/ صفحه 215/
لحضرة الاستاذ الكبير أحمد حسن الزيات
عضومجمع اللغة العربية
... و هذا نوع آخر من ثمرات «مجمع اللغة العربية» إذ يتقدم أعضاؤه الاجلاء في جلسات مؤتمره السنوى العام ببحوث قيمة طريقة تهم أهل اللغة و الادب، و تتضمن كثيراً من الفوائد النادرة، و قد استطاعت «رسالة الإسلام» أن تحصل لقرائها على بعض هذه البحوث و رأت أن تنشر منها بين حين و آخر ما يتيسر لها، توطيداً للصلة العلمية بين علماء المجمع و أنصار التقريب، و إن من التقريب لخدمة اللغة التي نزل بها الكتاب الكريم، و نطق بها الرسول الامين.
و هذا أول بحث نبدأ به، و هو للكاتب العلامة الاستاذ أحمد حسن الزيات، عضو المجمع:
(التحرير)
منذ أربعة عشر عاما كتبت إلي المغفور له رئيس المجمع السابق كتاب دعابة قلت فيه: حضر الاصمعي يوما مجلس الفضل بن الربيع و قبالته فرس مُطهَّم فتذاكر الجلوس كتاب أبي عبيدة في الخيل، فأراد الوزير أن يعلم ما عند الاصمعى من ذلك، فقال له: «قم يا أصمعي و أمسك كل عضو من أعضاء هذا الفرس و سمِّه، فإذا سميتها فخذه» فقام و أمسك
بناصية الفرس و جعل يسميه عضواً عضواً و ينشد ما قالت العرب فيه إلي أن فرغ منه فأعطاه إياه.
/ صفحه 216/
فهب يا سيدى الرئيس أن الجود و الرق لم يرفعا من الارض، و أني دخلت يوماً على أمير من الأمراء البهاليل، و بين يديه جارية من الغيد الحسان، ترفل في حرير «شيكوريل» و «سمعان» و قال لى الامير الاريب: إذا سميت ما على هذه الجارية من اللباس، و وصفت ما في هذه الدار من الرياش و الاثاث، نَزَلت لك عن الجارية و الدار، و زدتك عليهما ألف دينار. فماذا تراني يا رئيس المجمع اللغوى قائلا و أنا من الذين أفنوا أعمارهم في تحصيل مادة اللغة «واكتساب ملكة الكتابة؟ ماذا أسمي هذا المائل على القود الايمن، أو هذا المائل على الجبين الزاهر؟ و ماذا أقول في هذا المزرِّر على الصدر المشرق، و هذا المدار تحت الثدى الناتيء، و هذا المُرسل على الكَشْح الهضيم، و هذا المُفصَّل على القدم اللطفية؟
أنا لا أعرف من غطاء الرأس إلا القناع و الخمار، و لا من كساء الجسم إلا الملاءة و الازار، و لا من وقاء الرَّجْل، غير الحذاء و النعل. فهل تنطبق هذه الاسماء، على هذه الاشياء، أم هل تكون دلالتها عليها كدلالة الرياش والأثاث على كل (موبيليات) البيت، و الورد و الريحان على جميع أزهار الحديقة، و الجهلي و العجمة على كل أدوات السيارة؟ لا جرم أني سأعجز على كل حال، و سأطالب رفعت (باشا) بالجارية والدار و المال!
* * *
كان ذلك منذ أربعة عشر عاما، كما قلت، و لاتزال الحال هي الحال، و المشكلة هي المشكلة. فلو أنني حضرت اليوم معرضاً من معارض التجارة أو الصناعة أو الزراعة، فيه ما أبدعت العلوم و توعت الحضارة من مختلف الالات والأدوات و السلع و الزهور، ثم طلب إلي أن أسمي كل معروض فيه لما صنعت أكثر مما صنع ذلك البدوى الذي حضر و ليمة عرس في بغداد، فوصف لقومه ألوانها و صحافها بصفاتها لا بأسمائها و بأثرها في حلقه، لا بعينها في يده. و ليس معنى ذلك أن المجمع لم يعمل طول هذه المدة، إنه عمل بإخلاص، و سعي يجد، و أنتج
/ صفحه 217/
بوفرة، و إنما معناه أن المجمع قضي ثماني عشرة دورة ً في خدمة اللغة الخاصة، و هي لغة الفلاسفة و العلماء و الرياضيين و الاطباء و الفقهاء و ا لفنانين و غيرهم من رجال الثقافة العليا. و هؤلاء جديرون ـ إذا ما أبطاً المجمع عن إسعافهم ـ أن يضعوا مصطلحاتهم بأنفسهم بحكم عملهم في التعليم و التأليف، و هم إذا وضعوها أو نقلوها قاربوا الكمال، فلا يكون عمل المجمع معهم إلا التسجيل أو التعديل.
أما اللغة العامة، و هي لغة البيت و الشارع و السوق و المصنع و الورشة والحقل فلم يولها المجمع عنايته بعد. و الكتاب و المترجمون و الصحفيون و سائر من يتصلون بحياة الناس، لا يعنيهم كثيراً تلك اللغة العلمية. و الناس مني رأوا الشيء سمَّوه.
والمسَمون في الغالب من سواد الامة الذين لا يبالون أن ينطقوا على أي صوره ما داموا يقضون حاجتهم من الفهم و الافهام. و يجييء بعد ذلك الكتاب والصحفيون فيجدون اللفظ قد شاع، فإما أن يستعملوه على علته فيكون الفساد و إما أن يضع كل كانب لمعناه لفظاً فتكون البلبلة. والفصاحة و العامية متنافسان في الوضع و النقل و التعريب، إحداهما الاخرى، فأيتهما سبقت الى الشىء الجديد يوم وروده الميناء سمته و فرضت تسميتها عي الالسنة، ف «التَّنْكسْ» مثلا أدركها الصحفيون و هي لا تزال في ا لميادين الاوربية، فوضعوا لها لفظ «الدبابة» و أذاعوه في البرقيات و الاخبار حتى عرفه كل قارىء وردده كل سامع. فلما رآها الناس بعد ذلك في مصر لم ينكروا الاسم و لا المسمى.
و أما «الاوتوموبيل» فقد ورد مصر قبل أن يسمع الناس له إسماً عربيا من قبل، فنطقوا لفظه الاعجمي بلغات عشر كما كان ينطق العرب لفظ (إصبع)، و وضع الكتاب له بعد ذلك لفظ السيارة، و حاولوا أن يعمموه فما استطاعوا، و ظلت الكلمتان دائرتين في لغة الناس: العربية للكتابة، و الاعجمية للكلام.
و هيهات أن تسلم أحداهما للاخرى. و هناك نوع من الالفاظ تخلي عنه الكتاب للعامة فاستأثروا به، كلفظ (أبا جق) مثلا. فالناس لابد أن يسموا هذا الشيء لانه من أثاث بيوتهم، فسموه (أباجورة) و أما الكتاب فلم يجدوا ضرورة
/ صفحه 218/
لتمسيته لقله دورانه على الالسن في خارج المنزل، فعمت الاباجورة كما عمت الدبابة في الكلام و الكتابة. فلو أن الكُتّاب عادوا اليوم فأطلقوا عليها «لامَّة» أو «ضامَّة» لانها تلم الضوء المتفرق و تضمه، لما فهم الناس ماعبروا عنه، و لا اتبعوهم فيما عبروا به.
فالمسألة إذن مسألة سباق بين الفصحي و العامية، من تسبق منهما إلي الوارد والجديد سمته و فرضته على الأخرى كما قلت... و أن ثماني عشرة دورة أو سنة قضاها المجمع محايداً في هذه المعركة جعلت الامل في تغلب الفصحى أبعد مما نظن فلم يبق إلا أن نصلح بين اللفتين على وجه من التساهل المتبادل، و لقد عنيت منذ تشرفت بعضوية المجمع أن أسعي مع الساعين لعقد هذا الصلح، و تحديد هذا التساهل، فقدمت الى المجتمع اقتراحين، أحدهما: قبول الوضع من المحدثين، والاخر: قبول السماع منهم أسوة بالمتقدمين، وتفضل المجمع فقبل الاقتراحين، و لكنهما ظلا معطلين لانصرافه إلي وضع المصطلحات المختلفة للغة الخاصة، و تقدمت منذ طويل إلي مجلس المجمع بطائفة من الكلمات التي جرى للمحدثين فيها سماع يخالف المسموع من العرب الاقدمين، في المدلول أو في الصيغة، فأقرها المجلس ثم اعتمدها المؤتمر، و لعلها تأخذ السبيل إلى المعجمين: الكبير و الوسيط.
و الحق الذي لا أرتاب فيه أن المجمع بقبوله الوضع و السماع من المحدثين قد وضع الاساس القوى الثابت لتهيئة اللغة لقبول التجدد المستمر في أسماء الذوات و المعاني، فبالوضع نصل ما بين اللغة والحياة، و بالسماع نقرب ما بين العامية و الفصحي، و الفائدة من قبول السماع منا، لا تقف عند حد التجديد و التمكيل و التقريب، و إنما تتعدى ذلك إلي تسجيل مدلولات جديدة قد نسخت مدلو لات قديمة لبعض الالفاظ، مثال ذلك لفظ الغداء و لفظ الفطور: فقد أجمع اللغويون على أن الغداء أكلة للغدوة، و هي ما بين طلوع الفجر إلي بزوغ الشمس، و هو خلاف العشاة، و به فر قوله تعالي: «آتنا غداءنا» و أن الفطور
/ صفحه 219/
أكل الصائم حين تغرب الشمس، و كان هذان المدلولان صادقين أيام كان الناس يكتفون بأكلتين: أكلة الغدوة، و أكلة
العشية، فلما اقتضي حال العيش و نظام العمل أن يأكلوا ثلاث أكلات نقلوا الغداء من الغدوة إلي الظهر، و استعاروا الفطور من وجبة الصائم إذا أمسي إلي وجبة المفطر إذا أصبح، و وجه الشبه بين الاكلتين، أنهما تجبان بعد إمساك، إمساك نهار للصائم، و إمساك ليل للمفطر و قد فعل الفرنسيون كما فعلنا، أو نحن فعلنا كما فعلوا، فإن فعل (Diner) في لغتهم لاتينى الاصل، و كان معناه في اللاتينة الافطار أو قطع الصوم بالاكل، و لا يكون ذلك إلا صباحا، فلما جعلوا طعامهم في اليوم ثلاث وجبات نقلوا (Diner) من أول النهار إلى نصفه. ثم وضعوا لوجبة الصبح لفظا آخر بمعناه و هو.... (Dejeuner). ثم اضطرتهم المدنية إلي أن يأكلوا أربع أكلات، فوضعوا الفطور الصغير للصبح، و الفطور للظهر، و الغداء للعشاء، و العشاء لنصف الليل، فهل يجوز أن تبقي كلمتا الفطور و الغداء وأمثالهما في المعجمين الكبير و الوسيط على هذا الوضع، و الناس في جميع الاقطار العربية يستعملونهما اليوم في غير ما كان يستعملهما العرب؟ و بأى سند نضعهما في المعجم إذا لم يكن المجمع قد قرر حجية السماع الموَلد أسوة بالسماع القديم؟
من أجل ذلك نطمع في أن يوجه المجمع الموقر عنايته الكريمة إلى الانتفاع بقراريه في الوضع و السماع على صورة أشمل و أكمل و أسرع ليعوض اللغة العامة مما نالها من طول انصرافه عنها إلي اللغة الخاصة، و ذلك بقبوله هذه المقترحات الثلاثة:
المقترح الاول: أن يعبي ء قواه أو أكثرها لجمع ألفاظ الحضارة الموضوعة و المسموعة والمنقولة من البيئات المصرية و الاقطار العربية، فيكلف محررية بما كان يصنعه رواة اللغة الاولون من الخروج إلي الوادى، ومشافهة الاعراب، والنقل عنهم، فيخرج المحررون كل يوم إلي المتاجر والمصانع و المزارع، فيسألون كل ذى سلعة، و كل ذى صنعة، و كل ذى آلة عن اسمها العام و اسم كل جزء من
/ صفحه 220/
أجزائها، و كل نوع من أنواعها، ثم يدونون كل ذلك بأوصافه و صوره، و يصنع مثل ذلك في الاقطار العربية، فيوفد المحررين إلى الشام و العراق و تونس فيعملون فيها ما عملوا في مصر تحت إشراف عضو المجمع هناك وتوجيه، حتي
إذا عادوا ضموا ما جمعوا إلي ما جمع غيرهم، ثم قدم كل أولئك إلي اللجان المختصة فتصنفه و تغربله و تعرفه، ثم تعرضه على مجلس المجمع.
المقترح الثاني: أن يخصص المجمع دورتين أو ثلاثا لهذا العمل لا يكاد يشتغل في غيره.
المقترح الثالث: أن ترتب هذه الالفاظ بعد أن يقرها المجلس و يعتمدها المؤتمر، ثم تفرغ تنعاريفها و صورها في معجم خاص يسمي معجم ألفاظ الحضارة مثلا ينشر مستقلا أول الامر، تم يدمج بعد ذلك في الطبعة الاولى للمعجم الكبير ثم في الطبعة الثانية للمعجم الوسيط.
هذه أيها السادة أقرب السبل في رأيى إلى اتصال المجمع بالحياة، و تعريف المجمعيين الجمعيين للناس، و إعانة الكتاب على مكاره الكتابة، و رفع القصور عن اللغة، و دحض التهم عن المجمع.
ولعل أقوى ما أستند إليه في تأييد هذه المقترحات بعدالحاجة الماسة و الضرورة القاضية أن المعجم الوسيط سيجىء على غير ما ينظر الناس، فان جمهرة المثقفين ينتظرون من معجم ينشره المجمع بعد ثماني عشرة سنة قضاها في الوضع و التعريب أن يكون فيه لكل معني اسم، و لكل مصطلح لفظ، و لكنهم سيجدونه أقرب إلي المعاجم المنشورة في الاقتصار على المواد القديمة، و النفور من الالفاظ الجديدة، فإذا نشر معه أو عقبه المعجم المقترح انفسحت التهم عن مجمعنا الخالد، و انحسرت الشكوك عن عمله العظيم.
ولحضراتكم بعد ذلك النظر الاعلى و الرأي الموفق؟