/ صفحه 73 /
لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الشيخ عبدالجوار رمضان
أستاذ الادب العربي في كلية اللغة العربية
شاعر زاخر الحياة بالمغامرة: بالغ الجرأة: لا يبالي أوقع على الموت، أم وقع الموت عليه، يصفه أبو الفرج فيقول: شاعر متقدم مطبوع هجّاء خبيث اللسان، لم يسلم منه أحد من الخلفاء، و لا من الوزاراء، و لا من أولادهم، و لا ذو نباهة، أحسن إليه أو لم يحسن!
و كان للهجاء عنده فلسفة و مبدأ; قال له أبو خالد الخزاعي مرة: و يحك! قد هجرت اخلفاء و الوزراء و القواد و وترت الناس جميعاً، فأنت دهرك كله شريد طريد هارب خائف، فلو كففت عن هذا، و صرفت هذا الشر عن نفسك فقال: ويحك! إني تأملت ما تقول، فوجدت أكثر الناس لا ينفع بهم إلا على الرهبة; و لا يبالي بالشاعر و إن كان مجيدا إذا لم ئخف شره، و لمن يتقيك على عرضه، أكثر ممن يرغب إليك في تشريفه ; و عيوب الناس أكثر من محاسنهم; و ليس كل من شرفته شرف، و لا كل من وصفته بالجود و المجد و الشجاعة، و لم يكن ذلك فيه انتفع بقولك، فإذا رآك قد أوجعت عرض غيره و فضحته، اتقاك على نفسه. و يحك ـ يا أبا خالد ـ إن الهجاء المقذع آخذ بضبع الشاعر من المديح و
المضرع!(1)
/ صفحه 74/
و هجا دعبل الرشيد، و المأمون، و إبراهيم بن المهدى، و المعتصم، و المطلب بن مالك والي مصر، و كلهم محسن إليه، يغني له ببيت في حضرة الرشيد، و يسأل عنه فيدل عليه، فيجيزه و يحسن إليه، فيكافئه بهجائه بعد موته، بقوله من قصيدة في مدح آل البيت:
و ليس حي من الأحياء نعلمه * * * من ذى يمان، و من بكر، و من مضر
إلا و هم شركاء في دمائهم * * * كما تشارك أيسار على جزور
قتل و أسر و تحريق و منهبة * * * فعل الغزاة بأرض الروم و الخزر
أرى أمية معذورين إن غدروا * * * و لا أرى لبني العباس من عذر
أربع بطوس على قبر انزكي بها * * * إن كنت تربع من دين إلي وطر
قبران في طوس، خير الناس كلهم * * * و قبر شرهم; هذا من العبر!
ما ينفع الرجس من قرب الزكي، و ما * * * على الزكي بقرب الرجس من وطر
هيهات! كل امرىء رهن بما كسبت * * * له يداه فخذ ما شئت أو فذر
و يمدح بخير الناس على الرضا، و بالآخر قبر الرشيد!
* * *
و يمدح المطلب و الي مصر فيقول:
أبعد مصر، و بعد مطلب * * * ترجو الغنى، إن ذا من العجب
إن كاثرونا جئنا بأسرته * * * أو واحدونا، جئنا بمطلب
ـــــــــــ
1- أغاني ج 19 ص 31
فيوليه مطلب أسوان ; ثم يبلغه أنه هجاه، فقال:
و عاديت قوماً فما ضرهم * * * و شرفت قوما فلم ينبلوا
فأنت إذا ماالتقوا آخر * * * و أنت إذا انهزموا أول
فيرسل من يبلغه عزله و هو على المنبر، ليكون أخزى له و أشفي لمطلب.
/ صفحه 75/
و قام إمام لم يكن ذا هداية * * * فليس له دين، و ليس له لب
و ما كانت الانباء تأتي بمثله * * * يملك يوماً أو تدين له العرب
و لكن كما قال الذين تتابعوا * * * من السلف الماضين إذ عظم الخطب
ملوك بني العباس في الكتب سبعة * * * و لم تأتنا عن ثامن لهم كتب
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة * * * خيار إذا عدوا، و ثامنهم كلب
و إني لاعلى كلبهم عنك رقعة * * * لانك ذو ذنب، و ليس له ذنب
لقد ضاع ملك الناس إذساس ملكهم * * * و صيف و أشناس و قد عظم الكرب
و يقول بعد موته و قيام الواثق:
الحمدلله! لا صبر و لا جلد * * * و لا عزاء، إذا أهل البلا رقدوا
خليفة مات لم يحزن له أحد * * * و آخر قام لم يفرح به أحد
* * * و هجا إبراهيم بن المهدى، و هو خليفة، و هجاه بعد اختفائه بقوله:
نعر ابن شَكلة بالعراق و أهله * * * فهفا إليه كل أطلس مائق
إن كان إبراهيم مضطلعاً بها * * * فلتصلحن من بعده المخارق
و لتصلحن من بعد ذاك لزلزل * * * و لتصلحن من بعده للمارق
أني يكون ـ و ليس ذاك بكائن * * * يرث الخلافة فاسق عن فاسق(1) فينتهز إبراهيم فرصة صلحه مع المأمون، و يذهب يحرضه على دعبل، فيضحك المأمون، و يقول: إنما تحرضني عليه لقوله فيك:
يا معشر الاجناد لا تقنطوا * * * و ارضوا بما كان و لا تسخطوا
فسوف تعطون حنينية * * * يلتذها الامرد و الاشمط
و المَعْبَديات لقوادكم * * * لا تدخل الكيس و لا تربط
و هكذا يرزق قوّادَه * * * خلفة، مصحفه البَرْبَطُ
فيقول إبراهيم: فقد ـ و الله ـ هجاك أنت يأمير المؤمنين، فيقول المأمون:
/ صفحه 76/
دع هذا عنك، فقد عفوت عنه في هجائه إياى لقوله هذا، ثم دخل أبو عباد وزير المأمون، فلما رآه من بعد، قال لإبراهيم: دعبل يجسر على أبي عباد بالهجاء و يحجم عن أحد؟ فقال له: كأن أبا عباد أبسط يدا منك يأمير المؤمنين! قال: لا، و لكنه حديد جاهل لا يؤمن، و أنا أحلم و أصفح، و الله ما رأيت أبا عباد مقبلا، إلا أضحكني قول دعبل فيه:
أولي الامور يضيعة و فساد * * * أمر يدبره أبو عباد
و كأنه من دير هرقل مقلت * * * حرد، يجر سلاسل الاقياد
فيقول إبراهيم: زادك الله حلماً يأميرالمؤمنين و علما، فما ينطق أحدنا إلا عن فضل علمك، و لا يحلم إلا اتباعا لحلمك.
و أهاجي دعبل أكثر و أشهر من أن يدل عليها، وإصراره على هذا المنهج في الهجاء يكشف عنه ما حكاه بعض الرواة من أنه سمعه يقول: أنا أحمل خشبتي على كتفي منذ خمسين سنة، لست أجد من يحملني عليها.
ـــــــــــ
1- شكلة: بفتح العين و كسرها ـ أم إبراهيم ; و مخارق بضم الميم، و زلزل بضم الزايين و المسارق: مغنون ; و كان إبراهيم يغنى.
* * *
و نسب دعبل مختلف فيه ; فأبو الفرج يقول: هو دعبل بن رزين... بن عامر بن عمرو بن مزيقيا و يكنى أبو على .
و ينقل ياقوت هذا النسب عن أبي الفرج، ثم يقول: كذا قال أبو الفرج و قال آخرون: دعبل بن رزين بن عثمان بن عبدالله بن بديل بن ورقاء، يتصل نسبه بمضر; أبو على الخزاعي; و على هذا الاكثر.
و أنا أرحج ما ذهب إليه أبو الفرج، لان انحرافه عن نزار إلي اليمن، و مناقضته للكميت بن زيد، ثم لابي سعد المخزومي ،تنم على أنه يضرب في القحطانية بعرق.
فقد نقض دعبل مذهبة الكميت في هجاء اليمن التي مطلعها:
ألا حييت عنا يا مدينا * * * و هل بأس بقول مسلمينا
/ صفحه 77/
بقصيدة له هجا فيها نزارا و مدح اليمن، مطلعها:
أفيقي من ملامك يا ظعينا * * * كفاك اللوم مر الاربعينا
* * *
و التحم الهجاء بينه و بين أبي سعد المخزومي، حتي رواه صبيان الكتاب، و مارة الطرق، و السفل; و حتي انتفي بنو محزوم من أبي سعد، فرقا من دعبل أن يعمهم بهجائه، و كتبوا بذلك كتاباً في دار المأمون و قد تظلموا إليه، فقال في ذلك دعبل:
غيران الصيد منهم * * * ففوه بخزايه
كتبوا الصك عليه * * * فهو بين الناس آيه
فإذا أقبل يوما * * * قيل: قد جاء النفاية
و كان هجاء أبي سعد أقوى، و لكن هجاء دعبل أسير. و في كليهما إقذاع يميل بنا عن روايته.
* * *
و تلمذ دعبل على مسلم بن الوليد: و قال: ما زلت أقول الشعر و أعرضه على مسلم، فيقول لي: أكتم هذا. حتي قلت:
أين الشباب، و أية سلكا * * * لا أين يطلب، صل، بل هلكا
لا تعجبي يا سلم من رجل * * * ضحك المشيب برأسه فبكى
فلما أنشدته هذه القصيدة، قال: اذهب الآن فأظهر شعرك، كيف شئت، لمن شئت او بهذه القصيدة أيضاً عرفه حبيب «أبو تمام» فقال: لمن سأله عن نسب دعبل: هو دعبل بن على الذي يقول: ضحك المشيب برأسه فبكي!
و ما زال دعبل بعرف لاستاذه مسلم فضله عليه، حتي ولي مسلم جرجان،و وفد عليه دعبل فجفاه ; فهجره دعبل، و كتب إليه بهذه الابيات التي تعتبر أبلغ ما رثيت به صداقة: قال:
/ صفحه 78/
أبا مخلد كنا عقيدى مودة * * * هوانا و قلبانا جميعاً معاً معا
أحوطك بالغيب الذي أنت حائطي * * * و أيجع إشفاقا لان تتوجعا
فصيرتني بعد انتحائك متهما * * * لنفسي عليها أرهب الخلق أجمعا
غششت الهوى حتي تداعت أصوله * * * بنا، و ابتذلت الوصل حتي تقطعا
و أنزلت من بين الجوانح و الحشا * * * ذخيرة ود طالما قد تمنعا
فلا تعذلي ليس لي فيك مطمع * * * تخرقت، حتي لم أجد لك مرقعا
فهبك يميني استأكلت فقطعتها * * * و جشمّت قلبي صبره فتشجعا
و لا عجب ـ بعد هذه الابيات الدامية ـ أن يتهاجرا فلا يلتقيا أبدا!(1)
* * *
ـــــــــــ
1- كان البحتري يرى أن دعبلا أشعر من مسلم; فقيل له في ذلك، فقال: لأن كلام دعبل أدخل في كلام العرب من كلام مسلم، و مذهبه أشبه بمذاهبهم.
و تاريخ دعبل، و معقد فخره، ليس شعره وحده ; ولكنه يتركز في ذلك الروح الثائره، و الايمان الراسخ، الذي نبع من إخلاصه لال بيت رسول الله صلي الله عليه و سلم، إخلاصا تركه يرى كل من سواهم عدما على الإطلاق، لا يجلب خيراً، و لا يدفع ضراً و لا يستحق أن يخاف منه، و لا أن يرغب فيه.
فلقد كان دعبل شيعياً كل الشيعي، و كان تشيعه معتدلا معقولا، لا غلوّ فيه و لا إسراف; قرئت عليه مرة مناقضته للكميت، و جاء فيها:
من اى ثنية طلعت قريش * * * و كانوا معشراً متنبطينا
فقال دعبل: معاذ الله أن يكون هذا البيت لي! ثم قال :لعنه الله و انتقم منه! «يعني أبا سعد المحزومي» دسه ـ والله ـ في هذا الشعر، و ضرب بيده على سكين كانت معبد، فجرد البيت بحدها.
و ادعي عليه بعض الزبيريين مرة أنه شتم صفية رضي الله عنها، و استعدوا عليه القاضي عمروبن حميد; فأجابه: أرافضي أنا أشتم صفية بنت عبدالمطلب سخنت عينك! و هل يقبل عقلك ذلك!؟
/ صفحه 79/
و هجا أعرابياً مرّة، و هو لا يعرفه ; فسأله الاعرابي: ممن أنت، فكره أن يقول له من خزاعة فيهجوهم ; فقال: أنا أنتمي إلي القوم الذين يقول فيهم الشاعر:
أناس، على الخير منهم و جعفر * * * و حمزة و السجاد ذو الثفنات
إذا فخروا يوما أتوا بمحمد * * * و جبرئيل و الفرقان ذى السورات
فوئب الاعرابي و هو يقول:
مالي إلي محمد و جبرئيل و الفرقان و السورات مرتقي!
* * *
و البيتان الاخيران من قصدة في آل البيت، تلك القصيدة، بل الدّرة الفريدة التي لم يقل خير منها في آل محمد صلى الله
عليه و سلم، في نظرى. و قد أوردها ياقوت في خمسة و أربعين بيتا; قال:« و كان دعبل من مشاهير الشيعة، و قصيدته التائية في آل البيت من أحسن الشعر، و أسنى المدائح... و نسخ هذه القصيدة مختلفة ; في بعضها زيادات يظن أنها مصنوعة، ألحقها بها أناس من الشيعة; و إنا موردون هنا ما صح منها:
مدارس آيات خلت من تلاوة * * * و منزل وحي مقفر العرصات
لال رسول الله بالخيف من مني * * * و بالركن و التعريف و الجمرات
* * *
ثم قال: و مما يختار من شعر دعبل قصيدته العينية التي رثى بها الحسين بن على رضى الله عنهما، قال:
رأس ابن بنت محمد و وصيه * * * يا للرجال! على قناة ترفع
و المسلمون بمنظر و بمسمع * * * لا جازع من ذا و لا متخشع
أيقظت أجفانا و كنت لهاكرى * * * و أنمت عينا لم تكن بك تهجع
كحلت بمنظرك العيون عماية * * * و أصم نعيك كل أذن تسمع
ما روضة إلا تمنت أنها * * * لك مضجع و لخط قبرك موضع
/ صفحه 80/
و في الحق ،لقد قال الكميت و السيد و ابن الرومى و غيرهم في آل البيت، فأجادوا، و لكنهم مسّوا جلال ممدوحيهم بما شاب كلامهم من قذع لخصومهم، فأما هذا الشاعر المتمرد الهجاء، نقد طهر شعره من هذه اللوثة، فجاء جامعا للحسن من أطرافه، حاويا للجمال الخلقي، و الجمال الفني، نوراً على نور; يهدى الله لنوره من يشاء!
و تائية دعبل الانفة كأنها قطعة من كل قلب، لذلك كان لها في نفس كل من يسمعها أثر لايجحد، يستوى في ذلك الشيعي و غير الشيعي ; و كذلك الكلام، إذا خرج من القلب، وصل إلي القلب ; و إذا خرج من اللسان لم يعد الاذان.
روى بعض الكوفيين، أنه سمع دعبل بن على يقول: دخلت على على بن موسي الرضا (عليهما السلام)، فقال لي أنشدني
شيئاً مما أحدثت ; نأنشدته:
مدارس آيات خلت من تلاوة * * * و منزل وحي مقفر الغرصات
حتي انتهيت إلي قولي:
إذا و تروا مدوا إلي و اتريهم * * * أكفا عن الاوتار منقبضات
قال: فبكي حتي أغمي عليه ; و أومأ إلي خادم كان على رأسه أن اسكت، فسكت ساعة; ثم قال لي: أعد، فأعدت حتي انتهيت إلي هذا البيت أيضاً، فأصابه مثل الذي أصابه في المرة الاولى، و أومأ الخادم ان اسكت فسكت; فمكث ساعة أخرى، ثم قال لي: أعد، فأعدت حتي انتهيت إلي آخرها; فقال لي: أحسنت، ثلاث مرات، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم مما ضرب باسمه، و لم تكن وقعت إلي أحد بعد; و أمر لي من في منزله بحلى كثير أخرجه إلىَّ الخادم ; فقدمت العراق، فبعت كل درهم منها بعشرة دراهم، اشتراها مني الشيعة، فحصل لي مئة ألف درهم، فكان أول مال اعتقدته:
و روى آخر أن دعبلا قال له: إنه استوهب الرضا (عليه السلام) ثوباً قد لبسه ليجعله في أكفانه، فخلع حبّة كانت عليه، فأعطاه إياها; و بلغ اهل قم خبرها، فسألوه أن يبيعهم إياها بثلاثين الف درهم، فلم يفعل ; فخرجوا عليه في طريقه
/ صفحه 81/
فأخذوها منه غصباً، و قالوا له: إن شئت أن تأخذ المال فافعل، و إلا فأنت أعلم، فقال لهم: اني ـ و الله ـ لا أعطيكم اياها طوعاً، و لا تنفعكم غصبا: و أشكوكم إلي الرضا (عليه السلام) ; فصالحوه على أن أعطوه الثلاثين الالف الدرهم، و فردكمّ من بطانتها، فرضي بذلك!
و روى آخر عن دعبل أنه قال: لما هربت من الخليفة، بتّ ليلة بنيساپور وحدى، و عزمت على أن أعمل قصيدة في عبدالله بن طاهر في تلك اليلة ; فانى لفى ذلك، إذ سمعت ـ و الباب مردود علىّ ـ السلام عليكم و رحمة الله، انج، يرحمك الله! فاقشعر بدني من ذلك، و نالني أمر عظيم ; فقال لي: لا ترع، عافاك الله، فإني رجل من إخوانك من الجن، من ساكني اليمن، طرأ علينا طارىء من أهل العراق، فأنشدنا قصيدتك:
مدارس آيات خلت من تلاوة * * * و منزل وحي مقفر العرصات
فأحببت أن أسمعها منك ; قال: فأنشدته اياها، فبكي حتي خر! ثم قال رحمك الله، ألا أحدثك حديثاً يزيد في نيتك و يعينك على التمسك بمذهبك؟ قلت: بلي، قال: مكثت حينا أسمع بذكر جعفر بن محمد(عليه السلام)، فصرت إلي المدينة فسمعته يقول: حدثني أبي عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلي الله عليه و سلم قال: على و شيعته هم القائزون؟