خواطر من الذاكرة
لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الاكبر الشيخ عبد المجيد سليم وكيل جماعة التقريب
بهذا العدد تدخل (رسالة الإسلام) في عامها السادس على بركة الله تعالى، وقد بعث إليها فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ عبدالمجيد سليم ـ حفظه الله ـ بهذه الكلمة تحية وتهنئة لها، وفيها من النصح والتوجيه ما نرجو أن يهدى الله إليه، وينفع به. (التحرير)
الحمد لله الذي أتم علينا نعمته وارتضى لنا الإسلام ديناً، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وعلى سائر أنبياء الله ورسله، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .
أما بعد، فإني أبعث بتحيتي وتهنئتي إلى مجلة «رسالة الإسلام» الغراء، وهي على أبواب عامها السادس، وأسأل الله لها تمام التوفيق، وأطراد النجاح، وأن يُمد القائمين عليها بعونه، ويؤيدهم بنصره، ويؤتيهم من لدنه رحمة، ويهىء لهم من أمرهم رشدا، إنه تعالى ولي الصابرين، وإن رحمته قريب من المحسنين .
* * * *
وأنتهز هذه الفرصة فأدلي من ذاكرتي ببعض الخواطر التي تعرض لي أحياناً، بما لعله يفيد المجلة كتابها وقراءَها إن شاء الله تعالى :
(4)
1 ـ فمن ذلك أن الناس يذمون التعصب للرأي، ويرونه ضاراً بالعلم منافياً لما ينبغيى أن يكون بين أهله من سماحة، وقد يصل بهم الأمر إلى أن يقيسوا رقي الأمم والجماعات بمقياس يرجع إليه، فإذا وجدوا التعصب سائداً في قوم وصفوهم بالتأخر الفكري، أو بالقصور، أو بالتزمت، أو بضيق الأفق، إلى غير ذلك من العبارات الدالة على الجمود أو لوازم الجمود، وعلى العكس من ذلك نراهم يصفون المتسامحين، فيهم عندهم أقوى عقولاً، وأهدى سبيلاً، وأصلح للحياة الاجتماعية الراقية .
وإطلاق القول على هذا النحو مجانب للصواب، فإن «التعصب» إن أريد به عدم قبول الحق عند ظهور الدليل بناء على ميل المرء لعصبته، وجدّه في نصرتهم، فهو مذموم منهى عنه في الإسلام، ويطلق عليه لفظ «العصبية» وقد نعى الله على أهل الجاهلية في غير آية من كتابه الكريم، تمسكهم بها، ومن ذلك قوله جل شأنه «أم آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون. بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون، وكذلك ما أرسلنا من قبلك من قرية من نذير إلاّ قال مُترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون. قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم؟ قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون، فانتقمنا
منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين»(1) .
وفي الحديث الشريف (ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل عصبية، وليس منا من مات على عصبية)(2) .
وشبيه بهذا الذي كان يفعله أهل الجاهلية تعصب بعض المقلدين لمذاهب أئمتهم وإن وقفوا على ضعفها أو بطلانها، وفي ذلك يقول الشيخ عز الدين عبدالسلام «ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه
(5)
بحيث لا يجد لضعفه مدفعا، وهو مع ذلك يقلده فيه، ويترك من شهد له الكتاب والسنة، ويتأولهما بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالاً من مقلَّده» .
وقد أفاض العلماء في فساد هذه الطريقة وبيان مجافاتها للصواب، وتأيها عن الحق، ومن القواعد التي يقررها الشرع والعقل أن (الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل) .
وإن كان المراد بالتعصب الغيرة على ما يراه المرء حقاً، وبذلَ الجهد في الدفاع عنه، وعدم التسامح فيه، فذلك محمود،بل واجب بالشرع والعقل، فانه لا بد للحق من مستمسك به، مدافع عنه، ولو ساغ أن يتطابق الناس جيعاً على التسامح في شأن الحق، والفتور عنه، لبطل الحق، وعمّي على الناس وجهه، والتبس بالباطل في كثير من الشئون .
ولهذا لا يصلح مجتمع يخلو من المستمسكين بالحق، المدافعين عنه، الذين لا يترخصون فيه ولا يتسامحون، وإن جميع الدعوات الصالحة الخيّرة ما رسخت أصولها، ولا سَمَقَت فروعها، إلاّ باستمساك أهلها بها، وصدقهم في النضال عنها، لأنهم آمنوا بها إيماناً ثابتاً لا يتزلزل، ولولا هذا الإيمان الصادق القوي المتماسك لماتت ـ والعياذ بالله ـ دعوة الإسلام في مهدها، ولفسد المجتمع الإسلامي من أول الأمر بما يسميه المتحللون مساهلة أو مياسرة، ونسميه نحن انحلالاً أو اضمحلالاً .
