/ صفحه 188/
لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الشيخ محمد الطنطاوى
الاستاذ في كلية اللغة العربية
حان لنا أن نعمد إلي ما خطه قلم النبه اليلمعي في حكمه على (الاخين) في قول عقيل بن علفة المرى:
و كان بنو فزارة شر عم * * * و كنت لهم كشر بني الأخينا
أنه (الأخ) و لم تحدث فيه زيادة الياء المتولدة عن الكسرة المشبعة والنون المجلوبة بعدها معني جديداً، فما زال مقرداً، وما هي إلا زيادة لفظا ملغاة معني.
وهذا الاستعمال ليس ببدع اختص به الاخين في البيت، فهو معهود في اللسان العربي، و طريقة مسلوكة في الفصحى: شعرها و نثرها، مما جاء على نهجه و وفاقه فيما اعتمد عليه من شواهد.
و إزاء هذا البيان قسمت حديثي معك اليوم قسمين: الاول في مدلول (الاخين) ـ والثانى في التعليق على النظير و المثيل
مما استند إليه في الاعتزاز بصحة حكمه.
أما حقيقة الاخين فغير حقيقة الاخ، فإن الاخين جمع مذكر سالم، و فيما أسلفت من شواهد ناطفة بجمعيتها مقنع أي مقنع في المقال الاول(1)
و أبدأت و أعدت القول عن جمعيتها، و أنها صارت بينهم سلفا في العصور الاولى للتدوين مثالا يحتذى للبناء على نمطها في باب التمرين عند الصرفيين، كما حدث بين الفراء و سيبويه في المقال الثالث(2)
/ صفحه 189/
و أما التعليق على النظائر و المسوغات التي دعم بها رأيه في حسبانه (الاخين) مفردا، فكما تعهدت لك أمس الدابر، سنتناولها موحد لان الكلام على كل مسوغ باعتباره وحدة كافية في الاستدلال أجدى في الفائدة و أجزل في العائدة، فهات أولها.
قلت: هذا حقا منهج تربوى تهفو نقسي إليه. لانه وسيلة الإيضاح في تثبيت المعلومات.
أشيخي ـ أول هذه المسوغات أن اللغة لرحابة بهوها و انفساح ساحها أباحت في الاختيار ـ و هو مئنة الانصياع لتعاليمها، و عدم الحيود عن سننها، ولا سيما (آيات الكتاب الكريم) ـ ما هو أبعد من (الاخينا) في البيت، فقد ورد في المحكم في سورة الصافات: «سلام على آلياسين» في ختام قصة إلياس عليه الصلاة و السلام المبدوء بقوله عز من قائل: «و إن إلياس لمن المرسلين» و المحدث عنه في القصة واحد هو الرسول إلياس.
على أننا إذا و ازنا بين الاخ الذي استحال في البيت (الاخين) و بين إلياس الذي تحول في نهاية القصة القرآنية (آلياسين) رأينا البون شاسعاً، ففي الاخ أشبعت الكسرة الاصلية للأضافة فنشأت الياء و ردفتها النون، ثم ألف إطلاق الشعر، و أما إلياس فقد عمد فيه إلي إزالة الفتحة الاصلية وجيء مكانها وبدلها بالكسرة، و جرى على هذه الكسرة الطارئة ما يجرى على الاصلية فأشبعت هذه الكسرة العارضة فتولدت الياء ثم ذيلت بالنون، فالكسرة المحدثة للياء في الاخ أصلية، و في
ـــــــــــ
1- راجع العدد الثالث من السنة الخامسة لمجلة رسالة الإسلام.
2- راجع العدد الاول من السنة السادسة للمجلة.
إلياس مجلوبة لتساير كسرة الاخ حتى يلتقى اللفظان: الاخين و إلياسين في النهاية على سمت واحد و هو معنى المفرد الذي دلا عليه قبل عروض الزيادة.
فكيف بعدئذ يحوم الشك و يجرى في الوهم التفرقة في المعنى بين الاخ و الاخين؟ و خصوصاً في الشعر مع الاتحاد بين إلياس و إلياسين، كما تنطق به الاية الشريفة.
/ صفحه 190/
فمن ناحيتين لا مندوحة من التسليم في تفرع الاَخَين من الاخ: أصالته الكسرة و الضرورة، و الضرروات تبيح الحظورات.
وهذا توجيه تغلغل تأثيره في ذهني، و أرانى مأخوذاً بالاذعان له لوجاهته و بدوِّقياسه الاولوى.
قال ـ على رسلك، فرب عجلة تهب ريثا، لقد عرضت أول دليل يستنتج منه مطاوعة اللغة في زيادتى الاخين على الاخ، ألا و هو القياس على إلياسين في إلياس: و هذا لعمرى في القياس بديع.
إن المقيس عليه دائماً يكون مسلم الحكم ليتجه إليه القائس في حمل غيره عليه مما خفى حكمه للمناسبة الجامعة بينهما، و لا أعرف في الكلمات الدائرة في الاساليب العربية إحلال كسرة محل فتحة في (الاختيار) ثم التعويل عليها و مدها لتولد ياء الاشباع منها كما في (إلياسين).
أيصح بعدئذ أن نعتبر هذا العمل الذي لا عهد لنا به أصلا لنجاريه و نحمل عليه غيره مما فيه الكسرة أصلية و مع ذلك في (النظم)؟
ولو عكست القضية و عد العمل المظنون في إلياسين مستنداً إلى مسايرته للاخين على أي ملاحظة دارت في الخلد، لكان ذلك في ميدان النقاش محتملا، و إن أباه واقعية الأمر لاول وهلة.
منشأهذا المبحث:
إن منشأ كل ما سلف من هذا الحديث الطويل الذي كثر فيه الاخذ والرد، والاقتراض و النقض: هو الزعم أن الفتحة في إلياس صارت كسرة تولدت عنها الياء فزيدت بعدها نون، و تمخض عن ذلك: إلياسين، و أن هذا العمل مسنون متبع في
العربية، فلا نكران على الاخ أن يؤول إلي الاخين.
وسترى قريباً أن ذلك لم يخطر على بال لرحالاتها، و إنما كان حديثهم يدور عنها في اتجاه آخر هو: هل إلياسين لغة أخرى في إلياس دون نظر إلى أبتنائها عليها؟ ذاك رأي كثيرين، لان القليل جنح إلى جعلها جمعاً لالياس.
/ صفحه 191/
وفيما يأتي قريباً التفصيل عن بينة للقولين مع الموازنة بينهما.
والمقصود أولا و آخراً الانكار على جعلها مفرعة إلياس بوساطة الاتيان بكسرة بدل الفتحة... إلخ ما مضي.
ذلك هو مثار هذا الحديث المسهب الذي يبدولي بعده أن اتجه اتجاها آخر اختصر فيه الطريق، فأنظر إلي أساس الموضوع، إذ أنه طال حبل، الدلو و المستقي قريب من يد المتناول، لان المسلك السابق مبني على التسليم، و الجواب بالمنع أولي و أقرب.
ذلك أنه لا صلة بين الاخين و إلياسين، فالاولي عربية و الثانية أعجمية، ففي اللسان مادة (ألس): و إلياس أسم أعجمي، و (ليس): و إلياس اسم قال ابن سيده أراه عبرانياً، و في القاموس (ألس): إلياس علم أعجمى، و في الاتقان للسيوطى: و إلياس بهمزة قطع اسم عبراني.
فلا مراء أنهما متباينان منبتاً و لا يتماثلان استعمالا.
إن العربية لاترنو إلي العجمية، لانها ليست من فصيلتها، و العربي القُح لا يومض للهرمزية و من يحاكيها من العجماوات، و قد دهش من استلاب فؤاده و هيج شوقه عند هديل الحمام مع عجمته، حميد بن ثور الهلاى:
وما هاج هذا الشوق إلا حمامة * * * دعت ساق حر في حمام ترنما
عجبت لها أني يكون غناؤها * * * فصيحاً و لم تفْغَر بمنطقها فما
فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها * * * و لا عربياً شاقه صوت أعجما(1)
ـــــــــــ
1- ساق حر: ذكر القمارى أو لحن الحمامة، و ترنما: صوت بما لا يفهم، و تفغر: تفتح، و الابيات من قصيدة بلغت تسعة عشر بيتا بعد المائة. راجع ديوان حميد طبع دار الكتب.
