/ صفحه 254/

بحث عن الدولة العباسية

لحضرة صاحب المعالي السيد محمدرضا الشبيبي

وزير المعارف السابق بالعراق

- 3 -

العباسيون الاول:

أبو العباس السفاح:

بويع أول الخلفاء العباسيين أبو العباس السفاح، فكانت بيعة اجماعية، أجمع عليها أهل بيته و أنصارهم، وبهذا الاجماع امتازت بيعته على بيعة غيره ممن جاء بعده أو خلفه في هذا المنصب، أي أن عصر السفاح امتاز بعدم ظهور منافس له أو ثائر عليه، و مع أن أخاه و خلفه من بعده المنصور أكبر منه سناً إلا أنه كان في مقدمة من بايعه.

لم يحدث في خلافة السفاح حدث على أهل بيته أو أبناء عمومته، خلافا لما وقع في خلافة المنتصور ; لان السفاح كان معنياً بأستئصال الامويين في هذا الدور، و هو دور التأسيس و البناء.

بطش العباسيون الاول بطشة جبارة ببني أمية، قتلوهم أينما وجدوا، حتي توارى عن الانظار كل متصل بنسب إلي بني أمية، بيد أن كثير من أهل الشام حاضرهم و باديهم، و كثيراً من عرب الجزيرة و ديار بكر، و هم من ربيعة و مضر و تغلب و بكر بن وائل، ظلوا ناقمين على الهاشميين أو العباسيين ; لاسباب شتي، و هم يستظلون بظل الراية العباسية، بل أجهد العباسيين بعد ذلك استئصال شأفة

 

/ صفحه 255/

كثير من الناقمين عليهم في حواضر الشام و الجزيرة و بواديها، فانطوى هؤلاء على كثير من الغل و فساد النيات.

أصبح هؤلاء الناقمون عونا لكل ثائر على العباسيين، و لو لم يكن ذلك الثائر من بني أمية فكثرت الفتن في الشام و الجزيرة، و في ديار بكر و ربيعة، و في ديار مضر، و تعدد خروج الخوارج في هذه البلاد، و لا يخلو تأريخ بلد قديم غلب أهله على أمرهم من محاولة للثورة و الانتقاض على الغالب، فقد ثار الحجاز و ثار العراق و ثار غيرهما من الاقطار على حكم بني أمية، فلماذا لا تثور الشام؟ و لماذا لا تثور الجزيرة على حكم بني العباس؟ و قد تعددت الفرص

من يتتهزها من ذوى المطامع و الاغراض البعيده، و في البلاد المذكورة ـ و هي الجزيرة و الشام ـ بقية باقية من أنصار بنى أمية و من مواليهم الضالعين معهم، و لنا أن نقول: أن القطر الشامي و ما إليه قد استحال بسبب سخط الساخطين، و

بسبب وجود عدد لا يستهان به من موالي الامويين و أنصارهم إلي بيئة صالحة للخروج على بني العباس، و للدعوة إلي مناهضتهم و خصومتهم من أية ناحية جاءت هذه الخصومة.

أبو جعفر المنصور:

و ما أن وافي السفاح أجله ليخلفه أخوه الاكبر أبو جعفر المنصور حتى كشرت الفتن عن أنيابها، وحتى توالت القلاقل في دولته، و لكنه ـ أي المنصور ـ واجهها بما عرف عنه من صرامة و فطنة و دهاء، و قد تخلص ـ بموجب خطة رسمهاـ من خصومه واحداً بعد آخر، تخلص من عمه عبدالله بن على الثائر عليه بأبي مسلم الخراساني صاحب الدولة، ثم تخلص من أبي مسلم كما تخلص من زعماء آخرين توسم في بقائهم خطرا على دولته، و خلع ابن أخيه عيسى بن موسى من ولاية العهد ـ و كان السفاح عهد إليه من بعد المنصور ـ و عيسى هو الذي حارب له الاخوين محمداً و إبراهيم من أبناء الامام الحسن، فظفربهما، فكوفي بخلعة من قبل المنصور، و عهد بولاية عهده إلى ولده المهدى، ثم إلى عيسى بن موسي

