/ صفحة 404/
قال شيخى
لحضرة الكاتب الفاضل الاستاذ أحمد محمد بريرى
قال شيخى:
تعزّ فإن الصبر بالحر أجمل *** و ليس على ريب الزمان معول
فلو كان يغنى أن يرى المرء جازعاً *** لنازلة أو كان يغنى التذلل
لكان: التعزى عند كل مصيبة *** و نازلة بالحر أولى و أجمل
فإن تكن الايام فينا تبدلت
*** بنعمى و بؤس و الحوادث تفعلفما ليّنت منا قناة صليبة *** و لا ذللتنا للتى ليس تجمل
ولكن رحلناها نفوساً كريمة
*** تحمّل ما لا تستطيع فتحمّللو كان يغنيك أن تحمل نفسك على مركب الضيم فتتجنب المكروه، و كنت رجلا كريماً، فانك ترفض الذل لا محالة، و معه خفض العيش و ترضى الاخرى فهى سبيل الرجال.
قلت: لو كان الجزع نافعاً فإن النفس الكريمة تعف عن المنفعة ما دامت وسيلتها هذه الخلة التي تلازم الرعديد، بقدر ما تباعد الحر الصنديد. اذا كان الامر كذلك:
فكيف و كلّ ليس يعدو حمامه *** و ما لا مرىء عما قضى الله مزحل
قال: انه و أبيك للبيت الذي لم أنشدك من المقطوعة التي أنشدت. و منه تتبين أن الجبان لايعذر، و لا يمكن أن يعذر أبد الدهر، ان لكل أجل كتاباً فاذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون، و لا تحسب الساعة هنا
/ صفحة 405/
ستين دقيقة و انما هي اللحظة، أو الجزء الذي لا يتجزأ من الزمن، انها ما يعدل الذرة في حساب الماديات، أفلاترى أن المؤمنين شجعان بوصف كونهم مؤمنين أنهم اذا جاء أجلهم لايستأخرون ساعة و لا يستقدمون؟
قلت: و الكافرون
((الحتميون)) ، هم كالمؤمنين سواء بسواء في هذه السبيل، افليس مؤدى الحتمية المادية الملحدة أن كل ما وقع كان لا بد أن يقع، و أن كل ما لم يقع كان لابد ألا يقع، و كذلك الشأن في حوادث الحال و الاستقبال.قال: اذا كنا في نطاق التبعة الانسانية فما الفرق بين
((الجبرية)) و ما تسميه الحتمية؟قلت: الايمان بالله، فإن الجبريين يؤمنون به سبحانه و تعالى. انى لا ذكر شيخى
((المتكلم)) حين كان يحدثنى عن عقائد الجبريين المبشرة غير المنذرة. انه من حقى أن أقترف ما شئت من الاثام فلست بداخل جهنم ما دمت قد أنهيت حياتى و مت على الاسلام.قال:
لو شاء أن يصليك نار جهنم *** ما كان ألهم قلبك التوحيداً
قلت: ذلك هو منطق الجبر. فأما منطق
((الحتم)) فلا بعث و لا حساب، و لا عقاب و لا ثواب:قال: بل منطق
((أبى جهل)) قبل أن يكون منطق أصحابك هؤلاء الذين يفلسفون، أفلم يكن هو و أضرابه يقولون: ((ان هي الا أرحام تدفع، و قبور تبلغ ((و ان هي الا حياتنا الدنيا نموت و نحياً و ما نحن بمبعوثين)) .قلت: لعل أبا جهل لم يكن خلق حين كان فلاسفة أثينا يتكلمون في الحتمية و ما اليها.
قال: فخذه اسماً شائعاً في جنسه لا يختص به أحد دون آخر، فكل من قال و ان هي الا حياتنا الدنيا نموت و نحياً و ما نحن بمبعوثين
)) فهو أبوجهل.قلت: المهم فيما نحن فيه أن الحتميين بوصف كونهم كذلك لا يمكن أن يكونوا
/ صفحة 406/
جبناء: ان كل ما سيقع لا بد واقع، فلن يغنيهم شيئاً أن يجبنوا اذا كان مقدورهم أن يروا ((سنان الموت يبرق أضلعاً))
على حد تعبير تأبط شراً.قال: تقول مقدورهم أن يرو سنان الموت يبرق أضلعاً، فمن الذي قدر هذا المقدور؟
قلت: الناموس أو الطبيعة، فليس وراءها شىء فيما يعتقدون.
