/ صفحه 296/
لفضيلة الاستاذ الجليل الشيخ عبدالمتعال الصعبدى
المدرس بكلية اللغة العربية
- 2 -
ومن أصرح ما جاء في القرآن الكريم من بر المخالفين في الإسلام قوله تعالى في الايتين - 8 - 9 من سورة الممتحنة:«لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم و تقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين و أخروجوكم من دياركم و ظاهروا على إخراجكم أن تولوهم و من يتولهم فأولئك هم الظالمون».
فقد روى في سبب نزول ذلك أن قتيله بنت عبدالعزى قدمت من مكة و هي مشركة إلى المدينة بهدايا إلى بنتها أسماء بنت أبي بكر و زوج الزبير بن العوام، فلم تقبلها منها، و لم تأذن لها بالدخول عليها، فأمرها النبي صلي الله عليه و سلم أن تدخلها و تقبل منها هديتها و تكرمها و تحسن إليها.
والاكثرون على أن ذلك نزل في أهل العهد الذين عاهدوا النبى (صلى الله عليه و سلم) على ترك القتال و المظاهرة في العداوة، وبنو خزاعة، كانواعاهدوا الرسول عليه الصلاة و السلام على ألا يقاتلوه و لا يخرجوه، فأمر بالبر و الوفاء لهم إلي
مدة أجلهم، و قيل ان ذلك نزل في شأن نساء المشركين و صبيانهم، فلا يصح أن يعاملوا معاملة الرجال القادرين على القتال، بل يجب الكف عن قتالهم، ليكون القتال مقصوراً على المقاتلين وحدهم.
وقيل إن ذلك نزل في المسلمين حين استأمروا رسول الله (صلى الله عليه و سلم) في أقربائهم من المشركين أن يصلوهم، و لعلهم يعنون أقرباءهم من أسرى بدر أيضا.
/ صفحه 297/
و لا شك أن هؤلاء المفسرين يريدون بذكر هذه الاسباب تقييد ما أطلقه القرآن من البر بالمخالفين في الإسلام، ففى السبب الاول و الثالث يراد تقييده بالنساء والصبيان و نحوهم، و في السبب الثاني يراد تقييده بمن له عهده و ذمة من الذميين و المعاهدين، و في السبب الرابع يراد تقييده بالاسرى الذين لهم أقرباء من المسلمين.
وإنما حملهم على تقييد بر المخالفين بذلك ماورد من الأمر يقتالهم، فيجب عندهم أن يقيد من لم ينهنا الله عن برهِ و مودته بالاصناف السابقة، حتي لا يكون هناك تعارض بين الأمر و النهي، و من المفسرين من يرى ذلك منسوخا بآيات القتال، لان عدم النهي عن برهم و مودتهم يخالف الأمر بقتالهم، ولعله لا يرى بر من سبق من المخالفين في الإسلام، من الذميين و المعاهدين و النساء و الصيبان و الاسرى الذين استكرهوا على القتال و من إليهم، بل يرى ا لخشونة في معاملتهم، و يستحسن مواجهتهم بالاساءة في القول و الفعل، و سيأتى أن هذا على مجافاته لسماحة الإسلام قد أخذ به بعض المتشددين في الدين، فأساءوا بهذا إلى الإسلام من حيث يريدون الاحسان إليه بتشددهم، لان كل شيء يجاوز حده ينقلب إلي ضده.
و إني أرى أن المفسرين الذين قيدوا بر المخالفين في الإسلام بمن سبق من الاصناف بنو مذهبهم فى ذلك على أن المخالفين ينقسمون إلي قسمين: ذميين و محاربين، فالذميون لا شيء في البر إليهم جميعاً، و لا فرق في ذلك بين نسائهم وصبيانهم و رجالهم، و الحربيون لاشيء في البر إلى صبيانهم و نسائهم، و من أكره على القتال منهم، فلا يعاملون معاملة من قاتل و حارب بالفعل.