 

/ صفحه 256/

هذا، و الاقربون أولي بالمعروف، فكان من يبايعه يقبل يده و يد المهدى ثم يمسح على يد عيسي و لا يقبلها، نقل ذلك ابن تغرى بردى وأعقبه بقوله: «أن البلاء والرياء قديمان» ثم إن المهدى خلع ابن عمه المذكور من ولاية العهد و عقدها لولده الهادى، وكانت أول ثورة على المنصور ثورة الامير عبدالله بن على عم الخليفة.

عبدالله بن على:

يعد عبدالله بن على بن عبدالله بن العباس بين أنبه الامراء العباسيين. و أبوه على ـ و هو الذي انتشر الخلفاء العباسيون من نسله ـ من أوائل الهاشميين الذين رشحوا للخلافة بعد أن نضجت فكرة الثورة على الامويين، و إحلال الهاشميين محلهم في هذا الشأن، و قد أعقب أكثر من عشرين و لداً ذكرا، من أشهرهم: عبدالله هذا، و أخواه محمد و صالح أبناء على، و كان كثير من أولاده شأن في تاريخ الدولتين الاموية و العباسية، إلا أن الخلافة العباسية كانت من نصيب أولاد

محمد بن على وهو أكبر من أخيه عبدالله، و لم يبايع بالخلافة أحد من ولد عبدالله بن على المذكور، ثم هو الامير الذي ندبه السفاح لقتال مروان الجعدى فظفر به و بغيره من أمراء بني مروان في واقعة الزاب الانف ذكرها، و على يده انقرضت دولتهم، و من ثم استخلص الشام و مصر، و كان ساعده الايمن في ذلك أخاه صالح بن على الذي جهزة السفاح على طريق السمارة فطارد مروان و فلول الجيش الاموى إلي مصر و قتله في (أبي صير)(1)، و هو ـ أعنى عبدالله بن على بعد ذلك عم السفاح، لذلك كان يحدث نفسه بالخلافة، بل كان يرى أنه أحق العباسيين بعد السفاح بأن يكون خليفة، أحق من المنصور و أحق من سائر أمراء بني العباس، و كان يظن أن ابن أخيه ـ أي السفاح ـ لا يعدوه في الوصية بولاية عهده لانه نائبه في الجهاد و قيادة الجيوش و غزو الروم، و لكن السفاح عهد في مرض موته بولاية العهد إلى أخيه المنصور ثم إلى ابن أخيه عيسي بن موسي،

 

/ صفحه 257/

و ما أن علم عبدالله بن على ببيعة المنصور في العراق، و كان ـ كما قلنا ـ يتحين الفرص للمطالبة بحقه في الخلافة، حتى جاهر بالدعوة إلى نفسه و عدل بجيشه إلى العراق، ولكن خانه الحظ و أخفق في الوصول إلي بغيته، و انتهت حياة بطل الزاب بالموت في سجن ابن أخيه المنصور بعد هزيمته في واقعة «نصيين»(2) على يد أبي مسلم الخراساني، هكذا أخفق عبدالله بن على في الوصول إلى غايته المنشودة، و مرد إخفاقه فيما تراه إلى قصرنظره و افتقاره إلي شيء كثير من الدربة والحنكة السياسية و كان دون أخيه محمد بن على ربان الدعوة العباسية في كل شيء. كان دونه في عقله الراجح، و كان دونه في حزمه و خبرته الواسعة، و قد ارتكب في دعوته إلى نفسه أغلاطاً فظيعة، فإنه أمر بقتل عدد كبير من الخراسانيين كانوا في جيشه لتوهمه بميلهم إلى أبي مسلم الذي ندب لقتاله، و هم أيضاً أن يفتك ببعض القحاطبة و هم

 

ـــــــــــ

1- انظر حياة الحيوان للدميرى (1/62).