قال: و لم لا يقولون الله بدل هذا الناموس الذي لا يسمع و لا يعقل و لا يقدر، و هو مع هذا في عمله و قدره أعقل العاقلين و أحكم الحاكمين.... ألا و الله إنها لا تعمى الابصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
قلت: ما في ذلك شك، ولكن هؤلاء الذين عميت قلوبهم في صدورهم يستوون و المؤمنين من حيث شجاعة هذه القلوب العمى هم يعتقدون أن الجبن لا يجديهم شروى نقير، فلما ذا لا يكونون الباة المغاوير؟
قال: لا يكونون الاباة المغاوير، لانما تقوله الالسنة غير ما تنطوى عليه الصدور، و اليك الدليل:
ان لى زميلا في المجمع اللغوى، لا أريد أن أسميه، كان معى هنا في مكتبى منذ أيام، و كان يناقشني في الطبيعة و ما وراءها، و أشهد أنه بسط رأى
((أو جست كنت)) فيما هنالك بسطاً وافياً، ثم رأيه هو من حيث المادة، و أنه لا يعقل شيئاً يناقضها، فالعالم الروحى فيما يرى زميلى، ليس الا أسطورة قدم عليها العهد، و اد كانت الانسانية مازالت تجرى وراء الاوهام، فانها مع كر الليالى و الايام حرية ان تفف عند الحق و ((الحق احق أن يتبع)) وإن هو إلا الايمان بالمادة وحدها المادة التي أعطتنا كل شىء، و الكفر بالروح التي سلبتنا كل شىء... أفلم نتخلف ونقف حيث كنا منذ القرون الاولى، في حين أن اصحاب المادة ساروا قدماً فبلغوا مبلغهم الذي نراه و نحسه، بيد أن منا من لا يرى و لا يحس، و لا يكفيه أنا وقفنا، بل يرغب الينا في أن نتقهقر... و ترسل زوجى عمتك أم الحليس تبغينى لتتحدث الى فيما تعده عشاءً شهياً لزميلى العالم العلامة الحبر البحر الفهامة./ صفحة 407/
و أغيب عنه لحظات يشاء فيها العلى القدير أن ينطفىء النور، فيشمل المكتبة الديجور، فأعود الى صاحبى و معى المصباح، فاذا هو قد أخذته الرجفة، و لو مبقية على حياته، الا أنه يرعد و قد شحب وجهه، و زاغ بصره، و لجلج لسانه، قلت: ماذا دهاك؟
قال: الظلام و الاشباح التي تطيف في غرفتك هذه و كان ذهب عنه الرّوع فأخذ يشرح: نعم الاشباح التي خيل الى أنها ترقص في الظلام. فلا سلطة لى على الغريزة، و ما حفظت من أوهام كانت تقلق حياة أبنائنا الاولين.
قلت: العجب كل العجب أن يكذب المرء نفسه.
قال: جئنى بمن شئت من الحتميين و أنا زعيم لك أن أشباح غرفتى هذه ستغلبهم على منطقهم..
ان العقيدة لا تكذب صاحبها، و الا فما بال سقراط حين آمن بالاخرة لم تغلبه الغريزة فيخاف؟ و تالله لقد كان حرياً أن يخاف، فما أحسب أشباح السماء و الارض قادرة على أكثر من أن تقدم لك كأس الموت التي شربها سقراط مطمئناً حتى لكأنه يقول: يأيتها النفس المطمئنة ارجعى الى ربك راضية مرضية فادخلى في عبادى و ادخلى جنتى.قلت: لنعد الى ما كنا فيه. الصبر بالحر أولى و أجمل، و لو كان الجزع يرد القضاء... أو كما قالوا: المنية و لا الدنية. لماذا كل هذا؟
ان الانسان ليحمل نفسه على المكروه. و اذا تركنا خبر الفكر و الاسباب الاولى و المسببات، و اذا كان الافكاك أو ثم فكاك و متزحزح عما تكره النفس، أو تركنا هذا، وجدنا في حياة الادميين مثلا علياً حقيقية. تاريخية، لا خيالية أسطورية... فأنت تموت اختياراً لا اضطراراً في بعض الظروف من أجل فكرة أو عقيدة، فهل المبادىء و العقائد جديرة بما نضحي به أحياناً؟
لقد تساءل العلامة
((فرويد)) هذا التساهل، و أحسبه أجاب اجابة لا ترضى أصحاب القيم الخلقية، فثم كثير من أبناء آدم ضحوا و ماتوا من أجل أفكار أو عقائد ان هي في واقع الامر الا أوهام أو أحلام./ صفحة 408/
هل في هذا الوجود ما يستحق أن تموت من أجله؟ تلك هي المسألة أو المشكلة أو العقدة.