وقد غفل هؤلاء المفسرون عن قسم ثالث من المخالفين ليس بيننا و بينه حرب ولا عهد، من الذين لم تبلغهم دعوة الإسلام، أو بلغتهم دعوته ولكنهم لم يجيبوا و لم يحاربوا، فهذا القسم تشمله الاية أيضا، و ليس علينا إلا أن نبلغه دعوة الإسلام، فإن أجاب فله جزاؤه عندالله، و إن لم يجب فحسابه على ذلك في ا لاخرة
/ صفحه 298/
واذا لم يُحاربنا فلا شى ء علينا في أن نعامله معاملة من له ذمة و عهد، و لا شيء في أن تشمله آية: «لا ينها كم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم و تقسطوا إليهم» لانه لا إكراه في الدين، و من شاء فليؤمن و من شاء فليكفر،
فإن من شأنها أن نده لكل إنسان دينه يحاسبه الله عليه في الاخرة، و لا يصح أن نخاصمه أو نقاتله في الدنيا لانه يخالفنا في الدين، بل يجب أن نجذبه الي ديننا بحسن المعاملة، و أن نتخلق معه بالاخلاق الكريمة، لان هذا أدعي الي تحبيبه في ديننا، و الي تقديره لحسن آثاره فينا، فيدعوه هذا إلي الايمان به، ليهديه إلي الأخلاق الكريمة كما هدانا، فأصحاب كل دين عنوان عليه، فإن كانوا عنوانا حسناً عليه كانوا دعاية له، و إن كانوا عنواناً قبيحاً عليه نفروا الناس منه، و أخذوا بتنفيرهم منه في الاخرة، و ربما عذر من نفروهم منه لانهم لم يبلغوا دعوته تبليغاً صحيحا.
وعلى هذا يجب أن يحمل حديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتي يقول»: لا إله إلا الله فإذا قالوا عصمو مني دماءهم» على محمل لا يعارض ما جاء به الإسلام من الحرية الدينية، و باب التأويل بالتقييد و نحوه باب واسع في الاسلام فيمكن حمل الناس في الحديث على أهل مكة، نظير حمله في القرآن عليهم في مثل قوله: «يأيها الناس شأن ربكم» و يكون هذا خاصابهم، لانهم قاتلوا المسلمين و أخرجوهم من ديارهم، ولان مكة لها شأن خاص بوقوع الكعبة فيها، و هي قبلة المسلمين، فيجب أن تطهر من عبادة الاوثان، و أن تكون خالصة لدين التوحيد و يمكن أيضاً حمل الناس على العرب خاصة، لان السلام أراد حملهم على دين واحد، ليزيل من بينهم أسباب التدابر و التخاصم، و يجمع بينهم على كلمة التوحيد، أو لتكون جزيرتهم معقلا للإسلام، و حصنا حصينا للمسلمين. و قد أخذ بهذا بعض الفقهاء، ففرق في مضمون
ذلك الحديث بين مشركي العرب و غيرهم، و قضي بأن مشركي العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام، و بأن مشركي غيرهم تقبل منهم الجزية كأهل الكتاب.
/ صفحه 299/
والإسلام أبر من أن يأخذ الناس بإطلاق ذلك الحديث، فيقيمها حربا عوانا عليهم ليدخلهم فيه بالسيف، و هو دين البر و الرأفه، و دين السماحة و الحرية، و قد جعل وسيلته في الدعوة الحكمة و الموعظة الحسنة، كما قال تعالى
في الاية 125 من سورة النحل: «ادع إلي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالني هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله و هو أعلم بالمهتدين» و ما كنت لاطيل في شأن ذلك الحديث لولا أن أخذه على ظاهره ينافى ما جاء به الإسلام من البر بالناس و من أعظم البر بهم أن يدعي إليه بينهم بالتي هي أحسن، و ألا يكون ظهوره بينهم لإقامة حروب تحملهم على الايمان به قسراً، و تقييد الحديث بذلك يجعل الإسلام كما هو في الحقيقة دين سلام لا دين حرب، و دين بر بالانسانية، بمعاملتها في الدعوة بالوسائل السلمية، و ابتعاده عن الوسائل الحربية إلا عند اضطرارة إليها في الدفاع عن نفسه.
على أن الإسلام لا يخلو مع المخالفين من أهل الحرب بأخذهم بكثير من البر، فحين أمر بقتالهم لانهم قاتلوه حرم الاعتداء عليهم، كما قال تعالي في الاية ـ 190 - من سورة البقرة: «و قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم و لا تعتدوا إن ا لله لايحب المعتدين» فنهي عن الاعتداء في قتالهم بعدم مراعاة مايوجبه البر بالانسانية، و كان الإسلام بهذا أول من راعي مثل ذلك في الحرب، و شرع به أصولا فيها تبعدها عن الحروب الوحشية، فحرم بهذا ما كان يحصل فيها من المثلة و نحوها من الامور التي لا تليق بكرامة الانسان، و كان هذا أساساً لكل ما حصل بعده فيها من التشريعات التي تحقق فيها أمور البر بالانسان بقدر الامكان.
