/ صفحه 303/

عمار بن ياسر

لحضرة الكاتب الكبير ا لسيد صدر الدين شرف الدين

صور ـ لبنان

الكاتب الكبير السيد صدر الدين شرف الدين الموسوى غني عن التعريف بما له من بحوث جليلة الشأن، في معانيها ومبانيها، يعرفها له العالم الاسلامي فيجد فيها العالم بغيته، و الاديب أمنيته، و هذا بحث من بحوثه التي ستكون فصلا من كتاب يشتغل باعداده، هو «حليف مخزوم». رئيس التحرير

قد تعجب لكهل انصرف من عقده الرابع أو كاد، يسلط عليه من حز الحديد، و من لفح النار، و من ضغط الماء، عذاب نكر، فلا يستخذى للعذاب، و لا يحفل به، و لا يباليه، بل يقبل عليه مرة بعد مرة في مرات كثيرة، مطمئناً له، راضيا به، لكأن أط راف الاسنة و ألسنة النار، و ضغط الماء أشياء من ذعدغات حبيب تثير الرضا لا السخط، و تدعو إلي الاغتباط لا إلي الحزن، و تحيي الرجا لا اليأس.

وقد تعجب لشيخ ينصرف من عقده العاشر أو يكاد، يسلط هو على عدوه من سيفه ناراتشبهها النار، و من عزمه حديداً أصلب من الحديد، و من اندفاعه سيلا أعنف من السيل.

وقد يبطل عجبك من هذا و ذاك، حين تعلم أن هذا الشيخ الفتي المستطيل، إنما هو ذلك الكهل الشاب المضطهد نفسه، و أن هذه الانسان الراسخ في حاليه، لم يستقبل الفتنة المنكرة كهلا، و لم ينزل فيها للعذاب الشديد الغليظ عن بدنه،

 

/ صفحه 304/

إلا من أجل عقيدة كانت ما تزال طريقة الغرس في نفسه، و أنه لم يمتشق في شيخوخته سفه العاصف المتأجج المرهوب المحبوب إلا من تلك العقيدة، و قد توطنت في نفسه و امتدت و استمكنت، فإذا هي روحه الذى يتنفس و دمه الذي يجرى.

وماذا تنتظر من شيخ نتيم كهولته عقيدة نيرة، و تصبره على العذاب الشديد الغليظ فيها. و هي طرية الغرس لما تنتشر عروقها في أنسجته و شرايينه، غير أن تنتضيه ذلك السيف العاصف. و قد هبطت جذورها إلى أخمصيه و اشتبكت خيوطها في مشاشه، و فشت منه في كل غدة، و في كل حجيرة، حتى استحال دمه كله إيمانا و إخلاصا، و حقاً من الحق الصريح.

لم يكن الكهل الشاب يتلقي حز الحديد، و لفح النار، و ضغط الماء، بلحمه و دمه، و إنما كان يتلقاه بعقيدته و إيمانه، فإذا لقي جلده: هذا الثوب، من العذاب الشديد الغليظ أذى و تبريحا، فقد كانت نفسه، تلك الروح، تجد من التضحية لذة وترويحا.

ثم لم يكن الشيخ الفتي يصارع عدوه بساعده و عضله، و إنماكان يصارعه بدينه و مبدئه، فليس هو ـ في واقعة ـ جارحة تكل، و لا سيفاً يفل، و لا ضربة تنبو، و إنما هو حقيقة تنصب على زيفها انصباب بالنور على الضلام يمزقه تمزيقا، و يمحوه محواً.

فأى عجب بعد هذا في أن يصبر كهل على فتنة، أو يثبت على امتحان، مهما غلا هذا أو تكل في قسوة، أو بالغاً فيها؟ و أي عجب بعده في أن تشب شيخوخة هذا الكهل و قد تبين لهاالحق، و و ضح لهاالطريق؟ و ما حاجة الكهل و الشيخ معاً إلي أجساد الشبان، و عضلات الاحداث مما تنتظره لصبر ممتحن أو إقدام مقدام؟ و ما الفتوة؟ هل هي سن و ميعة صبا؟ هل هي مرحلة معينة من مراحل العمر؟ الواقع أنها ليست كذلك، و إنما هي إيمان، يكبر حظك منهاكلما كبر حظك منه، هي حماسة إيمان تلبس إهاب الكهول و الشيوخ، كما تلبس إهاب الشبان الاحداث، فتنشيء في هؤلاء و هؤلاء ما ينشيء الشباب الجلد القوى الصبور،

 

/ صفحه 305/

و تحرك منه في هؤلاء و هؤلاء ما تحرك من عزم و نشاط و نفاذ و حيوية و توقد و مضاء. و كم يافع منطفيء الجذوة كليل الحد تسقطه الفتوة من حسابها و إن أعجبك منظره، و كم معمر متوهج الجمرة مشبوب الهمة تحتضنه الفتوة الاصيلة، و

إن نبا في العين مظهره.

و كانت الفتوة تزيد في صاحبنا على نفسها في غيره زيادة مضاعفة. كان لا يشك هو ولايشك معه عدوه و لا صديقه في أن لسيفه ميزة، فإذا أهدت السيوف إلى خصومها ضربا واحداً من الموت، فان سيفه يهدى إلى خصمه و خصم صديقه ضربين: أيسرهما فناء الجسد، و أشقهما لعنة الابد. ثم كانت تضاعف فتوته ميزة أخرى لنفسه كميزة سيفه.