فحرى أن يذهب ما تكمن من قلبك يا صفي، بل لا يبقي رسيسه في خلدك، بعد ما اهتديت إلى الحق، و أن الأخين جمع مذكر سالم لاخ بفضل علامتي الجمع المعتبرتين لا الملغاتين، وهي عربية، و أن إلياسين مفرد على أنه لغة أخرى
/ صفحه 192/
أو جمع مذكر سالم بالعلامتين المعروفتين أعجمية، و الالتفات إليها لايجدى في اعتبار الاخين مفرداً، مزيداً فيه للضرورة.
لقد لبثا طويلا في الحديث العلمى، و استدامة التفكير فيه مَجْهدة للذهن، و قد قال عبدالله بن مسعود رضى الله عنه: القلوب تمل كما تمل الابدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة، فيجمل أن يتخلل المجلس ما يستريح به القلب، و تستجم به النفس، حتي يعود لها نشاطها، و في ثنايا الادب العربى طرائف نتفكه بواحدة منها. و ما ألطف أن نشابه ما نحن فيه، و تدور حول نقد يعود على ملاحظة مناطها عدم اتساق أو انسجام أو اتصال أو تقارب فيما قيل في أى شأن من الشؤون، و الشيء يذكر، فقد حضرني ملحة:
ملحة:
روى الأصبهاني في الاغانى بعده سنده: (حدثنى بعض أصحابنا عن أبي نواس أنه قال شاعران قالا بيتين: وضعا التشبيه فيهما في غير موضعه، فلو أخذ البيت الثانى من شعر أحدهما فجعل مع بيت الاخر، و أخذ بيت ذاك، فجعل مع هذا الصار متفقاً معني و تشبيها، فقلت له أني ذلك؟ فقال: قول الفرزدق لجرير:
فإنك إذ تهجو تميما و ترتشي * * * تَبابين قيس أو سُحوقَ العَمائم
كمهريق ماء بالفلاة و غره * * * سراب أذاعته رياح السمائم(1)
وقول ابن هَرْمة:
ـــــــــــ
1- تبايين: جمع تبان و هو سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة فقط يكون للملاحين. و السحوق: جمع سحق و هو الخلق البالي، و إضافته إلي العمائم من إضافة الصفة إلي الموصوف، و فيه التأويل المعروف عند النجاة في قول العربي سحق عمامة، و السمائم، جمع سموم و هي الريح الحارة.
و إني و تركي ندى الاكرمين * * * و قد حي بكفي زنداً شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء * * * و ملبسة بيض أخرى جناحا(1)
/ صفحه 193/
فلو قال الفرزدق:
فانك إذ تهجو تميماً و ترتشي * * * تبايين قيس أو سحوق العمائم
كتاركة بيضها بالعراء * * * و ملبسة بيض أخرى جناحا
لكان أشبه منه ببيته، و لو قال ابن هرمة مع بيته.
و إني و تركي ندى الاكرمين * * * و قد حي بكفي زندا شحاحا
كمهريق ماء بالفلاة و غره * * * سراب أذاعته رياح السمائم
كان أشبه به)(2)
نقد الحاذق الحكميّ الشاعرين في تشبيهيهما لعدم الاستحكام في التجانس بين المشبه و المشبه به عندهما، ذلك أن الفرزدق يوبخ جريراً على ذمه قبيلته مع ارتشائه قيساً فلا يناسبه أن يكون كمريق الماء المخدوع بالسراب، و أن ابراهيم ابن هرمة يؤنب نفسه على صدوفه عن الكرماء و طموحه إلي الاشحاه، فلا يحاكي التاركة بيضها بالفلاة المحتضنة ببض غيرها. ثم استحسن التقارض بينهما في المشبه به، حتى يستقيم لهما تشيههما. و إنه لحق لا وهم فيه.
إن تمني الحكمي في التعاكس بين التشبيهين قمن بالتقدير.