وكذلك حرم المضي في قتالهم إذا جنحوا للسلم، فقال تعالى في الاية ـ 61 - من سورة الانفال: «و إن جنعوا للسلم، فأجنح لها و توكل على الله إنه هو السميع العليم» فلم يجعل منها حربا انتقامية يمضي فيها مع شهوة الانتقام، و هي لا
تقف عند حد، و لا تنتهي إلا بالقضاء على المغلوب، بل أوجب أن يمضي فيها بقدر الضرورة، فإذا أدركهم الوهن و جنحوا للسلم وجب وقفها فوراً، تخفيفا لويلاتها
/ صفحه 300/
و براً بالعدو الذي أدركه الوهن، لانانحاربه شهوة في الحرب، أو قصداً للانتقام منه، و إنما نحاربه دفاعاً عن النفس، و حماية للدين، فإذا كف عن القتال كفنا عنه، و عاملناه بما ينبغي من البر، و لم ننتهز فرصة ضعفه لنشفي ما قام بنفوسنا من الحقد عليه، بل يجب أن يقوم الصفاء مكان الحقد، و أن يحل السلم محل الحرب لان الاصل في الإسلام أن تكون علاقته بالناس علاقة سلمية لا حربيه، فإذا زالت أسباب العلاقة الحربية وجب أن ترجع علاقته بالناس إلي أصلها، و لا يصح المضي في مخالفتها.
وقد يكون من البر بالانسانية في الحروب تقييد مقابلة الاعتداء بالاعتداء، بأن يكون بالمثل في قوله تعالى في الاية ـ 194 - من سورة البقرة: «الشهر الحرام بالشهر الحرام و الحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوالله و اعلموا أن الله مع المتقين» قاتلهم المشركون عام الحديبية في ذى القعدة، فقيل لهم عند خروجهم لعمرة
الشهر الحرام، و هتكه بهتكه فلا تبالوا به، فالحرمات قصاص، أي أن كل حرمة ـ و هي ما يجب المحافظة عليها ـ فيها القصاص فلما هتكوا حرمة شهركم بالصد عن العمرة، فافعلوا بهم مثله و ادخلوا عليهم عنوة فإن قاتلوكم فاقتلوهم، و اعتدوا عليهم بمثل ما اعتدو به عليكم شهراً بشهر فقط، و اتقوا الله في شأن الانتصار، و احذروا أن تجاوزوا ما رخص لكم،
ويجوز بالاعتداء بالمثل في الزمن، يجب تقييد مقابلة الاعتداء بالاعتداء بالمثل في آلة الحرب، فإذا اعتدى علينا بالسيف اعتدينا به أيضا، و لا يصح أن نجاوزه إلي ما هو أشد فتكا، و إذا سعي العدو في ابتكار آلات حربية ليقاتلنا بها سعينا في ابتكار مثلها لندافع بها عن أنفسنا، فيكون شأننا في هذا مجاراة غيرنا في
آلات الحرب، و إنفاق أموال الشعوب في اختراع المدمرات، بدل إنفاقها فيما يطيب به عيشها، و تكمل به هناءتها، كما تفعل الأمم التي تتسابق الآن في اختراع
ص - 301
آلات التدمير، حتى وصلت بها إلى ما يهدد العالم بالخراب، فالاسلام يجعل أمته في هذا الاستعداد الحربي تابعة لا متبوعة، لانه لا يريد إلا السلام و البر بالانسانية على اختلاف أديانها، فلا يجرى في الاستعداد الحربي إلا مضطراً، و لا يكون فيه مبتدئا بل مجاريا، و لا يستعمل الآلات الحربية الاشد فتكا إلا بعد أن يعتدى عليه بها، فإذا وصلت إلي حالة تؤدى إلي إشاعة الخراب في العالم لم يسعه إلا أن يدعو إلى تحريمها، و إذا سبق بالدعوة إلى تحريمها لم يسعه إلا إجابة هذه الدعوة، و كيف لا يكون هذا موقف الإسلام من تلك الالات المدمرة، و قد روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن أبابكر بعث جيوشا إلى الشام، فخرج يمشى مع يزيد بن أبي سفيان ـ و كان يزيد أمير ربع من تلك الارباع ـ فقال: إني موصيك بعشر خلال: لا تقتل امرأة، و لا صبيا، و لا كبيراً هرما، و لا تقطع شجراً مثمرا و لا تخرب عامرا، و لا تعقرن شاة، و لا بعيراً إلا لمأكله، و لاتعقرن تخلا و لا تحرقه، و لا تغلل، و لا تخبن، وقد أخذ الاوزاعي و الليث و أبو ثور بهذه الوصية التي وصى بها أبوبكر يزيد بن أبي سفيان فذهبوا إلى عدم جواز التحريق و التخريب في بلاد الاعداء، و قد ذهب غيرهم إلي جواز ذلك، لان النبي صلي الله عليه و سلم قطع نخل بني النضير، و قد ذهب الطبرى إلي أن النهي محمول على القصد لذلك. بخلاف ما إذا أصابوا ذلك أثناء القتال، و بهذا قال أكثر أهل العلم.