كان يعلم هو وعدوه و صديقه لا يجهلان أنه مع الحق سلم أو قتل، و أن خصمه مع الباطل انتصر أو خذل، و أية حماسة ادعي للفتوة من حماسة إيمان تهدى إلي عدوها موتين أحدهما أخزى من الاخر، وتدخر لصديقها حياتين أخراهما أبقي من الاولي؟

كهولة حرة برة بكرت بكهلها على الإسلام، قدمته أحد سبعة سابقين أولين، فنهض بأجسم أعباء الرسالة و أشقها، نهوض جهاد متصل، و تضحية صابرة، و كفاح مر.

و شيخوخة لم تقصر عن كهولها حرية و لا برا، قدمت صاحبها طليعة وفاء لروح الإسلام، فكان من الاحاد الاول الناهضين بأعباء الرسالة، نهوض جهاد متصل، و تضحية صابرة و كفاح مر، فما التقت جبهتا صراع إلا كان (علامة هدى) في إهداهما سبيلا، و أعدلهما قضية.

كان في عهد النبى صلى الله عليه ليه و سلم راية للمؤمنين لم يتفقدها الرسول في محنة قط، إلا وجدها رفافة تقتحم الهول على (الشرك) عنيفة به صامدة لعنفه.

ثم ظل بعد النبي رأية للمؤمنينن لم يتفقدها روح الرسول في محنه قط إلا وجدها هناك رفاقة تقتحم الهول على (الردة) عنيفة بها صامدة لعنفها.

قال المحدث: هذا كله جعل من (عمار) بن ياسر (علامة هدى) يموت

 

/ صفحه 306/

من يموت إلي جنبه موقناً أنه غاد إلي الجنة، و يهلك من يهلك إلي جنب عدوه، موقناً أنه رائح إلي النار.

و كان (عمار) يقول عن النبي صلي الله عليه و سلم: «ثلاث خلال من جمعهن جمع الايمان كله: الانفاق من الاقتار، و الإنصاف من نفسك، و بذل السلام للعالم». و كان ـ ما عاش ـ هذه الخلال الكريمة نفسها، فما رأيناه بشراً من الثر، ولكن رأيناه الايمان بخلاله الثلاث هذه، يتحرك بين ا لناس عطاء و إنصافا و سلاما. هو العطاء و الانصاف و السلام محاربا كان أو مسالما.

حليف محزوم:

أسمر اللون، عجنت طينته بمسك، مديد القامة ولد من عائلة الرماح، بعيد مابين منكبيه، صبغ تجسيداً للمهابة، أشهل أصلع، «في مقدم رأسه شعرات، و في قفاه شعرات» ـ كما قال معاصره القصاص ذو الأداوة.

طويل الصمت كأنما تحدثه الملائكة، سديد الرأي لا يخدع عن الصواب، راجح العقل «ما خير بين أمرين إلا اختار أيسر هما» ـ كما وصف رسول الله ـ زكي النفس، سخي اليد، هباب للحق، جرىء به، لا يلوى فيه، و لا يصرف عنه.

و لد في حى بنى محزوم من (مكة) سنة 570 م أو نحوها، فقد كان تربا للنبى صلى الله عليه واله «فسميه» بنت خياط، و كانت أمة لابى حذيفة سيد بني مخزوم، و لم تكن في أماء قريش أمة مثلها حرة في ذكاء القلب، و صحة العقل، و ملاحة الوجه، و عفة النفس، و طهارة الذيل.

و أما أبوه فياسر بن عامر، عربي عنئسي مذحجي قحطاني يماني. أقبل من اليمن مع أخويه: مالك و الحارث، يلتمسان أخا رابعا لهم كان قذف به قدر من أقدار الحياة الكثيرة المصطلحة يومذاك على اليمن تفرق أهلها، و تبعثرهم هنا و هناك، و تنفرهم من وطنهم الذي ألح عليه الجفاف، و ابتلاه فساد الحكم بالقحط و المحن، و البطالة ونضوب العيش، فيهاجرون منه أفراداً، و يهاجرون منه جماعات بحثاً عن الرزق، و تنقيباً عن العمل.

 

/ صفحه 307/

و كانت مكة مهاجراً تترى إليه الوفود اليمانية منذ تفرقوا أيدى سبأ، أمتها جرهم الثانية، و أمتها خزاعة، و حكمتاها واحدة بعد الاخرى غالبتين على حكمها أهلها من بني إسماعيل، حتي استعاده (قصي) بن كلاب (400 م)، و استأنفه

مضرياً، و أم غير جرهم و خزاعة غير مكة من الحجاز، فعمرت يثرب بالاوس و الخزرج، و أم غيره هؤلاء و أولئك غير الحجاز من ا لعراق و الشام و اليمامة و نجد و العروض منتشرين كالجراد يملأون فراغ الجزيرة العظيمة، و يزودون هلالها الخصيب بما حملوه من كثافة، و ما نقلوه من ثقافة و أوضاع.

و كانت مكة تمتاز على جميع هذه المهاجر بأنها دار أمن لايأتيه الخوف من بين يديه و لا من خلفه، و بأنها دار رخاء لا يدنو إليه الجوع من فوقه و لا من تحته، ففيها بيت الله، و عليها سدنته الاسماح المطيبون، يبذلون لضيوفها الرقد و الكرامة من أنفسهم، و يبسطون العدل في القضاء من حكومتهم، فهم آمنون وادعون، كافلون للأمن و الدعة، لا يروَّعون و لايروِّعون.

