن! قال: يأميرالمؤمنين، انا كنا نعطيه فنجزل; قال: ذهب ما أعطيتموه و بقى ما أعطاكم!(2)
و الامام عمر بن الخطاب أديب فخم ذواقة، فهل يقضى بالخلود في أسلوبين مختلفين
((و ما كسا أبوك هرما لم يبله الدهر - ذهب ما أعطيتموه و بقى ما أعطاكم)) غاية في البلاغة لشعر تنقصه العاطفة، أو يعوزه الطبع الاصيل؟! ثم أليس هذا الشعر مدحاً؟!و هل بلغ الفن الشعرى غاية سمّوه الا بالافتنان في المدائح جرياً و راء اشباع الرغبة في الظفر بأسنى الجوائز، والفوز بأفخر الهبات! و انه لجد صادق من يقول: ان اللّها تفتح اللّها(3)
* * *
ــــــــــ
(1) العمدة ج 1 ص 100.
(2) غاية الارب ج 3 ص 90
(3) اللهما اللّها بالضم: أفضل العطايا و أجزلها، و بالفتح جمع لهاة: لحمة حمراء في الحنك معلقة على عكدة اللسان; و مفرد المضمومة لهوة.
/ صفحة 388/
ان مصيبتنا العظمى أننا فقدنا الثقة في أنفسنا، فاحتقرنا كل مقوماتنا كأمة لها تقاليدها و لها فنونها و آدابها; و التمسناما عند غيرنا من الامم القوية في أنفسها و في نظرنا، فلم ننسجم في لبستها، و لم نبق على ما بأيدينا، فصدق علينا مثل:
((ان الغراب و كان يمشى مشية الخ))
من مثل الكتاتيب!اننا لسنا أعداء للعلم أبداً، بل اننا منهومون اليه نهمة لا تشبع; ولكنا نريد أن ندرس علومنا و آدابنا قبل أن ندرس علوم غيرنا و آدابهم، حتى يكون ايرادنا و اصدارنا بحكمة و دقة نظر، و صدق موازنة.
و من عدم احترام النفس أن أدرس المعيار الادبى لفرنسة مثلا، على حين أننى لم أدرس المعيار الادبى للعربية، و يلطف هذا العيب أن أقصر استعماله على الادب الفرنسى لا أتجاوزه الى غيره من آداب الامم الاخرى.
و لقد سعدت بقراءة كتاب في النقد الحديث غاب عنى اسمه، و هو للدكتور النويهى الاستاذ في كلية الخرطوم، و الحق أنه كتاب كريم يندر مثله في كتب النقد الحديث.
و من أبدع ما يقول هذا الدكتور المجدد جداً!:
((ان أكثر النقاد المجددين في الشرق، يأخذون طرق النقد الغربى من كتب النقد، لا من التمرس بأساليب اللغة، و المرانة على مواضع استعمالانها، و محاسن أوضاعها الخ)) في كلام في هذا الموضوع مستوفي ممتع، مع ايراد المثل و شرح ما فيها من عيوب التطبيق.هذا رجل من أهل العلم المجددين الذين يحملون اجازاتهم العلمية و الادبية من أوربة يقرر في صراحة أن أكثر نقاد الادب المجددين عندنا مخطئون; فهل يلام مثلى ممن تقف معلوماته المحدودة في الادب عند المؤلفات العربية; على أن ينكر على مجددى الادب أساليبهم في نقد الادب العربى؟
* * *
وعندنا رجل آخر يعتبر إمام النقاد في الشرق العربي، وهو الدكتور طه حسين، الذي خدم الأدب في هذا العهد خدمة تصغر عندها كل خدمة، تقرأ كل كتاباته.
/ صفحة 389/
في النقد، فلا تراه يعوّل على غير طرق النقد العربى و أصولها، و انما كان مجاله توسيع منطقة النقد، بطرق اتجاهات لم تكن مألوفة، و بتنظيم النقد و تعمقه و تحليله تحليل الدارس الواصل، و الخبير الذواقة.
و علة ذلك واضحة، فإن الدكتور طه لم يدرس الادب الغربى، الا بعد أن قتل الادب العربى بحثاً و نفذ الى أسراره من جميع شعابها و مداخلها، و لو أنه رأى في تطبيق طرق النقد الاجنبى خيراً لفعل; و لذلك طرحه من حسابه و أهمله، كمافعل العباسيون من قبل حينما ترجموا علوم الاوائل، و مالوا عن ترجمة الادب، لانه خلق لاذواق غير أذواقهم.
