/ صفحه 92/
لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الشيخ محمد الطنطاوى
الاستاذ في كلية اللغة العربية
لقد يستحثني إلي و صاتي المؤثقة لك ببر الاب و مؤازرة الاخ ماروي عني الآن من عقوق للأب و خذلان للأخ، لطغيان السيل العرم من الانحلال الخلقي في الشبان و الشواب، مما يتقرح منه كبد الاب، ويقت في عضد الاخ، فتخمد منهما جذوة المناصرة و ينأيان عن المكانفة، حتي يؤذن نذير الانهيار الاسرى بالغفاء.
و ما حفظ كيان أسلافنا الامجاد إلا احتذاؤهم المثل السميافيما توحي به القطر النقية، و أكده دين الإسلام و السلام.
و مرحي للراجز العزلي، إذ يقول على لسان الضب حينما رأي تهدم جحر ابنه الحسل:
أهدموا بيتك لا أباً لكا * * * و حسبوا أنك لا أخاً لكا
و أنا أمشي الدَالىَ حوالكا * * * كيف اجترأ عليك الخاطئون. و خربوا بيتك و زعموا أنه لا أخاً لك، و لا أباً لك، يمشي حولك يرعاك. ألا يثأر أخوك وأبوك لك.
قال أبو العباس المبرد: (حدثني أبو عُمَر الجَرْمي، قال: سألت أبا عبيدة عن قول الراجز:
أهدّموا بينك لا أباً لك ... ... ... ....
/ صفحه 93/
فقلت لمن هذا الشعر؟ فقال هذا يقوله الضب للحسل أيام كانت الاشياء تتكلم(1).
و سواء أكان هذا الشعر يقوله العرب على ألسنة الحيوانات كما يقول سيبويه، أم قاله الضب أيام أن كانت الاشياء تتكلم كما يقول أبو عبيدة، فإنه ذو مغزى يأخذ بتلابيب المأفونين الذين هم فيطعغيانهم يعمهون.
ترفرف أجنحة القربي على الاصول لتضم لها الحواشي و الفروع، فقد العم أبا و ابنه أخا و تبتئس من ذَعَارَّة عقيل بن علَّفة في سوء مجازاته بنى العم بمثل ما يصنعون، ثم تستريح مغتبطة لسماع نداه مسكين الدارعي رحمة الله عليه في قوله:
و إن ابن عم المرء فاعلم جناحه * * * و هل ينهض البازى بغير جناح
ففي الصواب أن ما بين روحي عقيل و مسكين ما بين الحنظل و الصندل، أو الحميم و السلسبيل.
قلت: قرأت مقدارا له بال من شعر العرب و منثورها، و هو أرباب اللسن، لا تخيفهم سطوة حاكم عات، و لا تردعهم قوانين سنونة، فما يبالون و هجر القول و سلاطة اللسان شفاء لما في صدورهم الحانفة، حسب تقديرهم الشخصى.
فقد هجا الاخ و أقذع في السباب كالمغيرة بن حبناء التميمي، و تهدد ابن العم و أرعد كذى الاصبع العدوانى و طرقة بن العبد، و عنترة العبسي، و سيفه ابن الاخ و أفحش كعقيل بن علفة المرى، مما أوغر الصدور و استفزهم إلي التدابر فيما بينهم، و جلب الاحداث الجسام التي انتابت الاقارب و مزقتهم بددا، ذلك أن العداء ينشب بينهم لما يغتفر مثله من غيرهم، فهنواتهم معدودة، دقيقها جليل، و تحملها ثقيل، و يقول طرفة بعد سرد آلامه من ابن العم.
و ظلم ذوى القربي أشد مضاضة * * * على المرء من وقع الحسام المنهد
إن للعدوات بين ذوى القرابات أسباباً تخلقها، يستعصي على الباحث عنها الوقوف على كنهها حتي يعرف المحق من المبطل، و ليس من الهين البين البت
ـــــــــــ
1- رغبة الامل من كتاب الكامل ج 5 باب من تكاذيب الأعراب و هو طريف مستملح.
/ صفحه 94/
في القضاء على خارج، فربما التقت حلقتا البطان، فلم يطق المجروح الاغضاء عن الحيف المتراكم عليه ـ إن المنطق المستقيم ليطرب لقول المغيرة بن حبا: إذا المرء أولاك الصوان فأوله * * * هوانا و إن كانت قريبا إواصره
فإن أنت لم تقدر على أن تهينه * * * فذره إلي اليوم الذي أنت قادره
و قارب إذا لم تكن لك حيلة * * * و صمم إذا أيقنت أنك عاقره
و إني لاستشف من خلال سطور نصيحتك المحضة النقم على عقيل، و رب ملوم غير مليم، و الظواهر قد تناقض البواطن و الموازين القسط لعلام الغيوب، فكثيراً ما تنماع سحب التهمة، و ينكشف للقاضي الالمعي عذر القاتل، و أنه حر انتصر.
إن هذا مقام يطول فيه الحديث، و لا يصل غاية يوقف عندها، و بحسن السكوت عليها.
قال: لامرية في أحقية ما أبديت، ولكن جاش في صدرى ما استهللت به الحديث من نصيحة غالية، و ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
قلت: آمل أن تتفتح لها القلوب الغلف، و تنشرح لها الصدور المفتحة، و لا أجانف ا لواقع إذا ما عددت ميل المنصوح وسيلة لقبولها، فكم من نصيحة ضرب المنصوح عنها صفحا، و قد لقي من حرائها حتنفا، و قديما زج بالكميت في سجن خالد بن عبدالله القسرى، موالي العرافين لهشام بن عبدالملك. بعد إلحاح معاذ الهراء الصرفي المشهور عليه في الخروج من العراق و البعد عن وجه خالد إذ كان معاذ للكميت مخادنا وفيا، لما بينهما من التشيع العلوى ـ لما لم يصخ لنصيحته فقال الهراء:
نصحتك و النصيحة إن تعدت * * * هوى المنصوح عز لها القبول
فخالفت الذي لك فيه رشد * * * فغالت دون ما أملت غول
و عاد خلاف ما تهوى خلاف * * * له عرض من البلوى و طول
ثم بعد هذا كله أرانا يا مولاى قد انساق بنا الحديث إلي ما أبعدنا عن مبحثنا فإننا بصدد لفظي الاب و الاخ، و جمعهما لا بشأن الواجب نحوهما، فكم لها من واجبات حث عليها الدين و فضلتها الاداب الاجتماعية.
/ صفحه 95/
قال: أراك استأنيتني في التعليق على ما أسلفت من النصوص المؤيدة أن الاخين لغة في الاخ، بما فيها من أمثال و أشباه.
و ما كان لك أن تتعجل بعد عرضي لك شواهد عربية حاسمة في جعل الاخين و الابين جمعى أب و أخ ليقينى أنك مطمئن القلب بعدئذ، على أني موف لك بعهدى، إن العهد كان مسئولا.
نعم قد بدالي اليوم قبل التعليق عليها أحاد أحاد ـ و التكرير للتأكيد لا التأسيس على حد قوله صلي الله عليه و سلم: صلاة الليل مثني مثني ـ أن أوجه نظرك إلي أن الابين كان جمعا متعارفا ذائحا في الاستعمال العربى أوائل التدوين للعربية، حتي عد أساسا للتمرين عندهم على ما عرف عند الصرفيين في باب التدريب إذ يتخذون الكلمات المعروفة عماداً للنظائر من غيرها في موافقتها تطبيقا للقواعد و اختياراً في العلم، فيقولون: كيف تبنى من كذ على مثال كذا المعروف عندهم، و ذلك عند الصرفيين نظير باب الاخبار بالذى، و الالف و اللام عند التحويين.
و لو ذكرت هذا قبلا كنت في غنى عن تلمس شواهد لجمعها، ففى التنقيب عن الشواهد عناه أي عناه، مكتفيا بجعل علماء العربية (الابين) أساساً يبني على مثاله، و في هذا غناء أي غناؤء.
إن سيبويه استشرفت نفسه للحظوة عند الخلفاء و الامراه ببغداد، و قد غمروا الكسائي زعيم بغداد بعطاياهم الجزيلة و هو دونه عنده، فشخص إليها أملا في الفوق عليه، و نزل عند يحيى بن خالد البرمكى و زير الدولة ليجمع بينهما، و في اليوم الموعود سبق الكسائي تلميذاه: الفراء و الاحمر، و جرت المناقشات العليمة بينه و بينهما، فكان مما قاله الفراء: (ما تقول فيمن قال هؤلاء أبون و مررت بأبين؟ كيف تقول على مثال ذلك من وأيت او أويت؟) (1) و قد أجاب بيويه بما
ـــــــــــ
1- المغني: مبحث إذا
يوافق المذهب البصرى في المفرد و خطأه الفراء تبعا للذهب الكوفى فيه، و ليس لهذا الخلاف من أثر في الجمع نفسه.
إن السائل في البناء على مثال هذا الجمع رفعاً و جراً الفراء الكوفي، و المسئول
/ صفحه 96/
سيبويه البصرى، فجمعيته مطبق عليها من المصرين: (البصرة و الكوفة) فكيف بعدئذ تعرض فكرة الاخين لغة في الخ.
لم يعبأ سيبوية بالعنت الذي حاق به من ملاحاة التلميذين أنفة منه عن مسايرتهما حتي حضر أستاذهما الكسائي و سأل سيبويه السؤال المشهور بالمسألة الزنبورية، و ليس هنا مجالها، فكان نصيبه فيها الخذلان أيضاً، و يؤكد التقات الاثبات أن لاصبع السياسة أثراً كبيراً في تغليط أستاذ البصرة و التنذريه، فقفل راجعا من هذه الرحلة المشئومة الخزى و الانكسار متوراياً من سوء ما لحق به تاركا البصرة موليا وجهه شطر بلده بفارس فمات بها غماً في ريعان شبابه. و قال قبل حتضاره:
يؤمل دنيا لتبقي له * * * فمات المؤمل قبل الامل
حثيثا يروى أصول التخ * * * يل فعاش الفسيل و مات الرجل
لا تضجرن من استرسالي بعد سوق الحجة في التنويه عن المناظرة المتعالمة بين العلماء، فما ذكرت مثار النزاع فيها، و لا ما قيل من المتنازعين، و لكني المحت إليها لتعلم أنه سبقها الحديث عما نتناقش فيه بما لا يدع ريبة تحوم حوله.
قلت: إن هذه الحجة بعد الشواهد الماضية الكافية طالت لا تنالها الشبهات زادتني يقينا على يقيني، و ما بقلي شاغلا ذهني إلا تعقيبك على ما قدمت لك من نصوص تناهض ما تقدم، طال تشوفي و استشرافي له، فهذا بغيتى و طلبتى، و لك مني بالغ العرفان بالعرف المسدى في العلم ـ و أخشى ما أخشاه أن ينفلت لسانى بإنشاد قول ابن أبي ربيعة:
كلما قلت متي ميعادنا * * * ضحكت هند و قالت بعد غد
قال: قدني منك اليوم، لو غيرك أنشده، سأبين لك ما غنيت غدا لا بعد غد، كما قال هدية بن خشرم العذرى.
فإن يك صدرهذا اليوم ولي * * * فإن غدا لناظره قريب
قلت: لك الطولي في الاولى و الاخرى، و تفضل بقبول اعتذارى موفور الشكر و الثناء، و سلام الله عليك و
رحمته؟ (للكلام صلة)