2- تجد تفصيل هذه الوقائع التي وقعت بين أبي مسلم الخراسانى و بين عبدالله بن علي عم المنصور في تاريخ الطبرى (9 / 156 / 159) و مروج الذهب (2/197 - 198) في المطبعة الازهرية ص 167. و الكامل (5/220، 222) و قد ترجم الخطيب البغدادى لعبدالله بن علي هذا في تأريخ بغداد (10 / 8 - 9) و انظر أيضاً (ص 53) من الجزء المذكور. و تجد كيفية حبس عبدالله و قتل أصحابه بعد وصولهم إلى المنصور في الكامل (5/236) و تجد طرفا من أحوال عبدالله بن علي هذا في كتاب الوزراء و الكتاب للجهشيارى (85 - 86 - 103 - 130 - 132).

من أشهر القواد في جيشه، و كان جل جيشه الباقى مؤلفاً من أهل الشام الذين غلبوا على أمرهم في واقعة الزاب، و لا بدلنا من القول: أن المنصور اضطرب الاضطراب كله في بد هذه الحركة التي قام بها عمه حتي أنه همَّ بالخروج إلي مناجزته بنفسه، و كان لا يرى من بعده أهلا للقيام بحرب عبدالله إلا أبا مسلم الخراساني، و لذلك قال له: «ليس لهذا الأمر إلا أنا أو أنت، فامتثل أبو مسلم أمر المنصور في قمع هذه الثورة، و لم تقمع إلا بعد أن مضت عليها أشهر غير قليلة، و هي أول حرب تقع في صدر الخلاقة العباسية بين أهل خراسان بقيادة أبي مسلم و أهل الشام في الجزيرة بقيادة عبدالله بن على المذكور.

 

/ صفحه 258/

دور الطالبيين:

و من أهم الاحداث في خلافة المنصور، إن لم يكن أهمها، تلك الثورات التي قام بها فريق من زعماء الطالبيين. و قد بدأت في خلافة المنصور، و لم يكن لها أثر في أيام السفاح، بل لم يحدث في خلافته حدث على الطالبيين، كما لم يحدث من الطالبيين حدث عليه. و قد أقضت هذه الاحداث مضاجع الخلفاء العباسيين الاولين خصوصاً و هم يعلمون أن النفوس فى كثير من الاقطار إلي خصومهم أميل، و أن الرأي العام فيها يجنح إلي تفضيل ال أبي طالب على بني العباس، و كان المنصور يعرف أن لآل أبى طالب مكانة مكينة في نفوس الجمهور لا يحلم بها أكثر العباسيين فكان يخشى ـ لذلك ـ جانبهم، و مطالبتهم بحقوقهم التي يعضدهم كثير من الناس في المطالبة بها، و من هنا جاء حقد المنصور على الطالبيين، و قتل من قتل منهم من ساداتهم و أشياخهم الثائرين و عاملهم بقسوة منقطعة النظير. جاء في تاريخ الخفلاء للسيوطى مانصه: «و في سنة 45 كان خروج الاخوين محمد و إبراهيم ابنى عبدالله ابن حسن بن الحسن بن على، فظفر بهما المنصور فقتلهما و جماعة كثيرة من أهل البيت، فإنا لله و إنا إليه راجعون. و كان المنصور أول من أوقع الفتنة بين العباسيين او العلويين، و كانوا قبل ذلك شيئاً واحدا»(1). و قال أيضاً: «و ممن أفتي بجواز الخروج مع

 

ـــــــــــ

1- تاريخ الخلفاء (102)

 

محمد على المنصور مالك بن أنس، و قيل له: إن في أعناقنا بيعة للمنصور فقال: إنما بايعتهم مكرهين، و ليس على مكره يمين».

