/ صفحة 433/
أنباء و آراء
نزغة خلافية في ((البحرين)) :
ما تزال العوامل الخلافية بين الطوائف الاسلامية تعمل عملها في بعض الاقطار الاسلامية، اذ ينتهز مثيرو الفتنة، و دعاة الفرقة، كل فرصة تمر بهم، فيمسكوا بتلابيبها، و لايدعوها تفلت من أيديهم حتى ينتفعوا بها أكبر انتفاع في أغراضهم السيئة، و من عجب أن النافخين في هذه النار، و الموقدين لها، فيهم جلة من أهل العلم، و أصحاب المنزلة في أوطانهم و أقوامهم، و هم مع ذلك يبدون و كأن أحوال المسلمين في العالم ترضيهم و لا تقلقهم، فيشتغلون بما لا فائدة فيه من الخلاف، و لا يترتب على انتصار جانب منه على جانب، خطوة عملية يخطوها المسلمون الى الامام، أو فكاك من قيد ثقيل من القيود التي قيدهم بها الضعف، و التخلف، و سوء الظن المتبادل، و مؤامرات الاعداء في كل مكان.
نقول هذا بمناسبة معركة طاحنة شجرت بين طائفتين عظيمتين من المسلمين في
((البحرين)) بمناسبة بعض الحتفالات السنوية المعتادة. لقد تركت هذه المعركة بين الفريقين آثاراً سيئة، و حفزت القوى فيهما، لا الى بحث الاسباب المفضية بين الحين و الحين الى نشوب أمثالها، ولكن الى الافتنان في ألوان الانتقام و الاساءة و التحرش بالسب والطعن و التجريح و التكفير، بل ربما وصل الامر الى القتل، مع شديد الاسف، و الامم من حولنا مشغولة بالعلم و البحث و التدبير و الاستعداد لكل ما يقويها و يعلى شأنها./ صفحة 434/
أليس من المؤلم أن يجد دعاة الفرقة أذناً واحدة تصغى الى دعوتهم، و قلباً واحداً يتأثر بها، و يداً واحدة تمتد بالعدوان في سبيلها؟
ان الامم التي يشغلها الجدل و اللدد لن ترتفع لها رأس أبداً، ولو أن أمة من الامم كانت قوية عالمة عزيزة مهيبة، ثم فشا فيها هذا الداء العضال لاتى عليها في زمان قريب مع قوتها و علمها و عزتها، فما بالنا بالامة التي تقف الان في مفترق الطرق، تطالب العالم بانصافها، و تزعم لاقطابه و هيآته أنها جديرة بهذا الانصاف، و تجاهد عن حقها في الشرق و الغرب، و تريق دماء أبنائها هنا و هناك، و تبذل كل مرتخص و غال في سبيل وصولها الى ما تبتغى ما بال هذه الامة اذن لا يكف أفرداها عما درجوا عليه من الاثم والعدوان في حقها؟
ان
((جماعة التقريب بين المذاهب الاسلامية)) لم توجد الا لتوحيد كلمة المسلمين و استلال أسباب الضغائن من قلوبهم، و العمل على أن يترفعواعن كل ما يصمهم بوصمة التأخر و الضعف، و العناية بتوافه الامورج و تالله لن تقوم للامة قائمة ما دامت طوائفها، أو أفراد من طوائفها، تتحرك لان احتفالا أقيم في مناسبة معينة، هذا يرضاه، و هذا يأباه، أو لان خطيباً قال في بعض كلامه مالا يقبل من وجهة نظر فريق غير فريقه، و لقد اهتمت ((دار التقريب)) بهذا الامر حق الاهتمام، و دارت مراسلات و اتصالات في شأنه بين السيدين الجليلين: محمد على علوبة رئيس الجماعة، و سماحة الشيخ محمد تقى القمى سكرتيرها العام، و بين عظمة حاكم البحرين و صفوة من رجال ((البحرين)) الكرام، و كان لهذه المراسلات أثر و الحمدلله في تخفيف الحدة، و اخباء نيران الفتنة، و لعل هذا يكون مدعاة لتدبر عميق من اخواننا هناك ينتهى الى توطيد أسباب الالفة و المحبة، و تناسى أسباب الفرقة و البغضاء، فتندمل جراح أحبب الى المسلمين أن تندمل ((و ترقا دماء أعزز عليهم أن لا تفتأ تسيل، و الله المستعان)) ، ((ربنا لاتؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا، ربنا و لا تحمل علينا اصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به، و اعف عنا، و اغفرلنا، و ارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين)) ./ صفحة 435/
صوت من ((كراتشى)) :
يشعر أهل العلم و الغيرة على الاسلام و المسلمين، بعاطفة صادقة نحو التقريب و غايته الشريفة، و يرون في ((رسالة الاسلام))
دعوة هادئة و زينة مثابرة الى اصلاح المسلمين في مختلف طوائفهم و شعوبهم اصلاحاً نفسياً فكرياً هو أساس وطيد من أسس التعاون على الاصلاح العام الذي يجعل منهم أمة قويه قائمة بأمر الله على أن تكون كلمة الله هى العليا، و على أن يفيىء الناس الى ما يجب أن يفيئوا اليه من حكم الله، و صراطه المستقيم.يشعرون بهذه العاطفة الصادقة نحو التقريب و رسالة الاسلام، و يكتبون الينا مؤيدين أحياناً، و موجهين أحياناً، و ناقدين أحياناً، و نحن نتلقى هذا كله بما هو جدير به من العناية و القبول، و نجعله دائماً نصب أعيننا فيما ندرس و نبحث شاكرين لاصحابه غيرتهم و اخلاصهم.