قال: لا مشكلة و لا عقدة، و لكنكم تشكلون و تعقدون، لانكم لم تهتدوا الى الصراط المستقيم، و ما هو علم الله الا نهج الطبع السوى.
ان المسألة تبدو عقدة اذا فلسفتها و أخذتها بالمعيار الفاسد، ولو أنك وضعتها وضعاً فطرياً لاستقامت، فكانت الاجابة أو الاستجابة الحقة.
سل الرجل الفطرى، لماذا تموت اختياراً و لك عن الموت مندوحة؟ ان الحياة ليست مكروهة بالطبع، ولكنه لايبكى عليها اذا آن له أن يخلص منهاأو تخلص منه.
و لست - و ان كانت الىّ حبيبة- بباك على الدنيا اذا ما تولت.
قلت:ها نحن أولاء نترك الرجل الفطرى دون أن نسمع الاجابة، فلماذا لايبكى عليها اذا كانت اليه حبيبة؟ بل لماذا لم يستمسك بها ما دام مستطيعاً؟
هذه الحبيبة، تولى - و في وسعه أن يدعوها فتقبل بعد أن ولّت مدبرة
قال: على رسلك فالمسألة لا تستدعى كل هذه الاسئلة، ان الحياة حبيبة الى الرجل الفطرى، عزيزة كريمة أثيرة عنده، و هو أقدر من الاخرين غير الفطريين على الاستمتاع بها، فاحساسه اياها أجل و أدق، و أكثف و أرق.... بيد أن تركها لسبب واحد لا يتعدد من حيث الجوهر على اختلاف الشكل و المظهر، هذا السبب الاكبر هو حماية الحقيقة - لا أقل و لا أكثر.
أنت انسان، هذه حقيقتك، فأنت مكلف حمايتها، و ليس ثم عذر يحول بينك و بين هذه الحماية...
انسانيتك أو حقيقتك لا يجوز أن يفارقها أو يقاربها ما ينافيها، فأنت نازل عنها بقدر ما تسمح أن يلابسها أو يدانيها ما لا يلائمها، أترانى أعرقت أو فلسفت؟ لا - ان البدوى الامى يعرف حماية الحقيقة:
ألم تريا أنى حميت حقيقتى *** و باشرت حد الموت و الموت دونها
قلت: أليس حقيقة الانسان هي ما نسميه الكرامة؟ فإن زيداً أو عمراً
/ صفحة 409/
لا يتحدث في لغة العصر عن حقيقته، بل عن كرامته، فيقول مثلا: ان هذا العمل أو ذاك يجرح كرامتى، و أنا لا أقبل أن تمس كرامتى، أنا أحافظ على كرامتى الخ،
ان حماية الحقيقة معنى و لفظ أتى عليهما الدهر، فليس من شأنك الان أن نحمى حقيقتك أو تحفظ كرامتك..
انه شأن الدولة و القانون.فما عليك الا أن ترفع الامر الى القضاء، و هو الكفيل أن يحق الحق و يبطل الباطل.... أنت تتقاضى فيقضى لك بالتعويض، و يقضى على المعتدى عليك أن يدفع لك بالتى هي أحسن، أو بالتى هي أسوأ، ما تدينه به جزاء العدوان عليك ثم هو قبل هذا أو بعده معاقب بالحبس او السجن أو الاعدام.
ان الانسان في عالمنا الحديث معفى من كثير مما كان يتحمله في العالم القديم و ليس له مهما تكن الظروف و الملابسات أن يقتضى حقه بيمينه أو بيساره.
ألم تقرءوا
((العقد الاجتماعى)) لمؤلفة الشهير ((جان جاك رسو)) ان في هذا الكتاب لعرضاً بليغاً ليحاة بني آدم على هذه الارض أيام كان كل يحمل تبعاته فيقتضى حقه، و يدفع العدوان عن نفسه، فكانت ((الفردية)) في أتم صورها، و كان المجتمع البشرى غير قائم أو قائماً كغير قائم، لا يمثل و لا يعبر عنه، فلا غرو يمل الناس من طول ما ما رسوا هذه الحرية المطلقة التي زادت على الحد، فانقلبت الى الضد، و صارت الى ما يشبه العبودية، و كذلك تحتم عليهم الحياة أن يحتموا و يتفقوا على أن ينزل كل انسان عن حريته للمجتمع فيتولى هو شئون أفراده فتنشأ الدولة بسلطانها القضائية و التنفيذية و التشريعية، فهى هي صاحبة الامر و النهى و حماية الحقيقة ان شئتم ألا نخرج عما نحن فيه.قال: رويدك بعض غلوائك الببغائية، فأنت تكرر ما قرأت أو
شيئاً منه، و ما عرف مجتمع النمل أو النحل - بله مجتمع بني الانسان - هذه الفردية الخرافية ((الجانجاكية الروسية)) ، و لا بلغت الدولة في أتم سلطانها هذا المبلغ الذي يلغى نشاط الفرد هذا الالغاء الشامل، و الا فقيم الاحكام التشريعية الخاصة بالاعذار و المسامحات القانونية؟ أو اذا وقع اعتداء على نفسك أو مالك أو على نفوس من ترعاهم أو على أموالهم تنتظر حتى تجىء القضاء أو يجيئك معوضاً و منتقماً؟/ صفحة 410/
ان ثم لمواطن تلزمك أن تحمى حقيقتك ما دامت الارض و ما دام عليها نشاط حيوانى.
