/ صفحه 273/
لحضرة الكاتب الفاضل الدكتور محمد البهي
أستاذ الفلسفة في كلية اللغة العربية بالازهر
1 - الإسلام:
نظرة الإسلام إلي الحياة، هي نظرة مادية روحية:
الإسلام: هو رسالة من رسالات الله إلي خلقه من بني الانسان، جاءبها رسوله المصطفي محمد صلي الله عليه و سلم، و هي إذ كانت رسالة من رسالات الله فلا تختلف في جوهرها عن رسالات الله التي قام بالدعوة إليها الرسل ا لسابقون عليهم صلوات الله. فهي تدعو جميعا إلي عبادة الله، و إلي التمسك بالوصايا الخلقية التي تحدد الطريق السليم للانسان في هذه الحياة.
وعبادة الله معناها الاعتراف بقوة في هذا الوجود فوق قوة البشر جميعاً، و أن هذه ا لقوة هي الداعية للخير في هذه الحياة، و أن الخير الذي تدعوا إليه ليس هو متع الحياة و أطاييبهاالمادية، بل المعاني الفاضلية و القيم الخالدة: كالمحبة، و الاخوة، و الاحسان، و التعاون، و المشاركة في الوجدان و الاحاسيس الانسانية.
فرسالة الله إذن تقوم على اعتبار أن هناك أساساً معنوياً لهذا الوجود لا يقل عن ا لاساس المادى المشاهد فيه. و الحياة في نظر الدين لها صفحتان: صفحة محسوسة و هي تلك المتع الظاهرة التي تتصل بمطالب الجسم، و صفحة أخرى معنوية
/ صفحه 274/
و هي التي تتصل بنفس الانسان أو روحه. و الامور المادية، و الاخرى المعنوية تتكون منها حياة الانسان و وجوده.
و اذن النظرة المادية الصرفة إلى الوجود و الحياة لا تعبر تماما عن الوجود كما هو والحياة كما هي و كذلك النظرة الروحية المحضة لاتمثل واقع الأمر في الوجود و الحياة.
والإسلام كرسالة من رسالات الله قام على اعتبار الجانب المادى والجانب الروحي للوجود و الحياة، و عالج نفس الوجود و نفس الحياة من زاوية الاساس الذي قام عليه:
فاعترف بالفرد، و بالاسرة، و بالامة و الشعب، و بالعالم الانساني.
1 - منهجه للفرد بما يحقق الموازنة بين روحه و جسمه:
قوم الفرد لذاته، و اعترف بشخصيته الوجودية. و عن اعترافه بالفرد و بقيمته الذاتية خط له ا لطريق في الحياة، و أمنه فيه
من أن ينحرف. فرسم له كيف يقوى صلته بربه، و كيف يعشق الخير لذاته عن طريق هذه الصلة. لانه إذا عرف ربه كمصدر للخير، وللمعاني و للقيم الرفيعة، أدرك الخير الذي يتمثل في هذه المعانى و القيم و وقر في نفسه حبها. و إذا أحب الانسان الخير لذاته فعل الخير دون أن يترقب جزاء عليه ; فعله لنفسه و غيره: ومن هو قريب منه، و من هو بعدى عنه.
وكما رسم له طريق الاتصال بربه ـ رسم له طريق معاملة نفسه، و معاملة غيره في محيطه الضيق أو محيط الانسانية العام. والحدود التي يعامل نفسه و غيره.
هي ألا يضرنفسه و لايضر غيره. و هذا يحتمل أن ينفع نفسه و لا يضر غيره، أو يكتفي بموقف عدم الايذاء لنفسه و غيره. فإيجابيته في ا لحياة: إماأن تتعدى عدم الاضرار و الإيذاء إلى إيصال الخير و النفع في صورة من صوره إلى نفسه و غيره، أو تفف عند حد عدم الاضرار و الإيذاء.
/ صفحه 275/
للانسان ملكات و استعدادات فطرية: الانسان يميل إلي الاطلاع و العرفة، و يميل إلي السعي و الحركة في الحياة، و يميل إلي حفظ البقاء. فإذا نمى هذه الاستعدادات و الميول، و اتجه بها الوجهة الصحيحة في الحياة، و جنبها الانحراف ـ كان عندئذ خيراً نافعاً لنفسه و غيره.
إذا اتجه بميله إلي الاطلاع و المعرفة نحو ما يصور الحقيقة و واقع الأمر كما هو، و بميله إلي المشاركة الوجدانية إلي ما يعين غيره في صورة القول أو الفعل; في صورة القول المهذب أو القول بالمعروف، و في صورة فعل البربه، و معاونته بما يحل الأمته أو يدفعه إلي التقدم في حياته الاقتصادية، و بميله إلى السعى و الحركة في الحياة نحو ما يكون منه عاملا منتجاً في الحياة لامخربا أو هداما فيها، و بميله إلي حفظ البقاء، نحو بقاء شخصه و نوعه الذى يتمثل أولا في الحرص على أسرته الخاصة بقاء أدبياً قبل البقاء المادى، بقاءً يعد في جماعته و يعتبر كمثل فيها أو بقاءً يسجله تاريخ قومه أو تاريخ الانسانية ـ إذا اتجه بميوله هذه الاتجاهات، فهو انسان خير لنفسه و غيره.
وإذا اتجه بهااتجاهات أخرى: كأن يتجه بالمعرفة إلي ما يشبع غرائزه لا إلي ما يصقل عقله أو يوقفه على الحقيقة كما هي، و يتجه بباقي الميول و الاستعدادات نحو هذا الاتجاه ـ كان إنسانا ضاراً لا خير فيه لا لنفسه و لا ليغره ; كان إنسانا منحرفاً عن خط الاستقامة في السير في الحياة، و عن خط الهداية الذي يحدده العقل للانسان المنتج المثمر في الحياة، و الذي ينصح به الإسلام ـ و كل دين سماوى في رسالته الاولى ـ الإنسان المبتغى سعادة نفسه و سعادة غيره.
ميول الانسان و استعداداته الفطرية يمكن أن يتجه بها الانسان وجهة مادية محضة، و عندئذ لايكون هو الانسان صاحب العقل و الادراك. و يمكن أن يتجه
المزدوجة. ليس واحد من صاحبي هذين الاتجاهين بالانسان ا لذى تريده الحياة، و لا بالانسان الموجه من قبل الإسلام.
/ صفحه 276/
الإسلام لا يريد في توجيهه عكس ما في طبيعة الانسان، و لا مناوأة الحياة الواقعة. و إنما يريد التوفيق بين ما في طبيعة الانسان نفسه و واقع الحياة كما هي .
و رسالة الله بين خلقه من البشر لا تختلف أبداً عن طبائعهم، و لا تتعارض كذلك مع حياتهم. إنما هي رسم لمنهج بيلائم الامرين معاً، يلائم طبيعة الانسان و حياة البشر. قصد به تجنيب الانسان الزلل و الانحراف عن طبيعته في حياته.