كانت ثوارات الطالبيين مصدر قلق للطبقة الاولي من خلفاء بني العباس، و قد ألحقت بهم ما ألحقت من الاضرار البليغة بالارواح و الاموال، و قد حاول قوم من المحدثين المعنيين بالتأريخ أن يعدوا ثورات الطالبيين المتوالية على أبناء عموتهم من بني العباس من جملة العوامل الفعالة في زوال الدولة العباسية، و في هذا الرأي ما فيه من التكلف و المبالغة ; لان أخطر تلك الاحداث و البثوق التي انبثقت من ناحية الطالبيين إنما وقعت في صدر الدولة العباسية و في خلافة خلفائها الاول

 

/ صفحه 259/

كالمنصور و المهدى و الهادى و آخرين من القوم، و قد تمكن العباسيون الاولون من قمعها بشيء غير قليل من الغدر و القسوة و الغلظة المتناهية على بني العمومة المذكورين، على أننا نرى أن شيوخ هذين البيتين من طالبيين و عباسيين عاشوا في صفاء تام في معظم عصور الدولة العباسية الاخيرة، و هي العصور التي منيت فيها الدولة المذكورة بالضعف الشديد. و في هذه العصور أحدث منصب نقابة الطالبيين، و هو من المناصب الجليلة، و قد تولاه كثير من أشياخ الطالبيين و وجوه العلويين في العصور العباسية المذكورة، لذلك لا يصح القول اطلاقا بوجود علاقة أكيدة أو صلة مباشرة بين الثورات الطالبية المشار إليها، و بين انحلال الدولة العباسية.

و قد خصص أبو الفرج الاصفهاني الشطر الاكبر من كتابه المسمي: «مقاتل الطالبيين» بذكر زعماء آل أبي طالب الذين قتلوا في عصور الدولة العباسية عصراً عصرا، و قد ابتدأ بمن قتل منهم في خلافة المنصور الذي بزجميع العباسيين في ذلك، و قد حفلت عصورهم بهذه الاحداث إذا استثنينا عدداً قليلا من خلفائهم كالسفاح والامين و الواثق بن المعتصم و المنتصر مالوا إلي محاسنة الطالبيين، و كان المتوكل شديد الوطأة على آل أبي طالب. قال أبو الفرج الاصفهاني: «بلغ منهم ما لم يبلغ أحد من الخفاء قبله إلي أن قتل، فعطف عليهم ابنه المنتصر. و كان يرى مخالفة أبيه المتوكل، و يظهر

ذلك العطف على أهل البيت، فلم يجر عليهم مكروه في خلافته».

كانت غلطة المتوكل في هذا الباب من الاسباب التي استحل بها ولده المنتصر هدر دمه كما هو معروف (1) و كان المتوكل يكره كل عباسي قبله ظهر منه شيء

 

/ صفحه 260/

من الميل إلي آل أبي طالب، و قد روى بعض المؤرخين أن الفقهاء أشاروا على المنتصر بقتل أبيه بعد أن حكي لهم عنه أموراً فبيحة(2).

ومن الخلفاء العباسيين الذين اقترن تاريخهم بشدة الوطأة على الطالبيين ـ كما جاء في كتاب المقاتل ـ المهدى و الهادى و الرشيد و المأمون و المستعين و المعتز و المهتدى. و هكذا إلي خلافة المقتدر( 295 - 320) و حسبك أن مصارع الطالبيين في عصور الخلافة العباسية استوعبت جل كتاب المقاتل على ضخامة حجم الكتاب المذكور.

هذا و يحسن بالمؤرخ في هذا المكان الالمام بتأريخ هذا الخلاف أو النزاع بين أعيان هذين البيتين الهاشميين، و الوقوف على علله و أسبابه، و ذلك على الصورة الانية:

أصل الدعوة و صبغتها العامة:

كانت الدعوة إلي انتزاع السلطان من بني أمية هاشمية عامة في أصلها، شارك فيها الهاشميون: الطالبيون منهم والعباسيون، و كانت الجمعيات السرية القائمة بها في أواخر عصور الدولة الاموية تتألف من وجوه العلويين و العباسيين، و ممن حضرها السفاح و المنصور، و كانت الدعوة تبث أو تعلن بشكل يتناول الهاشميين جميعاً، أي أن الدعوة كانت تعلن بالاضافة إلي (آل محمد أو أهل البيت) .و قد بويع من بويع من وجوه الفاطميين بالخلافة سراً، بايعه