و إني أرى بعد هذا كله أني سقت ما فيه الكفاية لاثبات بر المخالفين في الإسلام، من سيرة النبى (صلى الله عليه و سلم) مع أولئك المخالفين، إلي نصوص صريحة من القرآن الكريم، إلي أحاديث و وصايا من النبي صلي الله عليه و سلم، و بعض الخلفاء الراشدين، فإذا رأينا ما يخالف هذا حكمنا بأنه مخالف لسماحة الإسلام، و لم نر الاخذ به في ا لدين، لانه يضر الإسلام و لا يفيده، و ينفر الناس منه، و يبعدهم عن الايمان به.
ومن ذلك ماروى عن أبي هريرة أن النبي صلي الله عليه و سلم قال: «لا تبدؤوا اليهود و النصارى بالسلام، و إذا لقيتم
أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقة».
/ صفحه 302/
وقد أخذ الجمهور بهذا الحديث، و ذهبوا إلي تحريم ابتداء المسلم لليهودى و النصراني بالسلام، و حمل بعضهم هذا النهي على الكراهة، و خالفهم طائفة منهم ابن عباس فذهبوا إلي جواز ابتدائهم بالسلام، و احتجوا بعموم قوله تعالي: «و قولوا للناس حسنا» و بأحاديث الأمر بإفشاء السلام، لانها جاءت عامة لا تخصيص فيها والحق في هذا مع تلك الطائفة التي فيها ابن عباس، و قد كان أدرى بالاسلام سماحته من أبي هريرة، و لا شك أن من يذهب إلى جواز ابتدائهم بالسلام و لا يأخذ بصدر الحديث في النهى عن ابتدائهم به، لا يأخذ بآخره و هو. «و إذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقة» لانهم إذا دخلوا في عموم قوله تعالى «و قولوا للناس حسنا» لم يجز الاساءة إليهم بهذا الفعل، لان إساءة الفعل أشد من إساءة القول، و قد قالت عائشة: دخل رهط من اليهود على رسول الله صلي الله عليه و سلم، فقالوا: السام عليك ـ والسام الموت ـ ففهمتها فقلت: عليكم السام و اللعنة، فقال رسول الله صلي الله عليه و سلم: مهلا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله، فقلت يا رسول الله، ألم تسمع ما قالوا. فقال: لقد قلت و عليكم، فإذا كان النبى (صلى الله عليه و سلم) لم يرض مثل هذا القول من عائشة، فكيف يرضي إذا قابلنا أحدهم في طريق أن نضطره الي أضيقة.
ومن ذلك ما يحكونه في تفسير قوله تعالى في الاية ـ 29 - من سورة التوبة «حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون» قالوا: إن الجزية تؤخذ منهم على الصغار و الذل و الهوان، بأن يأتي بها ماشيا غير راكب، و يسلمها و هو قائم و المتسلم جالس، إلي ما قالوه مما لاينبغي ذكره، و الإسلام أكرم من هذا كله، و ما أحسن قول بعضهم: معني الصغار ههنا هو نفس إعطاء الجزية، و الحق أنه من صغر ضد كبر و عظم، لا من صغر بمعني هان و ذل، فالمعني و هم غير متكبرين و لا متعاظمين كما كانوا وهم محاربون، و هذا إنما يفيد نفي التعاظم، و لا يمنع أن يعطوها في كرامة توافق ما أمرنا به برهم؟.
علامة الهدى: