/ صفحه 97/
لفضيلة الاستاذ الجليل الشيخ عبدالمتعال الصعبرى
الاستاذ بكلية اللغة للعربية
- 1 -
تدعو جماعة التقريب بين المذاهب إلاسلامية إلي أن تكون العلاقة بين المسلمين على ختلاف مذاهبهم محبة و مبرة، حتي لا يكون اختلافهم في المذاهب داعياً إلى قطع العلاقة بينهم، و قيام الخصام بين فرقهم، و أنها لدعوة الإسلام التي تؤثر السلم على الحرب، و لا تدعو إلى خصام المخالف في الدين، بل لا نرى بأساً في حبه و مودته، فيكون المسلمون أحق بقيام علاقة المحبة بينهم، لانه ليس بينهم من الخلاف ما بينهم و بين غيرهم، و إنه ليدعوني الآن إلي الكتابة ساقط وردت في القرآن يفيد الحث على بغض المخالفين، فيأخذه قضية مطلقة غير مفيدة، و يحمل الاسلام من هذا ما تأباه دعوته السلمية البريئة، و هي الدعوة التي جعلت من المسلمين الاولين بررة أطهاراً، لا تحمل قلوبهم للناس غير الحب لهم، و لا تتطلع نفوسهم إلا لهدايتهم.
و قد ضرب النبي صلي الله عليه و سلم أمثله كثيرة في بر المخالفين، منها ما كان منه حين قصد إلى الطائف ليعرض على أهلها أن يحموه من قومه، فأرسلوا سفهاءهم و غلمانهم يقفون في وجهه في الطريق، و يرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبه، فاشتد به الكرب، و قال: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، و هو اني على الناس، يأرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، و أنت ربي، إلي من تكلني؟ إن لم يكن بك غضب علىّ فلا أبالي، فأتي جبريل (عليه السلام) برسالة من الله تعالي، و قال: إن الله أمرني أن أطيعك في قومك لما صنعوه معك.
/ صفحه 98/
فقال صلي الله عليه و سلم: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون. فقال جبرئيل (عليه السلام): صدق من سماك الرؤوف الرحيم.
نعم صدق من سماه الرؤوف الرحيم، لان مثل هذا لا يكون إلا من قلب غمره البر بالناس كافة، فليس فيه شيء من الحقد عليهم، حتي يستعجل هلاكهم، و يشفي حقده بما يراه من عذابهم، و هكذا قال: «اللهم اهد قومي» فطلب الهداية لهم، و لم يطلب هلاكهم، و أضافهم إليه إضافة تقريب و حنان، و هو في أشد حلات الكرب، و قد طلب المعين فلم يجده، بل وجده أقسي عليه ممن طلب إعانته عليه، ثم قال «فإنهم لا يعلمون» فالتمس بعض العذر لهم، و إن كانوا لا يعذرون إذا ماتوا و هم على كفرهم، لانه كان لا يزال يطمع في أن يؤثروا الايمان في يوم من الايام، لانهم لا يمنعهم من الايمان به إلا الجهل الذي طال به الامد، فلا بد له من زمن يثابر فيه على علاجه، و يأخذهم فيه بالدليل و الإقناع، فليس من يكفر عن جهل كمن يكفر عن عناد، لان من يكفر عن جهل يفيد فيه العلاج، و من يكفر عن عناد لا علاج له.
ثم ضرب النبي صلي الله عليه و سلم مثلا آخر لبر المخالفين، و هذا بعد أن هاجر من أذى قومه، و قامت الحرب بينه و بينهم، و قد كال لهم فيها أكثر مما كالوا له، و لكنه بعد انتصاره عليهم لم يشأ أن يمضي في حربهم، لانه لم يحمله عليها عداوة لهم و إرادة انتقام منهم، و إنما كانت حرباً دفاعية لحماية الدعوة، فلما ذهب فيها من ذهب من قومه أشفق عليهم من الفناء، فحنا عليهم مع عداوتهم له، لانه لم يكن يحمل لهم حقداً و لا ضغنا، بل كان لا يزال طامعاً في هدايتهم، مع ما قام من الحرب بينه و بينهم.
و قد كان هذا المثل في صلح الحديبية، و كان قد سار إلى مكة معتمراً لا يريد حربا، فعزم قومه على صده عن المسجد الحرام، و أرسلوا خالدبن الوليد في مائتى فارس طليعة لهم، فلما بلغ النبى ذلك قال: يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني و بين سائر العرب؟ فإن هم أصابوني كان ذلك
/ صفحه 99/
الذي أرادوا، و إن أظهر الله عليهم دخلوا في الإسلام و افرين، و إن لم يفعلوا قاتلوا و بهم قوة، فما تظن قريش؟ فوالله لا
أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتي يظهره الله، أو تنفرد هذه السالفة:
فقوله صلي الله عليه و سلم: (يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب) يدل أكبر دلالة على أنه لم يكن يحاربهم عن عداوة لهم، و لا عن إرادة انتقام منهم، بل كان يحاربهم و هو كاره لهذه الحرب، لانه يقتل فيها أرحاما يعز عليه تقتيلها و إن كانت ظالمة، و لا يضمر لها إلا حب الخير، و لا يريد لها إلا السعادة و الهناءة، و لا تجتمع هذه النيّة لهم في قلب يضمر عداوتهم، لان القلب العامر بحب الخير للمخالفين لا يعرف العداوة التي تمنعه من حب الخير لهم، فلم يكن شأن النبى صلي الله عليه و سلم معهم إلا كما قال الشاعر:
أريد حياته و يريد قتلي * * * عذيرك من خليلك من مراد
و قد بر النبي صلي الله عليه و سلم بهم هنا أعظم بر، وحنا عليهم أعظم حنو، فلم يزل يلين لهم حتي رضوا بعقد صلح معه، و كان صلحاً فيه نفع كثير لهم، و فيه غبن كثير للمسلمين، و لكنه ضمن عليهم بالقتل، لان قلبه عامر بحب الخير لهم، و لا يزال يطمع في إيمانهم.
ثم ضرب النبي صلي الله عليه و سلم مثلا ثالثاً في بر المخالفين، و هذا مع المنافقين الذين كانوا يخفون الكفر و يظهرون الإسلام، فكان يقبل منهم ظاهر هم و يتغاضي عما يحصل منهم من الكيد للمسلمين في السر، فيقابله بالاغضاء و الصفح، و لا ينقطع عن برهم و مودتهم، ليقتلع من قلوبهم جذور النفاق بالحسني، لان الصفح عن المسي ء أقوى في إقلاعه عن إساءته من مقابلته بمثلها، و قد كان رئيسهم عبدالله بن أبى بن سلول أكثر إساءة للمسلمين، فكان ا لنبي صلي الله عليه و سلم يقابل عقوقه بالبر، و يقابل إساءته بالصفح و يقابل ما يضمره من العداوة بإظهار المودة، فلما مرض عبدالله عاده صلي الله عليه و سلم في مرضه، فطلب منه أن يصلى عليه و يقوم على قبره، ثم أرسل إليه يطلب منه قميصه ليكفن فيه، فأرسله إليه،
/ صفحه 100/
و لما مات صلي عليه صلاة لم يطل مثلها (1) و شيع جنازته حتي وقف على قبره، و قد قال له عمر حين أعطي له قميصه: لم تعطي قميصك هذا الرجس النجس؟ فقال: إن قميصي لن يغني عنه من الله شيئا فلعل الله يدخل به ألفاً في الإسلام. وقد تحقق ما أمله النبي (صلى الله عليه و سلم)، لان المنافقين كانوا لا يفارقون عبدالله في مرضه، فلما رأوه يطلب هذا القميص و يرجوا أن ينفعه أسلم خلق كثير منهم، و لم يبق على النفاق إلا عدد قليل، ثم اختفي النفاق بعد هذا بفضل ذلك البر الذي رعي به النبي صلي الله عليه و سلم أولئك المنافقين.
ومن هذا كله نستطيع أن نحكم بأن بر النبي صلي الله عليه و سلم بالمخالفين كان عاما شاملا، فقد عامل به من خالفه و سالمه، ثم عامل به من خالفه و عاداه قبل هجرته إلي المدينة، ثم عامل به من خالفه و حاربه بعد هجرته إليها، ثم عامل به من أظهر له الإسلام من المنافقين و كان يناوئه في الخفاء و يدبر له الفتن و المؤامرات.
و لا غرو أن يكون هذا شأن النبي صلي الله عليه و سلم مع اولئك المخالفين، فقد كانت رسالته رحمة للناس كافة، كما قال تعالي في الاية ـ 701 - من سورة الانبياء: «و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» فالعالمون هم الناس عامة من مؤمنين و مخالفين، و قد بعث صلي الله عليه و سلم او الناس في جاهلية و ضلالة، و أهل الكتاب في حيرة من أمز دينهم، لطول مكثهم و انقطاع تواترهم، و وقوع الاختلاف في كتبهم، فبعث حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز و الثواب، فدعاهم إلي الحق:
وبين لهم رحمة في الدين، و كذلك كان رحمة لهم في الدنيا، لانهم تخلصوا بسببه من كثير من الذل و القتال و الحروب، حين كان جبابرة الملوك يعاملونهم كما يعامل الارقاء، و يسوقونهم إلي حروب آثمة لا تقف عند حد، و لا تنتهي إلي نهاية، و لا يقصد منها إلا استرقاق الشعوب و استعبادهم، فجاء الإسلام بابطال هذه الحروب، و دعاهم إلي الدخول فيه بالسلم، كما قال تعالي
/ صفحه 101/
ـــــــــــ
1- قد منع من الصلاة عليهم بعد هذا لانها خاصة بالمسلمين الصادقين.
في الاية 512 - من سورة النحل: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله و هو أعلم بالمهتدين».
و هذا إلي أن كل نبي قبله كان إذا كذبه قومه دعا الله فأهلكهم بالخسف أو الغرق أو غيرهما من آيات العذاب التي أهلك بها الاولون، أما النبي صلي الله عليه و سلم فقد أخر عذاب من كذبه إلي الموت أو القيامة، و قد كانو يطلبون هذا العذاب فلايجيبهم إليه، كما قال تعالي في الايتين ـ 32 - 33 - من سورة الانفال «و إذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ـ و ما كان الله ليعذبهم و أنت فيهم و ما كان الله معذبهم و هم يستغفرون» فوقاهم الله من العذاب الذي طلبوه في دنياهم لوجوده بينهم، و كان بهذا أبربهم من أنفسهم.
و قد قال أبو هريرة: قيل لرسول الله صلي الله عليه و سلم: ادع على المشركين، فقال، إنما بعثت رحمة و لم أبعث عذابا.
و روى حذيفة أن النبي صلي الله عليه و سلم قال: إنما أنا بشر، أغضب كما يغضب البشر، فأيما رجل سبيته أو لعنته، فاجعلها اللهم عليه صلاة يوم القيامة.
و هذا غاية ما يكون من البر و حسن الخلق؟
(للكلاتم صلة)