/ صفحة 412/
لكن قال شيخى
لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الشيخ محمد الطنطاوى
الاستاذ في كلية اللغة العربية
لعلك بعد شرحى لك ما يقتضيه المنهج العلمى في هذا البيت:
و كان بنو فزارة شر عم *** و كنت لهم كشر بني الاخينا
اذ عرفتك أن قائله عقيل بن علّفة المرى، و أن (الاخينا) فيه مراد به الاخوة - قضيت لبانتك فيه، و استبان لك منه ما تبتغيه:
قلت: ان الشعر مرآة تنطبع عليها صورة الشاعر، فتنمّ عن دخائل نفسه، و ما خطب عقيل في ضيقه ببنى عمه؟ و هلا اعتز بهم، و تغنى بالفخار بكرم النجار.
و طيب الاردمة، ديدن العرب و نحيزتهم في الاشادة بالقبيلة و العشيرة.
قال: شعر عقيل يصور ما انطوت عليه حناياه من احن وضغن، فهو نفثة مصدور، و حنق ملأ القلب ففاض على اللسان، لانه كان مملوءاً بالغرور، و فيه عنجهية تسلطت عليه حتى خال أن ليس له كفىء مع شظف عيشه، و ضيق ذات يده، قال الاصبهانى في الاغانى:
(كان عقيل هذا جافياً أهوج شديد الغيرة و العجرفية و هو في بيت شرف في قومه من كلا طرفيه، و كان لا يرى أن له كفئاً الخ)(1)
لهذا كانت توسوس اليه نفسه، أن الناس حوله دونه، له حق عليهم، و ليس لهم عليه حقوق، و ما عنده مال و لا نشب يوجب تسخير الناس - و لا سيما أقاربه
ــــــــــ
(1) الاغانى ج 11 ص 82 (ساسى).
/ صفحة 413/
لارادته و سلطانه الخيالى، فلا غرو أن يتجاوز حدّ الاعتدال، و يقذفهم بجام غضبه، فيقول في بني عمه ما لا يقال في ذوى القربى، تلك كانت شنشنته، فقد بلغ من أمره أنه ورد المدينة المنورة قاصداً الوالى عليها - عثمان بن حيان المرى - في عهد الوليد بن عبدالملك يحدوه الامل في حسن الوفادة، ثم لم ينشب أن جرت بينهما مقاولة في خطبة ابنته له، و استحالت الملاطفة بينهما مشاكسة، و بعد اصراره، على الاباء أمر الوالى بوجىء عنقه و قال له: أنت عربى أحمق جاهل، فخرج عقيل مكبوتاً مهموماً، و قال:
كنا بني غيظ رجالا فأصبحت *** بنو مالك غيظاً و صرنا كمالك
لحا الله دهراً ذعذع المال كله *** و سوّد أبناء الاماء الفوارك(1)
ان عقيلا من غيظ بن مرة، و عثمان من مالك بن مرة، ربطت بينهما وشيجة القرابة، و باعدت بينهما الاقدار، فعثمان والي المدينة المنورة، و ناهيك بها ولاية و مجداً، لكن النعرة في عقيل أنسته قدره، و أخرجه غضبه عن حد الاعتدال، فتلمس المثالب المعفاة، و نبش المدفون و أقذع في الهجاء، و وصم بني مالك فصيلة عثمان، ثم عثمان نفسه، بماترى في البيتين:
ففى أول البيتين نفى الرجولية عن بني مالك أول الزمن، فقد كانت لغيظ، و الدهر قلب ما أقساه و ما أظلمه، اذ سادت آخر الزمن بنو مالك، و انحطت بنو غيظ، و في ثانيهما أن الدهر معوان للهجناء - قالوا قد مس عثمان أو أباه أسر- لقد نال عقيل من عثمان في أعز مايحرص عليه من سؤدد و كرامة في نفسه و قصيلته، و ما ذاك الا لانه أخرق مائق لا يبالى القول في كل ما يعنى له غير مكترث بما يستلزمه من تبعات، عرض له ما أشخصه الى عمر بن عبدالعزيز رضى الله عنه، و أدار معه القول فيما جاء له فبدرت بوادره و انفلت لسانه، و لما تجانف عن جادة القول معه تلطف له ليخفف من غلوائه، و يقيم من صلفه، فقال له:
ــــــــــ
(1) الاغانى ج 11 ص 82 (ساس) و اللالى ص 45 و العقد الفريد ج 3 ص 415. و ذعذع المال: بدده و فرقه.