الانسان المادى في نظرته إلى الحياة و في تنمية استعدادات نفسه الفطرية و في علاقته بالآخرين في جماعته و في عالمه ـ انسان لا يسير وفق الطبيعة الانسانية كما هي، بل هو إنسان منحرف.
والانسان الروحي في فهمه للحياة و في سلوكه فيها إنسان ارتفع من هذه الحياته و بنى له عشاً في عالم آخر. و هو ليس ذلك الانسان الذي أرادالله بتوجيه إياه أن يسكن هذه الحياة، و يعمرها، و يستخدم ما فيها من جوانب مختلفة لمصلحة الانسانية و خير البشرية عامة.
اذن، الانسان المادى الروحي هو إنسان هذه الحياة، و إذن التوجيه المادى الروحي للانسان هو التوجيه السليم، و إذن رسالة الله للانسان لا بد أن تتضمن هذا اللون من التوجيه، و إذن استقامة الانسان نفسه و استقامة جماعته و علله يتوقف
على التوجيه المزدوج، على توجيه الانسان صاحب الروح و البدن، و صاحب الادراك العقلي يصعد به إلي وراء المادة، و صاحب الحركة الجسمية التي تقيده بأرض هذه الحياة:
للفرد أن يملك في الإسلام، ولكن ليس له أن يطغى بما يملك على غيره.
و للفرد أن يفكر كما شاء و حيثما شاء، و لكن لا يصح أن يلحق تفكيره ضرراً بغيره. للفرد أن يعتقد فيما يشاء وبما ايشاء، ولكن لا يصح أن يفرض ما يعتقد على غيره، و لا أن يعتقد ما يسيء إلي كرامته كإنسان له منطق و إدراك. للفرد أن يفترق، و لكن في زواجه و في افتراقه يجب أن يتزوج، و له بعد أن يتزوج أن يكون بعدياً عن الإيذاء المادى و النفسي في عشرته و فرقته، يجب أن يكون
/ صفحه 277/
بعيداً عن الاعتداء في أية صورة من صوره. للفرد أن يبيع و يشترى، و يكسب في بيعه و شرائه، ولكن يجب ألاّ يكون في كسبه ما يؤذى غيره عن طريق الغش و الخداع، أو عن طريق الجشع في الريح، أو انتهاز فرصة من الفرص.
الابن قريب إلي نفس الوالد و من نفسه، ولكن ليس للوالد أو للولد إيذاء الاخر فيما يملك و يقتني. الزوجة هي العضو الثاني في الاسره. و لكن ليس للزوج بما عليه من حق الانفاق عليها أن يعتدى عليها في مالها، أو يؤذيها بنابى القول في حال فقرها، و ليس لها بثرائها أو بزيادة حظها في المعرفة أن تدل عليه أو تسخر منه.
للضعيف حقه في الحياة، و المنتسب إلى الأقلية حقه في الحياة كالمنتسب إلى الاكثرية، وللوضيع حقه في الحياة كالشريف.
ب ـ منهجه للجماعة بما يحقق العدالة في الترابط بين الجماعة و الافراد:
و قوم الإسلام الاسرة على أن لكل عضو من عضويها حقه فيها و عيه واجبه نحوها. أما الواجب فتمليه طبيعة كل عضو منهما: على الرجل أن يسعي لينفق، و على المرأة أن تدير بيتها و ترعي أولادها وشئون زوجها. و أما حق كل منهما قبل الاخر فيحدده الهدف من الاسرة: و هو الانسجام والتعاون في العشرة و في الحياة. فإذا استحال الانسجام المطلوب إلى
خصام دائم سقط حق كل منهما قبل الاخر، و كانت الفرقة بينهما أولي من بقاء الرباط الظاهرى، و هو رباط الزوجية المفك.
و نظم حال كل من عضوى الاسرة بعد الافتراق لمدة معينة، حتي يستطيع كل منهما تدبير أمر نفسه، و نظم حال أولادهما بما يصون لهم حنان الام في صغرهم، و يكفل لهم توجيه الاب ـ كرب للاسرة ـ بعد اجتيازهم مرحلة الطفولة الاولي، و بعض الثانية:
أما في حال بقاء الزوجة و الزوج معاً فرعاية الاولاد منهما مضمونة بجنان الام و توجيه الوالد معاً، في فترات نموهم حتي بلوغهم الرشد.
/ صفحه 278/
ونظر إلي الامة و الشعب نظرة مزدوجة: كجماعة و كأفراد، للجماعة واجبات على الافراد، و عليها حقوق لهؤلاء الافراد. و بالتالي على الافراد واجبات يؤدونها للجماعة، و لهم حقوق تعطي لهم من هذه الجماعة، فعلي الجماعة و هي الممثلة الآن في ا لدولة ـ أن تهىء للأفراد، و هم رعاياها، فرص الحياة المختلفة: فرصة العمل، فرصة التعليم، فرصة التداوى و التمريض. و لمن يعجز عن العمل لعاهة مستديمة أو مؤقتة يجب على الدولة أن تكفل له لون الحياة الذي ارتضاه لنفسه قبل عجزه و قعوده بسبب هذا العجز عن العمل، و كذلك تكفل لمن وجبت عليه نفقة معيشته في الحياة، حسبما كان يؤديها ذلك العاجز قبل عجزة.
و للجماعة ـ و هي الدولة ـ نظير ذلك أن تتقاضي من الافراد ضريبة الدم في الدفاع عنها عند الاعتداء عليها، و قسطاً معينا من أرباحهم المالية ـ التجارية أو الزارعية ـ و قسطا معينا مما اكتسبوه بخبرتهم، و فنهم، و معرفتهم، فأرباب الخبرة الهندسية و القانونية و رجال العلم و المعرفة و أصحاب الانتاج الفني كالكتاب الدباء يجب ألا يحبسوا خبرتهم و علمهم و فنهم عن مواطنيهم و دولتهم، و للدولة أن تجندهم وقت الضرورة لدفع الكورث ،أو لتحقيق مستوى رفيع من العيش صحيا و اجتماعيا للمواطنين.
وللأفراد أن يتملكوا ما يشاؤون من ضروب الملكية، و يستمتعوا بحرية إبداء الرأي و حرية العقيدة، و ليس للدولة أن تتدخل في ذلك إلا بمقدار مايصون حقوق الغير، أو الاساس العام للجماعة الذي يتمثل في نظامها الاسلامى.
و هنا وضع الإسلام نظاما دقيقا لحقوق الجار على جاره، و القريب البعيد و القريب على قريبه، و سكان القرية الواحدة على أهلها (زكاة الفطره مثلا)
و هكذا ابتدأ في تحديد السلوك والمعاملة: من الفرد نحو نفسه، ثم منه نحوغيره في أسرته، ثم منه نحو غيره من مجاوريه في السكن، ثم منه نحو أهل قريته، ثم منه نحو أهل القرية المجاوة، ثم منه نحو الدولة العامة و هي جماعته.