فلما يئس الاخوان الثلاثة من العثور على فقيدهم في مكة، انحسر عنها مالك و الحارث، و استقر فيها (ياسر) حليفاً لمضيفه أبي حذيفة سيد مخزوم، يحفظه هذا، و يحفظ هو لهذا يده عنده، و يثيب احسانه إليه، و امتناعه به، بالوفاء له أكرم الوفاء و أصفاه و أخلصه. و كان أبو حذيفة كأخيه (هشام) من قبل و كأخيه (الوليد) من بعد، زعيما سمحاكريما رضيا حافظا للمعروف، مثيبا عليه، و كان حدبا على حليفه العنسي بوجه خاص. رؤوفا به رحيما، يؤثره بحب يضيفه إلي ما أخذ به نفسه من حلفه، و ربما أضاف إلي هذا أو ذاك شيئاً من احترامه لهذا العنسي الغريب الذي اضطرته الاقدار إلي الاعتصام بغير داره، ورمته إلي دار يطلب فيها الحماية من غير أهله، و عسي أن يكون، بل هو قد كان، ذا دار منيعة عزيزة، و ذا أهل كرام أشداء، من أجل هذا حالفه أبو حذيفة، ثم أحبه، ثم احترمه، لم يخيب ياسر ظن حليفه، فوفي له، ثم تصرف بوفائه تصرف العقلاء الاعزاء الذين يلائمون بين أدب الغريب و ضعف اللاجي ء، و بين كرامة النفس و استقلال الرأي، فكان من سلامة سلوكه و من صفاء معدن حليفه معاً أن عرف بعد ذلك مخزوميا

 

/ صفحه 308/

له ما للمخزوميين، و عليه ما عليهم. يطوف بأندية (قريش) ما يطوف حبيبا أثيراً محترما، لا يثقل على أحد بتكليف، و لايستثقل أحد له ظلا.

و في ذات يوم فكر أبو حذيفة بحليفه العنسى، فرآه مستقيما لا تطيش به نزوات الرجال، و رأي أنه رجل لابد لبيته من مرأة، و رأي أن الحياء و الاقلال يحولان بينه و بين ما يطمح إليه كل رجل من زوج تدبر له المنزل، و تكشف عنه وحشة الوحدة، و ترزقه خير الاولاد، فزوجة (سمية) بنت خياط أحب أمائه إليه و أحظاهن عنده و أكرم الاماء جوهراً في ذاتها و طهارتها. ثم كان من بره بحليفه، وقَدْره الدقيق لمشاعره الحرة تحرير أبنائه من (سمية). لم يسأله ياسر ذلك، ولكنه هو أحس ما بنفس ياسر فرفع عنه بأريحية صناعة إنتاج العبيد و الاماء، و كان أفضل (نقوط) عند ياسر حرية بطن سمية التي وقع منها على كنز، أي كنز.

أوضاع مكة:

درج الصبي عمار ناضج الصبا، خامر الطفولة، يثب إلي النمو و ثوبا، و يسبق الزمن إلي اكتمال الرجولة و استيفاء الذكاء جميعا، و كأن ما بنفسه من طموح أعانه على القفز، و ألغي عنه ما يفرض على غيره من حكم الزمن، و انتظار إذنه في الانتقال من مرحلة إلي مرحلة. و من دور إلي دور، و من هيأة إلي هيأة.

وشب الصبي الكبير. فهو الآن يقرب من العشرين إن لم يكن بلغها بعد، ذو هدى و وقار و بر بوالديه، و رفق بعشرائه يعفي الناس من شره و يعفيه الناس من شرورهم فهو صامت غاديا و صامت رائحا، ذاهب في الجومن غدوه و رواحه مطرقاً يرفع نفسه عما يدنس غيره من سادة مكة و عبيدها، و بيضها و أحابيشها ممن أبطرهم الغناء و أفسدهم الرخاء، و مال بهم ا لطيش إلي سفه و مجون و تشدق و وقوع في أقوات الناس و أعراضهم.

وحسب الذين تعودوا صمت (عمار) أنه صمت الغريب المستضعف، يسبغه و يضفيه، فيحسن إسباغه و إضفاءه أدب في نفسه، و وداعة في طبعه، ولين في مزاجه، و انصراف عما يعنيه. أما الذين عاشرو حق المعاشرة، و بلو دخائله

 

/ صفحه 309/

حق البلاء فكانوا يعملون أن لصمته مصدراً آخر أعمق من هذه المصادر كلها، و أن كانت هذه لمصادر حق تؤثر فيه الصمت، و تطبعه عليه. أما المصدر الخطير فكان تفكيراً ملحاً من تفكير حنيف ـ كما كانوا يقولون ـ أو وعي حر ـ كما

تعودنا أن نقول اليوم ـ من وعي ا لاحرار المفكرين، و كان الوعي في عهده متململا يبرق إلى الواعين، و يخامرهم، و يؤامرهم، و يحثهم حثاً عنيفا على إعادة النظر بهذه الوثنية المظلمة، و بهذه العادات الرثة، و بهذه الانظمه البالية، و لكنهم كانوا يخشون الجهد، و يخافون الظهور، و لا سيما مستضعف كعمار، أكبر حجته في بقائه بمكة خلف أبيه لابى حذيفة، وكل قوته أنه منسوب إلي هذا الزعيم من مخزوم، فما أحراه إذ يضطرب و عيه بعيب للالهة، أو نقد للتقاليد أن يتخلي عنه أبو حذيفة، و ما أحراه إذ يتخلي عنه أبو حذيفة أن تمزقه السياط، أو تتقاذفه الغلمان، أو تتخطفه الشياطين، فيذهب من أجل هذا صامتا صمته العميق المفكر، مودعا سادة قريش موادعة أحلافهم و عبيدهم، منتظراً مع هذا و ذاك رجفة الزلزال التي يحسها في نفسه، و يحسها في نظرائه، و يحسها في سير الاحداث.

