(29)
لحضرة الاستاذ الجليل محمد علي علوبه
رئيس جماعة التقريب
الديمقراطية والإسلام:
ظهر الإسلام في بقعة جرداء، وفي بلد ما كان الناس يعرفون فيه سوى الغزو والتناحر والخمر والميسر وعبادة الأوثان، وكانت الأمية هي السائدة في هذا الشعب شأنها في كل شعب يسيطر فيه القوي على الضعيف، وكان الحق للقوة القبلية،وبالجملة كان هذا الركن من العالم مباءة شر وشقاء وحروب وتقاتل ومنبع رذائل .
وفي هذه الظلمات ظهر نور الإسلام، والمتبع لأوامر الوحي الذي هبط على الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه يعلم أن الدين الإسلامي بدأ بتطهير النفوس من الرجس، وتكريم الإنسان له منزلته وكرامته جاعلاً أساس العقيدة وحدانية الله جل شأنه، وأن نبيه محمداً ما هو إلاّ عبد لله، بعثه الله رحمة للعالمين .
توالى نزول الوحي على هذا الرسول الأمين ـ لإرشاد الناس وتطهير النفوس من الأدران والجهالات والمعتقدات الفاسدة، وغرس العقيدة الصحيحة ـ طول إقامة الرسول الكريم في مكة، فلما استقر الدين وتركزت مبادئه في قلوب من آمنوا به وهاجر رسول الله إلى المدينة ; أخذ الوحي ينزل بالأنظمة والتوجيهات الواردة في كتاب الله، ولم يزل التشريع يتدرج حتى أتمه الله وأعلن القرآن الكريم هذا التمام بقوله تعالى: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً» .
(30)
ويكفي لتأييد ما نقول أن ترجع إلى الآيات المكبة وأن تقارنها بالآيات المدنية لترى كيف عنى القرآن قبل أن يبني الإسلام ذلك البناء التشريعي الشامخ بتطهير النفس وإرسائها في جانب العقيدة والخلق على أسس صالحة حتى يكون العمل في نظم الحياة الدنيا قائماً على أساس سليم .
* * * *
أما هذه المبادىء الاُولى التي قام عليها الإسلام لتطهير النفوس من أدران الأزمنة الغابرة ومفاسدها فكثير نجتزىء منها بما يأتي :
1 ـ وحدانية الله جل شأنه فهو الإله الذي يستحق وحده أن يعبد لأنه الخالق البارىء الذي يعلم السر والعلن .
2 ـ أن نبيه ورسوله الذي يتلقى الوحي عنه ما هو إلا عبد له كسائر أنبياء الله ورسله وسائر الناس .
3 ـ أن دين الإسلام ليس خاصاً ببقعة أو شعب من الشعوب، وإنما هو دعوة إلهية وعقيدة عامة عالمية لتطهير نفوس الناس كافة .
4 ـ أن الله جل شأنه كرّم بني آدم، وسوّى بينهم، فلا فضل لأحد على أحد إلاّ بالتقوى، وليس في الدين
طبقات، وقد أقام الإسلام فكرة التعاون بين الناس على أساس متين من الفضيلة والإيثار ورعاية الرحم الإنسانية لخيرهم جميعاً «يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم» .
5 ـ دستور الإسلام هو القرآن الكريم والسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله، وأقول الصحيحة الثابة، لأن كثيراً من الأحاديث قد وضعها أعداء الإسلام ودسوها على المسلمين، وقد تجرد العلماه لبيان ما صح وما لم يصح بعد تمحيصها ومراجعة سندها، ووضعوا لذلك قواعد تشهد بفضلهم وغيرتهم على الدين ودقتهم في البحث، وذلك كله مبسوط في مؤلفاتهم الكثيرة ويمكن الرجوع إليها.
6 ـ ليس لمخلوق في دين الإسلام بعد الرسول أن يدعي أن ظل الله في
(31)
أرضه أو أن يتحدث باعتباره مصدر الإسلام، إنما مصدر الإسلام هو القرآن الكريم والسنة الصحيحة، فلا تلتمس غفراناً من غير الله، ولا ترج غير الله، ولا تنتظر ثواباً أو أجراً من غير الله، فلاواسطثة بينك وبين الله المطلع على سريرتك ونيتك «إنما الأعمال بالنيات» «وقال ربكم ادعوني استجب لكم» .
7 ـ ليس في الإسلام اكليروس، ولكل مسلم أن يعتقد أنه حر يلتمس التوجيه من كتاب الله وسنة رسوله، وإذا غمَّ عليه أمر فعليه أن يلجأ إلى من هو أفقه منه وأقدر على فهم الكتاب والسنة «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» .
8 ـ ليس في الإسلام مبدأ (الاعتراف) عن الخطايا لأحد من البشر، وليس فيه طلب الغفران من أحد، ولا تقديم القربان لضمان دخول الجنة. وإنما القاعدة الأساسية في الإسلام لمن أراد أن يتخلص من ذنبه، هي الندم على ما فرط، وطلب المغفرة من الخالق دون التجاء لأحد سواه.
9 ـ لا رهبانية في الإسلام، فالدين لا يعرف الحرمان من الزواج، بل يحض أتباعه على التزاوج والتناسل أخذاً بسنة الطبيعة البشرية، ولأن المسلم في حياته لا يعرف الكهانة والكهنوت، وإنما هو إنسان يمضي في الحياة الدنيا ويسعى في مناكبها مسترشداً بما أوحى ربه من الجمع بين العلم والعمل والجد لنصرة دينه والانتفاع بدنياه تحت نظام دستور الله .
هذه بعض قواعد دين الاسلام، وسنأتي على ذكر أحكام أخرى في الموضع الذي يحسن أن تكون فيه .
* * *
شخصية الرسول :
وقبل أن نشير إلى نظام الحكم في الإسلام ونقارنه بالديمقراطيات، نرى لزاماً علينا أن نتكلم بوجازة عن شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتصل بموضوعنا الذي نعالجه .
(32)
هل هو حاكم فرد ـ أي (أتوقراطي) بالمعنى السابق ذكره؟ أو هو (دكتاتور) ينفرد بالأمر دون رقيب أو
حسيب؟ وهل هو (ديموقراطي) بالمعنى الذي نفهمه مما أسلفنا، أو (ديماجوجي) أو هو غير ذلك مما قد برد على الخاطر؟.
