بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة التحرير

آية كريمة من كتاب الله عز و جل في سورة الشورى، ترسم المنهج الراشد الذي يجب على كل داع الى الخير و الاصلاح أن ينتهجه، بهاخاطب الله رسوله الكريم يوم كانت دعوته ناشئة يناهضا الشرك المستاصل في قبائل العرب، و الحسد الكامن في طوائف الذين أورثوا الكتاب، فكانت الصراط السوى للسالكين، و الاسوة الحسنة للمقتفين .

تلك هي قوله تعالي: «فلذلك فادع» و استقم كما أمرت، و لا تتبع أهواءهم، و قل آمنت بما أنزل الله من كتاب، و أمرت لاعدل بينكم، الله ربنا و ربكم، لنا أعمالنا و لكم أعمالكم، لا حجة بيننا و بينكم، الله يجمع بيننا، و إليه المصير» .

عشر جمل في آية واحدة، هن جماع الخطة الراشدة، لمن دعا إلى الإصلاح و أراد الفلاح .

فقوله تعالي : «فلذلك فادع» الاشارة فيه للدين الواحد الذي أنزلته السماء على ا لارض في حقب التاريخ المختلفة، منذ عهد الرسول الاول نوح، إلي عهد خاتم النبيين و المرسلين محمد، صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين، ذلك الدين الواحد هو الإسلام، و ما كان للله دين قط غير الإسلام «إن الدين عند الله الإسلام» «و من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه و هو في الاخرة من الخاسرين» و ما كانت التوراة إلا تفصيلا لبعض أحكام هذا الدين يناسب وقتها «يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادو»، و ما كان عيسي إلا مصدقا لما بين يديه من التوراة و مبشراً برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، و ما كانت الدعوة التي «وصى بها إبراهيم

 

/ صفحه 340/

بنيه و يعقوب» إلا دعوة الإسلام «يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا و أنتم مسلمون» و آيات القرآن الكريم تدل على ذلك أوضح دلالة، و لذلك يقول ا لله عز و جل فيما تشير إليه آية الشورى، مخاطبا الرسول الاخير و أمته: «شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا و الذي أوحينا إليك و ما وصينا به إبراهيم و موسي و عيسي: أن أقيموا الدين و

لاتنفرقوا فيه.

فالاسلام ليس هو «الوحدة» بين المتبعين لمحمد فحسب و إنما هو «الوحدة» التي تجمع ـ و إن أنكرت ـ بين المتبعين حقاً لرسل الله أجمعين، هو كلمة الله، تلقاها نوح، ثم تلقاها من جاء بعده رسولا بعد رسول، ثم تقلاها محمد، ثم تلقاها عنه الائمة الراشدون، و العلماء الصادقون، فما كان ينبغي أن تسمي هذه الدعوة في حقب التاريخ كلها إلا بما سماها الله به، أي «بالاسلام» و ما ينبغي أن تنسينا نسبتها إلي رسلها أو أقوامهم، حيث قيل «المسحية» أو «الموسوية» أو «اليهودية» أو «المحمدية» ما ينبغي أن ينسينا هذا ـ أنها هي «الإسلام» ثم ما ينبغي أن ينسينا هذا تلك الاسماء الطائفية التي اتخذناها، فنحن «المسلمون» قبل أن يتسمي فريق منا «بالحنفية» أو «الشافعية» أو «الزيدية» أو «الامامية» الخ.

ذلك ما تدل عليه الاشارة المقدمة المقرونة بفاء السبيبة في قوله تعالى:

«فلذلك فادع، و ما ينبغي أن يكون لنا ـ معاشر المسلمين ـ هدف إلا هذا الهدف نرمي إليه، و نحث عليه، و نقنع به العالمين.

وإذا عرف الانسان الهدف الذي يرمي ا ليه استراح، و كان عليه أن يعرف الوسائل المحققة له ليأخذ بها، و هذه الوسائل منها ما هو ايجابي عملي يتعين على صاحب الدعوة أن يضطلع به ويعمله غير متهاون فيه، و هذا ما يأمر به الله عز وجل في قوله: «واستقم كما أمرت» فإن أول ما يساور المدعوين إلى مبدأ من المبادى ء أن ينظروا إلى مسلك الداعين إليه، و سيرتهم في حياتهم،

وإن كانت الاخرى: انصرفوا عنهم، و اعتقدوا أنهم كاذبون فيما يقولون، أوهم به متجرون .

 

/ صفحه 341/

ومنها ماهو سلبي يراد به التحصن من الباطل، و مقاومة إغرائه باهماله، و ذلك ما ينهي عنه الله عزوجل بقوله «و لا تتبع أهواءهم» فالمصلح لواتبع الاهواء متهاونا أو متأولا أو مجاملا: اضطرب عليه أمره، و طمع فيه خصمه، و ساورت الشكوك قلوب أصحابه، فلن تكون له بعد ذلك قوة، و لن تقوم لدعوته قائمة.