وكان خلال صمته ينتقد بينه و بين نفسه، و ربما انتقد بينه و بين أبيه مصير مكة في عهده، و سوء منقلب سادتها أو أكثرهم ممن أسرفوا على مكة و على الناس و على أنفسهم، فارتدوا جبابرة يوشك أن يبدلوا أمن (البيت) خوفا، و يعيدوا بشاشة الحياة عبوسا، ويردوا رجاء العيش شدة، فهؤلاء سفهاء من أمية و جمع و سهم وعدى، لا تكفيهم أفياؤهم و مرابحهم، و لا تسد شهواتهم القيان و من استزلهن الشيطان من نساء الحاضرفة حتي يسطوا بتجارة الغرباء، و يغلبوا الزائيرين على بناتهم، فيبلغوا حاجتهم من الاموال و الاعراض بغزو أبشع من غزو البادية و أشنع و أشد استهتارا.

قال لابيه مرة: ويح هؤلاء السفهاء، ألا يتقون شر هذه البدع المنكرة في قدس بلدهم الذي به يحيون، إن لم يتقوها في زكاة أنفسهم، و تقوى ضمائرهم، ألا ينظرون إذا تسامع بشأنهم الناس من حجاج (البيت) و مصر في التجارة، أن يخلعوهم من (البيت) و يزيلوهم من الحكم، أو يقاطعوهم إذا لم يستطيعوا

 

/ صفحه 310/

إلي خلعهم و إزالتهم سبيلا، فيميتوهم فقراً و مذلة و هوانا؟ ما رأيت طيشاً كطيش هؤلاء السفهاء! و لا يرى طيش كطيشهم يفسد على صاحبه آلة العيش بله عفة النفس و باحة الضمير!

فقال له ياسر: أراك منذ اليوم تكبر على سنك، و تسمو فوق شأنك، أتسوق إلي هذا الحديث من نفسك؟ أن ألقي به

اليك ملق أراد بك شراً؟

قال عمار: لم يلق إلي بهذا الحديث إلا عيني المبصرة، و أذني السامعة، نقلناه إلي نفسي، ثم لم تنقله نفسي إلي أحد قبلك، ولم تنقله إليك إلا هذه الساعة، و إن كنت لاعلم أن نفراً من الصعاليك أمثالي ليئنون أنيني، و يشكون شكواى. أترى تقر أعين الناس و تطيب نفوسهم بما تنكر الاعين و الانفس، من استرقاق الرقيق، و استضعاف الضعيف، و امتصاص الجهود باسم آلهة هي أشد رقا من الرقيق، و أعظم ضعفاً من الضعفاء؟

فقال له أبوه: قد أعلم ما تعلم يا بني، و أوقن بما توقن، و أزيد فاسمي لك نفراً من العبيد و الاحلاف و بعض أبناء البيوت يشوكهم ما يشوكك، و لكن أكنم؟؟؟ هذا في نفسك، و لا تجاوزة إلى أحد ممن في هذا الوادى، إن يذع عنك هذا النقديُثر عليك و على شراً لا نقدر علىّ دفعه، و لا نقوى على تحمله، و تعلم ـ يا بني ـ أن لهذا (البيت) ربا يحميه، و يكشف عنه كل ضر، أنت لم تكن يوم (الفيل) فقد كنت رضيعاً، و قد كنت أنا و شهدت يومه فيمن شهده، و رأيت كما رأي الناس عجبا، رأيت سيد قريش: عبدالمطلب بن هاشم، يأمر أهل مكة أن يخلوا بين (أبرهة) الحبشي و بين (البيت) و لم يكن له و لا لقريش قبل بلقاء جيشه الجرار المنظم، و رأيته مطمئناً يذيع الطمأنينة في أهل مكة، ويعدهم النصر دون قتال، و كنت يائسا ـ و لا أكتمك ـ في مكة مع اليائسين، شاكا بوعد عبدالمطلب مع الشاكين، و لكنى رأيت بأم عين هذه جيش (أبرهة) ممزقا شر تمزيق، منكلا به شر تنكيل، فما كاد يوعر الحبشي إلي جيشه بالهجوم، حتي غام الجو و اضطرب، و أخذه مخاض شديد، ثم أقبلت من مجاهله سحب من طير صغار تحمل في مناقيرها و أرجلها حصى صغارا، ثم ترمي الجيش المعتدى من

 

/ صفحه 311/

حصاها بوباء، فلا ترمي إحداهن الحصاة الصغيرة على رجل إلا خرقته و نشرت فيه دائين من حصبة و جدرى، و ما هي غير ساعة حتي انكشف العدو مقطعاً و انتصر (البيت) موفوراً، و جعلت الطير مشكورة، و نزلت السماء تغسل بقايا الوباء. و منذ ذلك اليوم تعلمت أشياء نافعة كثيرة، تعلمت الايمان برب البيت الذي يعبده عبدالمطلب، لابهؤلاء

الارباب الذين تعبدهم عامة قريش، وتعلمت أن إيمان المؤمن المستضعف أقوى من قوة الظالم المتعجرف. و تعلمت ألا أزيد بانتصارى للحق على طاقتي، و لا أعدو فيه طورى، نازلا عن قيادته لاصحاب القيادة و أكفائها، كما نزل عبدالمطلب لربه عن حماية (البيت) فيما أعجزه من حمايته، دع هذا الأمر ـ يا بني ـ لاصحابه، فأنت بالقياس إلي هؤلاء السفهاء أضعف من عبدالمطلب بالقياس إلي جيش ابرهة، و بنو عبدالمطلب في حرصهم عى قداسة (البيت) و أمن بلدهم و قدرتهم على الاخذ بأعراف هؤلاء السفهاء، حيث لا تقاس إلا بأحد غلمانهم، فدع لهم أو لواحد منهم أن يتحدث بهذا الأمر و يفشيه بين الناس، فانه إن يفعل لا يجد أحد في مكة إليه سبيلا، و عساه إن فعل أن يبلغ من تأديب هؤلاء السفهاء ما يرضيك و يرضيني و يرضيه، و سواء أبلغ من تأديبهم ا لحاجة أم لم يبلغها، فهو من حاليه في حصن من الاذى، و في قمة من طاعة الناس لأمره، و أصغائهم إلى قوله، أما نحن ـ يا بنى ـ فليس لنا من الامر غير الرضوخ و الصبر، فان أبينا سلخوا جلودنا كما تسلخ الشياه، ثم لا ينتطح في محنتنا عنزان، و ليتنا إذا نسلخ نبلغ الحاجة من تعميم الخير، و إفشاء العدل، إذن يكون ثمننا مغريا، و لكننا لن نجد إذ نحدث الناس بهذه الامور غير الاسخفاف و السخرية و لن نجد إذ نضحي غير اللوم و التقريع من جزاء. ألا تعليم يا بني أن التحدث بأمور العامة في نظام كنظامنا الحاضر وقف على القوياء من السادة و القادة و الاشراف و النبلاء، و أنه محرم علينا نحن الضعفاء من الارقاء و الحلفاء و الصعاليك و الدهماء.

و آخر ما أوصيك به أمران: أن تؤمن برب هذا (البيت) من إله عبدالمطلب لا آلهة قومه. و أن تثق بهؤلاء النفر من هاشم، فهم ـ فيما رأيت و بلوت ـ أصحاب الخير في هذا الوادى، وعسى أن يكون لهم شأن في شكايتك هذه هم بالغوه في هذه الايام.

 

/ صفحه 312/

بهذا تحدثني نفسي حديثا أستيقنه جملة، و أجهله تفصيلا، و ما أدرى ما يأخذني من تربك: (الصادق الامين) كلما رأيته. إن له طلعة لمحتها تضمن بشر عام و خصبه، و قد كان جده عبدالمطلب يتوسم به أعظم الخير، و ينتظر أن يكون له شأن من شئون السماء.

قال عمار لابيه: لست أعدو لك رأيا، و لا أخالف لك أمراً، و لكني رأيتك تخضع الهاشميين إلي إله غير آلهة قريش، فما هو هذا الاله؟ و ما مكانه؟ و ماذا عساه أن يكون؟ و لماذا لا يظهرونه كما يظهر الاخرون آلهتم؟

قال ياسر لابنه: أنه لا أعرف إله الهاشميين معرفة كاملة، ولكني أدرت فيهم و في قومهم ما يمكن أن أدير من عقلى، فوجدت لهؤلاء رأيا جميلا في الله، و رأيا جميلا في الحياة ليس لقومهم مثلها: و ليس إله عبدالمطلب إلها مصنوعا لا ينصر إلا أن ينصر، و لا يعطي إلا أن يعطي، بل هو إله صانع ينصر و لا يستنصر، و يعطي و لا يستعطي، ألم تر إلي ما حدثتك به من أمر (ابرهة) و جيشه؟ ألم تر إلي تلك الطير الضئيلة التي لا نعرف مثلها في النسور، و إلى حصواتها الصغار التي لا نعرف مثلها في الصخور، كيف أهلكت جيشاً لم تثبت له اليمن؟ ذلك كله مظهر من مظاهر القدرة في إله عبدالمطلب. فأين منه آلهة الناس مما يصنعون من تماثيل و دمي عمي صم بكم لا تعقل، و لا تدفع عن نفسها شراً ان أردناها بشر، و إله مثل إله عبدالمطلب ـ يا بني ـ خليق أن يكبر على طاقتنا، فلا يخضع إلي تصرفنا كي ننقله أو نحمله أو نعبث به كلما شئنا، كيف شئنا.

قال عمار: لست أعني بإظهاره تجسيده، و لا تمثيله، و لا نقله من عليائه إلي مصاف هذه الاحجار الصم العمي البكم، فليكن إظهاره بإظهار أمره و إفشاء سره و إعلان قدرته.

