/ صفحه 162/

قال شيخي

لحضرة الكاتب الفاضل الاستاذ أحمد بريرى

قال شيخي:

تقول ألا تهجو فوارس هاشم *  *  * و مالي و إهداء الخنا ثم ماليا

أبي الهجو أني قد أصابوا كريمتي *  *  * و أن ليس إهداء الخنا من شماليا

إذا ما امرؤ أهدى لميت تحية *  *  * فحياك رب الناس عني معاويا

لنعم الفتي أدى ابن صرمة بزه *  *  * إذا راح فحل الشول أحدب عاريا

و طيب نفسي أنتي لم أقل له *  *  * كذبت و لم أبخل عليه بماليا

يروح الفحل أحدب عارياً إذا جف المرعي، فلم يجد ما يحفظ عليه سنامه و سائر لحمه و شمحه... إنه لهزيل، فهي سنة جدباء، و مع هذا كان المقول في رثائه هذا الشعر جواداً منعما، فما بذلك به إذا كان العام رخاء؟ و ابن صرمة هو الذي أدى سلاح الفارس القتيل إلي ذويه، و الشعر لصخر يقوله حين رغب إليه في أن يهجو قاتلى أخيه «فوارس هاشم» فلم يرض مبيناً أن المقام اعظم من أن يتقارض فيه السباب، فذلك شي ء يأباه ـ أن القوم أصابوا أعز الناس لديه و آثرهم عنده، و هو من عبر عنه «بكريمتي» فلا تحسبنها تاء تأتيث، و إنما كل أثير لديك فهو كريمك. و يأباه أيضا ً أن إهداء الهجاء ليس من خصاله.

قلت: أفهو أخو الخنساء الذي قالت فيه:

و إن صخراً لتأتم الهداة به *  *  * كأنه علم في رأسه نار

 

/ صفحه 163/

قال علم في رأسه نار، فليس تعرفه بأخته أو بعرسه.

قلت: عرسه «سليمي» التي قال فيها و في أمه:

أرى أم صخر لا تمل عيادتي *  *  * و ملت سليمي مضجعي و مكاني

و ما كنت أخشى أن أكون جنازة *  *  * عليك و من يغتر بالحدثان

أهم بأمر الحزم لو أستطيعه *  *  * و قد حيل بين العير و النزوان

ذلك بأن علته من طعنة أصابته في جنبه طالت، فكانت أمه إذا سئلت عن حاله قالت «بخير» فأما سليمى فكانت تقول: لا هو حي فيرجي، و لا ميت فينعي. و يزعمون أنه رآها تغازل قريباً لها أو يغازلها، فقال لها هذا القريب: متي يستباح هذا؟; مشيراً إلي كفلها; و قد كان يريد أن يبني بها، فتقول: عما قريب. فحينئذ أراد العليل أن يقتلها فقال: إليّ بسيقي، فلما أتي به أراد أن يستله من غمده فعجز. و ماذا يجديه أن بهم بأمر الحزم ما دام غير مستطيع.

قلت: لله ما أشقها حياة تلك التي كان القوم يحيونها. فهم قتيل و منتظر أن يقضى نحبه، و لا ثالث إلا أن يكون من سقط

المتاع. لا في العير و لا في النفير، أو من الطبقة الثالثة على حد تعبير الفرنجة.

قال: أو كما قال دريد ابن الصمة:

يغار علينا واترين فيشتفي *  *  * بنا إن أصبنا أو نغير على وتر

بذاك قسمنا الدهر شطرين قسمة *  *  * فما ينقضي إلا و نحن على شطر

يقتلون عدوهم أو يقتلهم و تلك غاية عيشهم.

قلت: عيش الجاهلية الاولي التي أراح الله الدنيا منها برسالة خاتم الانبياء و المرسلين سيدنا محمد صلوات الله عليه و على آله و صحبه أجمعين.

قال: بل عيش السادة الكرام، ولا والله ما أنكره الإسلام، بل أبقاه فيما أبقي من حسنات الجاهليين.

قلت: فإني لا أعلم أن الإسلام يريد الناس على أن يقاتلوا أبداً فيقتلوا و يقتلوا.

 

/ صفحه 164/

قال: فأما أنا فموقن بأن الإسلام أراد المسلمين على أن يقاتلوا فيقتلوا و يقتلوا، أو يغيروا أو يغار عليهم.

قلت: أي أنه يطبق حكم دريد بن الصمة.

قال: و لم لا؟ «إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون و يقتلون» و إنما الفرق بين الحالين أن القوم في جاهليتهم كانوا يقاتلون في سبيل الشيطان، على خلاف المسلمين الذين يقاتلون في سبيل الرحمن.

قلت: العجيب أن قاعدة القتال هذه قاعدة آدمية شاملة، فكذلك كانت الفرنجة أيام فروسيتها، كان القتال شأن السادة. و كان على العبيد كل شيء إلا القتال فهم معفون منه، و قد يقتل السيد فلا يصيب العبد أكثر من أن يستبدل بسيده القتيل سيداً آخر هو القاتل.

قال: فتعلم أن دلالة فساد النوع هي أن ينحرف السيد عن سبيله هذه التي سلكه فيها الطبع قبل أن يقره عليها الوضع.

قلت: أفمودى هذا أنا أصبنا بما يسمونه «فساد النوع» و أنه لا دليل على البرء من هذا الداء إلا أن نعود سيرتنا الاولي مقاتلين في سبيل الله؟ أهى إذن دعوة إلى الجهاد و الاستشهاد؟

قال: لا تفتر على شيخك، فما كنت داعية جهاد. و إنما أقول: «ادع إلي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة» و لست أشك في أن لكل زمان «ضرباً من المصلحة و نوعا من العبادة» كما يقول أبو عثمان: بيد أنى أعمل مع العاملين على نشر دعوة أخرى محلها وحدة المسلمين التي تبددت، ولله ما أصدق القائل الذي رآها تتبدد.

ما كان أغني رجالا ضل سعيهمو *  *  * عن الجدل و أغناهم عن الخطب

كنا أناساً على دين ففرقنا *  *  * فرع الكلام و خلط الجد باللعب

أتحس هذه اللوعة: لوعة رجل يدرك مدى أفاعيل «فرع الكلام» و أصحاب

 

/ صفحه 165/

الخطب و فرسان الجدل ممن شغلهم هذا الفرع أو شغلوا أنفسهم و الناس بالفروع فنسوا الاصول و أنسوها؟

قلت: يقول: «كنا أناساً على دين» أفيعني أنهم لم يصبحوا على دين؟

قال: أزعم أنا أن الوحدة هي أصل هذه الشريعة المحمدية، فأين أنت منها إذا عملت على أن تبعثها شيعاً و أحزاباً؟ إنه لمن حقك ـ إذا شئت ـ أن تحتج «بمفهوم المخالقة» في قوله: «كنا على دين» و إنى لادعو شيوخ الإسلام إلى أن يعطوا هذه المسألة ما هي حقيقة به من جد التفكير، و ما يترتب عليه من صدق التقدير و سلامة التدبير.

قلت: أولا يتدبرون القرآن؟

قال: من تدبر القرآن لم يمسكه «فرع الكلام» و لم يلهه تحبير الخطب عن جليل الخطب النازل جراء جدل ما كان أغنانا عنه لولا الاستجابة إلي نزغ الشياطين.

قلت: إنه لمن اليسير أن تسمعوا الخاصة و هي لاشك باذلة قصارى جهدها في جمع الشتات و تدارك ما فات. ولكن البلية في أن العامة ليست لها أذن واعية إن المقدمات لمؤديات إلى نتائجها ضرورة، و ليس في وسع عاقل أن يجادلك

إذا أنت بينت له أن الفروع ما كانت لتطغي على الاصول. و أن من شأن المسلمين أن يذهبوا مذاهب شتي في تلك على وحدة المذهب في هذه.

قال: رويدك بعض الثرثرة. فإن عامة المسلمين براء مما تحاول أن ترميها به.

و إن لها لغريزة واعية أوعي من عقول أصحاب المقدمات و النتائج. لقد ينسي الرجل الامي أنه شافعي أو مالكي، و لكنه لا ينسي أبداً الوحدة الاسلامية.

لو قلت: لو أن للخاصة أذناً واعية لما عدوت الحقيقة الواقعة.

قلت: فإني أرى الخاصة قد استجابت إلي دعوة التقريب، فمتيترى العامة تدخل فيها أفواجا؟

قال: و هل خرجت منها حتي تريدها على أن تدخل فيها؟ لقد عمل أهل القطيعة داخل البلاد الاسلامية و خارجها على أن تصبح «الطائفية» أو «المذهبية»

 

/ صفحه 166/

أديانا مختلفة «فلا يذكر الرجل إلا أنه حنفي أو حنبلي أو إمامي أو زيدى، فحبطت أعمال هؤلاء العاملين المفسدين، عليهم لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين، و سلمت عامة المسلمين، فلم يلتو بها قصد. «و على الله قصد السبيل و منها جائر و لو شاء لهداكم أجمعين».

قلت: لو شاء لهدانا أجمعين. فما الحكمة في أنه ـ جل جلاله ـ هدى بعضاً وأضل آخرين؟

قال: الحكمة هي أنه ـ علت حكمته ـ حق القول منه ليملأن جهنم من الجنة و الناس أجمعين. و ليس شيخك ممن يقفون ما ليس لهم به علم. و لقد أمرنا مالك الملك أن نتفكر في ملكوت السموات و الارض و ما خلق الله من شى ء. أفليس في «علوم الحياة» و قد كلفتها، ما يصرفك عن قضايا جدلية لاتجدينا إلا أن نلقى بأيدينا التهلكة؟

قلت: فمعاذ الله أن نلقي بأيدينا إلي التهلكة، و ما قصدت إلي أكثر مما يقصد إليه أصحاب الكلام حين يتناولون مسائل القضاء و القدر و الاختيار و الاضطرار و مرد التبعة و الجزاء.

قال: فخير أن تقصد إلي مقصود «أصحاب الفعال» و كفانا ما لقينا من أصحاب الكلام و المقال.

قلت: لقد يجرنا المقال إلي حديثنا الماضي عن إلياسين و الابين و الاخين.

قال: ويل للشجي من الخلي، فلو أنك كنت في غمرة الحمى التي تعالج شيخك أو يعالجها لكان لك شغل عن الابين و الاخين و النحو و النحويين؟