/ صفحه 343/
سورة المائدة
- 9 -
النداء الحادى عشر ـ الصلة بينه و بين النداء الذي قبله ـ «وسطية» الإسلام ـ عرض إجمالي لما جاء في آيات هذا النداء،
الخمر: معاني المادة التي اشتقت منها في اللغة ـ اللغة و الشريعة على أن كل مسكر خمر ـ نقد القرطبى للكوفيين في قصرها على المتخذ من العنب ـ رأي «الامامية» الميسر: معاني ا لمادة التي اشتق منها في اللغة ـ كل قمار ميسر ـ أنواع القمار المستحدثة من الميسر ـ الانصاب و الازلام ـ معني كون هذه الاشياء «رجساً» و «من عمل الشيطان» ـ تدرج التشريع القرآني في تحريم الخمر و الميسر و بيان الحكمة في هذا التدرج استطراد توحى به الاية لفائدة التقريب ـ أسلوب
في شرحمها فوائد ـ نفى الجناح عن المؤمنين فيما طعموا: سبب نزول هذه الاية فيما رواه الجمهور و غيرهم ـ ترجيح رأي أهل البيت في معنى الاية و أدلة هذا الترجيح ـ فائدة التكرار الوارد في الاية.
النداء الحادى عشر:
انتهينا في العدد الماضى من الكلام على النداء العاشر من النداءات التي نادى الله بها المؤمنين في سورة «المائدة» و اليوم نستعين الله تعالي و نتكلم على النداء الحادى عشر من هذه النداءات، و هوقوله تعالي:
«يأيها الذين آمنوا إنما الخمر و الميسر والانصاب و الازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة
/ صفحه 344/
و البغضاء في الخمر و الميسر و يصدكم عن ذكر الله و عن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟ و أطيعو الله و أطيعوا الرسول واحذروا، فإن توليتم فاعملوا أنما على رسولنا البلاغ المبين، ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا و آمنوا و عملوا الصالحات ثم اتقوا و آمنو ثم اتقوا و أحسنوا، و الله يحب المحسنين».
الصلة بين هذا النداء و الذي قبله:
كان موضوع ا لنداء السابق على هذا: هو نهي المؤمنين عن تحريم طيبات ما أحل الله لهم، و أمرهم بأن يأكلوا مما رزقهم حلالا طيبا متقين الله، غير متحرجين من النعيم، و لا مائلين إلي التزهد و الترهب اللذين ظهرت بوادرهما في محيطهم،
و هموا بأن يلابسوا بعض صورهما، و غير متحرجين من أيمان كانوا قد حلفوها بالتزام هذا التزهد والترهب، فإن الله قد فرض للمؤمنين تحلة أيمانهم، وجعل لهم مخرجا بالكفارة حين يرون أن أيمانهم كانت في غير مصلحة خاصة أو عامة يرضاها الله.
هذا هو النداء السابق، و قد صدر عن مبدأ من مبادىء هذه ا لشريعة السمحة هو مراعاة حق الفطرة، و حياطة هذا الحق مما يصادمه أو لا يتفق معه، و لعمرى إن في هذا لوفاءً للانسانية، و إبقاء على عوامل نمو البشر، و على الخصائص التي خصهم الله بها، بل على الاسس التي هي قوام الحياة، و بدونها لاتكون حياة.
«وسطية» الإسلام:
و آيات اليوم في موضوع مقابل لهذه الاباحة للطيبات، و الأمر بأخذ الحظ منها، و عدم التحرج فيها، إنها في موضوع يحقق «الوسطية» الاسلامية، ونعني بها جعل الإسلام متبعيه أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس، و معايير و مقاييس لما هو خير و نفع و رشاد،
ويأمر الناس بأخذ الحظ منها تلبية لدواعي فطرتهم ينهي كذلك عن الخبائث ويحذر الناس من أن يقارفوها، أو يفسدوا حياتهم
/ صفحه 345/
الخاصة و العامة بها، لا تحكما بالتحليل والتحريم دون مبرر، و لا رعاية فحسب لحق الالوهية في الأمر والنهى، والاباحة و الحظر، ولكن مجاراة المنطق هذه ا لشريعة، فإن الذي يحل الشىء لما فيه من طيب و نفع، لابد أن يحرم ما هو ضار و خبيث، سواء أكان ضرره و خبثه يرجعان إلي الفرد، أو إلي المجتمع، و هذه هي «الوسطية» الاسلامية في الاباحة و الحظر، فلا إباحة مطلقة لكل ما في هدا الوجود، تجعل الانسان بهيمياً مادياً، و لا إسراف في الحظر و المنع يكون به الانسان محروماً من تذوق لذة العيش أو قاصراً عن القيام بما أريد له من عمارة هذا الكون ولكن بين هذا و ذاك إباحة مطلقة للطيبات لم يلاحظ فيها إلا أنها طيبات، و تحريم مطلق للخبائث، لم يلاحظ فيه إلا أنها خبائث.
و إذن فالصلة بين هذا النداء و الذي قبله واضحة لانهما طرفان منهما تتولد أو تتحقق الوسطية الاسلامية التي ما كانت إلا صدى للفطرية البشرية.