قال ياسر: لكل أجل كتاب ـ يا بني ـ لا يسبقه و لا يتأخر عنه، و كيف يتأتي لعارفي هذا الاله العظيم إظهار أمره قبل تحرير الناس من سيطرة الخرافة، و قيد العادة، و عبادة الذات، و سحر الوهم، و هذه كلها جنود مجندة، لا تكاد

 

/ صفحه 313/

تحس المتحرر حتي تأخذ عليه الافاق، و تسد عليه الطرق، و قد رأيت عبدالمطلب برغم ذلك يتأتي الفرصة، و يسعي في مهل إلى خدمة ربه دون أن يحفظ قومه أو يريبهم فيفاجئهم شيئاً فشيئا بسنن و تنظيمات تعدهم لما يسميه (الحنيفية) من دين جده إبراهيم، و من حكمته ـ في تأتيه الفرصة و تحينها ـ أنه بدأ بنفسه، فاجتنب الخمر على أنها رجس، و لم يحرج قومه بحملهم على اجتنابها، مكتفياً بهذه السلبية التي تقبح عادة من عاداتهم، و تسفه حلما من

أحلامهم، و تنزل من عقول عقلائهم منزل القدوة، ثم فارقهم في حقيقة دينهم كله بسلبية أخرى دون إكراه، و ذهب إلى غار (حراء) يتحنث وينسك معتزلا آلهتهم متوجهاً إلي إلهه بصومه وعبادته، مكتفياً أيضاً بسلبية تحقر الاوثان تحقيراً غير مباشر، و تشنع على الوثنية و الوثنيين تشنيعا دوى في صدور الاحناف، ثم تجاوز حقل الدين إلى حقل الحياة بثورة أخرى على شكل آخر، فأهان (أسافاً و نائلة) إلهي النحر و الاضحيات، بحفره عندهما بئر زمزم، و قده تكلف بهذه الثورة بعض الجهد، و احتمل بعض المشقة، و لكنه انتصر، و أعلن من نصره هذا نصرين عظيمين، على الخرافة و التقاليد، انتصر على (أساف؟؟؟ و نائلة) باستخفافه بهما، و إعلانه ضعف خطرهما وانتصر على عجز الانسان باكتشافه ماء زمزم: هذه البئر التي لا تنزف أبداً و لا تذم. ثم كانت له آيات أحدثت في سور القوم المسحور كثيراً من الصدوع، و فتحت به كثيرا من اثغر، في جهاد صادق كان يصرع الاوهام في هذا البلد شيئاً بعد شيء، و يؤلب عليها أهله و الاقرب من عشيرته و صديقه، فإذا جاء اليوم الخطير وجد طريقه ممهدا.

قال عمار: و لماذا لم ينصره ـ يا أبت ـ ربه نصراً حاسما بآية كطير أبابيل، و ما باله يؤتيه النصر شيئا بعد شيء كالمدين المطول لا تطيب نفسه بالوفاه جملة، فيسدد دينه أقساطا.

قال ياسر: هذه مسألة قد يكون علمي أقل من الجواب عليها: و قد يكون عند أبي طالب حلها أو بعض حلها، ولكني أظن رب عبدالمطلب ربا في قدرته الهائلة غنيا في ذاته، و إنه في قدرته الهائلة رب رؤوف حليم غير ذى انتقام،

 

/ صفحه 314/

فهو في غناه الذاتي قادر على الامهال، نشيط على الصبر، كالدائن السمح يسدى بالادانة أبادى عدة لا يداً واحدة: يداً في الدين، و يداً في أرباح الدين، و يداً ثالثة في إمهال المدين حتى يدركه يسار النفس و يسار المال، وهو في غناه الذاتى بعد هذا كله حيث لا يضره غي الناس، و لا ينفعه رشدهم، فسيان عنده علموا أوجهلوا، وسيان عنده سفهوا أو عقلوا، و سيان عنده شقوا أو سعدوا، لا يناله من أحوالهم كلها ربح و لا خسارة، و إنما يريد لهم ما يريد من خير، و يأبي لهم ما يأبي من شر، ثم لا يليق بغناه الذاتي فقر التدخل بأحوالهم على نحو الجبر، لذلك لا يكرههم على الفضيلة إكراها، و إنما

بخيرهم، و يخلي بينهم و بين ما يشاؤن من فضيلة أو رذيلة، في أناة من لا يخيفه الفوت، و لا يعجزه الطلب.

وهو من رأفته، بمكان الالوهة ; ينظر منه إلي أعدائه نظرة الي أصدقائه، كلهم عباده، و كلهم عياله، و كلهم حرى عنده أن يحيي و يعيش و يسعد، لا يأتي التفاوت في هذه الامور من قبله، و إنما يأتى من قبلهم، صدره ليس ضيقا كصدورنا ـ يا بني ـ بالحقد، حرجاً بالحسد، فواراً بالنقمة، بل هو صدره الرحب الفسببح الخافق بالحب و الرحمة و الغفران،

لم يكن حالذاك إلها، و إنما كان ملكا جباراً تعروه الخطئية، ثم يجب عليه القصاص، ثم إذا فعل ما تتمناه أنت من معاجلة الناس قل لي: من يبقي من البشر على وجه البسيطة؟ و إذا أخلي البسيطة من الناس، قل: من ذاالذي يعرفه بعدهم؟ و ما الفائدة بعد ذلك من الانظمة و الشرائع و القيم؟ بل ما ذا يبقي للحياة كلها من الغايات و الاغراض و الاهداف؟

تعلم ـ يا بني ـ أن رب عبدالمطلب رب لا أطول من أناته، و لا أوسع من رحمته، و لا أغني من ذاته، لا يكره بل يخير. و لا يعنف بل يلطف، و لا يعجل بل يمهل و لا يعسر بل ييسر، و قلما يظهر من قصاصه، ثم لا يقتص إلا إذا طفح الكيل،

الخيط الضعيف الذي يشد الارض إلي السماء.

