/ صفحة 392/

الخلاف لايمنع من الانصاف

لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الشيخ محمد جواد مغنيه

رئيس المحكمة الشرعية الجعفرية العليا ببيروت

1- من أحكام الاسلام أن يقر أهل الاديان على ما يستحلونه.

2- حتى الخوارج مسلمون لانهم متأولون.

3- اختصاص البنت بميراث أبيها عند الامامية.

لقد أثبتت التجارب أن الانظمة و القوانين لا يمكن أن تعيش اذا لم تستمد قوتها من ايمان دينى أو فلسفى، و أن أى نظام لا يستقبله الشعب بالرضا و القبول لايلبث أن يزول، و ان دعمته قوة النار و الحديد. و هذه حقيقة اعترفت بها الفاشية و الشيوعية، لانها بديهة لا تقبل الشك و الريب.

و قد راعاها الاسلام، و أولاها عناية، حيث لم يفرض أحكامه على غير المسلمين، و انماترك أهل الاديان و ما يدينون، فما هو صحيح عندهم فهو نافذ في حقهم، في نظر الاسلام، فالخمر و الخنزير لا يملكهما المسلم، و يصح تملكهما، و تمليكهما لغير المسلمين، و من أحكام الاسلام جواز أنكحة غير المسلمين، و ان لم تتوافر فيها الشرائط المعتبرة في أنكحة المسلمين.

و قد اتفقت المذاهب الاسلامية على هذا الاصل، و نطقت به كتبهم، فمن كتب السنة كتاب ((البدائع و الصنائع)) ج 2 ص 310 و 311 الطبعة الاولى، و كتاب ((المغنى)) ج 6 ص 613 و 627 الطبعة الثالثة: أن أنكحة غير المسلمين لها أحكام الصحة، لانا قد أمرنا بتركهم و ما يدينون، و في المغنى ج 6 ص 306 ((مجوسى تزوج ابنته، فأولدها بنتا، ثم مات عنهما فلهما الثلثان)) .

و من كتب الشيعة الامامية كتاب ((الجواهر)) باب الزواج و الطلاق، و كتاب

/ صفحة 393/

((مقابس الانوار)) أول باب الزواج: ان ما في أيدى غير المسلمين من النكاح و غيره صحيح، و ان كان فاسداً عندنا، و ان كل قوم يفرقون بين النكاح و السفاح فنكاحهم جائز، لحديث ((ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم)) .

و هذا مبدأ عام من مبادىء التشريع الاسلامى لايختص بمذهب دون مذهب. بل ان فقهاء المسلمين قد تسامحوا أكثر من ذلك، قال صاحب المغنى ج 8 ص 132 ((من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة، و من بعدهم، و استحلال دمائهم و أموالهم و اعتقادهم التقرب بقتلهم الى الله، و مع ذلك لم يحكم الفقهاء بفكرهم لتأولهم)) .

و اذا كان الفقهاء يقرون ما في أيدى غير المسلمين من أنظمة و قوانين تخالف الشريعة الاسلامية، و لايحكمون بتكفير الخوارج الذين كفروا الصحابة، و استحلوا دماء المسلمين و أموالهم، لان عقيدتهم تبيح ذلك لهم، فكيف يسوغ لمسلم أن يكفر طائفة تؤمن بالله و رسوله و اليوم الاخر، و تستمد أصولها و فروعها من كتاب الله و سنة نبيه، و تقول: من قال لا اله الا الله محمد رسول الله حقن ماله و دمه، كيف يكفرها مسلم، لانها تخالف المذهب الذي ارتضاه لنفسه، أو ورثه عن آبائه، تخالف مذهبه في بعض شرائط الزواج و الطلاق، أو بعض مسائل الارث و الرضاع!

ان مذهب الخوارج يخالف جميع المذاهب الاسلامية السنية و الشيعة، و مع ذلك فقد عذروهم فيما اجتهدوا فيه فأخطأوا، اذن، بالاحرى أن تعذر طائفة اسلامية اذا خالفت المذاهب الاربعة في مسألة من مسائل الرضاع أو الارث، مستندة الى آية أو رواية.

ان الشيعة الامامية لم يتقيدوا بمذهب من المذاهب الاربعة، و انما اتبعوا طريقة الاصحاب و التابعين في استخراج الاحكام من الكتاب و السنة، فكل ما أدى اليه الكتاب و السنة فهو حجة عندهم، و لو خالف جميع المذاهب، لان قول الله و رسوله فوق الاقوال كافة، أى أن الفقيه الامامى يعمل بما أدى اليه نظره و فهمه لاصول الشريعة، لا بما فهمه فقهاء السنة أو الشيعة، و كان من نتيجة هذا الاجتهاد المطلق غير المقيد بمذهب أو قول، أن خالف الشيعة الامامية المذاهب الاربعة في بعض المسائل منها:

/ صفحة 394/

ان المذاهب الاربعة يشركون أخا الميت مع ابنته في الميراث، و يشركون عمهم مع أخته، و يقول الشيعة الامامية: ان التركة بكاملها للبنت وحدها، و للاخت دون سواها، و لا شىء للعصبة، لان من كان بينه و بين الميت درجة واحدة فهو أولى بالميراث ممن كان بينه و بين الميت درجة واحدة فهو أولى بالميراث ممن كان بينه و بين الميت درجتان أو أكثر، و هذه الحقيقة يعترف بها ائمة المذاهب في مسألة العصبة، لانهم قالوا: ان عصبة الاقرب كالاخ يمنع الابعد كالعم، و آية: ((و أولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين و المهاجرين )) كما دلت على أن القريب أولى من الغريب في الميراث، فقد دلت أيضاً على أن الاقرب أولى ممن هو دونه في القرابة، و ليس من شك أن البنت أقرب الى الميت من أخيه، و أخته أقرب اليه من عمه.