و هذا النظام نظام نفسي و مالي: يتمثل في المشاركات الوجدانية، في حالات
/ صفحه 279/
الحزن و حالات المسرة، و اللطف في المعاشرة، و اللين في المجادلة و المناقشة، و اليسر في التعامل... كما يتمثل في الزكاة و الاحسان في جميع صوره المادية.
ج ـ منهجه لجماعة نحو جماعة أخرى بما يحقق السلام و تبادل المنافع بينهما:
و نظر إلي صلات الأمم بعضها ببعض على نحو يقوى الروابط فيما بينها و يدعم السلام في علاقات بعضها ببعض، و يكفل تبادل المنافع الاقتصادية و العلمية لرفع مستوى شعوبها.
و من جانب آخر دعا إلي دفع الاعتداء من إحداها على الاخرى. و إلي المشاركة في دفع هذا الاعتداء عند ما تطلب الامة المعتدى عليها المعاونة في ذلك.
وفي دفع هذا الاعتداء يطلب الإسلام من أفراد الامة مقاومته كل بما يستطيع و على النحو الذي يجيده.
و لا ينظر في معاونة دفع الاعتداء إلى الاتحاد في العقيدة، بل لامة إسلامية أن تنقذ أمة مسيحية من اعتداء أمة أخرى عليها. لانه يوجب دفع الاعتداء من حيث هو اعتداءٌ أما ممن وقع؟ و على من وقع؟ فليس هذا و ذاك من الاسباب التي تحدد مشروعية وجوب دفعه.
* * *
2 - الدراسات الاسلامية و العوامل التي تأثرت بها:
رسالة الإسلام هي على نحو ما أوضحنا: الإسلام يبغي استقامة الفرد في سلوكه و يبغى توجيه و جهة انتاجية في الحياة. و ذلك عن طريق التوفيق و الملاءمة بين حاجات العنصرين الاساسيين فيه، و هما المادة و الروح، و محاولة إيجاد وحدة منسجمة بينهما.
و يبغي قوة الجماعة، و يرى هذه القوة في تكتلها، و يرى طريق هذا التكتل
/ صفحه 280/
في ضرورة المبادلة بين حقوق الافراد و واجباتهم في هذه الجماعة، و يرى المظهر الواضح للتكتل في السير نحو غاية واحدة و هدف واحد في ا لحياة.
و يبغي سلام العالم جميعه. و يرى هذا السلام في دفع الاعتداء في العالم، و المساهمة الجماعية في دفعه، و في تبادل المنافع الادبية و المادية في علاقات الشعوب بعضها ببعض، و يرى أن مظهر السلام في العالم يبدو أيضا في اتجاه الشعوب إلي التعاون الوثيق من أجل غاية واحدة. هي القربي من «الله».
و الإسلام إذ يحدد غاية العالم بالله: قد حددها بالخير العام للبشرية جميعا: لانه إذ ينادى بتقوى الله يضمن ذلك نصح ا لناس بأن يراقبوا «الله» في أعمالهم فلا يحكموا الهوى و ا لمنافع الشخصية البحتة في هذه الاعمال، و لا يقصدوا إلى الإيذاء و الاضرار الخاصة و العامة بأدائها. و من هنا يكون النداء بتقوى الله هو النداء بالخير العام، و القربي إلي الله هي القربي عن طريق هذا الخير العام.
كما أنه إذ ينادى بعبادة الله، و باتخاذ الله الغاية الاخيرة في الوجود ـ يضمن ذلك توجيه الناس إلى أن اتجاههم في الحياة يجب أن يكون نحو الخير العام.
و كلما ابتعد الانسان في صنع الخير و تجاوز به حدود نفسه إلى غيره في جماعته أو في جماعات أخرى، كان أدخل في
عبادة الله، و أقرب إليه.
رسالة الإسلام إذن هي «الوحدة» أو «الانسجام»: في دائرة الفرد بين قوى النفس المختلفة، و كذا بين النفس من جهة و الجسم من جهة أخرى، و في دائرة الجماعة بين إنسان و آخر، و في دائرة البشرية بين أمة و أخرى، ثم بين الشعوب جمعيا.
* * *
إذا كانت هذه هي رسالة الإسلام فلم تفرق المسلمون؟
ولم جادل بعضهم بعضاً في الرأي؟
ولم اختلفوا في تفسير الإسلام و تعاليمه؟
ولم نشأ عن بعض هذه التفسيرات من المذاهب ما أنكره فريق باسم الإسلام و ماصوره هو نفسه فريق آخر بأنه الصورة النقية للاسلام؟
/ صفحه 281/
لم تبدل ـ بالاختصار ـ حال المسلمين، و اتجاه المسلمين في التفكير، و أصبحوا قوميات و شعوبا و لم يبقوا أمة واحدة ; و أصبحت لهم رسالات مذهبية متعددة بدل رسالة دينية عامة واحدة؟
إن الدراسات التي نشأت حول الإسلام و حول مصدره الاول و هو القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة منذ الدعوة الاسلامية (610 ميلادية) إلي الآن تأثرت بعدة عوامل، و كان لهذا العوامل أثرها في نمو هذه الدراسات و تطورها من جهة، ثم في بعد بعضها عن أن تكون صورة صادقة واضحة للاسلام كماجاء بها القرآن و شرحتها السنة النبوية الصحيحة من جهة أخرى. ثم من جهة ثالثة أحدثت هذه العوامل من ألوان الفرقة و القطيعة بين المسلمين ما جعل منهم في عهود ضعفهم السياسى وركودهم الذهنى شعوباً و جماعات تكاد تتقابل أو تتباين، بدلا من أن تكون متآخية أو متقاربة في السير و في الغاية في الحياة.
و أهم هذه العوامل ـ حسب و قوعها التاريخي ـ هي:
العامل الاول: الاحداث السياسية الداخلية الاولي:
بعد وفاة الرسول صلي الله عليه و سلم و قبل دفنه، اختلف المسلمون في المكان الذي يدفن فيه: أيدفن بالمدينة و هي مقر الانصار؟ أم يدفن بمكة و هي الموطن الاول للدعوة الاسلامية، ثم هي مكان المهاجرين؟
و لم يحسم هذا الخلاف بين الفريقين إلا تلاوة ذلك الحديث: (الانبياء يدفنون حيث يموتون) فنذكره الطرفان.
و بعد دفنه صلي الله عليه و سلم اختلف الفريقان أيضاً: من يقوم بشئون المسلمين العامة و يخلفه في التوجيه و القيادة؟ و اتسعت فجوة الخلاف حتي نادت الانصار بأن يكون منهم أمير، و نادى المهاجرون بأن يكون منهم أمير كذلك، و انتهي الأمر بتولية أبي بكر.
ومنذ ذلك اليوم ابتدأت الانظار تتجه إلي الخلافة، و إلي عمل الخليفة أو الامام.
وابتدأ الرأي يتشعب حول هذا المركز الخطير و المؤهلات التي يجب أن تتوافر فيمن يشغله كما ابتدأ ينقسم حول تكبيف العمل الذي يقوم به شاغله بالفعل.