و منها ما يراد به إنصاف العقول، و إدخال الطمأنينة على القلوب، فإن الداعي يجب أن يعلم أن دعوته ستعرض على عقول الناس، فإن رأوها حقاً استراحت عقولهم، ثم هم سينظرون إليها من زاوية حياتهم و ما به يطمئنون على مستقبلهم، فقد يكون الشيء حقاً في ذاته، و لكنه يجد المنكرين له، لانهم ترقبوا أن يكون رسوخه فيهم و بالا عليهم، أو وسيلة إلي ظلمهم و اهتضام حقوقهم، فهم يرفضونه، و إن آمنت به قلوبهم، استجابة لمصالحهم، و تلبية لعواطفهم، و لذلك أمر الله رسوله بأن يقول الناس جميعاً «آمنت بما أنزل الله من كتاب» ليطمئنهم إلي أنه ليس «بدعاً من الرسل» و إنما هو داع الى ما دعوا إليه، مؤمن بما آمنوا به: «آمن الرسول بما أنزل اليه من ربه و المؤمنون كلَّ آمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله، لانفرق بين أحد من رسله» و أمره عقب ذلك بأن يبين لهم في عبارة حاسمة أنه أمر ليعدل بينهم فلا يمكن أن يكون اختلافه و إياهم في العقيدة سبباً في ظلمهم، أو سبيلا إلى اهتضام حقوقهم، و انظر ـ أيها القارىء ـ إلى قوله تعالي «و أمرت لاعدل بينكم» حيث أتى بحرف اللام في قوله «لاعدل» و لم يقل «بأن أعدل» فانى أحسب أن السر في هذا التعبير هو أن يدركوا أنه مأمور من ربه بأن يسلك كل السبل، و يتوسل بكل الوسائل ليحقق العدل بينهم: يعلم ليصل لالعلم الى تحيق العدل، يقوى ليصل بالقوة إلي تحقيق العدل، يجنب العصبية في نظره و في حكمه، يحلم، يصبر، يتسامح أحيانا، كل هذا يفعله لخصمه كما يفعله لصديقه، فكأن المأمور به في قوله «أمرت» حذف ليعم جميع الوسائل التي بها يحقق العدل، و اكتفى بذكر الغاية التي يجب الوصول إليها في قوله: «لا عدل».

هذه هي الخطة التي رسمها القرآن الكريم لصاحب أعظم دعوة عرفتها الانسانية، و لها سر يتمثل فيما جاءت به الاية بعد ذلك من إفهام المختلفين بأنه لا داعي للاختلاف، و لا مصلحة لاحد الفريقين فيه، فكل منهما مسئول عما يذهب إليه من حق أو باطل، محاسب عليه حين يرجع الي ربه «الله ربنا و ربكم، لنا أعمالنا و لكم أعمالكم، لا حجة بيننا و بينكم، الله يجمع بيننا وإليه المصير».

وفي غير هذا الموضع من القرآن يرشد الله رسوله إلى

 

/ صفحه 342/

هذه الخطة الحكيمة أيضاً: «فإن حاجوك فقل أسلمت وجهى لله و من اتبعن، و قل للذين أوتوا الكتاب و الاميين أسلتم؟ فإن أسلموا فقد اهتدوا و إن تولوا فإنما عليك البلاغ» و إن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل و أنا برىء مما تعملون».

«ادع إلي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن».

«فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمصيطر».

فإذا كانت هذه هي خطة الإسلام مع من عاندوا الإسلام و كابروا فيه من ذوى الحجه الداحضة، و القلوب الغلف، فكيف يسوغ للمسلمين فيما بينهم أن يقوم فيهم ناعب لا هم له إلا أن يقطع أواصرهم، و يحل خناصرهم، و يجعلهم أعداء يتربص بعضهم ببعض، و يكيد بعضهم لبعض؟!

و إذا كان الله جل جلاله يرسم الخطة الراشدة لحمل العالمين على ا لاسلام، بالحكمه و الموعظة الحسنة، و الصفح الجميل و أخذ العفو، و الأمر بالعرف، و الاعراض عن الجاهلين، حتي تتقارب القلوب، و تتفاهم العقول، و يظهر الحق في جو من الصفاء و الهدوء، فما بالنا نسلك هذه السبيل فيما بيننا، فيحترم بعضنا بعضا، و يعذر بعضنا بعضا، و يتفاهم على قضايانا ذوو الاحلام الراجحة، و يكف عن الايقاع بيننا ذوو الاقلام الجامحة؟

أما والله لتلك دعوة التقريب، و إنها لدعوة الحق، و إن الله لهو الحق المبين «قل هذه سبيلي أدعو إلي الله على بصيرة أنا و من اتبعني، و سبحان الله و ما أنا من المشركين». محمد محمد المدني