/ صفحة 414/
و الله ما أراك تقرأ شيئاً من كتاب الله تعالى، فقال له بلى، انى لاقرأ ثم قرأ: انا بعثنا نوحاً الى قومه، فقال له عمر: ألم أقل انك لا تقرأ: فقال ألم أقرأ؟
فقال له ان الله قال: انا أرسلنا نوحاً الى قومه - فقال عقيل:
خذا بطن هرشى أو قفاها فأنه *** كلا جانبى هر شى لهن طريق
فطفق الحاضرون يضحكون من عجرفته، و يعجبون من نوكه و تماديه في تصويب خطئه، اذ يظن أن الفعلين المترادفين يقوم أحدهما مقام الاخر في القرآن الكريم، و هي غفلة عن خصائص القرآن لا تغفر له، و ربما كان منشؤها طول اقامته في البادية و قصر مجالسته العلماء في الحضر.
و هرشى تنية في طريق مكة و لها طريقان: بطنها وقفاها (أمامها أو خلفها) فلكلا جانبيها طريق للابل.
قلت: قد رأيت هرشى مع رفقتى
((بعثة الازهر للحج عام 1368 هـ - 1949 م، فحين دنوناً منها و راعنا منظرها سأل سائل منا الحجازىّ الذي كان يصحبنا، و هو خريت خبير بالمفاوز و أعلامها، و يحس بشوقنا الى الوقوف على آثار العرب، و لاسيما الواردة في شعرهم و نثرهم عما سنقدم عليه و نلجه حسب التجاه السيارة، فقال الحجازى: تلك هرشى، فتذكرنا هذا البيت و تدارسناه.ثم اجتازت بنا السيارة بطن هرشى بعد نزول كثير من الصحاب اتقاء للخطر في صعودها و نزولها، و أبدينا للحجازى رغبتنا في التلبيث قليلا بالسيارة لنملاء العيون من هذا الاثر المضروب به المثل في البيت، و لنرى أن البطن و القفا طريقان للابل يسلك الراكب ما شاء منهما كما حكم الشاعر - و انه لحكم العارف طابق فيه الخبر الخبر - غادرنا هرشى، و سارت السيارة صوب المدينة المنورة، و حظينا بزيارة المصطفى صلى الله عليه و سلم، و عند قفولنا رأينا هرشى ثانية، و يطول في الحديث اذا ما عرضت لكثير من المواطن الاسلامية التي وقفنا عليها في مكة و المدينة و مابينهما، مع اعترافي بأنى في كلمتى هذه التي اقتضتها هرشى قد نزعت في غير القوس، و نأيت عن الهدف، و أضعت وقتاً فيه الاستماع لما تقوله أحب إلىّ من كلامي
/ صفحة 415/
قال: كلا لقد صادف حديثك هوى في نفسى، بيد أن أساس المبحث ما كان يتطلب الا المامة تدرك منها الصلة القوية بين عقيل و بينه، فإن هذا مثار ذكر بعض نتف من اخباره، و الخلاصة أن نسبة البيت الذي تحدثنا عنه الى عقيل نسبة يتلقفهاالذوق الادبى بالقبول و الاطمئنان - نعم ان الرجل بعد امعانه في الاسفاف بداله النزوع الى الابقاء على ذوى القربى، والرجل ذو بدوات، فقال من أبيات في الحماسة:
و أبغض من وضعت الى فيه *** لسانى معشر عنهم أذود
و في البيت تعقيد لفظى كما يرى البلاغيون، اذ تقدير البيت ليضح معناه، ما قال التبريزى: (و تقديره و أبغض من وضعت لسانى فيه الىّ، معشر عنهم أذود، فقدم (الىّ) قبل أن يتم الكلام الذي هو لها مقتض.
و يعجبنى قوله بعد هذا البيت:
و لست بسائل جارات بيتى *** أغيّاب رجالك أم شهود
فهذا مثل أعلى في العفة و الطهارة.