إنه عليه الصلاة والسلام ليس هذا ولا ذاك، إنما هو رسول اجتباه ربه ليبلغ رسالته، وأوحى إليه دستوراً هو القرآن الكريم، وائتمنه على تنفيذ أوامر هذا الدستور ونواهيه ; يرعى هذه الأمة في حياته بتنفيذ ما ورد في الكتاب الكريم ويترك لهم بعده هذا الدستور على المنهج الوارد به وبما فسره به، صلوات الله عليه من طرائق التفسير والتنفيذ .
عظم شأن رسول الله بين المسلمين وبهرت عظمته نفوسهم، وساعد على ذلك ماضيه الطاهر، وشهرته بالأمانة، وحسن سيرته، وسمو أخلاقه، فنزل الوحي يحذر الناس من أن يتجاوزوا به مركزه عند الله وعند الناس: «قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد» «وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل» «إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر» .
لكن عظمة الرسول الكريم بائتمانة على الوحي وبشخصيته كانت كبيرة تتزايد بمرور الزمن، حتى كان المسلمون يقفون لمقدمه إجلالاً واحتراماً، فكان ينهاهم عن ذلك، ويقول لهم: (لا تعظموني كما يعظم الفرس ملوكهم) .
توالت الأيام وعظمت قوة الرسول، وفي هذا إغراء للنفوس الصغيرة بالسطوة وقوة الجاه والعظمة، فلم تزحزح هذه المغريات تل النفس العظيمة عما رسم لها من تبليغ رسالة الله للناس على النحو الذي أراده الله، وقد ظنوا أن العظمة تغري بعض النفوس بابتغاء السلطة الفردية، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم واجههم بقوله: (لست ملكاً ولا جباراً وإنما أنا ابن امرأة من مكة كانت تأكل القديد) وذكرهم بقوله تعالى: «وأمرهم شورى بينهم» .
فانظر: لقد كان للنبي أن يفاخر بأبيه وجده وأنه من قريش، بل من سادة قريش، أولئك الذين لهم مركزهم المعروف، ولكنه يغضي عن مباهاته بآبائه
(33)
وينتسب إلى أم فقيرة، والعرب لا يفاخرون بنسبتهم إلى النساء، لكن بنسبهم لأصلابهم ورجالهم فكيف لا يفاخر بهذا كله؟ ألم يكن ذلك لقهر النفس وإعلان قومه أن لا هدف له سوى رفع شأن الأمة وهدايتها إلى الطريق القويم غاضا الطرف عن شخصه وذاته؟ أليس في هذا الصنيع معنى سام يجعل المرء يفنى في مبدئه دون أن يحوم حول نفسه؟.
ثم انظر: كيف كان الوحي له هادياً ومرشداً إذ قام عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الله رجلاً من كبار مشركي قريش، وبينما هو كذلك مر عليه رجل ضرير مسلم يسترشده في أمر من الأمور الدينية، وعطل بذلك محادثة الرسول مع المشرك الكبير، فغضب الرسول على الضرير المسلم ولم يكلمه وولى وجهه عنه، فلم يلبث أن نزل عليه الوحي معاتباً له على ما عامل به هذا الضرير رغم أن مركزه الاجتماعي أقل كثيراً من
ذلك المشرك الكبير: «عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى» فكان هذا الضرير إذا مرّ بعد ذلك بالمسجد حياه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (مرحباً بمن عاتبني فيه ربي) .
تلك هي تعاليم الإسلام التي توحي بأن لا عظمة للعظيم إلاّ بتواضعه وتكريمه للفقير، ومساواته الضعيف بالقوي، وهناك ما هو أقوى من ذلك وأدلّ على عظمة هذا الرسول وحبه للأمة وللعدل والمساواة كحادثة الرجل الذي طلب منه صلى الله عليه وسلم أن يُقصَّه من نفسه لضربة ضربه إياها، فأذن له بأن يقتص منه، وكشف له عن صدره، فلم يسع الأعرابي أمام هذا المظهر السامي إلاّ أن يترامى على صدر الرسول يقبله ويبكي .
فمن من الحاكمين يصل إلى هذه المعاني السامية التي تتضاءل أمامها معاني الديمقراطية الحديثة؟.
(34)
إن سيرة رسول الله وصفاته هي سنة من السنن الإسلامية يجب أن يأخذ بها المسلمون لتكون نبراساً لهم فيما يكون عليه ولي الأمر من صفات حتى يحقق المثل الصالح للمحكومين، وقد دلنا التاريخ على أن الحاكمين إذا انحرفوا عن جادة الحق، ولم يكونوا المثل الصالح لطهارة النفس وحسن السيرة والتضحية في سبيل منفعة الشعب، كان ذلك مضيعة للأمم وسبباً في انهيار الشعوب وممالكها .
قد يتصور من ولي الأمر أن يشتد على نفسه، ولكنه في العادة قد يضعف أمام ذويه، وينحرف مرغماً بحكم العاطفة الطبيعية ارضاء لأهله أو بنيه، ولكن رسول الله قد نهانا عن الانقياد لهذا الضعف الإنساني بأمثلة هي أيضاً سنة في الإسلام يجب أن يعيها المسلم، فقد اقترفت سيدة من قريش هي فاطمة المخزومية جريمة السرقة واعترفت بما اقترتفه، ولم يكن لها ما يبرر اقتراف هذا الجرم، وكان على الرسول أن ينفذ فيها حكم الله رغم مكانتها في قريش، فأتى إليه الناس يلتمسون العفو عنها، لكن الرسول الأمين أجابهم بقوله: «إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها» .
وقد يشتد المرء على نفسه، ويشتد على بنيه في تنفيذ الحق والعدل، ولكنه قد يضعف أمام زوجته لما يكنه عادة لها من دواعي الحب والإشفاق، وهنا أيضاً ظهرت قوة الأمين في تنفيذ دستور الله غير مراع دواعي قلبه حتى يكون ما عمله سنة للناس أيضاً، فلقد فطن زوجات الرسول إلى مكانته في القلوب وسلطانه على النفوس، وأن أموال المسملين بين يديه وتحت أمره في الحدود التي رسمها له الله، ورأين وهن بهذه المكانة أن يتميزن عن غيرهن من النساء في المعيشة والزينة، فطلبن من الرسول ذلك وألححن فيه، فنزل قوله تعالى: «يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيما» .
(35)
ومعنى هذإ صراحة أن زوجاته إما أن يكن كباقي زوجات المسلمين في العيش وفي المحافظة على أموال الأمة: لا بذخ ولازخرف ولا ترف، وإما الطلاق بالحسنى .