وقد أمر الله المؤمنين بأن يكونوا أقوياء في الحق «يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم» ومدح الذين «يمسّكون بالكتاب» ولعل هذه الصيغة إنما اختيرت للتعبير عن معنى القوة في الأخذ، وهو ما صرح به في مثل قوله تعالى لنبيه يحيى: «يا يحيى خذ الكتاب بقوة» ولنبيه موسى: «فخذها بقوة»، كما أمر المؤمنين بأن يكونوا «قوّامين لله» والقوّام بالشيء غير القائم به إذ هو مبالغة في القيام تقتضي القوة في الاستمساك والتشبث، وذلك كله ينافي التارخي عن الحق، والمساهلة فيه .
ـــــــــــ
1- سورة الزخرف 21 ـ 25.
2- رواه أبو داود عن جبير بن مطعم، كما في الجامع الصغير .
(6)
هذا والناس إنما يفقدون الحماسة للحق، والحرارة في الدفاع عنه، لواحد من أمرين: إما جهل به يصر فهم عنه، فهم لم يذوقوا حلاوته، ولم يباشروا بشاشته، فأني لم أن يعبأوا به فضلاً عن أن يغاروا عليه، وإما شغل بغيره يملا القلب، ولا يترك مجالاً للنضال عن الحق، والكفاح في سبيله، وأولئك هم الذين يعرفون الحق ويشغلهم عنه ما آثروه من أنفسهم ومصالحهم، فهم يتظاهرون بأن تركهم مناصرة الحق إنما هو لتركهم التعصب، وكراهيتهم التزمت والتشدد، والله يعلم أن ذلك منهم نكول ونكوص وإيثار لعاجل الدنيا على آجل الآخرة، وأشد ما تصاب به الإمم في علمائها وأهل الرأي فيها، هو التحايل للخروج من تبعات الكتمان بلأويل والتضليل .
بهذا يتبين أن التعصب ليس مذموماً كله، وأن اتخاذ أمره مقياساً للرقي أو الانحطاط يجب أن يتلقي بحذر، ويقدّر بقدر .
ألا وإن دعوة التقريب لدعوة إلى الاخذ بمحموده والانتهاء عن مذمومه، وإنها لدعوة الإسلام .
* * *
2ـ ومن ذلك أن بعض الكاتبين في الدفاع عن الإسلام، يسلكون سبيلاً لا أرى لهم أن يسلكوها لما فيها من الخطر، وإن استتر. وأقصد بهم الذين يحارون مفكري الغرب فيما يرونه خيراً للمجتمع أو شراً، ثم يحاولون أن يبرئوا شريعة الإسلام من هذا الشر، أو يضيفوا إليها الامر بذلك الخير .
مثال ذلك:تعدد الزوجات، فإنهم يأخذون عن الغرب مجافاته للمجتمعات الراقية، وإنضاءه إلى ألوان من الكوارث تجعله أمراً ضاراً بالناس، ثم يدافعون عن الإسلام بأنه يمنع تعدد الزوجات بقوله تعالى: «ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم» مع قوله جل شأنه: «فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة» .
وليس هذا حقاً، فإن الإسلام أباح التعدد لحكم جليلة، ومنافع للمجتمع يدركها المنصفون، فمن الخير أن نشرح وجهة الإسلام في هذا الإباحة، لا أن
(7)
ننكرها ونماري فيها، ولنعلم أن الله تعالى لم يشرع لنا حكما إلا كان مطابقاً للحكمة والمصلحة والرحمة، فإلى بيان ذلك فلتتجه الافكار والافكار والاقلام .
وقد كان من آثار اغترارنا بما يراه أهل الغرب أن وفدت علينا وافدات كثيرة عن هذه الطريق، فصار فينا من يطالب بقصر الدين على ما يسمونه النواحي الروحية أو الخلقية أو التهذيبية أو نحو ذلك، وألا ندخل به في النظم والمسائل العملية، وغفلوا عن الفرق بين شريعة الإسلام وغيرها، فإذا كان غيرنا لم يجد فيما عنده مناهج الإصلاح وتنظيم المجتمع، فلا يحوز أن ينسحب ذلك علينا وفي شريعتنا كل مقتضيات الحياة الصالحة الراشدة .
وكذلك صار فينا من يستحسن إطلاق حرية المرأة دون التفات إلى ما يجوز من ذلك في شريعتنا وما لا
يجوز، ودون دراسة بصيرة منصفة لوجهة نظر الشريعة الإسلامية في صون المرأة والمحافظة على كرامتها وآدابها، ووقاية المجتمع من شرور الانحلال والفتنة إذا ترك الحبل على الغارب للنساء والرجال في المجتمعات، ومثل هذا استحسان تسوية المرأة بالرجل في الميراث، واستحسان بعض المعاملات الربوية، ومحاولة إيجاد منفذ للقول بإباحتها شرعاً، وإغراء بعض أهل العلم باسم التجديد والجرأة الفكرية وإظهار الإسلام بمظهر المطاوعة للتقدم على الرجه الذي يزعمون ـ إغراؤهم باقتحام حصون التشريع تلبية لهذه الاهواه الباطلة .
وقاعدة الإسلام التي لا يجوز الخروج عنها لمؤمن، أن ننظر فيما يعرض لنا من مسائل وأحكام، فما كان في كتاب الله تعالى أوسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أخذنا به، وعملنا على بيان حكمته وما فيه من المصلحة، ليقتنع به من يظنون أنه مخالف للعصر، أو غير صالح للمجتمع الحديث كما يقولون، فإن لم نجد طبقنا أصول الإسلام في النظر وتحرى المصلحة مستعينين بآراء من سبقنا من سلفنا الصالح، وأئمتنا الإعلام، دون أن نتقيد إلا بما صح سنده ورجح دليلة .
أما أن نعتنق الرأي لأن شعباً من الشعوب اعتنقه، أو مفكراً من مفكري
(8)
الشرق أو الغرب دعا إليه، ثم نلتمس له وجهاً في الإسلام، أو نأطر الادلة الشرعية عليه أطراً، فليس ذلك سواء السبيل .
* * *
3ـ وأمر ثالث يحضرني الآن وأحب أن أنبه إليه، ذلك أني سمعت أن بعض أهل العلم كان يحث الناس في بعض الجمعيات الإسلامية، على الاهتمام بالثقافة الدينية، والعناية بتربية جيل يفهم الدين والشرعية حق الفهم، ويؤمن بهما على بصيرة حق الإيمان، وأن نصلح مناهجتا وطرق دراستنا لهذه الثقافة الإسلامية إصلاحاً يتفق وهذا الاهتمام، فإن الإدراك الصحيح هو أقرب وسيلة إلى الإيمان القوي، وإن الإيمان القوي هو أكبر مدد للروح المعنوي .
سمعت ان بعض أهل العلم كان يكلم الناس بهذا، فقال قائل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حارب وجاهد بقوم لم يكونوا يعرفون من الإسلام إلا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمّداً رسول الله، وكان العربي البدوي يدخل الإسلام بهذه الكلمة، ثم يصبح جندياً محاربا يجاهد في سبيل الله، دون أن يعرف ما قاله مالك أو أبو حنيفة أو غيرهما في المحيرة بالحيض من النساء، أو فيمن ولدت بالمشرق وزوجها غائب عنها أكثر من مدة الحمل في المغرب، ولا في زواج ثم بين إنسي وجنية ،أو جني وأنسية، إلى غير ذلك من المسائل التي يشتغل بها أهل العلم الآن، والناس في جهاد لطرد الاستعمار، ومقاومة المباديء الهدامة، والمذاهب الاقتصادية الخطرة... الخ .
هذا ما يقوله بعض الموجهين للشباب، وهم فيه مغالطون، فما كانت الثقافة الإسلامية والتعاليم الإسلامية
بخافية عن الامة في مجموعها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما كانت الامة متمثلة فقط في هذا الأعرابي البدوي الذي لا يعرف إلا الشهادتين، ولكن كان فيها رجال من فحول الفكر والرأي، وعباقرة السياسة والحرب على علم وبصيرة وإيمان، ولم يقل أحد إن النبي وأصحابه أعرضوا عن إعداد العدة، وتهيئة الامة بالوسائل المادية، إلى جانب
(9)
الروح المعنوي، بل كانوا يعلمون أبناءهم الرماية والسباحة، ويعودونهم الجرى والسبق وركوب الخيل، وهذه كانت يومئذ هي علوم القوة ووسائل الجهاد، ولو كان في زمن الرسول طائرات لعلموهم الطيران صناعة وركوبا، ولو كان في زمنهم قفز من الطائرات لعلموهم كيف يقفزون، وإنّ جهلنا بديننا هو الذي جعلنا نظن أن علمه قاصر على الاحكام الخاصة، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة» وسبيل القوة هو المشاركة في العلم فلا يجوز للمسلمين أن يهملوا علما من شأنه أن يزيد قوتهم، ويؤمنهم شر أهدائهم، وإلا كانوا مخالفين لهذه الآية .
فهذا واجب على الامة، ولكنه لا ينافي اشتغال فريق من أبنائها بالعلوم الشرعية، والاحكام الفقهية، فإن فقه الإسلام ما هو إلا منهاجه وشرعته في الحياة، «ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا» ولا يعيب المشتغلين به أن يتعمقوا في دراسة إنما العيب في أن يقصروا فيه ،ويكلّوا عنه، وفي أن تكتفي الامة بالعلوم النظرية دون العلوم العملية .
والله تعالى هوالمسئول أن يهدينا سواء السبيل، وأن يجنبنا الجدل العقيم فانه «ما ضل قوم بعد أن هداهم الله إلا أوتوا الجدل» .
«ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هدينا، وهب لا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب»