/ صفحه 51/
لحضرة صاحب السماحة آية الله الخالصي
من كبار علماء العراق
لمعرفة الطوائف الاسلامية في العراق ينبغى استحضار أمرين في الذهن، ولو على سبيل الاجمال.
حوادث التاريخ الاسلامي:
الاول: الحوادث التي جرت فيه منذ الفتح الاسلامي الي هذا اليوم كحرب البصرة، و صفين و النهروان وشهادة أمير المؤمنين على ((عليه السلام)) في مسجد الكوفة في اليوم الذى قصد فيه اغتيال عمرو بن العاص في مصر ومعاوية في
الشام و كحوادث خلع الحسن بن على و استيلاء معاوية على الكوفة، و امارة زياد بن أبيه و المغيرة بن شعبة و أخذ البيعة ليزيد بن معاوية، و حادثة كربلاء، و شهادة الحسين و ما تعقبها من ثورة التوابين و قيام المخنار باسم أخذ ثأر الحسين، و استيلاء مصعب بن الزبير على الكوفة و قتل المختار و تغلب عبد الملك بن مروان و قتل مصعب بن الزبير على الكوفة و قتل المختار، و تغلب عبدالملك بن مروان و قتل معصب، و امارة الحجاج بن يوسف الثقفي، و فتنة الازراقة و الخوارج و يزيد بن المهلب، و قتله يوم العقر، و قتل سعيد بن جبير، و فتن البصرة و الكوفة التي سفكت فيها دماء عشرات الالوف من العراقيين و رواج سوق الادب، و قيام الشعراء مثل الكميت و الفرزدق و الحميرى ضد بني أمية، و قتل موسي العراق، و قيام الدولة العباسية، و حروب الحسنيين و الفتن المنوالية في العراق أيام تلك الدولة الى انقراضها في وزارة ابن العلقمي على يد هولا كو ومعاونة نصير الدين الطوسي، و توالي الاضطرابات الي زمن العثمانيين و الفتن التي حدثت لهم مع تيمور لك و الصفوية و القاجاريين الي زمان الحرب العالمية الاولي.
/ صفحه 52/
هذه الحوادث التي دامت أكثر من ألف و ثلاث مائة سنة، و كانت الطائفية هى العامل الاساسى فيها، و كان العراق يضطرم بنيرانها و هي التي أو جدت جواً مشحوناً بالعدواة و البغضاء بين طوائف المسلمين في العراق، و اذا استحضرت في الذهن هذه الحوادث تعرف ما كان عليه العراق عند نشوب الحرب العالمية الاولى، و تعرف الاسباب التي حدت برؤساء المفكرين الى توحيد كلمة المسلمين في العراق، و شن حرب على النزعات الطائفية حتى تبيد.
المراكز الدينية في العراق:
الأمر الثاني الذي ينبغي استحضاره لمعرفة الطوائف في العراق هو وضع المراكز الدينية في العراق. الذي نشأ من جراءتلك الحوادث المؤلفة، ففي العراق قبر على و ولده الحسين، و موسي بن جعفر، و محمدبن على الرضا، و على بن محمد الهادى، و الحسن بن على العسكرى، و هؤلاء من أولاد الحسين، و من الائمة الاثني عشر الذين يرجع اليهم الشيعة في الاحكام الدينية و يعتبرونهم رواة عن جدهم الرسول ما استودعوه من علم الدين بواسطة جدهم على
وجدتهم فاطمة بنت الرسول صلي الله عليه و آله و صحبه و سلم، و يزورهم في كل سنة ملايين من الشيعة من جميع أقطار العالم، لما رووه من متواتر الاحاديث في استحباب زيارة قبورهم و محال قبورهم من مدن العراق الكبرى، و هي النجف و كربلاء و الكاظمية، و لا يسكن هذه البلاد الثلاثة غير الشيعة، و سامراء و يغلب على سكنتها أهل السنة وجميعهم سدنة قبرى الامامين على الهادى و الحسن العسكرى، و هم من السادة الكرام المتسبين الي الحسين بن على (عليهما السلام) و في العراق قبور كثيرة لزعماء الشيعة تزار كقبر محمد بن على الهادى و قبر عثمان بن سعيد العمرى و ابن محمد بن عثمان الخلاني و حسين بن روح النوبختي و على السمرى و محمدبن يعقوب الكليني و الشيخ المفيد محمدبن النعمان و السيد المرتضي و أخيه الرضي و الشيخ الطوسي محمد بن الحسن، و غيرهم من أعلام الشيعة.
و في العراق مدارس كثيرة لتحصيل العلوم الدينية يؤمها من جميع الاقطار من الصين الى سورية و ما بينهما من بلاد الهند و الافغان و ايران و التبت و برما ـ
/ صفحه 53/
خلق كثير يتراوح عددهم بين سنة آلاف و خمسة وعشرين ألفا من الطلاب، و قبل الانقلاب الشيوعي كان يؤمها من بلاد القوقاز و التركستان و غيرها من البلاد التي دار عليها السور الحديدى مئات من طلاب العلوم الدينية، و الان لم يبق منهم أحد الا من ترك وطنه و استوطن العراق من أهالي بادكويه و كنجة و ايران و لنكران و عشق آباد و نجارا و سمرقند و غيرها، و أكثر مجتهدى الشيعة يقيمون في العراق و لهم الكلمة في ايران و الهند و باكستان و سورية و لبنان و البحرين و مسقط و غيرها.
المراكز الدينية لاهل السنة:
و في العراق قبر الامام أبي حنيفة و صاحبه الامام أبي يوسف و قبر الامام أحمد بن حنبل، و كانت لهم مدارس دينية في عهد الدولة العثمانية في جميع بلاد العراق و لاسيما في بغداد، أما الان فقد انحصرت في كلية الشريعة في الاعظمية التي تقوم على نفقتها ادارة الاوقاف، و تؤدى هذه الادارة رواتب المدرسين في المساجد.
مراكز الصوفية في العراق:
و في العراق مراكز للصوفية كلها من مراكز أهل السنة، اذا لا يوجد صوفى شيعى في العراق و هذه المراكز في المساجد و التكايا حول قبر الشيخ عبدالقادر الكيلاني، و قبر بشر الحاني، و قبر جنيد البغدادى، و قبر معروف الكرخي، و قبر الشبلي، و قبر على بن اسماعيل بن جعفر الصادق المعروف بسيدى السلطان على، و قبر محمد الفضل بن اسماعيل المذكور، و في بغداد حىّ يعرف باسمه (محلة الفضل) و قبر الشيخ عمر، و قبر السيدة نفسية، و هى غير السيدة نفيسة المدفونة في القاهرة، و قبر السيد أحمد الرفاعى، و تكية النقشبندى في بيارة شمال العراق و تكايا القادرية في كركوك و أربيل، و تكية البرزنجي في السلمانية و غيرها من تكايا، و أغلب هذه المراكز تديرها مديرية الاوقاف، و مما يجدر ذكره هنا أن المراكز الدينية الشيعية لا ترتبط بالحكومة و لا بادارة الاوقاف، فهي تنفق مما يصلها من التبرعات و الحقوق الشرعية كالركاة و الاخماس و النذور.
/ صفحه 54/
نسبة الشيعة لاهل السنة في العراق:
لم تعرف بالضبط نسبة الشيعة الي أهل السنة في العراق، لان ادارة النفوس لا تذكر أوراق الجنسية المذهب، و تكتفى بذكر كلمة مسلم، و هذا من المستحسن و لا حاجة الي التفرقة بين المسلمين بذكر نسبة بعض الطوائف الي بعض، و لكن لما كان موضوع بحثنا هو التوحيد بين الطوائف فلاضير في ذكر عدد أفرادها، و اذا لم تقم ادارة النفوس بذلك، فيمكن الوقوف عليه و لو اجمالا من طريق آخر و هو تعداد الالوية الشيعية و السنية، و إليك ذكرها: لواء كربلاء، و الديوانية، و الحلة، و المنفك، و العمارة، و الكوت شيعية محضة، و لواء السليمانية و اربيل سنية محضة على المذهب الشافعي، و لواء الموصل تغلب عليه السنية على المذهبين الشافعي و الحنفى ولواء كركوك يكثر فيه أهل السنة على المذهب الشافعي و الباقي من الشيعة. و لواء ديالي يغلب فيه الشيعة، سقط سطر و أهل السنة فيهما على المذاهب الاربعة، و لواء الدليم سني محض و الشيعة فيه قليلون، و أهل السنة بين حنفيين و شافعيين. و القبائل المقيمة على دجلة و الفرات في
أواسط العراق و على البطائح في أدانيه كلها من الشيعة.
الطوائف العراقية في زمن الدولة العثمانية:
و كان العداء شديدا بين أهل السنة و الشيعة في زمن الدولة العثمانية، و كانت الصلات بين الفريقين مقطوعة، فلا معاشرة و لامزاوجة، و لا تعاون و لا تعارف بل كان ينكر بعضهم بعضا، و يقسو بعضهم على بعض، و تكفّر كل طائفة الاخرى، و كانت الحكومة لا تتحرج من استئصال الشيعة و إبادتهم، و انه قتل بين سامراء و بغداد في العراق في يوم واحد خمسة و عشربن ألف رجل من غير ذنب سوى أنهم شيعة، و ذكرت مؤلفات تركيا الحديثة: أن من أقوى أسباب زوال الدولة العثمانية عداءهم للشيعة و حربهم معهم. و صرّح كتاب الف حديثا باسم (شيعيك أنادولده حركاتي) بأمور كانت خافية، تبين أن عوامل التخريب في الدولة العثمانية كادت تكون
/ صفحه 55/
منحصرة في تعصب الدولة لاهل السنة ضد الشيعة، حتي أنها لم تكن تعترف بأى حق لهم كمواطنين في البلاد. و كانت تقتل من تظهر له مرية علمية من الشيعة، كالشهيد الاول محمد بن جمال الدين مكي، و الشهيد الثاني زين الدين و أمثالها.
و العراق كان أشد البقاع العثمانية شقاء و أكثرها عناء، حتي أن أحد من الشيعة أو أهل السنة اذا خلا بصاحبه و قوى عليه لم يؤمن عليه خطره، و هذه الحوادث كانت و ليدة الحوادث الكثيرة التاريخية التي أشرنا اليها في الأمر الاول و مسببة عن وضع المراكز الدينية التي ذكرناها في الأمر الثانى، و المستعمرون وجدوا فيها جواً ملائماً لبذر بذور النفاق، و القاء التفرقة و الشقاق بين الفريقين اتباعا للسياسة العامة (فرق تسد) التي يتبعونها في المستعمرات، و دامت الحال على ذلك الى زمن الانقلاب الاخير في الدولة العثمانية و الانتقال من الحكم الاستبدادى الى الحكم الدستورى.
الوحدة الاسلامية و الدعوة اليها:
و لما قام الاحرار في وجه السلطان عبدالحميد و خلعوه و أوجدوا النظام الدستورى ـ و استيقظ المسلمون من سنة
الغفلة، و شعروا بالضعف، و أن من أشد عوامله تفرق كلمة المسلمين و تشتت شملهم، أخذ المفكرون منهم ـ و لا سيما علماء الدين ـ يسعون جهدهم في نبذ الخلاف و ترك الخصومات، و توحيد كلمة المسلمين، و نجحوا نجاحا باهرا في العراق، و صار الشيعي لايفرق بين أخيه السني و أخيه الشيعي، و كذلك صار أهل السنة يرون الشيعة أخوة لهم و يسعون في مصالحهم كما يسعون في مصالح أهل السنة و توثقت روابط الاخوة بين الفريقين و دامت الصلات، و كثرت بينهم المناكحات حتي صار كل من السني و الشيعي يشعر بأن الاخر كف له فيزوجه ابنته، و قلما يوجد بيت في بغداد و أطرافها لا تتشكل أفراده من شيعيين سنيين، فكم من ولد أبوه شيعي و أمه سنّية و بالعكس، و لما حدثت حرب طرابلس الغرب مع ايطاليا و حرب البلقان و الحرب العالمية الاولي كان الشيعة فيها ـ مع أن الدولة كانت سنية ـ أكثر جهادا و بذلا للنفس و للمال من أهل السنة.