و آية: ((للرجال نصيب مما ترك الوالدان و الاقربون، و للنساء نصيب مما ترك الوالدان و الاقربون، مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً، دلت على التساوى بين الذكور و الاناث، فكما أن بين الاب و الابن درجة واحدة، فإن بين الاب والبنت درجة واحدة أيضاً، و كل منهما يصدق عليه لفظ الولد أيضاً من دون تفاوت، قال الله تعالى: ((فاستفتهتم ألربك البنات، و لهم البنون، ما كان لله أن يتخذ من ولد)) فاذا كان الابن يحجب عمه لانه ولد الميت، فالبنت يجب أن تحجبه أيضاً لانها ولده، و من هنا يتبين أن قوله تعالى: ((ان امرؤ هلك ليس له ولد و له أخت فلها نصف ما ترك،و هو يرثها ان لم يكن لها ولد)) يتبين من هذه الاية أن الاخ و الاخت لايتوارثان الا مع عدم وجود الولد، و البنت ولد بلا ريب فتحجب الاخ. أما قوله تعالى: ((فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثاً ما ترك، و ان كانت واحدة فلها النصف)) فلا دلالة في هذه الاية الكريمة، و لا في غيرها من الايات على أن ما زاد عن الثلث لا يرد على البنتين، و مازاد عن النصف لا يرد عن البنت، و لو كان هناك دليل على منع الرد لما وقع الخلاف و النزاع، على أن أهل السنة يردون على أهل الفرائض ما زاد عن فرضهم في بعض الحالات قال في المغنى ج 6 ص 201 ((يرد على كل أهل الفرائض على قدر ميراثهم الا الزوج و الزوجة)) و البنت من ذوى الفرائض فيرد عليها مازاد عن فرضها،

/ صفحة 395/

و كذا الاخت، و قال الله تعالى: ((و استشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل و امرأتان، نصت الاية على أن الدين يثبت بشاهدين، و شهادة رجل و امراتين، مع أن من مذاهب السنة من أثبت الدين بشاهد و يمين، بل أثبته مالك بشهادة أمرأتين و يمين (1) فكما أن هذه الاية لا تدل على أن الدين لايثبت بشاهد و يمين، و لا بشهادة امرأتين و يمين، كذلك آية الميراث لا تدل على أن البنت لا يرد عليها أبداً ما زاد عن النصف.

فالشيعة يوجبون رد ما زاد عن فرض البنت و الاخت، و يخصون كل واحدة بتمام الميراث دون غيرها، لان البنت أقرب الى الميت من أخيه، و الاخت أقرب اليه من عمه، و الاقربون أولى، و الشيعة لا يثقون بحديث: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقى فلاولى عصبة ذكر)) و لو وثقوا به لقالوا بمقالة أهل السنة، كما أن أهل السنة لو لا ثقتهم بهذا الحديث لقالوا بمقالة الشيعة.

و قد أطال الامامية الكلام في هذا الباب، و وضعوا له رسائل خاصة ألزموا فيها أهل التعصيب القائلين بحرمان البنت مما زاد عن فرضها، ألزموهم بالزامات كثيرة لا يتسع لها المجال، و نكتفى منها بمايلى:

قالوا: يلزم من القول بالتعصيب أن يكون الابن للصلب أضعف سبباً من العم، و ذلك لو افترضنا أن الميت ترك ابناً، و ثمانى و عشرين بنتاً كان للابن سهمان من ثلاثين بلا خلاف، و لو كان مكان الابن عم لكان له عشرة أسهم من ثلاثين، و عليه يكون الابن أسواً حالا من العم، و كذا لو ترك الميت عشر بنات و أخا كان لبناته العشر ثلثان، و لاخيه الثلث، أى ان أخاالميت يأخذ خمسة أسهم، و بنت تأخذ سهماً واحداً.

و ليس الغرض مما قدمت أن أثبت أن الشيعة الامامية مصيبون، و غيرهم مخطىء، و انما الغرض أن أسهل للقراء الاطلاع على ما عند الامامية مما اتفقوا عليه، و اختلفوا فيه، ليعلموا أن مرجع ذلك الى الفهم في كتاب الله و سنة رسوله الصحيحة ليس الا. و بالله التوفيق.

ــــــــــ

(1) المغنى ج 9 ص 151، و ميزان الشعرانى ج 2 ص 258.