و يحلولى هنا - و الشىء بالشىء يذكر - أن أقول: ان من آيات ايمانى بالدكتور طه حسين، أننى حينما نقلت الى كلية اللغة، عهد الى أحد زملائى من الاستاتذه في الكلية الان، والىّ معه، تدريس الادب الجاهلي، فاتفقنا على أن نتعاون في التحضير; فكنا نقطع الليلتين و ثلاث الليالى أحياناً في تحضير موضوع، نرجع فيه الى أكثر ما نعرفه من كتب الاقدمين، حتى اذا انتهينا فيه الى شىء يحسن السكوت عليه، قرأنا ما كتبه فيه الدكتور طه حسين; فكنا نرى - و العجب يملك علينا أنفسنا - أنه قد ألم بكل مراجعنا، و نفذ الى مصاصها، و كثيراً ما كان يزيد شيئاً لانعرف مصدره، فنفيده منه، أو نعاود بحث الموضوع من جديد، و نحن نردد: في كل واد أثر من ثعلبة!
***
نحن نعترف - آسفين - أن شعر المناسبات بالمعنى المتعارف عند نقاد العصر; أكثره مما يغثى النفس، و يبغض في الشعر و الشعراء; ولكن ليس السبب أنه تنقصه العاطفة، فإن الرغبة في الظهور و في شيوع الذكر، و ذيوع الشهرة، من أقوى العواطف; و ليس أفعل في النفس من الكلمة المطبوعة; و يضاعف أثرها أن تكون منظومة; و لقد مررنا بهذا الطور، و جربنا مبلغ انفعالاته، و شهدنا آثاره عند غيرنا، كما شعرنا به في أنفسنا; فأنكاره مكابرة كاذبة.
/ صفحة 390/
و لقد كانت الشهرة عاملا فعالا في الشعر، حتى عند فحول شعرائنا من شوفي و من قاربه; فإن من المتعالم المشهور، أن الشاعر منهم كان يتوقع الحادث من الحوادث، فيستعد له قبل كونه، بنظم قصيدة فيه، حتى اذا وقع، كانت معدة للنشر، أو لا يعوزها الا بعض ((الرتوش))
.و من أشهر المثل على ذلك، مرثاة شوقى للمغفور له سعد زغلول باشا; فإن الادباء في ابان ظهور هذه المرثاة، أنكروا على الامير أن يقول في
((سعد)) :شيّعوا الشمس، و مالوا بضحاها *** و انحنى الشرق عليها فبكاها
ليتنى في الركب لما أفلت *** يوشع; همت; فنادى، فثناها
لان هذا المطلع، برثاء النساء أشبه:
و ظهر - بعد البحث - أن أمير الشعراء كان يتوقع موت أم المحسنين والدة الخديو عباس، فأعدّ لها هذه المرثاة، أو أكثرها; فلما توفي سعد قبلها، قلبها رثاء فيه; ويؤيد هذا أن في القصيدة أبياتاً غير المطلع، واضحة في نعت هذه السيدة مثل قوله:
كفنوها حرة علوية *** كست الموت جلالا و كساها
مصر في أكفانها الا الهدى *** لحمة الاكفان حق و سداها
خطر النعش على الارض بها *** يحسر الابصار في النعش سناها
جاءها الحق، و من عاداتها *** تؤثر الحق سبيلا و اتجاها
ما درت مصر بدفن صبحت *** أم على البعث أفاقت من كراها
و قوله في ختامها:
في نعيم الله نفس أوتيت *** أنعم الدنيا فلم تنس تقاها
ذهبت أوابة مؤمنة *** خالصاً من حيرة الشك هداها
آنست خلفاً ضعيفاً ورأت *** من وراء العالم الفانى الها
/ صفحة 391/
و الادباء - مع هذا - مصفقون على أن هذه القصيدة من جياد شوقى و من عيون شعره.
***
و عندى، أن شعر المناسبات، انما أتى من ناحية ضعف الثقافة الادبية; و من فقدان الموهبة الشعرية، أو ضعفها، ضعفاً لا يستقيم عليه شعر; فكل من استطاع أن يركب كلمات توازن تفاعيل بحر من بحور الشعر، فهو شاعر، من حقه أن ينظم قصيدة في
((الهجرة)) أو في ((المولد)) أو في أى موسم من مواسم الشعر; و أن ينشرها في صحيفة أو في مجلة; و قد تنشرها له صحيفة أو مجلة; فتغريه بالمعادة، و يصبح شاعراً مشهوراً، يعرف ذلك لنفسه، و يعتقد أن عالم القراء يعرفه له.و كان لى شرف الاتصال برجلين عظيمين، أحدهما كان على رأس كبرى الصحف المصرية و هو المرحوم داود بركات; و ثانيهما على رأس مجلة الازهر، وهو الاستاذ العلامة محمد فريد و جدى; و كنت أراهما كليهما ينشران شعراً تفاهماً; فاذا سئل أيهما: لم نشره، قال:
((اننى لا أعرف في الشعر!))و قد يكون هذا من
تواضع العظماء، و قد يكون صحيحاً; و الاول أرجح; ولكن النتيجة واحدة على الحالين، و هي أن للصحف و المجلات مشاركة في كثرة الشعر التافة و شيوعه، بما تسديه الى من لا يحسنون الشعر، من الاغراء و التشجيع.