قال عمار لابيه: لله حرة انكشفت عنك ـ يا أبتي ! إنني لأشرب كلامك

 

/ صفحه 315/

هذا كما أشرب الرحيق، فينشر في نشوة سأسأل شاربي الخمر عن دبيبها، يخيل لي ـ يا أبه ـ بعد الذي سمعت أنك لست إنسانا، وإنما أنت ملك يغرس في ريش من أجنحته، بقيت عندى مسألة لا أحب أن يفوتني علمها.

قال ياسر لابنه: قل و خلاك ذم إن يكن عندى خير فهو لك.

قال عمار: يا أبتي رأيتك تعظم من بني هاشم ما لا تعظم من بني مخزوم، و قد أعلم أن بني هاشم أرفع مكانه، و أعز نفرا، و لكن مخزوما حلفاؤك، و ذووا الفضل عندك، أليس من الوفاء لهم أن تحبس عليهم ميلك.

فقال له أبوه: و صلتك رحم يا بني. أنا إنما أعظم الحق بمعزل عن هاشم و مخزوم، و لو حدثتك بحديث القلب و العاطفة لكنت جديراً بالميل إلي أحلافي كما زعمت، ولكنى أعلم أن ميلى العصبى ككل ميل عصبى، لا يغنى عن الحق

شبئا، و لا يغير منه شئياً، و قد رأيت بعيني رأسي و عيني يقيني ـ و هن أربع ـ أن الفرق بين هاشم و بين عامة قريش، و أفضلهم مخزوم، كالفرق بين إله هاشم و بين آلهة قريش. أولئك أرواح برة نشيطة عاملة مدركة، و هؤلاء تماثيل جامدة ثقيلة بغيضة، فإذا تحركت لم تأت بخير.

خذ الحق ـ يابني ـ حتي من نفسك، فورب عبدالمطلب لو فارقتني أنت فيه لفارقتك، و لكن أعظم برى بك و حبي إياك أن أدخلت عليه، أو أدخله عليك ما استطعت، فإن لم أستطع كان أعظم حبي أياك وبرى بك أن أرثي لحالك من بعد هذا قياس وفائي لمخزوم: أهبها قلبي و أمنع عنها عقلي إلا في الحق فإن خالفت الحق رجوت لها أن تعرفه، و هذا أعظم الوفاء.

و بلغا من حوارهما هذا الحد.

قال المحدث: و كان حوارهما هذا من حديثهما الصباحي، و كان صباح (مكة) صباحا قرشياً مترفاً، و تحتشد فيه الاندية، و يطيب فيه الحديث، و كان ياسر يتخلف عن نادى بني مخزوم أحيانا ليجلس إلي ابنه يجاذبه كلاما هو أشبه بالدرس منه بالعبث و المفاكهة اللذين تصرف بهما قريش السأم عن الوقت، و كان لياسر

 

/ صفحه 316/

من ملاحظته و عقله و تجربته و حكمته اليمانية ما يؤهله أن يقع من ابنه موقع المعلم من التلميذ.

قال المحدث: وقطع عليهما حوارهما ذلك الصباح هتاف هبط عليها من (أبي قيس) كما هبط على غيرهما، و على غير بيتهما، من متحدثة (مكة) و أنديتها، و قطع من الاحاديث كلها ما قطع من حوارهما ذاك، و أنصتا فاذا الهتاف يهبط من (أبي قبيس) نقياً صافيا حاراً مثيرا يبعث الروع و الروعة جميعاً، و تابعاه بكل حسهما، و بما اقشعر من بدنيهما، فإذا هو يردد هذه الابيات في نقاء و صفاء و حرارة و إثارة:

يا للرجال لمظلوم بضاعته *  *  * ببطن مكة فائي الحي و النفر

و محرم أشعث لم يقض عمرته *  *  * يا أهل (فهو) و بين الحجر و الحجر

هل منصف من بني (سهم) فمرتجع *  *  * ما غيبوا؟ أم ضلال مال معتمر

قال عمار: أرأيت ـ إلي ماحدثتك عنه من سفه هؤلاء؟ لقد بلغت الشكوى منهم رؤوس الجبال:

فقال ياسر: ما شككت ـ يا بني ـ أن طفولتك تنفتح عن شباب رشيد، ولكن احفظ عني ما أمرتك به في صدر حديثى آنفا، وأنهض الآن فاقتص لنا أثر هذا الخبر، ما خطب هذا الهاتف يصابح (مكة) بهذه الشكوى المرة؟ و ما عسي (مكة) أن تردد على هذا المظلوم من مظلمته الصارخة؟

و لما عادالي ياسر قال لابيه: لم يخطيء علمك ببني هاشم من صلاحهم شيئا. كان الهاتف رجلا من (زبيد) أقبل إلي الحاضرة ببضاعة ثمينة ابتاعها منه أبو عمرو العاص بن وائل السهمي، فآواها إلي بيته و لما يدفع ثمنها لاخي زبيد، ثم غيب وجهه، و يطلبه الزبيدى فيعجزه الطلب، و يبتغي متاعه فيمتنع عليه المتاع، و يلتمس بني سهم يشكو اليهم أخاهم فلا يجد وجوها، بل يجد أقفية، و يبلي في طلب حقه بلاء حسنا، فيطوف على أندية قريش من ظهراء (سهم) فلا يجد غير اعتصاب على الاعتصاب، و غير ممالاة على الغزو المجرم، و غير عفو من الجميع عن العاص

 

/ صفحه 317/

يشترى منه عفواً عن مثلها يأتيها حرب بن أمية، و أبي بن خلف و غيرهما من فتاك مكة و عصابتها. و انتهي آخر الأمر إلي (أبي قبيس) يشكو أمره إلي قريش مجتمعة، بعد أن شكا إلي أكثرها متفرقة، راجياً أن يكون لشكواه المعلنة شأن و تأثير، و يرسله ـ كما سمعنا ـ صوتا يهوى من العلياء كما ينزل الصوت من السماء.

قال عمار متابعاً: و لقد جهدت أن أحس وقع هذا الصوت العادل، و أرى إلي أثره المرجو في هذا الحرم من وطن السلام، فلم أجد غير قفر يبسط ظله الصحراوى على كل مكان إلا واحة تنشز فتهتز للنداء اهتزاز نجدة و أريحة و إيمان.

قال ياسر: لعلك انقلبت عن نادى الزبير بن عبدالمطلب؟

فقال عمار: ما أعملك بهؤلاء النفريا أبته؟ و قد تركته يتحرك في اتجاه حلف يضع حداً لهذه المهازل، لكأنك تنظر إليه بما حدثتني عن رجل الانقلاب و صاحب الساعة.

قال ياسر: ما ظننته هو بالذات، و ما أظنه صاحب الساعة التي أعنى، و إن كان لمن معدآنها وأسبابها. و مالك تعجل و لكل أجل كتاب؟

قال المحدث: و ولع الصبي بعد ذلك و لوعه الهائم بالعدل، و أولعه العدل بالهاشميين ذلك الولوع الهائم أيضاً. و كان بكر اهتماماته اهتمامه بنتائج صفقه الزبيدى.

غدا على أبيه مرة عادياً، و قص عليه قبل أن يلفظ أنفاسه النبأ التالي:

أثمر مسعي الزبير بن عبدالمطلب، فاجتمع له مؤتمر عقده في دار عبدالله بن جدعان التيمى، و ألفه من بنى هاشم و بين أسد و بني زهرة و بني تيم، و حضر معهم تربي (الصادق الامين) فتماسوا بأكفهم، و تحالفوا ليكونن مع المظلوم حتي يؤدوا له حقه، ما بل بحر صوفة، فلا يظلم بمكة غريب و لا قريب، و لا حر و لا عبد إلا كانوا معه حتي يردوا له مظلمته من أنفسهم و من غيرهم، و تحالفوا على التأسي في المعاش، و التساهم بالمال أيضا. و قد أسمى الزبير حزبه هذا (حلف الفضول). و كانت أولي ثمراته انقاذ حق الزبيدى من فرعون بني سهم.

وأقبل على أبيه ذات يوم يقص عليه: دخل السوق تاجر من بني بارق فباع

 

/ صفحه 318/

بضاعته من أبي بن خلف الجمحي، و هو ـ كما تعلم ـ مطول سييء المخالطة، فاضطر البارقي لرفع أمره إلي حلف الفضول، و يقول له الزبير: أخبر أبيّا أنك أبلغتنا شكواك ثم عد إلينا إذا لم يخرج إليك حقك. فأتاه فأخبره فأخرج إليه حقه.

وقص عليه مرة فقال: قدم خثعمي إلي مكة تاجراً، و معه بنت اسمها(القتول) وهي أوضأ فتاة، و أصبح نساء العالمين، ويراها نبيه بن الحجاج السهمي فيرى منها ما يبهره، و يطير نفسه حولها فيؤالي أن يطبق عليها وينزعها من يد أبيها.

ويقتحم عليها و جه أبيها و صدره، ثم يتركه بعدها خزيان أسفا، يقلب في أثرها طرف خاسر حائر خائر، و يقال له ـ و هو سادر ـ: عليك بحلف الفضول، و كأنما أدركه الفرج، فينشط و يعود من حلف الفضول و معه رسل الزبير إلي نبيه يأمرونه

بإخراج الفتاة إلي أبيها، فيناشدهم نبيه أن يمتعوه بها سواد ليلة، فيقولون له: قبحك الله ما أجلهك! و الله و لا شخب لقحة. أخرجها و إلا. فيخرجها صاغراً، و تخرج مكرمة.

ويقول ياسر لابنه: كان عبدالمطلب قبل (الفضول) و كانت رسله تحل هذه المشكلات، أغرى حرب بني أمية أحد رحاله باغتيال ثرى مستضعف، و اغتيل المسكين فاحتاز حرب تركته، و رفعت القضية إلي عبدالمطلب، فأعاد سيد قريش التركة إلي الورثة، و غرم حرباً دية القتيل مائة ناقة.

ثم ترم الايام آخذاً بعضها برقاب بعض، و عمار يغدو على أبيه من أطرافها و يمسي بخبر من هذه الاخبار، و بفكرة من هذه الفكر، لا يمل هو، و لا يمل أبوه، و لعل أباه أعرف منه بهذه الاخبار و هذه الافكار، و لكنه يصغي إليه إصغاء المشجع، و يعلق على أخبار تعليق المربي، و كان بعد كل إصغاء، و بعد كل تعليق يأمره بالتحفظ، و يوصيه أن يحفظ ما يأمره به، و كان الصبي يختم كل قصة و كل فكرة بقوله: لله أبوك يا أبتي. لم يخطي ء علمك ببني هاشم من صلاحهم شيئا.