/ صفحه 226/

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة التحرير

كنت كتبت مقالا في أحد أجزاء «رسالة الإسلام» عنوانه (لولا القدماء)* فاستقبله كثير من أهل العلم بالترحيب، و لا سيما أخواننا أهل الازهر، كأنهم وجدوا فيه دفاعا حاراً عن هؤلاء الاولين الذين أفنوا حياتهم، و بذلوا أكرم جهودهم، حتي ورثونا هذا التراث الثمين في مختلف العلوم و ثمرات الافكار، و كنت معتزما أن أعود إلى هذا الموضوع كرة أخرى لا ضيف إليه جديداً حدثتني به نفسي، توفية له، و وفاء لقراء «رسالة الاسلام» الذين يحبونها، و يتتبعون ما ينشر على صفحاتها في دقة بالغة، و اهتمام شديد، و لعل في هذه الكلمة الموجزة تحقيقاً لما اعتزمت:

 *  *  *

/ صفحه 227/

والكلام يرجع إلي نقطتين:

أولاهما: أننا مع اعترافنا بعظمة القدماء، و بما بذلوا من جهود صادقة مثابرة في سبيل خدمة العلم و الدين و النصح للامة و الائمة، يجب أن تذكر دائماً أن الإسلام دعوة تقدسية لا يصلح معها أن نحصر همنا فيما و راءنا، وأن نشغل

اكبر جانب من اتجاهنا وتفكيرنا فيما كان قبلنا، وان نجعل هذه العهود الماضية كأنها مثلنا، و مبلغ آمالنا، و غاية ما يمكننا أن نصل اليه من عظمة في العلم و العمل، و أن يشغلنا استحسان ما فعلوا عن أن نفعل، و إكبار ما بذلوا عن أن نبذل.

 

/ صفحه 228/

إن هذا التفكير الملح في ما ضينا، له أثر يجب أن نحذره و ألا ندعه يفسد علينا حاضرنا، فهو ليس تفكيراً حافزاً باعثاً منشطاً في كل حال كما ألفنا أن نصفه في أحاديثنا و خطبنا و ما نكتبه عن الذكريات التاريخية، و المناسبات القومية، و إنما هو في واقع أمره دواء منوم مخدر يخدعنا عن أنفسنا إذا تعاطيناه بإفراط، و استرحنا إلى ما يحدثه من «تسكين» وقتي لآلامنا، و ارضاء و همي لخيلائنا.

إن الذين يعيشون على الماضي فحسب هم العجزة و أهل الضعف و القصور، إنهم لا يجدون في حاضرهم ما ييررون به

استحقاقهم للبقاء في الحياة، و الانتساب إلى البشرية العاملة المثمرة التي ما خلقت إلا للاصلاح و التعمير، و الابتكار و التثمير، فهم يجتروُّن مفاخر من الماضي فعلها آباؤهم و أجدادهم، و لو أنهم كانوا هم الذين فعلوها لما كان لهم أن يظلوا متعلقين بها، حرصاء على ذكرها و الاصغاء إلي حديثها، كما يصغي الشيخ الهرم إلي ذكريات شبابه، و يسبح في خيال فتوته يوم كان و كان.

إن الإسلام لا يرضي بهذا للمسلمين، فهو لم يرضه لاهل الكتاب الذين كانوا يتباهون بتاريخهم، و يلوكون بألسنتهم مفاخر السابقين من الانبياء و المرسلين، و يحاولون أن ينتسبوا إليهم بالاقوال لا بالافعال، إذ يقول القرآن الكريم: «تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، و لا تسألون عما كانوا يعملون» فالشأن في الكتاب الحق الذي يهدى للتى هي أقوم، إنما هو لعمل العامل، و كسب الكاسب، أما التشدق بما كان، و التشبث بما خلا، و الغيبوبة فيما غاب، فتلك تعلات الضعفاء، و معاذير العاجزين، و أساليب الفارين الناكصين.

  *  *  *

والنقطة الثانية ذات صلة و ثيقة بهذه النفطة الاولي، فلا ينبغي أن يفوتنا أن العلم في تطور، و أن الفكر الانسانى فى تحول، وأن العالم كل يوم في استقبال جديد من النظريات و العمليات و المذاهب العقلية و الاجتماعية، فما كان يشغل

 

/ صفحه 229/

الماضين لا ينبغي أن يكون كله شغلا لنا بغثه و سمينه، ولكن علينا أن تختار و نغزبل و نصفي و نعتيني عناية كاملة جادة بما ينفع و لا يضر، و نضرب صفحاً عما يضر و لا ينفع، وعما لا ضرر فيه و لا نفع، بذلك نستطيع أن نتخفف ثم نتطلع إلي آفاق من العلم جديدة احتكرها الناس في الغرب من دوننا، و أفادوا منها سيادة و قوة حيث غبنا عنها.

إن القرآن الكريم يقول: «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا» و يقول: «و قل رب زدني علما» و من هاتين الايتين نستنبط أن الله تعالي يرشدنا إلي الناموس الطبيعي للأفكار و العقول و المعارف، أو بعبارة أخرى إلي سنة من سننه الكونية، هي أن العلم دائماً في تقلب، و لا يمكن أن يقف عند حد، إذ هو قابل للزيادة، و الرسول نفسه، و هو من هو في علمه، مكلف

بأن يتطلع دائما إلي الازدياد من العلم، و إلي أن يجعله من أعز آماله و مطالبه التي يتوجه فيها بالدعاء إلى ربه.

هكذا ينظر القرآن إلي العلم، و هكذا يوحي إلي المؤمنين أن يطلبوه و يحرصوا على التجديد منه، و على التجديد فيه، و ألا يكونوا أسرى تقليد، و سجناء جمود، ولكن كثيراً منا معاشر المسلمين نسي هذا أو تناساه كيلا يكلف نفسه شططا، و لا يحملها عنتا و لا رهقا، فما زالت جامعة كالازهر تدرس مذهب «اللاأدرية» الذين يشكون في أنفسهم، ثم يشكون في شكهم. فأين المذاهب الحديثة التي تملأ أقطار الارض الآن، و لا تجد من يرد عاديها، و لا من يرشد غاويها؟ و أين دراسة الشبه ا لتي توجه إلي الشريعة و الفقه في أوربا و أمريكا، والثى يغزو بها الصهيونيون و أعداء الاسلام والطامعون في بلاده، عقول المحدثين من الشباب، و يصوروننا بها أمة بدائية أو متخلفة، فيقولون: دينهم يبيح كذا، و يرضى بكذا و يعارض في كذا... الخ.

ثم ما زال الازهر يدرس نظام شركة الوجوه، و شركة العنان، و لا يعرف شيئاً عن شركات التوصية و الضمان.

و ما زال يدرس «التدبير» و «التعمير» و لا يعرف نظام التأمين على الاشياء أو على الحياة، و إذا سألت عن حكم ذلك لم تجد قولا شافياً، و لا بياناً في ذلك كافياً، و إنما هي «سطحيات» تلقى ارتجالا، و تحمل على الفقه حملا.

 

/ صفحه 230/

وما زال كثير من طلاب هذه الجامعة و علمائها، يحسبون بعض الطوائف المنقرضة على بعض الطوائف الحاضرة، فإذا رأوا في كتاب قديم نحلة مضافة إلى مذهب من المذاهب أخذوا بها كل من تسمى باسمه دون تفرقة بين فريق و فريق، و هذا لعمرى قصور في البحث و تقصير، و لا أجد لهذا مثلا إلا أن تدرس، «الجغرافيا» الحاضرة من مثل كتاب «معجم البلدان» و قد تغيرت البلاد و من عليها، و تقلبت أحداث الزمان مئات المرات بعد «معجم البلدان».

 *  *  *

لا شك أن الاولين كانوا مصابيح دجي، و أعلام هدى، و لا شك أنهم أدوا أمانة العلم حق الاداء، و أن أعناقنا لهم منناً عظمي لا ينكرها إلا الجاهدون، و لا شك أننا في كثير من العلوم و القواعد و النظريات ما زلنا عالة عليهم، و لكن لا

يجعل بنا مع ذلك أن نقول: مانزك الاول للآخر شيئا، ولكن نقول: جزاهم الله عنا خيراً، و كم ترك الاول للآخر، و الله المستعان؟