/ صفحه 250/

دعائم القوة في الأمم

لحضرة الاستاذ الجليل محمد على علويه

رئيس جماعة التقريب

استمعت ذات ليلة إلي حديث ممتع كان يتحدث به الاستاذ الجليل محمد على علويه رئيس هذه الجماعة، و سيادته متحدث من الطراز الاول، يستولي على قلوب سامعيه بلفظه المرتب، و أسلوبه المهذب:، و معارفه الواسعة التي و عاها قلب شيخ إذا ذكرت التجارب، شاب إذا تحديت الصعاب و العواقب، و كان يلقي حديثه بنبرات تنبي ء عن صدق الاحساس، و قوة الايمان، و عمق الاخلاص، فأثر ذلك في نفسى وفى نفوس سائر السامعين تأثيراً حملنى على أن أحاول تسجيل ما وعاه ذهني من هذا الحديث لقراء (رسالة الإسلام) و قد عرضت على سيادته ما كتبت فأقره و أذن بنشره:           (رئيس التحرير)

*  *  *

قال ـ حفظه الله ـ بعد أن بين حالة الامة الاسلامية الآن، و ما يرجوه شعوبها في مختلف بلادها من نهضة تعيد مجد الإسلام، و تجعل لاهله مكانتهم المرموقة في العالم الحاضر:

 

/ صفحه 251/

ثلاثة أشياء أعتقد اعتقاداً لا يخالجني فيه شك أنها هي الاساس المتين الذي تقوم عليه عظمة الأمم، و الدرع الحصين الذي يقي هذه العظمة من أن تمس فضلا عن أن تصاب، تلكم الثلاثة هي: الخلق، والعلم، و العمل.

فأما الخلق فلا أريد به فضيلة بعينها، و إنما أريد هذا المنبع النفسي الذي لا يصدر عنه إلا الفضيلة في شتى صورها، و مختلف ألوآنها، أريد هذه القوة الخفية التي تجعل الانسان رقيباً على نفسيه بنفسه، يسائلها إن فعلت لم فعلت، و إن تركت لم تركت، ثم ينظر إلي فعلها و تركها نظر المحايد الذي لا يهمه أن يشهد لها أو عليها، لانه لا يرمي إلا إلي الخير، و لا يبغي إلا الاصلاح ـ إذا وجدت هذه القوة في الانسان فهو بخير، بل هو الخير كله، إنها ينبوع الأخلاق الفاضلة جمعياً، عنها ينبع الصبر إذا اقتضته الحياة أن يصبر، و عنها تنبع الثورة إذا اقتضته الحياء أن يثور، و عنها يأتي الحياء، و عنها تأتي الجرأة، و بها يخلص العامل في علمه، والاستاذ في علمه، و الطالب في درسه، و ازارع في حقله، و الجندى في جيشه، و الحاكم في ديوانه، و المحكوم في مختلف ألوانه، و بها تحل المشكالت، وتنفرج الازمات، و تكثر الثمرمات، و ترقى الجماعات، وتكثر العوامل المفضية بالامة إلي السعادة، و تقل العوامل المؤدية بها إلي الشقاء.

يختلف التعبير عن هذا المعني، فمن الناس من يسميه «الضمير الحي» و منهم من يسميه «الشعور بالواجب» و منهم من يقول هو «تقدير الفرد لمسئوليته أمام الجماعة» و قد يرد الحديث عته في الدين بأنه «التقوى» أو «الاخلاص» أو «النفس اللوامة»... الخ. و المعني في كل ذلك هو المعنى، و الاثر في صلاح الحياة و استقامتها هو الاثر.

وقد يكون من العسير أن تربي الامة كلها على هذا النمط العالي، ثم يكون من البعيد أن تنهض الأمم إذا كان هذا شرطاً من شروط نهوضها، أو أساساً من أسس بنائها، ولكن من يقول أنه يجب أن تكون كلها كذلك؟ فيكفي أن يشيع ذلك فيها، و أن يعمل ولاة الأمر على ألا يوسدوا الاعمال ـ و لا سيما التوجيهية منها ـ إلا لهذا الطراز من المواطنين الصالحين .

 

/ صفحه 252/

إن سرّ النهوض في الأمم الناهضة، و سر النجاح في الأمم الناجحة، يرجع في الكثير الغالب إلى توافر هذا العنصر في الامة، و إلي حسن الاختيار فيمن توسد إليهم الامور، دون تأثر إلا بالصالح العام.

                                                *  *  *

و أما العلم فلا أريد به مجرد معرفة القواعد و المسائل و النظريات، و إنما أريد مع هذا علماً تطبيقاً عملياً ننشيء به المصانع و المعامل، و ننتج به الآلات و الادوات، و نسخره في تيسير الحياة، و تذليل صعابها، و نقوى به أنفسنا، و نكشف به أمراضنا، و ندرس وسائل علاجها، و نبتكر لها إذا أعوزنا أن نجد العلاج فيما بين أيدينا، و نسابق به الأمم في مضمار الحضارة البشرية سباقا يشعرون معه أننا أعضاء عاملون في الكتلة الانسانية، و لسناعالة عليهم، ننتفع بعلمهم، و نتأثر أبلغ التأثر بآثارهم، و تمتليء حياتنا في بيوتنا و مصانعنا و سائر مواطن نشاطنا بثمرات أفكارهم، و نحن مع ذلك نرجو أن يحترمونا أو لا يفكروا في استعمارنا، واستغلال ما لم نستطع استغلاله في بلادنا، كما هي سنة القوة مع الضعف، و المعرفة مع الجهل.

إن الخلق بدون العلم لا ينفع، ولكن العلم في الامة الفاضلة يدرأ عنها فيحفظ عليها أن تغزى في أخلاقها، و الفضيلة في الامة العالمة توجه علمها إلى الخير و الإصلاح و تعصمها من أن تتخذ منه أداة للهدم و التخريب، و الظلم و هضم الحقوق، و ابتغاء العلو و الفساد في الارض بالطغيان و الجبروت.

لقد كنا ـ معاشر المسلمين ـ قادة في العلم و الاختراع و استنباط ما ينفع الناس و يمكث في الارض، و كان الناس لنا في ذلك تبعاً حيناً من الدهر، أما الآن فقد انعكست الاية، و صار القادة تابعين، و التابعون قادة، فمتي نعود إلي تبوى ء مكانتنا، أو متي ـ على الاقل ـ نشارك أهل العلم في علمهم، فنحملهم عى احترامنا، و نجاريهم في أهم ميادين الحياة، و نؤدى للإنسانية ضريبة إنسانيتنا؟

 

/ صفحه 253/

بقي الكلام عن العمل، و الشعوب لا تصاب بما هو أضر عليها من الكسل، إن الكسل إذا خيم على أمة أصابها بالانحلال المؤدى إلي الهلاك، إنه هو سل الشعوب، و ميكروبها الفتاك، و نحن معاشر الشرقيين يكثر فينا المتبطلون حتي بين العاملين، و أقول المتبطلون لاؤدى معني انصرافهم عن الاعمال بإرادتهم، أو تخففهم منها عن قصد إيثاراً للكسل، و هذا

الداء متفش فينا، حتي العاملون منا يحبونه و يركنون إليه كلما اطمأنوا إلي خلوهم ممن يراقبهم أويحثهم، فالموظفون عددهم كبير، و إنتاجهم قليل، و لا تكاد تجد مشغولا بعمل صدر يومه يفكر فيه أو في سواه بعد انفلاته من دائرة شغله، و لا تكاد تجد لشبابنا مسلاة في بيوتهم تعود بالخير عليهم و على أمتهم، و المقاهى عامرة بروادها يقطعون فيها ساعات من ا لنهار و الليل في لعب النرد أو الورق أو التندر على الناس، و تلاميذنا منصرفون عن دروسهم إلى ما ليس من شأنهم، و النساء في البيوت مضيعات لاثمن أو قاتهن في الاجتماعات و الاحاديث، معتمدات على الخدم و المربيات في كثير من الاحيان، و هكذا، قوى معطلة أو مبعثرة لايعرف لها قيمتها، و لا نعمل على الانتفاع بها و توجيهها فيما يعود على الامة بالخير، و نتركها تولد بيننا كثيراً من عوامل الضعف، و تخلق في مجتمعنا ألوان المشكلات، و أصناف الازمات.

لقد قرأت في بعض المجلات الاجنبية أن كبيراً من أهل أميركازار أوربا، و طاف كثيراً من مصانعها و مواطن نشاطها، فلم يرقه منهم ما سماه تراخياً في العمل، و بطأ في الإنتاج، و قال: إننا معشر الامريكين لو سرنا في ا لعمل على طريقة البط ء و الكسل التي يسير عليها الاوربيون لاختلت بلادنا، واضطربت أحوالنا.

ترى ماذا كان يقول هذا الامريكى لو طوف فى بلاد الشرق؟

*  *  *

ألا إن الأخلاق قوة، و العلم قوة، و العمل قوة، ولن تقوم أمة إلا إذا اجتمت لها هذه القوى الثلاث متضافرة، تسوس بها نفسها، و تعامل على ضوئها شعوب الارض أجمعين؟