و مما يرد الينا كثيراً رسائل تفيض حزناً و أسفاً على ما يصادفه المسلمون من صعاب داخلية أو خارجية تعوق تقدمهم، و تحول بينهم و بين ما يصبون اليه من النهوض و الانبعاث في ركب الحياة.
و نحن نرى في هذه الرسائل، و في الروح الكريم الذي يبعث عليها، أمارة على الوعى و التيقظ، و بشارة بالخير و المستقبل المنشود، و لا نعتقد أن اليأس يتطرق الى قلوبنا بتريدى هذه المعانى و الاستماع اليها.
و من أمثلة هذه الرسائل التي تفيض غيرة على الامة، و تفيض مع ذلك حزنا و أسفا و اعترافاً بحكم الواقع المؤلم، ماجاء في بعض ما كتبه عالم من العلماء الممتازين بباكستان الى كبير في جماعة التقريب، اذ يقول في صدد حالة المسلمين عامة، وحالة شقيقتنتا (الباكستان) خاصة، مما ننشره المعبرة و ما فيه من النصيحة:
... انى أرغب في أن أشغل بعض فراغك، أو أغتصب بعض أوقاتك الثمينة، لابثك بثى، و أتنفس لديك ببعض آرائى التي أحس بأنها سجينة ذهنى، و أسيرة نفسى و قد يشجعنى على ذلك ما أعلمه من أن هذا النوع من الحديث اليك يتصل بمهمتك
/ صفحة 436/
السامية، و غايتك الشريفة، التى ظاهرك عليها، و أيدك فيها اخوان أعزة كرام لهم شأنهم و مركزهم في شعوبهم و في المسلمين عامة.
إنني أحب (رسالة الاسلام) و امتلاء فخراً و مباهاة بها، و بالفكره التي تدعوا اليها، ولكنى عندما أنظر الى المسلمين بقومياتهم المختلفة، و ألوانهم المتباينة، و بيئاتهم المتفاوتة، أجدهم يهتمون بأمور ليست صالحة لهم، و ليسوا صالحين لها، كأنهم لم يعرفوا الحياة الحاضرة، و لم يسمعوا بما يملاء أقطار الدنيا الان من المخترعات النافعة الجبارة، أو الضارة الهدامة، و لم يقفوا على السياسة العامة، و الاطماع العظيمة التي تدور في خلد زعماء البشرية اليوم، و لم يعلموا أنهم اللقمة السائغة، التي تتحلب لها أفواة كثير من الوحوش الكاسرة.
كنت أحسب أن هذا التغافل، و هذا التناوم، و هذا التعامى، انما هو من آثار الاستعمار فحسب، ولكن التاريخ يرشدنى و يثبت لى أن المسلمين منذ بدء نهضتهم اهتموا بالامور المحلية، و ضحوا المصالح العامة، و انما عظمة الدين و سبأت أمم العالم قد مهدا لهم العيش الكريم في الدنيا بضع قرون، لقد عاشوا حياتهم كلها في حروب داخلية، و ثورات دموية، نعم الاستعمار كان دائماً يفحص عن نقاط الضعف في الامة، فاذا وجدها أنماها و تعهدها و سقى بذورها....
... و من العجيب أن الكل الان منفقون على أن القوانين المالية و الجزائية يجب ألا تكون اسلامية، لانها لا توافق المصالح الحاضرة و قد يصح أن نسألهم ما ذا يعنون من الحكومة الإسلامية هل هي التي تقيم العبادات والاحوال الشخصية؟ فإن الحكومات المسلمة كلها متفقة في هذه، و هلايقف العاقل متعجباً من هذه الامور التي تجرى في هذا المحيط العظيم وتؤدى الى تعطيل جهازه و اهمال مصيره.