 

ـــــــــــ

1- أنظر عن الفرق بين سيرة المتوكل و سيرة ابنه المنتصر في هذا الشأن مقاتبل الطالبيين (597/599، 626) من طبعة القاهرة، و مروج الذهب (2/284) و تأريخ الأمم و الملوك للطبرى (11/81) و الكامل لابن الاثير (7/20 - 39) و تجد أخبار خروج الطالبيين و العلويين على العباسيين في الكامل (5/243 - 253 - 265 271) و قد عنى غير واحد من المؤرخين بأخبار الطالبيين و العلويين الثائرين و تاريخ مقاتلهم و من أشهر هم في ذلك الطبرى و المسعودى و ابن الطقطقى صاحب الآداب السلطانية.

2- أنظر رواية ابن الاثير في الكامل(7/43 - 44)

 

العباسيون أنفسهم و منهم السفاح و المنصور، فكانت الدعوة الهاشمية المذكورة في أخريات عصور الدولة الاموية على جانب عظيم من التنظيم والقوة. و قد امتاز الدعاة الهاشميون بدهائهم و خبرتهم (1) والواسعة.

اتجه الدعاة في أول الأمر بعد سير أحوال بنى العباس و المقارنة بينهم و بين

 

/ صفحه 261/

الطالبيين إلى تفضيل الطالبيين، و لكن سادات أهل البيت من الطالبيين كانوا على جانب كبير من الورع فلم يعبأوا بالامر، و قد رفض بعضهم مقترحات الدعاة بشأن البيعة، و كان الامويون على و شك الاستفادة من انقسام الهاشميين لولا أن الدعوة نمت نمواً هائلا و سرت مسرى النار في الهشيم، وذلك لملاءمة البيئة لها، و هي بيئة مشبعة بالسخط و الثورة النفسية على سياسة الامويين، و هكذا كانت الدولة من نصيب بني العباس(2)

هذا على أن بعض المؤرخين، و أكثرهم من الفرنجة المستشرقين يغمرون العلويين بالعجز عن ا نتهاز الفرص، و أن العباسيين فاقوهم بالحزم و المضاء وبعد النظر في هذه الناحية.

و الواقع أن الطالبيين أكرهوا على الثورة في كثير من الاحيان لشدة طلب العباسيين لهم، إلى أن صارت الثورة على حكم العباسيين شعاراً لهم كما كانت من قبل على حكم الامويين. و قد انتهز بعض الطالبيين و العلويين طغيان الموالي والاتراك في الدولة العباسية و اضطراب الامور فيها بعد ذلك فقاموا بثورات عدة، و حاولوا الاستقلال بجزء من البلاد الخاضعة للدولة العباسية، و قد نجح بعض زعمائهم في إنشاء دولة لهم بطبرستان، و هي ا لدولة الزيدية العلوية، عاشت أكثر من مئة سنة (3).

المهدى ـ الهادى ـ الخيزران:

 

ـــــــــــ

1- يرجع في ما يتعلق بكفاية رجال الدعوة إلى الاداب السلطانية لابن الطقطقى (111 - 112) ط الرحكمانية في ا لقاهرة.

2- يرجع إلي الآداب السلطانية عن اتجاه الدعوه و كيف أعرض عنها الطالبيون و كيف بويع العباسيون، و انظر عن انتقال الأمر إلي أوائل بني العباس من أبناء عمومتهم المصدر المذكور (119 - 120) .

3- تجد أخبار هذه الدولة في التاريخ الكامل (7/49 - 51) وانظر أيضاً مادة طبرستان في معجم البلدان

 

أربت الفترة الواقعة بين موت المنصور و بيعة حفيده هارون الرشيد على عشر سنوات قليلا. بويع خلالها المهدى والهادى، و تعتبر هذه الفترة ـ على

 

/ صفحه 262/

الاكثر ـ امتداداً لخلافة السفاح و المنصور إذا استثنينا عناية المهدى بفتح بعض الطرق العامة، و توسيع عاصمته بغداد حتي ازدهرت فيها الصناعة و التجارة، و عني المهدى فيما عني بنظام البريد في المملكة (1) و كان شديداً في مؤاخذة المتظاهرين بالمذاهب الشاذة، كما كان أبوه يعيبه بالاسراف و التبذير، و ينسب ذلك إلى ضعفه و حداثته و استيلاء أعوانه عليه، و مما لا شك فيه أن المهدى كان مغلوباً على أمره لزوجته الخيزران، إذ كانت تدخل أنفها في كثير من الامور العامة، إلى أن حجر عليها ابنها الهادى بعد وفاة أبيه.

كانت الخيزران خائفة على نفسها من ابنها الهادى، شاعرة بأنه يحاول الفتك بها، فإنها رأت في نفسها الكفاية للمساهمة في إدارة شؤون الدولة، و قد كثرت الغاشية و ازدحمت المواكب على بابها بعد موت زوجها المهدى، ومرد ذلك على الاكثر إلي حداثة سن ابنها الهادى، إذ بويع بالخلافة و عمره نيف و عشرون سنة، فأرادت مشاركته في سلطانه، و حاولت غلبته على أموره، و كانت صلة رجال الدولة بها وصلتها بهم حديث المحافل في البلاد، كما كان الهادى يطوى نفسه على كثير من الاشجان والالام من أجل ذلك، فهو معروف بشدة الغيرة على حرمه، و لكن هذا الخليفة الشاب سرعان ما تنكر لامه، بل ثار عليها ثورة صاخبة، و خاطبها بعبارات جارحة فاضت على لسانه وكلها عذل و تقريع و تهديد و وعيد، ومن أجل ذلك ـ على ما يقول فريق من المؤرخين ـ سعت أمه في الفتك به قبل فتكه بها. و ذلك في مستهل السنة الثانية من خلافته(2).

هارون الرشيد:

 

ـــــــــــ

1- أنظر عن عنايته بنظام البريد تاريخ الخلفاء للسيوطي(107)

2- أنظر عن قصة الخيزران و علاقتها بموت الهادى وتضارب أقوال المؤرخين في ذلك تاريخ الطبرى (10/33 - 34)و المروج (2/184) و الكامل (6/40 - 41) و قد روى المؤرخون المذكورون نص خطاب الهادى لامه الخيزران الذي أحفظها عليه.

بلغت بغداد، بل بلغت الدولة العباسية أوج عظمتها و حضارتها في عهد الرشيد،

 

/ صفحه 263/

و هو عهد امتاز بالرخاء و الرفاه و الغنى و اليسار، حتي ضربت بذلك الامثال و حتي وضعت في ترف العباسيين و بذخ أعيان دولتهم قصص معروفة بعضها من نسج الخيال .

كان هارون ا لرشيد ـ كجده المنصور ـ من أبعد العباسيين نظراً و أثقبهم فكراً خبيراً بنزعات الشعوب و الاقطار الداخلة في حكم بني العباس مطلعاً على معظم ما يجرى في البلاد المذكورة إذا استثنينا أغلاطاً سياسية وقعت له ـ كما سترى ذلك.

معسكر الرقة

قواعد حربية للعباسين :

كان الخطر ماثلا أمام الرشيد و الفتنة واقعة لا محالة من ناحية البلاد المأهولة بعدد غير قليل من أنصار الأمويين و القبائل الموالية لهم، و في مقدمة تلك البلاد: ديار بكر و ربيعة في الشرق و الشمال، و ديار الشام في الغرب، بل كان الرشيد يعرف من ينسج غزل هذه الفتن من بني العباس الموتورين أنفسهم فضلا عن غيرهم، و لذلك فكر المنصور و فكر بنوه و أحفاده ـ و في مقدمتم الرشيد ـ في اتخاذ قاعدة عسكرية كبرى تكون عى مقربة من الشام أو متوسطة بينهما و بين الجزيرة، و من هذه القاعدة يشرف بنو العباس على ما يجرى في البلاد الواقعة شرقى الفرات و غربيه، فاختار الرشيد، «الرقة»(1) و زاد في أبنيتها التي بناها المنصور و أكثر من الاقامة فيها.