قلت: ان الكرامة الانسانية نفسها تقتضينى أن أغضى عن أشياء ما كان لى أن أغضى عنها لو كنت أحيا في وسط بدائى. أترانى - لو سمعت كلمة نابية من سوقى - مكلفاً أن أحمى الحقيقة؟ انكم يا سيدى الشيخ لتعيشون نظراً و قولا في غير النصف الثانى من القرن العشرين، و تودون أن تبعثوا مثلا و نظماً و قواعد سلوك أخنى عليها الذي أخنى على لبد.
قال: بل بصدد مثل و نظم و قواعد سلوك حية ما دامت الحياة، و الا فمن كلفك أن تتقارض نابى القول أو تتبادل الصفحات مع كل من هب و دب، أو أنت اذن تحمى حقيقة أم تهينها هوجاً و حمقاً، ألا انك لمكلف أن تعرض عن الجاهلين و أن تلبس لكل حالة لبوسها، انك مستطيع أبداً حفظ انسانيتك الا أن تفارق الروح الجسد، و حينئذ لا تبقى هناك حقيقة أو كرامة الانسانية تحمى.
قلت: صدقت
((خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين)) .قال: ذلك هو أدب الكتاب المبين، أفلاترى الى الايجاز و كيف يسمو الى مرتبة الاعجاز.
قلت:
((خذ العفو)) واحدة ((وأمر بالمعروف)) ثانية ((و أعرض عن الجاهلين)) ثالثة. ثلاث كل منها تصلح مادة مؤلف ضخم.قال: أو قل ثلاث قصص على الطريقة الفرنجية.
قلت: لعل الله يوفقنى فأعالجها.
قال: لو قلت لعل الله يوفقنى فأفقه هذه المعانى.
قلت: أترون أنى لا أفقهها.
قلت: بل أرى كثيراً ألفواً فيها مؤلفات ضخمة و لا و الله ما فقهوها و لو أنهم فعلوا لما رأيت الواحد آحاداً بل عشرات بل مئات.
قلت: الان أجدنى لا أفهم.
/ صفحة 411/
قال: أرأيت الوحدة واضحة في نظام انسانى وضوحها في النظام الاسلامى، هذه الامة الواحدة بنص كتابها الذي لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه:
أرأيت مثلها أمة أخرى تبددت و تفرقت وتجزأت، أترى في كتابها آية نصها:
ان هذه أمتكم - أمما مختلفة متنافرة - فتناحروا الى يوم يبعثون.
قلت: بل أرى آية كريمة نصها:
((ان هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون)) أمة و احدة، و معبود واحد.قال: فلعلك توافقنى اذا زعمت أن كثيراً من زاعمى الفقه لم يفقهوا، و من زاعمى العلم لم يعلموا، و الا ما رأيت الواحدة الاسلامية تطبق تطبيقاً معكوساً تحكيه هذه الكلمة المفتراء البالغة ما شئت من سخف و ركاكة
((ان هذه أمتكم - أمماً مختلفاً متنافرة - فتناحروا الى يوم يبعثون)) .قلت:
((سنريهم آياتنا في الافاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)) و لقد أرى الله سبحانه و تعالى المسلمين آياته في الافاق و في أنفسهم. و ان جماعة التقريب لموجهة أبصار المسلمين الى آفاق شاء الله لحكمة يعلمها أن يصرفها عنها الى أجل و من يدرى لعله جل و علا أرادنا على أن نتبين أشياء ما كنا لنتبينها لو لم نمتحن بهذا البلاء العظيم.قال: ان رسالة الاسلام ليميزها أنها آخر الرسالات، فهى باقية ما بقيت الارض و السموات، و اذا غفلنا حقبة طالت أو قصرت فنحن آخر الامر غير غافلين، فلا قنوط و لا يأس من روح الله
((انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون)) .