بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة التحرير
قرأت فيما قرأت صدر شبابي: أن أحد الدهاة العباقرة من الملوك الاولين، أوصي ولدا له كان قد وجهه إلي طرف من أطراف مملكته لمقاومة عدو مغير، فكان من وصيته إياه، أن قال له:
«... واعلم أنك تواجه قوما أشداء ذوى بأس و مدد، فليكن حصرك على أن تبلوأخبارهم: و تعرف ما رسموا لحربك: أشد من حرصك على أن تفجأهم، و تغتر بأوليات النصر عليهم، فإن ما أحد بالفجاءة، قمين أن يسترد بالرباطة، و لكن اخبر خبرهم، و اعرف ما بيتوا، ثم استقبل أمرك على بصيرة من ذلك، و أفسد عليهم، و ادرأ عن بلادك و قومك».
ذكرت هذه الوصية الحكيمة حين قرأت ما كتبته الصحيفة الانجليزية الكبرى (التايمز) و هي تتحدث عن تقدم الإسلام بخطوات واسعة في غرب أفريقا، و ما يخشاه المستعمرون من هذا التقدم، و ما يوحون به إلى اوليائهم من «وجوب محاربة الإسلام، والحد من تقدمه، ينشر البدع و الخرافات حتي يكون هذا بمثابة حائل يقف أمام ضغطه المتزايد».
و العبرة التي يجب أن نفيدها من ذلك، أن أعداء الإسلام قوم أولوا بأس شديد، و مدد كثير، و دهاء عظيم، كهؤلاء الذين يصفهم ذلك الاب الناصح، فمن أول ما يجب أن نتواصي به، ألا يكون همنا التظآهر بما نزعمه انتصاراً عليهم، و مفاجأة لهم، فإن أمرهم أجل من أن فتخادع فيه بمثل ذلك، و لندرس خطتهم التي رسموها لقهرنا، و بيتوها لكيدنا، لنعمل على
إفسادها، و تقويت مقاصدهم فيها.
/ صفحه 116/
و هذه الخطة التي أوجزتها صحيفة الاستعمار ليست جديدة، و لا هي من مبتكرات العصور التي أمر فيها أمر الغرب، و إنما هي خطة قديمة معرقة في القدم، لا يرجع تاريخها إلى نشأة الاسلام فحسب، و إنما يرجع إلى عهود الرسالات الالهية القديمة، بيد أن نصيب الإسلام فيها كان أوفى نصيب، لان أعداءه لمسوا فيه القوة و الوضوح و مجاراة الفطر السليمة، و العقول المستقيمة، فعلموا أنه دين الحياة، و شرعة الصلاح، فكان أكبر همهم أن يناصبوه هذه الحرب الدنيئة: حرب الاسفاف و الارجاف و الكذب و الاختراع، ليغرقوا عامة أهله في لجج الاوهام و اخرافات، و يحيروا خاصته بالشكوك و الشبهات، و يوقعوا بينهم جميعاً الخلافات و العدوات، و يصرفوا بهذا كله عن دين الإسلام أرباب العقول، و رواد العلوم، و طلاب الحقائق. و هذا سر ما نجده منبثاً في كتب التفسير و الاثار من الروايات التي تعرف «بالاسرائليات».
وقد حذرنا الله تعالي من هذه الحرب، و عرفنا مصدرها لنتقيه، فقال مخاطبا رسوله الكريم «قل يأهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا و أنتم شهداء و ما الله بغافل عما تعملون» كما أوما إليها رسول الله صلي الله عليه و سلم إذ يقول «جئتكم بالحنيفية البيضاء ليلها كنهارها» يرشدنا بذلك إلي أعظم خواص هذه الشريعة، و هي كونها صافية من الشوائب التي تنافي الفطر، أو تجافي العقول، و اضحة المعالم، لا سر فيها، و لا خفاء في شىء من مقاصدها، و ذلك سر عظمتها، و مناط عزتها و منعتها.
فليفهم المسلمون ذلك حق الفهم، و ليحرصوا على أن تبقي شريعتهم بيضاء كما أنزلها الله، و ليفقهوا نداء ربهم الذي ناداهم به تحذيراً لهم من كيد أعدائهم:
«يا أيهاالذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوالكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين، و كيف تكفرون و أنتم تتلي عليكم آيات الله و فيكم رسوله؟ و من يعتصم بالله فقد هدى إلي صراط مستقيم».