/ صفحه 134/
لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الاكبر الشيخ عبدالمجيد سليم
وكيل جماعة التقريب
لفضيلة الاستاذ الاكبر شيخ الإسلام الشيخ عبدالمجيد سليم، مجالس حافه يحضرها خاصة أهل العلم و الرأي، و الحديث فيها ذو شجون، فإذا عرضت مسألة من مسائل الشريعة، في الفقه: أو الكلام، أو الاصول، أو التفسير، أو غير ذلك، لمعت من الشيخ الاكبر عينان تشعان ذكاء وألمغية، و بدت على جبهته أسارير إنما هي موجات تنقل العلم الصحيح و الرأي السديد عن قلب قوى له حماسة الشباب، و عمق الشيخوخة، و نفاذ البصيرة، و عزارة التحصيل، فما
يلبث الخفي من وجوه المسألة أن يسفر واضحاً مبينا يملأ القلوب كما يملأ الاسماع
و هذا طرف من حديث لفضيلته، وعيته عنه في مجلس من مجالسه، و رأيت أن أنقله لقراء (رسالة الإسلام) لما فيه من الفوائد التي تهم أهل العلم عامة، و لا سيما المشتغلين بتحقيق فكرة «التقريب»، و قد عرضت عليه ما كتبت فوافق عليه، و أذن بنشره:
(رئيس التحرير)
* * *
قال ـ بارك الله للمسلمين في حياته:
من المعروف أن الشريعة الاسلامية، جاءت بنوعين من الاحكام:
(1) نوع قطعي ليس موضع اجتهاد، و لا محل خلاف، و لابسوع للمسلمين
/ صفحه 135/
أن يتفرقوا فيه، و ذلك كالعقائد الواجبة، و ما ثبت من الاحكام العملية بالتواتر، و ما دلت عليه النصوص دلالة ظاهرة بحيث لا يحتمل النص غيرها.
فالعقائد مثل اتصاف الله بكل كمال، و تنزهه عن كل نقص، و أنه تعالي أرسلَ رسلا، و أنزل كتباً و أن البعث حق، و الحساب يوم القيامة حق، و الجنة حق، و النار حق، إلي غير ذلك.
والاحكام العملية مثل الصلوات الخمس في اليوم و الليلة، و عدد الركعات فيها، و صوم رمضان، و حج البيت الحرام.. الخ
(ب) و نوع ظني هو موضع النظر و الاجتهاد و اختلاف الفقهاء أو المتكلمين، من كل ما لم يرد فيه من الشرع دليل يفيد اليقين، و ليس للعقل فيه حكم واجب حتم، و ذلك كاختلاف الصحابة و غيرهم في مثل العول و الكلالة و سكنى المبتوتة، و عدة الحامل المتوفي عنها زوجها، و كالاختلاف في المسح بالرأس المجزى ء في الوضوء و في قراءة
المؤتم، و في وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثا أو واحدة، و نحو ذلك، و كأختلاف المتكلمين في وجوب شيء على ا لله أو عدم وجوب شيء، و في جواز تعذيب المطيع و العفو عن المسىء أو عدم جواز ذلك في حقه تعالى، و في أن صفات الله جل شأنه هي عين ذاته أو غيرها.. الخ
* * *
ومما يتصل بالنوع الثاني من الاحكام اختلافهم في المسألة الاصولية المعروفة: هل كل مجتهد مصيب؟ فمن العلماء من يجيب على هذا السؤال بنعم، على معني أن حكم الله في المسألة المجتهد فيها هو ما يصل إليه المجتهد بعد استفراغ الوسع في طلب معرفته، أو بعبارة أخرى، ان المجتهد مكلف العمل بما وصل إليه بعد اجتهاده، و هو حكم الله في حقه و حق من قلده، و هذا معني اتصافهم جميعاً بالاصابة، كأن الله تعالي لم يعين حكماً بذاته في المسألة المُجْتَهِد فيها، و إنما الحكم هو ما يؤدى إليه اجتهاد المجتهد.
/ صفحه 136/
هذا رأي لبعض العلماء، و لا أراه سديداً، إنما الرأي السديد ما عليه جمهور العلماء من أن الحق و احد، و حكم الله في كل مسألة معينة، و قد نصب الله الدليل الذي يدل عليه، فمن المجتهدين من يصل إليه و يصيبه، فهو ا لذى يوصف بأنه مصيب، و منهم من لا يصل إليه، بل يظن غيره، فهو مخطىء. و لكنه معذور في خطئه، مغفور له هذا الخطأ مادام قد بذل جهده في تعرف الحق غير متبع هواه و لا مقصر في استكمال وسائل النظر و الحكم، بل ورد الخبر الصحيح بأن المخطىء مثاب كالمصيب، غير أن المخطي ء له أجر واحد على اجتهاده و بذله الواسع، و المصيب له أجران، أجر على ا جتهاده، و أجر لاصابته.
ثم نظر فضيلة الاستاذ الاكبر إلي و قال:
وليس المقام الآن مقام تحقيق ذلك، و بيان ما استدل به كل فريق على ماصار اليه، و معرفة الراجح منهما، لكن يمكن أن نستخلص من هذا العرض الوجيز بعض الفوائد التي لعلها تناسب فكرة التقريب:
أولا:أن كل فريق من هذين الفريقين، يرى المجتهد مأجوراً فضلا عن أن يكون خطؤه معفواً عنه، فاذا علم أتباع المذاهب الفقيهة أو الكلامية ذلك، لم يكن لهم بد من احترام بعضهم بعضا، و الترفع عن الاحتفاظ بالضغائن و الاحقاد التي تكون عادة بين المختلفين الذين لا يعذر بعضهم بعضا، و لا يقدر بعضهم اخلاص بعض و رغبته في الوصول إلى الحق، و هذه السماحة هي الخلق الذي كان يتصف به الائمة أنفسهم، فلم يعرف عن أحد منهم أنه طعن صاحبه، أو اثمه، أو نقصه حقه، أو حاول أن يقطع ما بينه و بينه من صلة الاخوة في الدين و العلم.
ثانياً: إن كل واحد من الفريقين يفتح المجال للنظر و الاجتهاد و بذل الوسع في معرفة الحق، و الاعتماد على الدليل و الحجة و ما يولد العلم أو الظن الراجح، فليس المرجع في حكم من الاحكام، أو رأى من الاراء، إلى أنه مذهب فلان
/ صفحه 137/
أو فلان، ولكن إلي حظه من الدليل و البرهان. أما أهل التقليد، فليس لاحد أن يلزمهم بمذهب إمام معين لا يحيدون عنه، فالكل في حقهم سواء.
ثالثاً: قد علمنا من استقراء أحكام المذاهب الفقيهة، و آراء الفرق الكلامية، أن في كل منها خطأ و صوابا، ولم نعلم مذهبا من المذاهب الاسلامية المعتبرة خطأ كله أو صوابا كله، و إذا كان الأمر كذلك، فلا ينبغي أن تطغي العصيبة المذهبية على المسلمين، و لا ينبغي أن يكون هم الحنفي مثلا هو الانتصار لكل ما جاء في مذهب الحنفية، و لا أن يكون هم الامامي أو الزيدى هو الانتصار و التعصب لكل ما جاء به الامامية أو الزيدية.. و هكذا.
بل الواجب على المسلمين أن يأخذوا بما ظهر بالبرهان صوابه، و أن يكون قصاراهم الرغبة الصادقة في الوصول إلى الحق دون أن يقيموا و زنا لما سوى الحق، بذلك يصبحون فعلا أمة واحدة، و يصبح الخلاف الفقهي و الكلامي و النظرىفي محيطهم وسيلة من وسائل القوة العلمية و السعة الفكرية، و يتفرغون لما هو أولى بهم من التعاون على نصرة الدين و إصلاح حال المسلمين، و تبليغ كلمة الله واضحة قوية إلي الناس أجمعين.
والله يقول الحق و هو يهدى السبيل؟