هذا هو النظام الذي يجب أن يسير عليه الحاكم حتى تستقيم أحوال المحكومين فلا محاباة لشخصة، ولا محاباة لبنيه، ولا محاباة لزوجته وذويه، وتلك هي سنة الإسلام وما يجب أن يكون عليه الحاكم في بلاد الإسلام، بل هي سنة كل حاكم إذا أراد خيراً لأمته ورفعة لدولته، وهذا هو الأساس في الإسلام وفي كل دولة قبل أن تفكر فيما يسمونه بالديمقراطية، لأن نظمها لا تجدي نفعاً إلاّ إذا كانت قائمة على طهارة النفس، تلك الطهارة التي يجب أن تكون مقدمة على الدساتير وبغيرها لا يقوم نظام للحكم سديد مهما اشتدت الدساتير وقويت .
* * * *
نظام الحكم في الإسلام :
بعد الذي قلناه وجب علينا أن نبحث في نظام الحكم في الإسلام، ولقد قلنا إن رسول الله لم يرد أن يكون ملكاً أو ديكتاتوراً، وأعلن أنه فرد من عامة المسلمين اصطفاه ربه وأوحى إليه بدستور الإسلام وهو القرآن، يقوم على تنفيذه بأمانة وصدق، ولا شيء غير ذلك، وإذا لم يكن النبي الكريم ملكاً ولا جباراً فوضعه إذن غير تلك الأوضاع التي ابتكرها اليونان وغيرهم، وإذا جاز لمسلم أن يقول بوجوب وجود حاكم للمسلمين على غرار ما يقوم به رسول الله، فأي وصف يوصف به هذا الحاكم أو ولي الأمر أو المنفذ لأوامر الله ودستور الله .
صف هذا الحاكم بما شئت من مسميات، فلقد دعا المسلمون أبا بكر الصديق بأسم خليفة رسول الله، ولقبوا عمر بن الخطاب بلقب أمير المؤمنين، وكلا اللقبين لم يكن تنفيذاً لنص في الإسلام، فتسمية الحاكمين بلقب ملك أو خليفة أو سلطان أو قيصر أو أمبراطور أو شاه أو غير ذلك من الألقاب هي تسمية بشرية، والمسلمون أحرار فيها على شريطة أن يفهموا أن فوق الناس جميعاً: الملك الخالق وهو الله سبحانه وتعالى .
(36)
قام أبو بكر الصديق وسمي بالخليفة، فماذا كان شأنه مع الرعية؟ قام خطيباً يلقي على الناس عهداً، وذلك هو الأمر الذي يقوم به الحاكم في هذه الأوقات على النحو الذي يرتثيه الناس في عصرنا الحاضر: أصبح حاكماً دستورياً عن طريق الانتخاب، وله دستور قائم هو كتاب الله وسنة رسوله، فلتكن خطبته خطبة عرش أو خطبة رياسة كما يسمونها في الأزمنة الحاضرة، فماذا قال؟ قال للشعب :
«أيها الناس: قد وليت عليكم ولست بخيركم. فإن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فسددوني. أطيعوني ما أطعت الله فيكم. فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم. ألا إن القوي فيكم ضعيف
عندي حتى آخذ الحق منه والضعيف قوي حتى آخذ الحق له، أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم» أيُّ شيء أجل من هذه الخطبة لحاكم دستوري؟ لقد جمعت فأوعت، وإذا كانت خطب العرش أو الرياسة في الأوقات الحاضرة تعني بالتفصيل وبما ينويه الحاكم من أعمال الوزارات المختلفة، فما ذلك إلا لأن الأمور قد تشعبت والالتزامات قد تعددت وجاز للناس أن يقولوا ماشاءوا في تلك الخطب، لكنها لا تخرج في الواقع عما تضمنه خطاب أبو بكر الصديق من ضرورة قيام حكومة دستورية تستند على انتخاب حر، وأن تكون الاُمة مصدر السلطات، وأن الحاكم يجب أن يخضع لإرادة الأمة، وإلا وجب عليه ترك الحكم .
* * * *
مات أبو بكر الصديق وديمقراطية حكمه كما علمت، وهي مستمدة من ديمقراطية رسول الله التي عرفت أنها مستمدة من كتاب الله جل شأنه، فكان على المسلمين أن ينتخبوا حاكماً أو خليفة أو راعياً لهم كما انتخبوامن قبل أبا بكر ببيعة السقيفة، وقد اتفقوا فاختاروا عمر بن الخطاب بوصية من أبي بكر .
كان عمر شديداً من يوم نشأته مهيباً، لكنه وقد هذبه الإسلام، وألان نفسه وأخضعه أصبح ديمقراطياً يلائم بين الشدة والعدل والديمقراطية، فقام بين الناس خطيباً يقول لهم: «من رأى منكم فيَّ أعوجاجاً فليقومه» فأجابه رجل من السامعين
(37)
والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا، فقال عمر: الحمد لله الذي أوجد في أمة محمد من يقوّم اعوجاج عمر بالسيف» .
وخطب عمر الناس مرة في موضوع المهور التي كان يغالي فيها الجاهليون، وأمر بعدم المغالاة فيها، فوقفت امرأة تعارضه، وتحتج بقوله تعالى: «وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً» فلم يكن من عمر إلاّ أن رجع عن رأيه قائلاً «أصابت امرأة وأخطأ عمر» .
هذا هو عمر وتلك هي ديموقراطية حكمه وخضوعه لدستور ربه، وإن الإنسان ليرى في حكم هذا الخليفة ما يعد تطبيقاً بصيراً لدستور الإسلام في كثير من شئون الحكم .
فمن ذلك أنه منع كبار الصحابة من الخروج من المدينة المنورة حتى لا ينبثوا في الاقاليم فيلتف الناس حولهم لما لهم من مكانة في النفوس، وصحبة لرسول الله، فتتعدد الزعامات وتضعف بذلك وحدة الحكم الإسلامي، بهذا منع ما عساه أن يكون من تفرق المسلمين شيعاً وأحزاباً بتفرق القادة والرؤساء .
ومن ذلك أنه كان يراقب الولاة فيحصر ما كان يملكه الوالي قبل تعيينه، وما يملكه بعد ذلك حتى إذا رأى ثروة للوالي ليست مستمدة من اصل شريف معروف حاسبه وسأله «من أين لك هذا» وأضاف الثروة المشتبه فيها إلى بيت المال، وهذا هو الوضع الحاضر فيما تعمله الحكومات من محاسبة الحاكمين على ما اقتنوه من ثروة غير مشروعة .