وصف المؤرخون طيب هواء «الرقة» و «الرافقة» كما لو كان طيب الهواء و عذوبة الماء فيهما علة العلل في انتقال الرشيد إليها. مع أن الرقة لم تكن إلا قاعدة من جملة قواعدهم العسكرية تشحن بالمقاتلة لدرء الاخطار التي قد تنجم من الغرب أو الشرق، ولولا ذلك ما فارق العباسيون عاصمة ملكهم بغداد (2)

 

ـــــــــــ

1- تجد سبب اقامة الرشيد في الزقة في الكامل (6/76 - 77).

2- أنظر عن الرافقة والرقة و عناية المنصور و الرشيد بهاتين الحاضرين معجم البلدان (2/734 - 735؟) ط «لا يبسك» و انظر الكامل لابن الاثير (6/76 - 77).

 

/ صفحه 264/

حنين العباسيين إلي بغداد:

كانت أغراض العباسيين العسكرية ـ كما قلنا ـ تفرض عليهم الصدود عن بغداد و الاكثار من الاقامة في الرقة، كما فعل المنصور و هارون الرشيد و غيرهما من خلفاء بني العباس، و قد أشار الرشيد نفسه إلي هذا الموقع العسكرى الممتاز الذي انفردت الرقة و تميزت به على بغداد، و ذلك لما اجتاز بغداد و عبر جسرها في طريقه من الرى إلى الرقة رأساً دون أن يقيم في العاصمة، و ذلك سنة 189، فقال ما هذا نصه: «إنى لا طوى مدينة ما وضع بشرق و لا غرب مدينة أيمن و لا أيسر منها، و إنها لدار مملكة بني العباس ما بقوا و حافظوا عليها. ما رأي أحد من آبائي سوء و لا نكبة فيها. و لنعم الدارهي، و لكن أريد المناخ على ناحية أهل الشقاق والنفاق و البغض لائمة الهدى و الحب لشجرة اللعنة مع ما فيها من المارقة والمتلصصة و مخبفي السبل، و لولا ذلك ما فارقت بغداد» (1) من هذه الجملة يتجلي رأي العباسين في فضل بغداد و حنينهم إلي الاقامة فيها، و حسرتهم على مفارقتها، لولا ما يعنيهم من الاشراف عن كثب على ما يجرى في بلاد الشام أو ما يجرى في ديار الجزيرة شرقى الفرات، و الاهتمام بقمع الفتن الناجمة من هناك، فما أن مات أبو العباس السفاح سنة 136 حتي طلعت الفتن بعضها في أثر بعض من تلك الاقطار طبقاً لما توقعها الرشيد.

الفتن تترى:

وها هي الاحداث تترى على عدوتي الفرات الاعلى و ما وراءهما شرقا و غربا بحيث لم يخل منها عصر من عصور العباسيين الاول بعد السفاح، فمن خلع إلي خلاف في أيام أبي جعفر المنصور إلى فتن عادت جذعة بين القيسية و اليمانية في الشام، و من مؤامرات لخلع الرشيد، إلى قتال دام بين الابناء المجندين من العجم وبين قبائل العرب، إلى أحداث أخرى تدل على أن هؤلاء الخلفاء الاول من بني العباس كانوا على صواب في تخوفهم من القلائل الناجمة عن تلك الاصقاع، و في استعدادهم لمواجهتها؟

 

ـــــــــــ

1- انطر رواية ابن الاثير لهذه الكلمة في الكامل (6/77)