/ صفحه 56/
و لا ينسي العراقيون الحروب التي دارت من البصرة الى بغداد بين العثمانيين و الانجليز، فقد كان مجتهد الشعية يحملون السلاح في مقدمة المتطوعين من القبائل الشيعية التي كانت تعد بمئات الالوف، و قد قتل في تلك الحروب الطاحنة كثير من شيوخ الشيعة و علمائها الذين باشروا الحروب بأنفسهم و خاضوا غمرآتها في (الثعيبة) حول البصرة و (مزيرعة) حول القرنة و (أبي الدعالج) حول الناصرية و العمارة و الكوت كراً و فراً، و (قصيبة) حول بغداد في الهجوم و الدفاع، و هكذا حتي انتهت الحرب و علماء الشيعة على رأس المتطوعين من قبائلهم، و كنت أنا ممن حمل السلاح و خاض غمرات تلك الحروب بأسرها، و لا يغيب عن ناظرى اليوم عشرات من مجتهدى الشيعة رأيتهم مشحطين بدمائهم على التراب تحت العجاج حتي زهقت أنفسهم في سبيل الله و دفناهم بثيابهم من غير غسل لانهم شهداء و الشهيد لا يغسل و لا يكفن بل يدفن بثيابه.
لم يُغلب المسلمون:
و كان مما يلاحظ في تلك الحروب أن المسلمين دائماً كانوا ينهزمون أمام الجيوش الانكليزية، و كان القواد العثانيون
بظنون أن الهزيمة من نتائج عدم تكافؤ القوى، و كان علماء الشيعة يعتقدون أن الهزيمة نتيجة ضعف الايمان، و ترك التعاليم الاسلامية، فان الجيش العثماني كانت له عقيدة ثابتة في الدين لم تحصل لقادته، لانهم كانوا ممن أثرت عليهم الشبهات و غرتهم زخارف المدنية الاوربية، و لم تتحد عقيدة القادة مع عقيدة الجند، و كم من قائد كان يذهب الي ميدان الحرب في صبيحة ليلة فاجرة كان فد مضاها بين الخمر و الغوانى دون أن يردعه عن ذلك وازع من دين أو عقيدة فيزج بجنوده في لهوات الحرب، و لا شك أن عاقبة قتل هذا القائد هي الخذلان و الهزيمة، و كان النزاع بين علماء الشيعة الذين كانوا يقودون المتطوعين و بين قادة الجند دائماً بسبب ذلك، و كانوا يذكرونهم بقوله تعالي: «و لينصرن الله من ينصره» و «كان حقاً علينا نصرالمؤمنين». «ان تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكم».«و اوفوا بعهدى أوف بعهدكم» و أمثال ذلك من الايات الكريمة التي تصرح أن الله تعالى إنما ينصر المؤمنين الذين يعملون الصالحات،
/ صفحه 57/
و أن ضعف الإيمان و ترك الأعمال الصالحة لا يؤدى إلا إلي الخذلان و الذل و الخزى، و كانوا يجهرون دائماً بأن الهزيمة لم تصب المؤمنين و المسلمين، و إنما أصابت أناساً سمّوا أنفسهم مسلمين، و ليسوا من الإسلام في شىء، انتهت تلك الحروب و العراق الذى كان مسلماً أصبح مستعمرة انكليزية.
الثورة العراقية و الوحدة الاسلامية:
هنا عض علماء السنة يد الندم و أسفوا على ذهاب الدولة الاسلامية و الحرمان من كل ما كانوا يتمتعون فيها من حقوق و متاصب و رواتب، و أخذوا يفكرون في سلوك طريق تنقذهم مما وقعوا فيه، و كان علماء الشيعة لا يهمهم شىء إلا التخلص من الاستعمار عملا بالواجب الشرعي، و كان في مقدمة علماء الشيعة يومئذ الميرزا الشيرازى المجتهد الشهير و والدى رحمها الله، و لما عدت من الاناضول بعد انتهاء الحرب العالمية الاولي وجدتهما في كربلاء، و قد عقدا حلفاً بين القبائل للقيام في وجه الانكليز، فوكلا الىّ إعلان الثورة للتخلص من يد الاستعمار الطاغية، و أسرع إلينا علماء السنة بعد دعوتهم إلي الاشتراك في محاربة المستعمر، و اتحدت كلمة العراقيين اتحاداً حقيقاً، و تأهبوا للقتال في سبيل الله
صفاً واحداً كأنهم بنيان مرصوص، تحصلت الوحدة العراقية الكاملة، و أعلنت الثورة ليلة التاسع و العشرين من شهر رمضان المبارك في كربلاء في صحن العباس بمحضر رؤساء قبائل العراق و علمائها بأمر من المجتهدين الكبيرين الشيرازى و والدى، و حوصرت الجيوش الانكليزية في أكثر أماكن العراق، و نشب القتال في أغلب ربوعه، و أهل السنة و الشيعة يد واحدة يحاربون في سبيل الله بايمان صادق و عقيدة راسخة، و كانت لهم الغلبة، إذ صدقت العقيدة، و خلص الايمان و اتحدت الكلمة.
فشل محاولة الانكليز في تفريق الكلمة:
و حاول الانكليز نفريق كلمة المسلمين لانه السلاح الوحيد الذى كانوا يستعملونه في إخضاع البلاد الاسلامية، فأرسل المندوب السامي سكرتيره (محمدحسين الكابولي) فكلم والدى عما كان يجرى الشيعة على أيدى العثمانيين من تضييع
/ صفحه 58/
الحقوق و الاستهانة بهم، و قال أنه و دولته مستعدان لاعطاه للشيعة حقوقهم كي ينتقموا من أهل السنة الذين كانوا قد ظلموهم، كما أنه أرسل الي المرحوم يوسف السويدى و الشيخ أحمد داود و الشيخ ابراهيم الراوى من علماء أهل السنة يحذرهم من عاقبة الثورة، و أنها تنتهي تسلط الشيعة على أهل السنة و إذلالهم و السيطرة عليهم، و على أثر ذلك أصدر أبي بياناً قال فيه (إن الإنكليز بصدد تفريق الكلمة، و أنهم يطمعوننا بتعيين ملك من الشيعة ليفرقوا بذلك بيننا و بين أهل السنة فلذلك فعلن على الملأ، أننا لا نطلب ملكا شيعياً، و إنما نريد جلاء الانكيز و حكومة مسلمة، و نستقبل الملك المسلم السنّي).
و انتشر هذا البيان انتشاراً هائلا في جميع أنحاء العراق، و اطمأن أهل السنة وردّ كيد الكائدين في نحورهم، و دامت الحرب في العراق حتى انتهت تتويج فيصل الاول ملكا على العراق، و كان هذا الاتحاد الذي لم تزلزله دسائس الانكليز نتيجة لما جرّبه العراقيون من الحوادث المرَّة التي سببَّتها تفرقة الكلمة، فلم يعودوا الى الضرر الذي ذاقوا مرارته.
العراق اليوم:
و العراقيون اليوم متحدون، لا فرق بين سني و شيعي و حنفي و مالكي و شافعي و حنبلي و صوفي و غيرهم، بل كل واحد منهم يشعر بأنه مسلم يوحد الله، و يؤمن بخاتم النبيين محمد صلي الله عليه و آله و سلم، كتابه القرآن، و قبلته الكعبه، و أحكامه ما جاء في الكتاب و السنة، لا فرق بينه و بين غيره من المسلمين إلا في فروع لم ينص عليها القرآن، و اختلفت الاراء في استخراجها من السنة، و هي فروع لا تكاد تعد شيئاً بالنسبة إلى الاصول و الفروع المتفق عليها، والجميع يتمتعون بحقوق واحدة، و هذا رئيس وزراء العراق اليوم و بعض وزرائه من الشيعة يتعاونون مع زملائهم الوزراء من أهل السنة لا يفرق عراقي بين أحد منهم و هم لله مسلمون.
/ صفحه 59/
الدسائس الاستعمارية:
و اذ تلكمنا عن اتحاد المسلمين في العراق، فينبغى أن لا ننسى الدسائس الاستعمارية، فلا يظن جنان أن الانكليز يئسوا من العراق، و كفوا عن دسائسهم المعروفة، و رفعوا اليد عن تفريق كلمة المسلمين، كلا فإنهم استأجروا أناساً يهاجمون الشيعة باسم أهل السنة و أهل السنة منهم براء، و أناساً بهاجمون أهل السنة باسم الشيعة و الشيعة يلعنونهم، و لاولئك المستأجرين صحف تهاجم الفريقين، فإن الشيعة و أهل السنة جميعاً شعروا بهذه الدسائس و عرفوا المستأجرين و صحفهم و احتقروهم و نبذوهم، و لما لم تكن لتلك الصحف قيمة في العراق و لا أثر، استأجروا في مصر بعض المتمصرين كي يؤلفون الكتب و ينشرون الصحف لاثارة النعرات الطائفية و مطبوعاتها في مصر و يرسلونها الى العراق، و كنت قبل أن أزور مصر أحسب فيمن يحسب أن لاولئك المستأجرين شأنا في مصر و لصحفهم و كتبهم أثراً، فلما زرت هذه البلاد علمت ولله الحمد أن المصريين لا يعرفون شيئا عن تلك الصحف و الكتب، و أنها تؤلف و تطبع سرّاً دون أن يعلم بها المصريون، و تنشر في العراق اللهم الا مجلة واحدة استغلت صلة محررها ببعض القائمين على مؤسسة دينية في مصر، فنشرت باسم تلك المؤسسة أكاذيب على الشيعة يعلم الله أنها مختلقة عليهم، منها ما قالته تلك المجلة عن
الشيعة من أنهم يجيزون تكذيب النبي و العياذ بالله و أنهم يبيحون نسخ الاحكام الشرعية بعد النبي صلي الله عليه و آله و سلم.
و لما انتشرت تلك المجلة في العراق، حدثت ضجة عظيمة لا ضد أهل السنة بل ضد المجلة نفسها و المؤسسة التي تنتسب إليها، فأشفقت عليها، و كتب لها مقالا سهباً، لتخرج من غفلتها إن كان ما كتبته عن غفلة، و ذكرت في ذلك المقال عدم وجود ما نقلته عن كتاب معين في ذلك الكتاب، و الموجود فيه هو أن تكذيب النبى فيما ثبت عنه كفر و شرك، و لو لم يكن ذلك في الامور الدينية كاخباره مثلا عن كيفية خلق السموات، و أمثال ذلك من الامور التي لا تتعلق بالدين، و كنت أظن أن الحرص على مصلحة الإسلام أو الإنصاف و الوجدان،
/ صفحه 60/
سيقضي على تلك المجلة بنشر ما كتبته إليها، و لكن خاب ظني، إذ لم تنشر ذلك، بل حرّفت كلمات من المقال و نشرتها، و ما كنت أود أن أذكر في هذا المقال شيئاً مما اقترفته تلك المجلة حذراً من إثارة الخلاف، و لكن وقوف إخواني المسلمين في مصر على ما يعمله المستعمرون في بلادهم، أهم من كل شيء، فذكرت هذا ليعرف المسلمون ما تحوكه السياسة بينهم من الدسائس، و شجعني ما رأيته من علماء مصر وفقهائها و فطاحلها و مجامعها الدينية من المحبة التامة، و الولاء الصادق لجميع فرق المسلمين، و ليس أدل على ذلك من أن مصر مركز «جماعة التقريب بين المذاهب الاسلامية» تلك الجماعة المؤلفة من كبار العلماء و المفكرين من مصر و غيرها من البلاد الاسلامية، ذلك زاد في أملى باتحاد المسلمين و وقوفهم صفاً واحداً لرد عادية الملحدين و اللادينيين و المستعمرين، و سأنقل إلي بلادى و ما جاورها ما شاهدته في مصر من التصلب في الامور الدينية، و كفاح أعداء الدين.
و أسأل الله تعالي أن يريني في القريب العاجل وحدة إسلامية في جميع أقطار العالم، لا تفرق بينها الدسائس الاستعمارية، و إني بعد أن طردت الغلاة من العراق، و طاردتهم في إيران، يحق لى أن أعرف إخوانى من بقية طوائف المسلمين، أن الشيعة مخلصون في دينهم، يقولون بالتوحيد الخالص الذي لا تشوبه شائبة غلو و لا تفويض، و أنهم
متمسكون بقوله تعالي: «فلا تدعوا مع الله أحداً» و أنهم يحترمون صحابة النبي الذين اتبعوه و نصروه و عزروه و اتبعوا النور الذي أنزل معه كما يحترمون أهل بيته ولي في زيارة مصر أكبر حظوة في اتصالى بإخوانى من العلماء الاعلام.
و أسأل الله أن يبارك لمصر في نهضتها، و يبلغها أملها في حفظ بلادها، و إعلاء شأنها، و يمكنها من المعاونة القوية في نجاة العالم الاسلامي أجمع، و الله غالب على أمره.