قلت: إنما لملحة، فيها للروح متعة، لان النقد فيها من طراز يعز مثله، فعهدى بالنقد أن يثرب الناقد على الشاعر مستحسنا أنه لو قدم، أو بدل، أو حذف، أو تأمل، إلي آخر ما يعن له، أما أن يهجنه مع شاعر آخر، ثم يرأب ما أثأت غفلتهما باستعارة صنيع الاول للثاني و الثاني للاول، فذاك ما لم اسمع به من قبل، و لكن ابن هاني باقعة يعق على ما لم
ـــــــــــ
1- زند شحاح: لا يورى. و العراء: الفضاء لاستر به.
2- الاغاني أخبار عبيدالله بن عبدالله بن طاهر ص 41 - 42 ح 9 طبع الدار.
يبصره غيره.
بقي لي بعد هذا استفهام في هذا النقد عن أمر لا يتعلق بجوهر الموضوع، إنما يتعلق بقائل البيتين الاولين، من هو؟ فبين أيدينا الاغاني و قد نسب فيه البيتين الاولين لجرير على لسان أبي نواس مرتين: في النقد و في التمى لنلافيه مع أنك
/ صفحه 194/
نسبتهما للفرزدق فيهما ـ والارتباط بين الشعر و قائله و ثيق، لانه من أقوى العوامل المعينة على فهم الشعر و الاحاطة بما يرمي إليه. فهل ما في الاغانى خطأ؟
ما في الاغانى خطأ:
قال: ما في الاغانى خطأ ما في ذلك من شك، و منار السالك لليقين يرشد إليه أمران: الاول نزعة كل من الشاعرين في اتجاهاته مدحاً و هجاه طوعا لوضعه الطبعي، الثاني رواية القصيدة التي منها هذان البيتان، فيم و متى و لم قيلت؟
الاول: يلتقي الشاعران نسبا في حنظلة الذي ينتهى نسبه إلى تميم، فإذا نبز أحدهما الاخر من ناحية الاجداد متعرضاً لمثالبهم منقبا عن سوءاتهم لا يتجاوز حنظلة مجمعها، فمن فوقه من باب أولى إلي تميم فمن علاه إلي إلياس بن مضر، و يفترقان في خؤولتهما، فخؤولة جرير تجتمع مع عمومته في كليب بن يربوع، و خؤولة الفرزدق في بنى ضبة، فكان تهارشهما و ملاحاتمها في خؤولهما، و في الاباء إلى حنظلة فيما و اتاهما الشعر المسف و الهجاء المقذع.
ولقد خلف هذا التهارش ثروة ضخمة في الادب العربي، استبقت له أحداثه الجلى، محيطة بالتعريف عنها زماناً و مكاناً و سبياً، كما حافظت على أعلام الاناسي و الايام و الاماكن في سجلها، ولولاها لعراها المسخ و التغيير و التحريف.
ولذا فإن الادباء جلا حريصين على النقائض بين حرير و الفرزدق كنز أدب و نقد و تاريخ.
أرث التنافس في الحظوة المادية و الادبية نار الملاحاة و التهاجى بين الشاعرين و من ورائهما عشائرهما تغريهما بكل حافز حتي ألقيا بأنفسهما في تنور الاضطراب الذي أقض مضاجعهما فلم يألوا جهداً في السباب، و كان الغلب بينهما سجالا.
كان جرير يعوزه المال، فلم يجد بداً أن يشيم كل برق يعقبه المطر المطال و لا يتحرج أن يستجدى بعد الخلفاء و الامراء سادة قيس، فيتغني بمواقف قيس المشهورة، و يدون انتصاراتهم الرائعة، بينما كان يحط من شأن أجداد الفرزدق، الذين إليهم آلت مكانة الجد الاعلى تميم، فالغض منهم غض تميم،
/ صفحه 195/
فيثور الفرزدق على جرير في قلبه الوضع و ركوبه رأسه لهجائه تميما و مدحه قيساً لارتشائه منهم تلك الثياب التي لا تستر، و العمائم البالية، فهو كالسائر في الصحراء معه الماء يلقيه من يده مخدوعا بالسراب المذاع من الرياح اللافحة الذي يحسبه الظمآن ماء حتي إذا جاءه لم يجده شيئاً، و وجه الشبه كماترى.
واستغراب الفرزدق عقوق جرير تميما ردده كثيراً، فمن ذلك قوله.
أسكران كان ابن المراغة إذ هجا * * * تميماً بجوف الشام أم متساكر(1)
و في هذا البيت نبزه بلقب لامه امتهانا له و إفحاشا في أمه، و شاع هذا النبز و علق بجرير طوال أياسه.