وكان في كل أدواره يمنع الولاة من الاتجار، ويلزمهم ألا يقوموا إلاّ بأعمال الحكم والإرادة، وألا يقتاتوا إلاّ
بما قرره لهم من أجر، وتلك هي القاعدة التي وضعها عمر للأجيال التالية لمنع استغلال النفوذ .
ولقد كان يؤمن بأن الحاكم يجب عليه قبل أن يكون شديداً على الولاة وغيرهم، أن يكون في نفسه مثلاً صالحاً يقتدي به، لهذا كان متقشفاً، على شظف من العيش يجوع إذا جاعت أمته، ويكتفي بأكل الشعير والزيت، ولقد جاع مرة فقرقرت بطنه فقال (قرقري ما شئت فوالله لا أشبعك والأمة جائعة) .
(38)
ومن أعماله التي تفسر بها أحكام الشرع، أنه منع أخذ الخراج عامة المجاعة ولم يحد فيه حد السرقة .
ومر يوماً في بعض الأسواق فرأى رجلاً يمشي في السوق منكساً رأسه مسرفاً في تواضعه، مظهراً تنسكه فرأى أن هذا مناف لما أقر به الدين من أن يكون المسلم شهماً بادى العزة، فنهره بقوله: (ارفع رأسك أنك تميت الدين أماتك الله) .
* * *
حضرت الوفات عمر وسأله المسلمون عمن يخلفه، وطلبوا إليه أن يوصي لابنه عبدالله فرفض لأسباب منها أن الأمارة عبء، فهي تكليف لا تشريف وأنه قد خشى أن يكون في حكمه قد انحرف عن جادة الحق، فلا يريد أن يعرض أحداً من بنيه لما يخشاه على نفسه، ومنها أن الإمارة ليست ورانية، فلا يصح أن تنقلب ملكاً عضوضاً، ومنها أن الرياسة والحكم يجب أن يكون للشعب بالبيعة أي بالانتخاب، فلهذا لم يوص باختيار أحد معين، وترك الأمر للمسلمين ينتخبون من شاءوا، ولكنه رشح ستة من كبار الصحابة منهم عثمان وعلي، وعهد إليهم أن يرشحوا من بينهم من يرونه أهلاً للخلاف، على أن يبايعه الشعب إن شاء، فرشحوا عثمان، فبايعه الناس .
قام عثمان بالخلافة، ثم انتهى الأمر بقتله لا من فرد غاضب، كذلك المارق أبي لؤلؤة الذي اعتدى على حياة عمر بن الخطاب حقداً وضعينة، فكان اعتداء فردياً، لكن الاعتداء على عثمان كان من فريق من المسلمين ثاروا عليه لأنه حابى بعض أقاربه، ورأوا في هذا العمل خروجاً على دستور الإسلام، ومخالفة لماسار عليه الرسول الكريم وأبو بكر وعمر، ولم يشفع له أنه كان من كبار الصحابة وممن أدوا للإسلام خدمات جليلة، فنزل من ماله بالكثير لخدمة دينه، وجمع المصحف الشريف، كل ذلك وغيره لم يمنع الناس من الثورة عليه وقتله لسبب واحد هو ما اعتبروه من المحاباة، في تعيين الولاة والحاكمين، وفي توزيع مال الأمة على بعض الاقارب والاصهار، فكانت هذه الأعمال مع الأسل أول ثلمة
(39)
في صرح نظام الحكم الإسلامي، وأكبر نكبة أصابت المسلمين، فلقد كانت نكبة أمتد أثرها الفادح إلى النزاع على الخلافة من بعده بين الإمام علي رضي الله عنه ذلك الإمام العظيم الطاهر ومعاوية بن أبي سفيان، وقد وصل الخلاف إلى تدخل عائشة رضي الله عنها، وكانت الطامة الكبرى فقام النزاع المسلح وتفرق المسلمون شيعاً وأحزاباً، وتبلبلت الافكار، وقاسى الإمام علي من هول هذه الفتنة ما قاسى، فتنة
لم تصبه في شخصه وذريته فحسب، وإنما كانت فتنة أصابت الإسلام في صميمه .
وليعلم من هذه العبرة من لا يعلم أن المحاباة من الحاكمين من أقوى الأسباب لإثارة النفوس ودفع الناس إلى الثورات وتحطيم الأمم وقتل الأبرياء مع غير الأبرياء «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة».
* * *
استقلال القضاء :
أسلفنا فيما سبق معنى الديمقراطية في الإسلام، فهي قائمة على نزاهة الحاكمين ليسكنوا مثلاً صالحاً وعلى أن ولي الأمر فيهم يختار بالبيعة، وأن الأمة تراقب أعماله وألا طاعة عليها له إذا خرج على نصوص الدستور الإسلامي وتنكر لها، والأمة رقيبة على ذلك كله، وألا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد رأينا مما سبق كيف يناقش المحكومون الحاكمين ويراقبونهم، وكيف كان الحاكمون يخضعون لرأي الشعب بل يحضونه على أن ينقد ويهدد، ويكفي أن تعلم أن عمر بن الخطاب كان يحض أمته على مراقبته، وقد قال للشعب في إحدى خطبه: «لا خير فيكم ما لم تقولوا، ولا خير فيّ ما لم أسمع» .
وهاك مثلاً واحداً يشعرك بما كان للقاضي من حصانة واستقلال واحترام كان علي رضي الله عنه أميراً للمؤمنين، ورأى في تطوافه يهودياً يحمل جوشناً أدي درعاً، وكان هذا الدرع ملكاً لعلي ضاع منه، وطلب الخليفة من اليهودي أن يرد إليه الدرع فرفض مدعياً أنه له، فلم يجد الخليفة وسيلة سويى الالتجاء إلى القاضي شريح، ذلك القاضي الكبير الذي مارس القضاء من أيام عمر، وقف
/ صفحه 40 /
الخصمان أمامه كل يدلي بحجته: الخليفة يدعي و اليهودي ينكر، طلب القاضي من الخليفة شهودا على ملكيته للدرع رغم كونه خليفة، و أخذا بقاعدة «البينة على من ادعي» فأجاب الخليفة بأن لا شهود له فحكم القاضي لليهودي بالدرع، و بينما الخصمان خارجان من مجلس القضاء عرض اليهودي على الخليفة أن يأخذ درعه فرفض احتراما لحكم القاضي، و عندئذ أجابه اليهودى بقوله: «أنتم لستم من البشر، و لكنكم ملائكة» و اعتنق الإسلام لوقته.
انظر الفارق بين قوة القضاء في ذلك الوقت و منزلته في النفوس، و خضوع الخليفة له و هو الحاكم الاعلى اذ يلجأ الى القاضي للفصل في خصومة شخصية بينه و بين أحد أفراد الرعية و لو كان غير مسلم و من أعداء المسلمين، حقا أن العدل أساس الملك، و أن الظلم مضيعة له.
* * *
موازنة بين الديمقراطيات:
أخذ المؤلفون و الفلاسفه على الديمقراطيتين اليونانية و الرومانية أنهما ديمقراطيتان لاعموم لهما، ففيهما كما قلنا عدم احترام المرأة، و اباحة الاسترقاق، و الغزو و الفتح و الاستعمار و ايجاد الطبقات، كما أنحوا باللائمة على ديمقراطية الثورة الفرنسية، قائلين ان الثورة الفرنسية التي قامت سنة 1789م، و حطمت الاغلال، و أعلنت حقوق الانسان في الحرية و الاخاء و المساواة أصبحت اليوم ناقصة لتطور الزمن و ظهور مشاكل اقتصادية و اجتماعية لم تكن تعرفها.
و اني أود أن أبسط هذه المآخذ جميعا، و ما يقابلها من النظم الاسلامية الواردة في كتاب الله و سنة رسوله فأقول:
حقوق الانسان:
قرر الدين الاسلامي تكريم بني آدم و التسوية بين جميع أفراده بالنصوص التي ذكرها من كتاب الله، و أتى نبيه الكريم ـ تأييدأ لما أودعه الله قرآنه ـ بهذا المبدأ حيث يقول في خطبة حجة الوداع، أيها الناس ان ربكم واحد، و ان أباكم
/ صفحه 41/
واحد، كلكم لآدم و آدم من تراب ، أكرمكم عندالله أتقاكم، ليس لعربي على عجمي و لا لعجمي على عربي و لا لابيض على أسود و لا لاسود على أبيض فضل الا بالتقوى. ألا هل بلغت اللهم فاشهد. ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب».
اذن، فقد نادى الإسلام بالحرية و المساواة و الاخاء قبل أن تنادى بها الثورة الفرنسية باثني عشر قرنا. و لم يكن المسلمون في علمهم هذا الا رافعين لشأن الانسانية جمعاء، فلم يبقوا على نظام الطبقات الذي كان في ا ليونان و في الرومان و في بلاد الفرس و الهند و في مصر و في جزيرة العرب نفسها، بل جعلوا الناس اخوانا متساوين في الحقوق و الواجبات، لا فرق بينهم بالألوان و لا بالاصول و لا بالأجناس و لا بالأنساب و لا بالاديان، الكل تحت حكم واحد هو حكم الله.
فأين هذا مما نراه الان في بلاد المدنية و الحضارة و في القرن العشرين، من التفرقة بين الاجناس، و بين الملونين و غير الملونين؟
حرية المرأة:
لم يكن للمرأة حرية أيام اليونان و الرومان، كما لم تكن لها حرية في جزيرة العرب أيام الجاهلية، فكان الجاهليون يئدون البنات، و قد نزلت في ذلك آيات كريمة، منها قوله تعالى «و اذا بشر أحدهم بالانثى ظل وجهه مسوداً و هو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب».
«و اذا المودة سئلت بأى ذنب قتلت» «و لا تقتلوا أولادكم خشية املاق نحن نرزقهم و اياكم». فمنع الاسلام بذلك تلك الوحشية التي كان يرتكبها الجاهليون في بلاد العرب.
و لم يكتف الإسلام بأن أعطي للمرأة حرية أكثر من حريتها في بلاد اليونان و الرومان، بل أسدى اليها أكثر مما تمنحه اياها البلاد المتحضرة في وقتنا هذا ذلك أن الاسلام أعطي للمرأة شخصية محترمة، فلما حق الملكية المستقلة عن ملكية زوجها تتصرف فيها كما تشاء من تأجير و بيع و شراء وهبة و وصية، و لها أن توكل من تشاء غير زوجها و بلا التجاء الي اقرار منه و لها أن تخاصم بنفسها أمام القضاء»
/ صفحه 42 /
فهي إنسان كامل لا يربطها بزوجها سوى رباط الزوجية و الخضوع لقواعد الفضيلة و الاخلاق التي أمر بها الاسلام، و التي ترتضيها الاخلاق الكريمة، فأين هذا مما نراه الان في البلاد المتحضرة؟
الفتح و الاسترقاق:
موضوعان متصلان أحدهما بالاخر، فالاسترقاق في كثير من الاحيان كان نتيجة الغزو و الفتح، و كان الفاتحون يأخذون الاسرى في الحروب كأرقأه، ثم كانوا يغيرون في بعض الاحيين ليلتقطوا أسرى يبيعونهم في الاسواق، و لو لم يكن هناك حروب بين دولة و دولة، لهذا نرانا مضطرين الي البحث في موضوع الفتح و الاسترقاق تحت باب واحد.
كان الاسترقاق شائعاً في الازمنة الغابرة كما كان الغزو و الفتح، و يدلنا التاريخ عى أن الامم القديمة كان ديدنها أن تغير على ما جاورها من الامم الاخرى و كان الناس في تلك الازمنة أفرادا و حكومات يحبذون هذين العملين و يعتبرو نهما تجارة و بطولة معاً، فكان الرق و الغزو في بلاد فارس و الهند و الصين، و في بلاد اليونان و الرومان و غيرها في أوربا و في مصر القديمة و السودان، و بالجملة كانت الفوضي و الاعتداءات شائعة في بلاد العالم القديمة.
و يحكي لنا التاريخ أن الغزو و الاسترقاق كانا شائعين أيام الديموقراطيتين اليونانية و الرومانية، حتي أن أرسطو و هو المعلم الاول الذي يتفق مع المفكرين في ضرورة تطبيق العدل بين الناس، يرى أن الرق أمر طبيعى، و أن بعض الناس خلقوا ليكونوا أرقاء تحت سيطرة سادتهم المواطنين الاثينين، و كان الارقاء يباعون في الا سواق علنا رجالا و نساء كما كانوا يباعون في بلاد الرومان.
و كان للسيد سواء في أوروبا أو في آسيا أو في غيرهما حق السجن و الجلد و التعذيب، بل و القتل أحيانا: يزاولون هذه الحقوق ضد عبيدهم، و يسخّرونهم في أشق الاعمال و أحقرها.
/ صفحه 43/
و لقد وصل الامر في شرائع بعض الامم مثل بلاد الرومان، الى حد أن قوانينها تجعل للدائن الحق في حبس مدينه الحر
و اسقاط حريته اذا لم يدفع الدين المطلوب منه، و أن يسخّر هذا الحر المدين في خدمة دائنه حتى يستوفي دينه.
و لم تمنع شريعة اليهود حق الفتح و الاسترقاق، بل قتل الأمم التي لم تعلن خضوعها رجالا و نساء و أطفالا، و أباحت نظم اليهود تخريب البلاد التي لا ترضى بحكمهم، و أخذهم أسرى أو قتلهم. و اذا أردت زيادة الايضاح فعليك أن ترجع الي الاصحاح العشرين من سفر التثنية، و الي الاصحاح الحادى و العشرين من سفر الخروج، و الي كتاب مدينة العرب للعالم الكبير جوستاف لوبون، و كتاب الرق في الإسلام للمرحوم أحمد شفيق باشا.
أما الدين المسيحي فانه و قد ظهر في فلسطين و كانت تحت سيطرة الدولة الرومانية، و كانت لها شرائع و قوانين، فانه لم يتعرض لنظم الحكم، و كان سيدنا عيسي (عليه السلام) يهدف في كل أقواله و عظاته الى تطهير النفس و الحث على مكارم الأخلاق، و كان على أتباعه أن يدعو ما لقيصر لقيصر و ما لله لله، فكان سيدنا عيسي (عليه السلام) ينادى بقاعدته الذهبية الواردة في الكتاب المقدس (ماذا يستفيد الانسان اذا ربح العالم كله و خسر نفسه) كل هذا و غيره من وصايا السيد المسبح يدلنا على أن الادارة و نظام الحكم كانا متروكين لحكومة الرومان و قيصرها، و أن الدين المسيحي يرمي الي تطهير النفوس من أدران الشر. دون تعرض للتفاصيل.
لكن أتباعه قد نحوا نحواً آخر، فلم تقم طائفة مسيحية تحرم الاسترقاق، و لم نعثر في كلام القديسين بولس و بطرس و توما على ما يحول دون الاسترقاق، بل كان بعضهم يوصي الرقيق بطاعة سيده. انظر هنا أيضا كتاب جوستاف لوبون في مدينة العرب، و بالجمله كان دين السيد المسيح يوصي بالزهد و الرحمة و الاخوة و المحبة، و لم يتعرض لاكثر من هذا.
انتهت العصور القديمة كما انتهت العصور الوسطي بما فيها من بطش و قسوة
/ صفحه 44/
و ظلم، حتي أتت الحكومات المتحضرة، و يكفيك أن تعلم أنه صدر في فرنسا سنة 1658 م قانون يدعى بالقانون الاسود يبيح الرق و اصطياد الزنوج، و استمر هذا القانون الي سنة 1848 م، ثم كانت انجلترا تبيح الاسترقاق أيضا، و لطالما أخذ الزنوج من مساكنهم و من أحضان أمهاتهم، ليكونوا أرقاء مستعبدين ينقلونهم من بلادهم الي المستعمرات
النائية، و أهمها المستعمرات الامريكية الشمالية و الجنوبية، و دليلنا ما نراه الان في الامريكيتين من هذا العدد الوفير من الزنوج الذين أخذوا من افريقيا و استوطنوا الأمر يكيتين قهرا و ظلما، و استمر الاسترقاق الانجليزى يفعل ما يشاء حتي القرن التاسع عشر، و بحسبي أن أرجع القارىء الي ما سطرته دائرة المعارف البريطانية و دائرة المعارف الفرنسية تحت باب الاسترقاق.
ثم استمر هذا النوع من الاسترقاق تحت ستار المدنية الحديثة فيما نراه أمام أعينا الان في المستعمرات البريطانية و الفرنسية، و في معاملة الملونين في أمريكا و افريقيا الجنوبية: تردد الصحف صداها في أياما الحاضرة، عهد المدنية و حضارة القرن العشرين.
الرق في الإسلام:
اتي الإسلام في أوائل القرن السابع الميلادى، و حول جزيرة العرب أمم قد انغمست في الغزو و الفتح و الاسترقاق، و كانت بلاد الحجاز كغيرها من أشد بلاد العالم ظلما و قسوة و جهالة، جعلت الغزو و الاسترقاق ديدنها و الرقيق أساس عمرآنها في فلاحة الارض و الاعمال الشاقة، و كان السادة يعاملون الارقاء كما كان سادة البلاد المحيطة بهم يعاملون رقيقهم. و أصبح الاسترقاق جزءاً من حياتهم.
أتي الإسلام قائما على رسالة النبي وحده، ثم التف حوله نفر قليل مهدد بالتعذيب و القتل، و كان على النبي أن ينشر رسالته و الخوف يحيط بأتباعه من كل جانب، و ما كان له إلا أن ينشر وحدانية الله حتي يقلع المشركون عن عبادة الاوثان، و تلك رسالة روحية قائمة على العقل و حسن التقدير، و ما كان في مقدوره أن يصادمهم فيناهم عما درجوا عليه و تغلغل في نفوسهم و يحملهم على أن يتركوا عبيدهم و يتركوا
/ صفحه 45/
مصالحهم في دنياهم، و لو أنه فعل لقامت الفتنة و تعطلت رسالة الله في هذه الاقوام القساة، و يكفيك أن تعلم ما كان عليه هؤلاء الناس من قسوة في القلوب و تهافت على مصالح الدنيا، و ما كانوا عليه من غزو و نهب و سلب، و ما عكفوا
عليه من أخلاق محقوتة، بل أن تعلم أن بعض هؤلاء الناس ـ و كانوا اقتنعوا بصحة الإسلام و وحدانية الله و أصبحوا مسلمين ـ لما علموا باستمرار فرض الزكاة عليهم بعد وفاة النبي، رجعوا الي شركهم و تركوا دينهم الذي ارتضوه، و أوجدوا بذلك تلك الفتنة التي سبيت حروب الردة، و متى كان هذا الشعب حديث عهد بالشرك و التمرد على النظم الي هذا الحد، فان من الواجب عقلا التدرج في تهذيب النفوس القاسية لتقلع عما ورثته من تقاليد و عادات رسخت في نفوسهم، و أصبحت قطعة من وجودهم.
ثم ان الإسلام قائم على الدعوة بالحسني و على النصح و الرشاد، مع الاحتفاظ بالحرية الكاملة و عدم الاعتداء على أحد لا يعتدى على المسلمين «و قاتلوا الذين يقاتلونكم و لا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين» «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم و نقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين».
لهذا كله كانت الدعوة للاسلام سليمة، و بعد أن اقتنع العرب و أسلموا لله و رسوله كان على النبي عليه الصلاة و السلام ـ و دين الله دين عالمي ـ أن يسعي الي نشره في أنحاء العالم، فكتب الى ملوك البلاد المجاورة و حاكميها أن يدخلوا في دين الله، فادا أسلموا و شعوبهم، بقيت لهم ممالكهم. فالنبي لم يكن فاتحا و لا حاكما» و لا يبغي أن يكون ملكاً لاية أمة حتي لموطنه بلاد العرب، فهو رسول ليس غير، اختاره ربه لتبلغ رسالته لتكون دستوراً للعالم كله، فرسول الله لا يريد سوى تطهير النفوس، و جعل الناس أمة واحدة كجسد واحد اذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الاعضاء بالسهر و الحمي.
ولكنّ هؤلاء الملوك الحاكمين رفضوا ما عرضه عليهم رسول الله بأنفة و كبرياء بل و باستهزاء و أقاموا بين مماكهم و بين الرسول و دينه ستارا حديديا
/ صفحه 46/
حتي يمنعوا تسرب العقيدة الي شعوبهم و لم يكتفوا بذلك بل خاصموه و ناوشوه و أخذوا في الاعتداء على بلاده حتى يخنقوا هذا الدين في مهده، فكان لزاماً على الرسول ـ و دينه دين عالمى كما أسلفنا ـ أن يمنع الاذى، و أن يخير غير
المسلمين في أحد أمور ثلاثة: اما اعتناق الإسلام فتكون لهم الحرية الكاملة و الاستقلال الكامل، واما دفع جزية مع بقائهم على دينهم فيصبحون في أمن و سلام، و الجزية ليست سوى نفقات تحمّل المسلمين الدفاع عنهم و صد أي عدوان على بلادهم، فإن لم يكن هذا و لا ذاك كانت الحرب، و هي حرب لا مناص منها بسبب تعدد الحوادث و الاعتداءات من دولتين كانتا متاخمتين لبلاد العرب، و هما: دولة الرومان الشرقية المعبر عنها بدولة الروم، و دولة الفرس، و قد كانتا منغمستين في المظالم و الاستبداد و الاسترقاق و الفوضي، و كانتا مع ذلك تبغيان القضاء على العقيدة الاسلامية والشر لايطيق بقاء الخير بجواره.
هكذا كانت أسباب الحروب الاسلامية الاولي في عهد تطبيق قواعد الإسلام تطبيقا صحيحاً فلم تكن الحروب غزواً او طمعاً في ملك أو سلطان، و انما هي رسالة لعقيدة يجب أن تسود العالم بالحسنى و الموعظة الحسنة.
* * *
ولنرجع بعد ذلك الي النقطة الثانية و هي الرق في الإسلام، فتقول ان الدين الاسلامى يمنع بصفة قاطمة النخاسة و الاسترقاق بالمعني الذي يفهمه الناس سواء في العصور القديمة أو الحديثة، الإسلام يمنع بتاتا اصطياد الزنوج أو غيرهم على النحو الذي درج عليه الناس قديماً و حديثاً، فلا يعمل ما عمله اليونان و الرومان و غيرهم، و لا يجيز ما عملته و تعمله الأمم الحديثة المستعمرة.
لا يجيز الإسلام استرقاق أي انسان عن هذا الطريق، مهما يكن لونه و مهما تكن عقيدته مسلما كان أو غير مسلم، فالحرية مكفولة للجميع، و حرية الاديان للجميع. بشرط عدم محاربة الدعوة الي الإسلام. و انما يبيح الإسلام الرق في حالة واحدة: في حالة حرب عدوانية من عدو بعد انذاره بقيام الحرب ضده
/ صفحه 47/
فالاسلام لا يبدأ بالعدوان، و لا يقوم به الا بعد انذار لمن بدأ به أو خان العهد أي خان المعاهدة المبرمة بينه و بين المسلمين.
هذا شأن المسلمين في حروبهم، و الاسرى المحاربون هم الارقاء، و لا يوجد في الإسلام رق الا بهذا السبب، فلا نخاسة و لا غزو و لا نهب و لا اختطاف صغير أو كبير. و لا تسخير للاستعمار كما تفعل الأمم المتحضرة.
و لم يبح الإسلام مع ذلك للمسلمين أن يعاملوا أرقاءهم كما كان الاقدمون و المحدثون يعاملونهم، بل حض على حسن معاملتهم، كما أوجد أسبابا عدة لعتق الارقاء و ما ذلك الا لاعتباره الرق حالة مكروهة، فهو يعمل على ازالتها.
فمن ذلك ما ورد في القرآن الكريم «و بالوالدين احسانا و بذى القربى و اليتامى و المساكين و الجار ذى القربى و الجار الجنب و الصاحب بالجنب و ابن السبيل و ما ملكت أيمانكم ان الله لا يحب من كان مختالا فخورا». و من ذلك قول الرسول (عليه السلام): «هم اخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت بده فليطعمه مما يأكل و ليلبسه مما يلبس و لا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم فان كلفتموهم فاعينوهم عليه». «فما أحببتم فأمسكوا و ما كرهتم فبيعوا و لا و لا تعذبوا خلق الله فان الله ملككم أياهم، و لو شاء لملكهم اياكم) و من آخر وصاياه: (الصلاة، و ما ملكت أيمانكم).
و من ذلك الحديث الشريف (من لطم مملوكا أو ضربه فكفارته عتقه) و من ذلك رأي أبي حنيفة في أن الحر يقتل في العبد، و من ذلك الحديث الكريم (لا يقل أحدكم عبدى. أمتي، و ليقل فتاى و فتاتي و غلامي) و من ذلك أن علياً كرم الله وجهه قال (اني لاخجل من نفسي اذا استعبدت رجلا يقول ربي).
* * *
الحض على عتق الارقاء:
وسعي الإسلام في تسهيل عتق الرقيق فمن ذلك الحديث السابق ذكره (من لطم مملوكا أو ضربه فكفارته عتقه) و من ذلك حق المكاتبة و هو أن يكاتب الرقيق
/ صفحه 48/
سيده على مبلغ من المال يدفعه فوراً أو على أقساط فيشترى الرقيق بذلك حريته «و الذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيرا».
و يتاح للعبد أن بجمع ما لا يشترى به حريته.
و من ذلك أن النبي (عليه السلام) اتفق مع أسرى بدر على أن يشترى الرجل منهم حريته بتعليم القراءة و الكتابة لعشرة من المسلمين.
و من ذلك أن الامة اذا ولدت من سيدها ولداً فليس له أن يتصرف فيها بهبة أو بيع، و بوفاته تصبح حرة بلا مقابل و لو كان المتوفي مدينا، و ولدها منه يولد حراً.
و من ذلك أنه يكفي في الإسلام لعتق الرقيق أن ينطق به السيد ولو كان مازحا أو مكرها أو فاقدا لرشده بفعل خمر أو غيرها.
و من ذلك تخصيص سهم من مال الزكاة لمساعدة الرقيق في شراء حريته، «انما الصدقات للفقراء و المساكين و العاملين عيها و المؤلفة قلوبهم و في الرقاب و الغاربين و في سبيل الله و ابن السبيل».
و من ذلك أن كفارة القتل الخطاً عتق رقبة «و من قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة الي أهله» و كذلك كفارة الافطار في رمضان و كفارة الظهار.... الخ.
* * *
و قد علمت مما سبق أن الرق في الإسلام لم يكن الا في أسرى الحروب التي يثيرها المعتدون على المسلمين أو التى تسببها خيانة العهود و معاهدات الصلح، و أن الحرية مع ذلك كانت ذات أبواب كثيرة مفتوحة على مصاريعها حيث يسترد الاسير حريته للاسباب الكثيرة التي ذكرناها، فأين هذا من حالة الاسترقاق في الازمنة الغابرة، و أين هذا من الحالة الراهنة بين الأمم المتحضرة، و كيف تعامل هذه الأمم أسراها في الوقت الحاضر بالمعاملة السيئة من اهانات و حبس في المسكرات و أشغال شاقة و تعذيب و قتل بالغازات الخائقة و بغيرها. و بينما
/ صفحه 49/
الإسلام يقرر أن العبد متي استرد حريته أصبح مواطناً و أخا له كافة الحقوق الوطنية و الاخوية، و هذا صهيب المولي
الفارسي يكلفه عمر بأن يؤم المسلمين في الصلاة و فيهم كبار الصحابة من المهاجرين و الانصار. و لا تنس بلالا الحبشي مؤذن رسول الله و قد أصبح من كبار الصحابة و له منزلته بينهم، و لا تنس أيضاً المولي زيدبن حارثة و هو الذي قاد جيشاً أيام رسول الله، ثم خلفه ابنه أسامة بن زيد الذى عينه رسول الله صلي الله عليه و سلم قائداً للجيش، و كان تحت امرته كبار الصحابة.
و لقد وصل الأمر في شأن الموالى الى أن عمربن الخطاب عند ما كلف عمرو بن العاص فتح مصر بعث هذا وفداً الى المقوقس برياسة الزنجي عبادة بن الصامت و لما رآهم المقوقس أنكر أن يرأسهم هذا الزنجي بسواد بشرته، فأجابه الوفد بأنه «و ان كان أسود كماترى فإنه من أفضلنا موضعا و أفضلنا سابقة و رأيا و علما، و ليس ينكر السواد فينا».
هكذا كان شأن الإسلام في معاملة الموالى و العبيد.
وبهذا المناسبة و لما قلناه من أن الإسلام ليس دين اعتداء و فتح و غزو، نقول ان فتح مصر لم يكن اعتداء، بل كان نتيجة اتفاق و مداولات بين قبط مصر و بين المسلمين لما حاق بالقبط من ظلم و اضطهاد وقع عليهم من الحكام السابقين من دولة الرومان، حتي رضي البطريرك الاكبر و هو المقوقس أن يحل عدل الإسلام محل لم الرومان.
و كان فتح فلسطين من قبل باتفاق بين شعبها ضد المظالم الرومانية، و لما دخل عمر نفاداً لرغبة البطريرك «صوفرنيوس» ليتسلم الخليفة بنفسه مفتاح بيت المقدس و كانت تسمي «ايلياء» و دخل كنيسة القيامة و حل وقت الصلاة و هو بداخلها هم بالخروج ليؤدى الصلاة خارجها، و عندما قال له البطريرك ان دينكم لا يمنع الصلاة في الكنيسة أجابه عمر بأنه يخشي ان صلي في الكنيسة أن يعتقد الجهال من المسلمين أنها أصبحت مسجدا، ثم غادرها و أدى الصلاة خارجها، و أعطي أهل القدس عهداً هذا نصه:
/ صفحه 50/
«بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطي عبدالله عمرأميرالمؤمنين أهل إيلياء من الامان: أعطاهم أمانا لانفسهم و أموالهم، و لكنانسهم و صلبانهم، و سقيمها و بريئها و سائر ملتها، أنه لا تسكن كنانسهم و لا تهدم، و لاينقض منها و لا من
حيرها، و لا من صليبهم و لا من شيء من أموالهم، و لا يكرهون على دينهم، و لا يضار أحدمنهم، و لا يسكن ايلياء معهم أحد من اليهود. و على أهل ايلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن. و عليهم أن يخرجوا منها الروم و اللصوص فمن خرج منهم فانه آمن على نفسه و ماله حتي يبلغوا مأمنهم، و من أقام منهم فهو آمن و عليه مثل ما على أهل ايلياء من الجزية. و من أحب من أهل ايلياء أن يسير بنفسه و ماله مع الروم و يخلي بيعهم و صُلبُهم فأنهم على أنفسهم و على بيعهم وصُلبُهم حتي يبلغوا مأمنهم. و من كان بها من أهل الارض، فمن شاء منهم قعد و عليه مثل ما على أهل ايلياء من الجزية و من شاء سار مع الروم، و من شاء رجع الي أهله. و أنه لا يؤخذ منهم شيء حتي يُحصَد حصادهم. و على ما في هذا الكتاب عهدالله و ذمة رسوله و ذمة الخلفاء و ذمة المؤمنين اذا أعطوا الذي عليهم من الجزية».
* * *
أما بعد: فهذه نظم الإسلام، و تلك أحكامه و مبادثه، فإن كان للديمقراطية الصحيحة فخر، فقداستوفي الاسلام فخرها قبل أن يعرفها أهلها، و ان كان لها عيوب فقد تبرأ الإسلام من عيوبها، و أذهب عن الناس آصارها؟