و نعود الى ماكناً بصدده، فقد انساق الحديث استطراداً الى ما قلته لك آنفاً، و أحسبك تهوى ترسم أسلافنا في مدارستهم، فقد كان مجلسهم يبدأ بالاستفهام عن آية من الكتاب أو بيت من الشعر أو طريفة من خبر، ثم لا يلبث الحديث أن يتصل بعضه ببعض غير منوط بالاتجاه المعين الذي كان مثار السؤال، فقد تذكر فائدة جديدة محببة للسائل لم تدر بخلده عند السؤال، و كتب الامالى و المجلس بين يديك، و رحم الله الشريف المرتضى و ابن الشجرى من بعده:
قلت: حسبى ما ذكرت، و ما كل هذ انتظر في قائل البيت، و لعل الباعث عندك على الاطناب و الاستطراد اساختى التامة لاستماع الحديث عن البيت، و اقبالى عليه، فلا أخفى عنك أن الحافز على اهتمامى به، و الحافي في السؤال عنه مرجعه الى المراد بـ(الاخينا)، فمعذرة اليك فيما تلاحظه علىّ، فإن بيانك الوافي مما ينبغى معه طرح الشك في جمعية (الاخينا) بيد أن بعض الفضلاء علق على البيت بما يفيد
/ صفحة 416/
أن (الاخينا) هو (الخ) بعد طرد الياء و النون عليه، فهما مترادفان معنى و المراد بهما الواحد، و اعتبر حضرته أن هذه الزيادة على هذا النمط طريقة من طرائق القول عندهم، و عهدى بحضرته طلعة بحاثة، ذا رواية و دراية، فربما وقف في مطالعاته على ما يقتضى عدّ هذه الزيادة على آخر الاسم جائزة و مستمر غير مجددة زيادة في المعنى، و من حفظ حجة على من لم يحفظ، و ما يفتأ المرء يسمع و يصرف ما لم يصرف الى أن يأتيه اليقين، و لقد عابوا قديماً عدى ابن الرقاع العاملى في قوله:
و علمت حتى ما أسائل عالماً *** عن علم واحدة لكى أزدادها
و ما من شك أنه خرق في الرأى، و جماع عن الرشاد، و ما زلت أهفوا الى القول الفصل في هذا البحث، ولعلك لاتوجه تثريباً على بعد اعذارى في اللجاجة و المقال و لعلك ترجع الى عبارته لتعرف نصها:(1)
قال: الان أدركت سر ارتيابك و شكك، فقد بلغت من لدنى عذراً، و إنّي سأتحدث اليك في هذا النص المنقول، بعد أن أسرد لك نكتة أدبية ترتبط يبيت عدى و استنكاره، و الحديث ذو شجون، و ما أجمل ما يأتى عفواً من الملح ان ساقت اليها المناسبات.
قال المرزبانى في الموشح: أخبرنى الصولى، قال حدثنى يحيى بن على، قال قال أبو جعفر محمد بن موسى المنجم: كنت أجب أن أرى شاعرين، فأؤدب أحدهما و هو عدى بن الرقاع لقوله:
و علمت حتى ما أسائل عالماً *** عن علم واحدة لكى أزدادها
ثم أسائله عن جميع العلوم، فاذا لم يجب أدبته على قوله، و أقبّل رأس الاخر و هو زيادة بن زيد لقوله:
ــــــــــ
(1) ص 167 - 168 من المجلد الخامس لرسالة الاسلام، من قوله ((لنقف عنه عم السوء و شر بني الاخينا)) الى قوله (فيكون عندنا الشيخ ((حم)) كالشيخ ((يس)) مثلا)
/ صفحة 417/
اذا ما انتهى علمى تناهيت عنده *** أطال فأملى أو تناهي فأقصرا
قلت: يا سيدى في ظنى أن هذا أول نقد من نوعه، فما قرأت و لا سمعت نقداً مصحوباً عند المفاضلة بتأديب قائل، و تقبيل رأس آخر، كنقد المنجم، فهل لى أن ألومه على هذا العنف في الحكم و الاغلاظ فيه؟
قال: لا تلمه و أعط القوس باريها ترتح نفسك، و يثلج قلبك، و لا تسترسل معى يمتد الحديث، و إني أعود الى صميم البحث، مع اقتناعى بالبيان في المقال الاول على معنى الجمعية في (الاخينا) في بيت عقيل، و لم يبق لك عند الا التعليق على النص المنقول سلفاً، و مع هذا فانى أرى ارجاء التفصيل فيه الى جلسة أخرى، فقد طال الوقت و أخشى أن يتسرب اليك الملل، فله مقال ثالث خاص، فالى غد بمشاءة الله تعالى.
قلت: الامر اليك، أمد الله في عمرك، و في كلاءة الله
و السلام عليكم و رحمة الله ]للكلام صلة[