أما الفرزدق فكان أكثر منه مالا و أعز نفرا، فلم يكدح في الكد على عيشه و يطرح نفسه كل مطرح، و يمتدح أحداً إلا في فترات حملته ظروفها و ملا بساتها عليه، كما لم يدع الافتخار بأسلافه والمباهاه بعشيرته في أحرج المواقف و أدعاها إلي التطامن و الخنوع، ففي ذات يوم مثل بين يدى الخليفة سليمان بن عبدالملك فأستنشده شعرا، و أضمر أنه لابد مادحه، فأنشده شعراً يشيد فيه بأبيه غالب، من ذلك:
و ركب كأن الريح تطلب عندهم * * * لها ترة من جذبها بالعصائب
سروا يخبطون الريح و هي تلفهم * * * إلي شعب الاكوار ذات الحقائب
إذا أبصروا ناراً يقولون ليتها * * * و قد خصرت أيديهم ـ نار غالب(2)
ـــــــــــ
1- المراغة الاتان التي لا تمتنع عن الفحول، و البيت من شواهد الكتاب ص 23 ج 1
2- تره: تأراً، و العصائب: جمع عصابة و هي العمامة تعصب على الرأس، والاكوار: الرحال، والحقائب: جمع حقيبة، و المراد بها هنا كساءٌ على عجز البعير، و خصرت اشتد عليها البرد.
فتمعر وجه سليمان و أعرض عنه كالمغضب، و لم يباله الفرزدق اتكاء على عصبته أولي القوة. و لما حج هشام في عهد أبيه عبدالملك أعياه الوصول إلي الحجر الاسود في الطواف حول الكعبة لكثرة الزحام، فلما أقبل على
/ صفحه 196/
زين العابدين، و طاف فتنحي الناس له عن الحجر و استلمه، قال شاميٌّ مشدوها: من هذا؟ فقال هشام: لا أعرفه، فأنشد الفرزدق على البديهة القصيدة المشهورة راداً عليه، فزجه في السجن، فشفى غيظه و قال مستهزئاً و عائباً بما لا ينبغى التفوه به، و هشام ابن الخليفة، و مرشح أن يصير خليفة:
أيحبسني بين المدينة و التي * * * إليها قلوب الناس يهوى منيبها
يقلب رأساً لم يكن رأس سيد * * * و عينا له حولاء باد عيوبها
مما حمله على إطلاقه على الرغم منه.
رجل تلك شنشنته لا يقبل الذوق أن يوجه له البيتان، بلي يوجهان لجرير المنهافت على نوال قيس الزارى على تميم.
الثاني: أن البيتين من قصيدة طويلة للفرزدق معدودة من روائع شعره قالها شامتاً حين قتل و كيع بن أبي سود التميمي قتيبة بن مسلم الباهلي القيسي لخروجه عن طاعة الخليفة سليمان بن عبدالملك في يوم اضطرب فيه حبل الامن في خراسان سنة ست و تسعين و منها يخاطب جريرا:
تعيرنا أيام قيس و لم ندع * * * لعَيْلان أنفاً مستقيم الخياشم
و ما أنت من قيس فتنبح دونها * * * و لا من تميم في الرؤوس الاعاظم
فلم ين جرير في الرد على الفرزدق بنقيضة تناهض قصيدته.
و منها على سبيل التمثيل:
تُحضض يابن القين قيساً ليجعلوا * * * لقومك يوماً مثل يوم الاراقم
و إني و قيساً يابن قين مجاشع * * * كريم أصفي مدحتي للاكارم
* * * * * * إذا عُدَّت الايام اخزين دارما * * * و تخريك يابن القين أيام دارم(1)
/ صفحه 197/
ففي البيت الاول يحذر الفرزدق في تحديه قيساً بسوء العاقبة، و في الثانى يخطئه في زعمه الكاذب في ارتشائه لانه كريم يخص الاكرمين بثنائه، و في الثالث يكشف له مخازى دارم، فليس هم يوم خالد في صفحات الماضي، و في الابيات الثلاثة نبزه بلقب لابيه، إذ جعله قينا، و تلمس جرير هذا التبز من نزول قيون عند جده الادني صعصعة و إقامتهم معه، وسحب هذا النبز من جده الادني على جده الاعلى مجاشع، ثم اعتبر هذه المهنة الحقيرة صناعة مجاشع و فروعه، فالفرزدق قين ابن قين الخ، و حلا لجرير هذا النبز كماترى في الابيات الثلاثة، و هكذا كل هجاء منه لا يخلوا عنه، بل لقد أسرف في الاكثار منه أحيانا إيغالا في التنكيل، من ذلك مثلا قوله:
هو القين و ابن القين لا قين مثله * * * لفطح المساحي أو لجدل الاداهم(2)
ولقد اتخذ بعض الشعراء هذا البيت فكاهة يتندر بها على الفرزدق
دعابة:
لقيه يوما خلف بن خليفة وهو شاعر ظريف دّعاب راوية، إلا أنه (أقطع) ـ له أصابع من جلود، فقال له يا أبا فراس، من الذي يقول:
هو القين و ابن القين لا قين مثله * * * لفطح المساحي أو لجدل الاداهم
فأجابه على البديهة بما أخجله و استخذى منه، قال: هو الذي يقول:
ـــــــــــ
1- القين: الحداد، و الاراقم: قبائل من تغلب سمواً بذلك لان عيونهم تشبه عيون الاراقم (الحيات) و يوم الاراقم كان لقيس عليهم و هو من الايام المشهورة.
2- المساحي: جمع مسحاة: الآلة التي يجرف بها الطين و تقشر بها الارض، و فطحها: تعريضها و تسويتها، و الاداهم: القيود، و جدلها: إحكام صنعها.
هو اللص و ابن اللص لا لص مثله * * * لنقب جدار أو لطر الدارهم(1)
فلم يحر خلف جوابا و أفحم (حذو القُذَّة بالقذة)(2) وموطن التعجب هنا براعة الفرزدق و سرعة خاطره و مواتاة قريحته في قرضه بيتاً على وزن، و روى بيت جرير لم يتخلف عنه في هجر اللفظ و فاحش المعنى. و لنعد إلى ما نحن بسبيله.
/ صفحه 198/
لقد تبادل الشاعران: جرير و الفرزدق الشتائم و السباب بكل قارصة من القول في قاموس الشتائم، يعثران عليها طيلة أيامهما حتي توفي الفرزدق.
و لما علم جرير بوفاته بكي، فقيل له أبا حزرة ما أبكاك؟
قال: بكيت لنفسي، إنه و الله قل ما كان اثنان مثلنا، أو مصطحبان أو زوجان، إلا كان أمد ما بينهما قريبا، و كذلك كان، فأنه مات بعده بنحو ستة أشهر.
قلت: ما كتتُ أتوقع عند سؤالي عن نسبة البيتين لجرير كما في الاغانى، بعد سماعى منك نسبتهما لفرزدق ـ أن تفيض في البيان بما لا يدع خلجة شك في نسبتهما للفرزدق كما قلت، لا من ناحية المعنى، لانه يخالف الواقع المعروف، و لا من ناحية القصيدة التي منها البيتان، و ظنى أن النسبة في الاغانى عرضت سهواً، و مرجع السهو إلى المشابهة بين الشاعرين في جزالة شعرهما، و تقارب هدفهما في المعانى.
إني لا حتسب لك الجزاء عند الله فيما تقدِّم من معارف يرجع الاستلفات لها إلي ما توحي به: إن في مقام البحث العلمي، و إن في مستطرف الملح للترويح، فإن الملحة التي تنفلَّت بها مع ما تلاها، أعادت إلى النفس نشاطها في الاقبال و الاصاخة و الانتباه، و هي مع ما بعدها تعتبر في التقنين العلمى بمثابة الجملة المعترضة تقع بين كلامين متصلين معنى، و اعتراض الجملة إعراباً لا ينافي حسن موقعها، فقد تذهب طلاوة القول و جمال روائه بذهابها، و فن المعانى في إطنابه
ـــــــــــ
1- طر الدارهم: خلسها، و نقب الجدار و طر الدارهم يزاولها اللص.
2- القذة فعله بمعني مفعوله: الربشة المقذوذة (المقطوعة) على قدر صاحبتها في ا لتسوية و هذا مثل في الميداني (الحاء) يضرب في التسوية بين الشيئين.
كفيل بمآثرها. كنت قبل الملحة و عيت منك ما جلوته عن بينة في الأخين و إلياسين، و أنهما لا يلتقيان، فانجاب عن القلب الغين، و انبلج الصباح لذى عينين.
وحبذا لو تطولت بشرح التفصيل الذي وعدت به فيما فرط من حديثك من قولي العلماء في إلياسين، فانك الذي استرعيت انتباهي إليه، كما تطولت في مقالك الماضي، و منهوم العلم لا يشبع فلذته فوق لذات الحياة و متعها.
/ صفحه 199/
إلياس ـ الياسين:
على أني أصارحك أنني طالما جال في نفسى سؤالك استثنافا عن إلياسين، و لكن قد انساق إليها القول عفواً.
ذلك أنه كثر ما نشب الحوار بين الإخوان في نداوتهم العلمية حول الياس و إلياسين، و تعاطوا فيها كتب التفسير و معاجم المعربات، و موسوعات اللغة العربية، و ماخمدت مغبة هذا الحوار مرة لان ثمرته على الدوام الوقوف عند مختلف الاراء التي لا نكاد نركن إلى أحدها، و هي ثمرة غير شهية.
إني شيق إلي كلمة فيهما معقولة المدرك صحيحة التوجيه أستبقيها ذخيرة علمية مضافة إلي الذخائر التي منحتنيها.
فمثلك جدير بما يؤمل فيه و لا يحول رفده اليوم عن رفده غداً، و قبلي أبو تمام حبيب بن أوس الطائي حباه أحمد بن أبي دواد الايادى بالمنن الغر، فاستزاده أن يواليها بأخرى حتي يكون كمن أسرج بعد أن الجم فقال:
إعلم ـ و أنت المرء ـ غير معلم * * * وافهم ـ جعلت فداك ـ غير مفهم
أن اصطناع العرف ما لم توله * * * مستكملا كالثوب ما لم يعلم
و الشكر ما لم يستثر بصنيعه * * * كالخط تقرؤه و ليس بمعجم
و يقوتني في القول إكثار وقد * * * أسرجت في كرم الفعال فألجم(1)
قال: حب شيء إلي أن أفيد و أفيد، و سأنجز لك ماوعدت، و عساك تكتفي بإجابة سؤلك اليوم، فلست أدرى ما
ـــــــــــ
1- اصطناع العرف: اتخاذ المعروف عند الناس، و لم يعلم الثوب: توضع عليه علامة و رسم، الفعال: الفعل الحسن، و الابيات من شواهد الايضاح (التشبيه).
تفاجأني به غدا، لانه تكشف لي أنك (تسرحسوا في ارتغاء)(1)
/ صفحه 200/
وأين أنا من ابن أبي دواد الذي قال فيه أحمد بن عبدالرحمن الكلبي:
(ابن أبي دواد روح كله من قرنه إلي قدمه). لقد استجاب لنداء حبيب حتي امتلك لسانه فاختصه بكثير من مدائحه، و آية ذلك:
لقد أنست مساوي كل دهر * * * محاسن أحمد بن أبي دواد
و ما سافرت في الافاق إلا * * * و من جدواك راحلتى و زادى
ففي البيت الاول أذهبت محاسنه مساوى الدهور، و من هذا؟ و في الثانى أعتاده في أسفاره عطاؤه. لقد جاوز الحد في الاطراء (و اللها تفتح اللها)(2).
يا صفي انتصف النهار فآذن الزوال بالمقيل، فإلي يوم آخر تلقاني فيه، قلت: في كنف الله عشت سالماً من الافات و العلل.
«للكلام صلة»
ـــــــــــ
1- مثل أصله أن الرجل يوتى باللين فيظهر أنه يريد الرغوة خاصة فيشربها و هو في ذ لك ينال من اللبن، يضرب لمن يريك أنه يعينك، و إنما يجر النفع إلى نفسه. نهاية الارب ص 60 ج 3
2- اللها: جمع لهوة و هي العطية، واللها: اسم جنس جمعي واحده اللهاة، و هي الهنة المطبقة في أقصى سقف الفم.