/ صفحه 282/
فهل يشترط في الخليفة أن يكون من بيت الرسالة، أم يكفى أن يكون معروفا بالكفاية الذاتية و الدينية لتولى هذه الوظيفة و لو لم يكن من بيت الرسالة و من قبيلة الرسول؟
و لا يهمنا في هذا البحث أن تحقق باعث الخلاف في الرأي سواء حول الامامة العامة و مؤهلاتها، أو حول تقدير عمل الامام و الحكم عليه ـ أيرجع إلي الرغبة في تحرى الحق وحده و معرفة وجه الصواب، أم إلى عاطفة من العواطف الشخصية و إن كان الذي يذكر في كتب التاريخ هنا أن هذا الفريق أو ذاك قصد الحق في رأيه، وأنه بخلاف أراد أن بجنب الجماعة العمل بما يخالف الإسلام. كما يذكر أيضاً أن كل فريق حاول أن يبرر رأيه من الكتاب و السنة. يستشهد بالنصوص على رأيه، و قد يحملها حملا على رأي رغب فيه.
إنما الذي يهمنا الآن أن الجماعة الاولي التي كانت واحدة ابتدأت الآن تحت تأثير العنصر القبلى أو العنصر السياسى (حول مسئولية الخلافة العامة) تنقسم إلي أحزاب. لكل حزب رأيه، و مبررات هذا الرأي من الدين. و أصبح المؤرخ السياسي الثقافي و الاجتماعى يسجل لكل من «الخوارج» و «الشيعة» نشاطه في تاريخ الثقافة الاسلامية كحزبين متقابلين. و اتسع الأمر بعد ذلك في أيام معاوية حتى قام إلى جانب هذين الحزبين فريق المعتزلة، أصحاب القول بالاختيار و بأن الانسان مسئول عن عمله و تصرفاته بناء على أنه صاحب إرادة و صاحب حرية في أفعاله، و فريق أصحاب القول بالجبر الذين ينادون بسلبية الانسان في الحياة فيما يرى له من أعمال، و يرجعون العمل جميعه في هذا الوجود صغيره و كبيره إلى الله تعالي.
و في واقع الأمر قامت هذه الاحزاب جميعا بدور واضح في شرح تعاليم الإسلام و أصوله، و تكونت من شروحها عدة مدارس تعتبر متقابلة و متفاوتة في وجهات النظر، و إن تأثرت جميعها بالجانب السياسى السائد في توجيه الجماعة الاسلامية.
ففريق الخوارج له رأيه الخاص في الحكومة و رياسة الدولة، و الشيعة لهم رأيهم
/ صفحه 283/
في ذلك، و هو مختلف عن رأي الخوارج، و حزب المعتزلة له رأي في ذ لك يعد و سطابين رأيى الخوارج و الشيعة ثم من وجهة أخرى له رأي في صلة الفرد بالدولة و بسلطان الدولة على الفرد يعتبر مقابلا تمام المقابلة لاصحاب الجير.
ثم حزب «الجريين» في تحديد صلة الفرد بالدولة و برئيسها، يرى عكس ما يراه حزب «المعتزلة» و هكذا أصبح في الثقافة الاسلامية للشيعة فقه، و لاهل السنة فقه، و للمتأولة تفسير للقرآن، و لاهل التفويض و النص تفسير آخر. و هكذا تمكن التوجيه السياسي، و إدارة دفة الحكم في الجماعة الاسلامية، و أوحى باختلاف الجماعة الاسلامية إلى أحزاب يتميز رأي بعضها عن بعض في كثير من المسائل و المشكلات.
ولهذا جعلنا الأحداث الداخلية و العنصر السياسي عاملا من العوامل التي تأثرت بها الدرسات الاسلامية من جهة، و
جعلت بعض آرائها ربما لا تمثل الإسلام تمام التمثيل من جهة أخرى. و ربما يرجع عدم تمثيل بعض هذه الاراء للاسلام تماما ـ إلي أن الرأي كان يتبلور أولا عند رجال الحزب تحت تأثير الحدث السياسي، ثم تحصل محاولة انتزاعه من أصول الإسلام، أو تبريره من وجهة نظر الإسلام بعد ذلك. و الوضع الطبيعي في تفسير تعاليم الإسلام هو العكس.
العامل الثاني: النقافة الاجنبية القديمة:
دخلت الثقافة الاجنبية القديمة الجماعة الاسلامية، و قد تكون بعض الاحزاب فيها و دخلت ; إما عن طريق اختلاط حملة هذه الثقافة بالمسلمين و مجادلتهم إياهم في مسائل كانت تعرض للبحث، أو عن طريق النقل و الترجمة. و كانت هذه الثقافة فكرية ميتافيزيكية، أو رياضية، أو طبيعية، أو نزعات دينية صوفية، و غير صوفية، و سماوية، و وثنية، و غربية و شرقية: اغريقية و هندية و فارسية.
و الجماعة الانسانية طالما كانت متماسكة و متحدة، لا ينزع أفرادها إلي الدخيل من النقافة و العادات، على أن لهذا الدخل قيمة إيجابية في حياتهم، بجانب ثقافة الجماعة الخاصة، و عادآنهاالتي تغلبت عليها. لان تماسك الجماعة و تكتلها يكون
/ صفحه 284/
في واقع الأمر عن طريق اعتزاز أفرادها بمقومات هذه الجماعة. و مقومات أية جماعة إنسانية تتمثل في دينها، و لغتها، و عاداتها، و خصائطها في حياتها، و فهمها للوجود الخاص و الوجود العام.
فإذا انقسمت الجماعة إلي شيع و تحولت إلي أحزاب، و إذا اشتبكت شيعها و أحزابها في جدل عقلى، و تخاصمت في الرأي ـ أصبحت المقومات الاساسية للجماعة في المحل الثانى بعد آراء الاحزاب و الشيع، و أصبحت هذه المقومات بالتالي وسيلة لاغاية. تتخذ منها الاحزاب مادة للبرهنة على صلاحية الآراء الحزبية و إذا احتلت الآراء الحزبية الوضع الاول في الجماعة بعد انقسامها و تحزبها، و وضعت المقومات الاساسية للجماعة فى الموضع الثانى بعد هذه الاراء واستغلت لتدعيمها ـ فان الدخيل من الثقافات الاجنبية قد ينظر إليه في هذه الجماعة عى أنه السبيل الذي يستعان به،
و المصدر الذي تستوحي منه الحجة و البرهان لترجيح رأي لحزب على رأي آخر لحزب آخر. أي تصل منزلة إلي الدخيل المحبوب، أو الدخيل المرجي.
وهذه الحال للجماعة الانسانية بشقيها بالنسبة للنقاقة الاجنبية لم تتخلف عن الجماعة الاسلامية في وحدتها، و بعد انقسامها: فعندما كانت و حدتها حقيقة واقعة كان يسيطر عليها الاباء إزاء «الدخيل» على العموم، و عندما استحالت إلي جماعات، و تحول الرأي فيها، إلي مذاهب أو مدارس ـ طلبت «الدخيل» وجدت في الملاءمة بين ما هو خاص بها و ما يحمله هذا الدخيل.
وإذن: إذا قيل الآن أن العصر العباسي كان المسرح الزمني لدور الثقافة الدخيلة، فمعني ذلك أن الجماعة الاسلامية وصلت عن طريق انقسامها إلي شيع و أحزاب في هذا العصر إلى الحال التي لا بد منها لكل جماعة إزاء كل دخيل، و هي حال القبول أو التعاون مع هذا الدخيل، إن لم يكن حال الاستنجاد به، أو الدفاع عنه.
و هنا في العصر العباسى برزت الثقافة الاجنبية القديمة من أغريقية و فارسية
/ صفحه 285/
و هندية كعامل مؤثر في الدراسات الاسلامية أو كعامل موجه فيها، و لم تقف هذه الثقافة على هامش الحياة في الجماعة الاسلامية، و لم تحتك فقط بالجوانب غير الرئيسية فيها و إنما اتصلت بالموجه الاصيل فيها و هو القرآن الكريم و سنة الرسول عليه الصلاة و السلام. و إذن فقد اتصلت بالاساس الذي دارت و تدور حوله الدراسات الاسلامية، و عن هذا الاتصال رأينا اتجاهات لم تكن معهودة من قبل في الجماعة الاسلامية: و عن هذا الاتصال رأيتااتجاه الفلاسفة، و اتجاه المتصوفة، و اتجاه أهل الباطل، و اتجاه أرباب الظاهر، بجانب اتجاه المتكلمين على اختلاف فرقهم، و الفقهاء على تعدد مدارسهم.
و رأينا الإسلام في جانب الله يفسر في ضوء المدرسة الارسطية الاغريقية مرة، و في ضوء الزرادشتية و المانوية الفارسية مرة أخرى، و في ضوء البرهمية الهندية مرة ثالثة، و أحيانا في ضوه الوثنية المصرية القديمة مشتبكة مع بعض
المدارس الفلسفية الاغريقية مرة رابعه... و هكذا.
و رأينا فريقاً من علماء المسلمين لا يسايرون الرأي العام الاسلامي إلي وقتهم في فهم تعاليم الإسلام، و يميلون إلى شرح غريب منه: مفاده أن الإسلام له باطن وظاهر، و أن ظاهره لعامة المسلمين و باطنة لخاصتهم، و هم العلماء ـ يعنون أنفسهم و بناء على هذا الشرح فرسالة الإسلام متفاوتة بين العامة و الخاصة، و هذا وضع يختلف تماما عن وضع الإسلام على عهد صاحب الرسالة عليه الصلاة و السلام:
إذ كان الامي و المتعلم سواء، و أهل الحضر كسكان البادية، و الاعرابي البعيد عن التفقة كالفقيه من «الصحابة» عليهم رضوان الله في التكليف بالاسلام و العمل بتعاليمه.
و رأينا القرآن يفسر مرة برأي أرباب «وحدة الوجود» من المتصوفة كما قد يفسر برأي الطبيعيين من فلاسفة الاغريق في أصل العالم و الافلاك و عقولها، كما قد يخرج كثير من آية على أنها نمط من التمثيل أو على أنها ضرب من ضروب المجاز و المبالغة فى الوصف.
/ صفحه 286/
ألوان من الحزبية المذهبية، و المدرسية، و العقلية برزت في العصر العباسى على أثر دخول الثقافات الاجنبية في الجماعة الاسلامية، و شتات مختلف من التراث العقلي و الديني القديم اختلط بالتعاليم الاسلامية الاصيلة، و أفهام متعددة و ربما متضاربة ـ لرسالة الإسلام في الحياة الانسانية ـ أصبحت في الجماعة الاسلامية حقائق واقعة كنتيجة لدخول الثقافة الاجنبية فيها، و سيطرتها على فريق من المشتغلين بالمعرفة من علماء المسلمين.
ذات الله أصبحت مشكلة تختلف فيها الافهام، و تحتك فيها العقول عن طريق الجدل و الحجة، بعد أن كانت واضحة للمسلم ا لاول.
و علاقة الانسان بالله أصبحت مشكلة ينقسم فيها الرأي إلي التقابل و التضاد، بعد أن كان المؤمن السابق يميزيين مجال نفسه و مجال خالقه في يسر و وضوح.
والرياسة العامة للمسلمين أصبحت مشكلة بدورها، و لا يخضع الرأي فيها للدين وحده، أو للمنطق و حاجات الجماعة معه، بعد أن كان الاتجاه في العمل إلى الله و في سبيل الله.
و الزهد في السلوك العملى أصبح مشكلة فنية بعد أن كان مشكلة بين المعالم و الحدود.
و القرآن نفسه ـ و هو رسالة الله، و من الله وحده، و لله خالصا ـ أصبح يجذب في تفسير إلى معرفة الانسان التي اتسمت باسم الفلسفة، أو إلي تصورات الانسان في الكون التي آلت إليه عن طريق الاعتقادات السابقة في شعوب الاريين أو الساميين، أو الحاميين. و هكذا أضحي الإسلام مشاكل، و أضحت حلولها وقفاً على الجدل النظرى.
و الشهرستاني ـ و هو في مقدمة المؤرخين للحياة الثقافية على عهد العباسيين يؤرخ لعشرات من الفرق الاسلامية، وغير الأسلاميه ولعشرات من الملل و النحل التي بقى طابعها الاصيل عالقاً بها، و لعشرات من المذاهب الفكرية و البصرية التي
/ صفحه 287/
تنتمى في أصلها إلى بعض تعاليم الإسلام، أو التي هي من أصل أجنبى عنها، و يذكر ذلك كله على أنه العناصر التي تكونت منها صورة الحياة الثقافية في وقته، و هو القرن السادس الهجرى، أو الثالث عشر الميلادى.
نمو مطرود في التراث الثقافى الاسلامي، و تنوع متزايد في الاتجاهات في الحياة الثقافية للجماعة الاسلامية، و تعقيد متواصل لحلول المشاكل، و إغراق في الجدل النظرى حول شرح هذه المشاكل، و تفتيت مستمر لوحدة الجماعة، و نفرة واضحة في الخصومة بين أحزابها و شيعها.
كل ذلك يرسم لنا الخطوط العامة التي تميزت بها الجماعة الاسلامية بعد دخول الثقافة الاجنبية فيها و اشتبا كها مع الثقافة الاصيلة و التوجيه الاصيل فيها، و هي ثقافة الإسلام، و توجيه كتاب الله.
كل ذلك يرسم لنا الخطوط العامة التي تميزت بها الجماعة الاسلامية بعد دخول الثقافة الاجنبية فيها و اشتبا كها مع الثقافة الاصيلة و التوجيه الاصيل فيها و هي ثقافة الإسلام، و توجيه كتاب الله .
و أنت ـ بعد أن وضحت هذه الصورة في الجماعة الاسلامية و أصبحت طابعاً لها فترة طويلة يردد فيها العقل النظرى لعلماء المسلمين هذه المذاهب و الاتجاهات السابقة، و يخاصم فيها هؤلاء العلماء بعضهم بعضاً، غير ملتزمين فى بعض الاحيان طريق الجدل العلمي في الخصومة العلمية، و يبرز فيها العقل العملى للمسلمين شعائر و عادات قد تباين منهج المسلمين الاول في سلوكهم و معاملاتهم.
و قد ارتفع في هذا المجال صوت باحث عد غريباً عن أصوات البقية الباقية، هو صوت ابن تيمية في آخر القرن السادس الهجرى أو في القرن الثانى عشر الميلادى.
ارتفع هذا الصوت بالثورة على الوضع القائم للمعرفة في وقته، و على الاسلوب الذي تعالج به، و على طريقة التفكير، و ندد بمذاهب التوجيه المختلفة التي كانت معروفة على عهده، و أوضح آثارها السلبية على الإسلام نفسه، و على الجماعة الاسلامية، و رسم طريق الخلاص من هذه المجال صوت باحث عد غريباً عن أصوات البقية الباقية، هو صوت ابن تيمية في آخر القرن السادس الهجرى أو في القرن الثانى عشر الميلادى.
ارتفع هذ الصوت بالثورة على الوضع القائم للمعرفة في وقته، و على الاسلوب الذي تعالج به، و على طريقة التفكير، و ندد بمذاهب التوجيه المختلفة التي كانت معروفة على عهده، و أوضح آثارها السلبية على الإسلام نفسه، و على الجماعة الاسلامية، و ربط بينها و بين حال الذلة و الضعف التي آل إليها المسلمون في ذلك الوقت، و رسم طريق الخلاص من هذه الحال بوجوب الرجوع إلي طريقة السلف ـ و هم الجماعة الاولي ـ في فهم الإسلام. و هذه الطريقة الاخذ بالقرآن على نحو ما أخذ به السلف في وقتهم، والحيطة في تقبل الاحاديث، و تضييق
/ صفحه 288/
دائرة الرأي و القياس في الاحكام الفقيهة، و الوقوف عن التأويل و كثرته في معرفة الله، و الايمان ـ بدلا عنه ـ بما ورد في هذا الشأن على نحو ما كان عليه السابقون.
و رأي أن هذا العلاج سيرد الجماعة الاسلامية إلي وحدتها، و تماسكها، و سيحفظ للاسلام قوة الايمان به في نفوس
المنتسبين إليه.
ولكن هذا الصوت الذي صاح به ابن تيمية جلب عليه التعذيب في السجن إلى أن مات فيه، كما أوجد ثورة عقلية أخرى عليه و على مذهبه من أتباع المذاهب التي سادت في وقته و التي وصفنا امرها سابقا.
و عندئذ استمر الحال على هذا النحو إلي أن جاء القرن التاسع عشر و اتصل الغرب صاحب الحضارة الصناعية المادية بالشرق صاحب الثروات الثلاث: صاحب الثروة الأرضية مما في جوفها أو ينبت على ظهرها، وصاحب الثروة البشرية التي تتمثل في قوة النسل فيه، وصاحب الثروة الروحية التي يصورها القرآن الكريم، والتي تتركز في وحدة الالوهية، وفي وحدة البشرية، وتساوي الناس فيها بتساويهم في الحقوق والواجبات، ووحدة الفرد في ذاته وأمام غيره في جماعته بالاعتراف بحرماته ويإيجابيته فيها، وفي وحدة المسلمين وتكافئهم في هذه الوحدة بمقاومة الولاية عليهم لأجنبي عنهم في دينهم .
العامل الثالث: الاستعمار الغربي في القرن التاسع عشر:
اتصل الغرب صاحب القوة الصناعية بالشرق صاحب الثروة المادية اتصال المستعمر المستغل ; المستغل لكل مصادر هذه الثروة، واضطر أن يتصل به كذلك اتصال الموجه الذي ادعى لنفسه رسالة إنسانية فيه. كي يستطيع في ظل ذلك أن يحصل على أكبر قسط من المنفعة المادية في جو نفسي للشعوب الشرقية تظلله الطمأنينة، وربما الاستحسان من قادة هذه الشعوب لتصرف المستعمرين .
وليست الفجوة بين الغرب والشرق في أن الأول يحمل قوة الصناعة الحديثة، وأن الثاني فقير منها وفي حاجة إليها، بل الفجوة الكبرى بينهما كانت في أن الغرب
/ صفحه 289/
نهض في تفكيره، وتخلص من المظاهر التي سادت التوجيه هناك في القرون الوسطى، وهي تشبه إلى حد كبير تلك الأخرى التي سيطرت على تفكير المسلمين في القرن السادس الهجري، أو القرن الثالث عشر الميلادي: وهي تعدد في
مدارس التوجيه، وخصومة عنيفة بين أصحاب هذه المدارس، وجدل نظري لا يتصل بواقع الحياة، يسيطر على البحث والعمل العقلي، ودوران للفكر في حلقة مفرغة من الآراء، وترديد في غير ملل لأفكار لا توصل صراحة إلى ماض معين، ولا تعالج أمراً من أمور الحاضر .
فالنهضة الاوربية ميزت الغرب عن الشرق، وجعلت العقل الغربي يعالج الطبيعة في واقعها وفي تطور خصائصها، ومكنته من أن يستخدمها ويسخرها لخدمته ورفاهيته .
وأغراه بحثه الطبيعي، وأغرته النتائج التي وصل إليها في بحثه في الطبيعة إلى أن يزيد في قيمة الحضارة المادية، وعلى حساب القيم المعنوية والروحية. وجدت مذاهب في السلوك الإنساني ـ كالميكيافيلية، ومذهب المنفعة ـ نتيجة لهذا التفضيل، ودفعت بالرجل الغربي إلى اقتناص المنفعة المادية بأية وسيلة، وفي أي مكان، وعلى أي صورة: فالغاية في نظره تبرر الوسيلة، والحياة ليست إلا انتهازاً للفرص. وما وراء ذلك من معاني الحرمات، والانسانية، وحقوق الغير من الناس والأوطان، وأمثالها يضعها تقديره الخاص للأشياء في المنزلة الثانية.
امتاز الغرب عن الشرق بالبحث الطبيعي، بينما وقف بحث الشرق في دائرة النظر المحض، و تغير مقياس الرجل الغربى في الحياة، فأصبح أساسه المنفعة الواقعية، بينما بقى الرجل الشرقى يحلق في جو من المثالية، و المثالية الخيالية.
هذا الفارق بين الغرب و الشرق هيأ للغرب أن ينتفع بالشرق، و أعد الانسان الشرقي لتسهيل مهمة الغربي في وطنه. فواقعية الغرب مكنته من الانتفاع، و مثالية الشرق أو وقوفه في دائرة النظر بعيداً عن الواقع جعلته متساهلا أو متسامحا ً أو غاضا النظر عمايجرى في واقعه، لانه لا يحفل بواقعه هذا إلا قليلا تحت تأثير تفكيره النظرى.
/ صفحه 290/
ولكن هذا الفرق في التفكير بين الغرب و الشرق لا يمكن للغرب من الانتفاع بالشرق طويلا، ما دامت هناك قوة ثالثة كامنة في الشرق و هي القوة الروحية، أو القوة الاسلامية، بجانب القوتين الاخريين، و هما القوة المادية الممثلة في الامكانيات العديدة من بترول و معادن النحاس و القصدير و غيرها، و محصولات الزارعة من مطاط و قطن و أرز و
غيرها، و القوة الاخرى البشرية الممثلة في وفرة النسل و كثافة السكان.
و اذن ليكن من منهاج الغرب الطويل المدى في استغلال الشرق و استعماره العمل على «خلخلة» القوة الروحية في الشعوب الشرقية و ذلك بالوسائل الاتية:
1 - تمكين الرسالات التبشيرية لا على أنها تبسط تعاليم المسيح (عليه السلام) في الاوساط المسيحية أو بين القبائل الوثنية، أو حتي على بعض مسامع المسلمين، بل على أنها تثير الشكوك في العقيدة الاسلامية بين المسلمين و بالاخص بين الطبقات التي لم تنل حظاً في التوجيه الاسلامى الصحيح.
و اتخذت هذه الرسالات من بعض مدارس الاوربيين و مؤسساتهم الثقافية في الشرق مجالا لنشاطها، و تسترت في ذلك و راء مسميات عامة محبوبة: كالتعليم، و التربية، و التثقيف. و حصنت نشاطها هذا بامتيازات حصلت عليها في صورة معاهدات، كما حصل في مصر و بلاد الشرق الادنى، أو بخفارة مسلحة كما كان الحال في إندونيسيا و الملايو من بلاد الشرق الاقصي الاسلامي، أو كما هو واقع الآن في شمال أفريقيا، و المستعمرات الاوربية الافريقية.
2 - العمل على زيادة الفجوة بين بعض المذاهب الاسلامية و بعض، كإذكاء العداوة بين الشيعيين و السنيين: فالاحداث التي كانت تقع بين الفريقين في الشرق الاوسط لاترجع إلى تباين المذهبين، بل إلى الخطأ في أفهام أتباعهما، و إلا فكتاب الشيعة هو كتاب السنة، و رسول السنة هو رسول الشيعة.
و هذا الحظر يحدث أو يثار كلما شعر المستعمر الاوربي بوعي إسلامي عام، أو بوعي قومي محلي في الرقعة التي يستغلها.
/ صفحه 291/
3 - خلق جو من العداء و الخصومة بين قديم الشرق في ثقافته و بين الجديد عن تفكير الغرب. و الوسيلة إلى هذه الخصومة أمر ميسر. إذ يكفي للإقناع العام في النظرة إلى تراث الشرق الثقافي الذي وصل إلى ما وصفنا نظرة هينة تنطوى على معني الاستخفاف بالنسبة إلي ثقافة الغرب الجديدة ـ أن تكون هذه الثقافة الغربية الجديدة في صحبة
حضارة الغرب الصناعية. فمخترع السيارة، والطائرة، و اللاسلكي، و الراديو تبدو ثقافته الفكرية التي يحملها أرجح في الوزن أمام الرأي العام من تلك الثقافة التي يحملها الشرقى ويدور في فلكها دون رعاية لواقع حياته و دون أن يصفيها حتي تدفعه دفعاً إيجابياً ليلائم بين ماضيه و حاضره، و ليعيش في غده و هو على تصال بأمسه.
و أضحت الثقافة الغربية بكل مافيها من توجيه أمراً مرغوباً فيه في بلاد الشرق الاسلامى، و أصبحت الثقافة الشرقية الاسلامية حتي الاصيلة منها أمراً لا تلتزمه العقلية المشرقية في توجيها، و ربما لا تطيل الدفاع عنه، و ربما تسهب في تنقيصه.
4 - العمل على إيجاد مذاهب جديدة في الجماعة الاسلامية تحمل طابعاً إسلامياً، و يقوم بالدعوة إليها علماء ينتسبون لجماعة المسلمين، و تبشر بمبادىء جديدة يرضي عنها المستعمر أو يحميها كذلك، لانها تمكن له من استعمار و استغلال قوى الشرق الاسلامي لفترات طويلة.
وقد قام بالفعل في ظل الاستعمار البريطانى في الهند مذهب يدعو لنفسه و يدعى أنه من مذاهب المسلمين ـ و هو القاديانية ـ و ينادى مع ذلك بصحة تولي الاجنبي عن الإسلام ولاية المسلمين العامة، على معني أنه يجب على المسلمين طاعته و أن يوكل إليه تقدير المصالح المرسلة بين المسلمين و كافة شئون الولاية العامة، حتي إعلان الحرب بين من ولي عليهم من المسلمين و بين جماعة مسلمة أخرى. كما ينادى بإلغاء فريضة «الجهاد» يدعوى أن أمر الإسلام قد استقر فلا داعي بعد هذا لفرض الجهاد. مع أن مشروعية الجهاد أصالة لدفع الاعتداء على المسلمين على أية جماعة منهم في أي موطن كانت، و الاعتداء ليس أمراً موقوتا حتى يوقت الجهاد،
/ صفحه 292/
بل هو فطرى في الانسان و في ا لجماعة الانسانية، و إذن فرض الجهاد كوسيلة لرده أمر مستمر.
هذه الوسائل التي استعان بها المستعمر الغربى لخلخلة القوة الروحية في الشرق الاسلامى لا بد أن توجد حولها جدلا، أخذاً ورداً، و لا بد أن يخلق الجدل حولها اتجاهات أخرى في فهم الإسلام و تعاليمه، و في تفسير القرآن الكريم و سنة
رسوله الصحيحة. و ربما يكون بعض هذه الاتجاهات ضربا من ضروب التحريف أو الانحراف عن الفهم الصحيح لرسالة الإسلام.
فتشكيك المبشرين في العقيدة الاسلامية كان له صدى في مجال الفهم و التفهم للاسلام، و العمل على زيادة الفجوة بين بعض المذاهب الاسلامية القائمة و بعض كان له دافعون و مدافعون بأسم الإسلام و التعاليم الاسلامية.
و إيجاد جو من التوتر بين قديم الشرق و حديث الغرب في الثقافة لا بد أن يوحى بنوع من التعصب العقلى بين فريقين متقابلين، أحدهما للقديم و الآخر للجديد، و ربما يأتي بفريق ثالث يحدد مهمة بالتوفيق بين الطرفين. و في كل هذا لا يقوم التعصب العقلي لدى كل من الفريقين المتقابلين، ولايقوم التوفيق كذلك عند الفريق الثالث إلا على ادعاء نمط من الصلة بالاسلام و أخذ الحجة منه.
و قيام بعض المذاهب الاسلامية التي يعارض بعض ما تنادى به بعض الامور المقررة في الإسلام لا يمردون أن يثير مناقشة عقلية له أو ضده، تزداد بمرور الزمن، و يتسع نطاقها كلما دخل دائرة النقاش جديد من التابعين أو المعارضين.
و إذن العامل الثالث و هو الاستعمار الغربي ساهم مساهمة فعالة في نمو الدراسات الاسلامية كما ساهم في تعقيد بعض المشاكل الدينية و في زيادة الفرقة بين المسلمين، و في إحداث بعض الاتجاهات التي قد تتعارض معارضة واضحة مع الإسلام، و من الأسف أنها تضم إلي مذاهب المسلمين.
/ صفحه 293/
ومن جهة أخرى هذا الاستعمار الغربي أوحي بحركة إيجابية فكرية في الشرق الاسلامى، و كان نفسه لهذا عاملا من عوامل النهضة الاسلامية الحديثة. و إذا كان النصف الاول من القرن التاسع عشر المسرح الزمني لقوة الاستعمار الغربي في الشرق الاسلامى، فإن النصف الثانى منه شهد مولد الحركات و النهضات القومية في هذا الشرق، كصدى ورد فعل لهذا الاستعمار.
و استهدفت هذه الحركات عكس ما استهدفه الاستعمار في الشعوب الاسلامية: استهدفت جمع الكلمة للمسلمين عن
طريق الرجوع بهم ا لي الإسلام في عهده الاول، و إلى طريقة السلف في فهم القرآن و التعاليم الاسلامية، كما استهدفت الاستخاف بالتقليد للمذاهب القائمة و التعصب لها، و أوضحت كغاية أخيرة لها معالم الشخصية الاسلامية وحدودها التي تتمثل في استقلالها و وجوب الحرص على هذا الاستقلال: فاستقلالها كدولة يوجب فرض ا لجهاد و القيام به على جميع أفرادها، و استقلالها كعلماء و موجهين يوجب على العلماء والموجهين الاجتهاد في فهم الإسلام بما يلائم أحداث العصر و حاجاته، و نبذ التقليد الطيع للمذاهب القائمة على أنها اتجاهات لا تقبل التعديل.
و قد راعي هذه الحركات في النصف الثانى من القرن التاسع عشر جمال الدين الافغانى ومحمد عبده و محمد اقبال.
وهذه الحركات بدورها أو حت بمعارضين لها من علماء المسلمين، و أرجعوا معارضتهم إياها إلي سند من الإسلام، كما حاولوا أن يشرحوه بما يلائم رغبتهم الخاصة في المعارضة، و أصبح جمال الدين الافغانى و محمد عبده في نظرهم منحرفين عن الطريق السليم في فهم الإسلام بما يدعوان إليه من جواز «الاجتهاد» و نبذ التقليد.
ولم تزل النهضة الفكرية الاسلامية تسير في طريقها الذي عبد لها أولا، و إن كان الآن بخطوات فسيحة عن ذى قبل، و لم تزل معارضة الاسس التي قامت عليها موجودة و إن كانت في صورة من اليأس أو الهزال.
/ صفحه 294/
العامل الرابع: الثقافات الغربية المعاصرة من المذاهب الاجتماعية والاقتصادية:
والاستعمار الغربي و إن خلف الصورة السابقة في الدراسات الاسلامية، فإنه من جهة أخرى زاد اتصال الشرق الاسلامي بالغرب. و لعل زيادة الاتصال هذه كانت إحدى نتائجه المباشرة، لان الشرق لم يتصل بالغرب اتصال المتكافئين، و إنما اتصال التلميذ بالعلم، و اتصال صاحب الحاجة بالمانح، و هذه الظاهرة حتما من خلق الاستعمار و من طبيعته، فالمستعمر سيد و الشعوب المستعمرة رعاياه.
وزيادة اتصال الغرب بالشرق مكنت للشرق بوسيلة و بأخرى أن يقف على ثقافة الغرب المعاصرة. و على الاخص ما يعد منها في منزلة الموجه للحياة الغربية الحاضرة وقف الشرق على مذاهب الديمقراطية، و الشيوعية، و الفاشية، و
الرأسمالية، و الاشتراكية من تلك مذاهب التي تقود الدول الحديثة اليوم في مجال الصراع الدولى. كما وقف على آثار هذه المذاهب في السلوك العملى للأفراد و الجماعات.
و إذا وصلت هذه الاتجاهات إلي الشرق الاسلامي لا تصل إليه و تعيش على هامش الحياة الفكرية فيه. لان حملتها إما من أرباب الافلام فيه، أو أصحاب رسالة توجيهية في الجامعات و المعاهد العليا، أو أصحاب رغبة في ممارسة فن الحكم في بلاد هذا الشرق الاسلامى.
و إذن سيكون لها احتكاك بالتراث الشرقي الاسلامي الموروث، و إذن سيثار حولها ـ لها أو ضدها ـ نقاش عقلي، و إذن ستتلمس المناقشة من ا فهام الإسلام عوناً لتأييدها أو معارضتها، و أخيراً سيخلق احتكاك الثقاقة الغربية الاجتماعية و الاقتصادية المعاصرة نوعا من الدراسة الاسلامية. و سيضيف اتجاها أو آخر إلي الاتجاهات العديدة التي أشرنا إليها و التي تكونت منها الدراسات الاسلامية.
وقد يكون من بين هذه الاتجاهات ما يتعارض مع مبادىء الإسلام معارضة واضحة.
/ صفحه 295/
إن الإسلام في أصله مجموعة من النظم و التعاليم لايجاد حياة إنسانية فاضلة مبتدئة من الفرد إلى العالم الكبير. و ليست هي الدراسة و الاراء و الحلول التي جاءت بها الاحداث السياسية الداخلية، و لا هي التى أتت بها ثقافة الاغريق و الفرس و الهنود القديمة، و لا هي التي ساعدها الاستعمار الغربى في الشرق الاسلامى، و لا هي المذاهب الاجتماعية والاقتصادية الحديثة في العالم الغربى.
القرآن كتاب الله هو مصدر هذه ا لتعاليم و النظم. و هذا القرآن لا ينشد إلا السلم في أضيق الحدود و أوسعها، و الاخاه في البشرية، و الاعتدال في وزن الحياة و قيمتها.
و التفسير الصحيح لكتاب الله هو ما يصدر عن فهم واضح لغاية الله في كونه.
و إذا كان الله مستغنياً عن كونه فغايته فيه لا تعدو الخير لمن أكرمه الله بين كائناته و هو الانسان. و الخير إذن هو سبيل
القربي إلي الله، و هو وسيلة النجاح في هذه الحياة. ليس الخير الصدقة، «ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب، و لكن البر من آمن بالله واليوم الآخر و الملائكة و الكتاب و النبيين، و آتي المال على حبه ذوى القربي و اليتامي و المساكين و ابن السبيل و الساتلين و في الرقاب و أقام الصلاة و آتى الزكاة، و الموفون بعهدهم إذا عاهدوا، و الصابرين في البأساء و الضراء و حين البأس، أولئك الذين صدقوا و أولئك هم المتقون».
صدق الله العظيم.