عرض إجمالي لما جاء في آيات هذا النداء:
و قد جاء هذا النداء في أربع آيات:
الاولي: حصر لامر الخمر و الميسر و الانصاب والازلام ـ و هي عناصر الشر و محيطاته و جوامعه ـ في كونها رجساً من عمل الشيطان، وقد ذيلت بالامر الصريح باجتناب هذا الرجس رجاء الفلاح.
و ا لثانية: بيان فيه شي ء من التفصيل للمفاسد التي يبتغيها الشيطان حين يزين للناس أمر هذه الاشياء من إيقاع العداوة و البغضاء بينهم، و من صدهم عن ذكر الله، و عن الصلاة، و قد ذيلت بجملة استفهامية قوية الدلالة على طلب الكف عن هذه الموبقات.
والاية الثالثة: قد تضمنت أمراً بإطاعة الله و إطاعة الرسول، لا شك أن المقام يقتضيه في هذا الموقف تأكيداً للنهى، و حثا على تقبله و الخضوع له، كما تضمنت تحذيراً مطلقاً غير واقع على محذر منه معين، ليفهم أن الخطر جسيم،
/ صفحه 346/
و أن ما ينبغي أن يحذر منه في هذا الشأن كثير، و قد ذيلت بتهديد عظيم لهم إذا تولوا عن طاعة الله وطاعة رسوله أو تهاونوا فلم يحذروا، و هو في معنى تحميلهم المسئولية كاملة بعد أن جاءهم الرسول بالبلاغ المبين، كأنه يقول: لا شأن لرسولنا بعد ذلك، و لاتقصير في حقكم، فان لم تنتهوا فاحملوا و حدكم إثم الاصرار، و مضار الاستكبار، وعاقبة هذا الفساد المبير، و ا لشر المستطير، فليس على رسولنا إلا البلاغ و البيان، و قد جاءكم بالبلاغ و البيان.
أما الآية الرابعة: و هي آخر الايات التي جاءت في هذا النداء، فهى في مقصدها و ما تقرره، شبيهة بالاية الثالثة التي آخر الايات في النداء السابق: كلتاهما تستل من قلوب المؤمنين ما لعله ساورهم من المخاوف على ما فرط منهم، أو ما عسي أن يفرط منهم، مخالفاً للحكم الذي تقرر، فالتي هناك تنفي مخاوف الذين أقسموا على أنفسهم أن يكونوا زاهدين
مترهبين، و مخاوف كل من مال ميلهم، أو أخذ نفسه بما أخذوا به نفوسهم و ذلك بالتصريح بعدم المؤاخذة باللغو، و تشريع الكفارة في الحنث، و التي هنا تنفى مخاوف الذين تناولوا شيئاً من هذه الاشياء المحرمة من قبل، و في حكمهم كل مقترف غير عامه جهل ففعل، ثم عرف فكف، و رائده التقوى والايمان و الاحسان، لا يبتغي مجونا و لا عبثا، و لا يتخذ أمرالله هزوا ولا لعبا(1) و قد ذيلت الاية هناك ببيان أن القصد الالهي من أخذ الناس بهذه الاحكام و تشريعها متسمةً بالرحمة والرفق، هو أن يشكر الناس ربهم «كذلك يبين الله لكم آيانه لعلكم تشكرون» و ذيلت الاية هنا بتقرير أن الله يحب المحسنين. و هو في معنى ما تقدم، لان الحب يفضى إلى رحمة المحبوب، و رحمة المحبوب تقتضى عدم مؤاخذته بما عسي أن يكون قد فرط
/ صفحه 347/
منه غير عامد و لا مصر، أو بما عسي أن يفرط منه من ذلك، وتلك المعاملة من الحبيب لمحبوبه تقتضي الشكر و عرفان الجميل.
و هكذا يتبين أن المعاني متجانسة، آخذ بعضها برقاب بعض، يمهد أولها لاخرها، و يؤكد آخرها ما حاء في أولها، و كلهاترمي إلي خير المؤمنين و مدهم بالتشريع الملائم لفطرهم، المتمشي مع مقتضيات حياتهم، الذي يحقق لهم السعادة، و يبعثهم على تذوق النعمة، فيشكروا ربهم الذي أسداها إليهم، و يسرها لهم.
* * *
بعد هذا البيان الاجمالي لما تضمنه هذا النداء: و للصلة التي بينه و بين ما سبقه من النهي عن تحريم الطيبات ; نعرض بشي ء من التفضيل لموضوع آيات اليوم، فنقول و بالله التوفيق:
الاية الاولي تحدثت عن أربعة أشياء: الخمر، و الميسر، و الانصاب، و الازلام فذكرت أنها رجس من عمل الشيطان، و
ـــــــــــ
1- و ذلك على رأي الجمهور في بيان بسبب نزول هذه الاية و اتصالها بتحريم الخمر حيث أثيرت أسئلة عن الذين مانوا من المسلمين و قد شربوها قبل تحريمها، فنزلت هذه الاية، و لنا في هذا بحث سيأتى في هذالا المقال رجحنا به في هذه المسألة رأي أهل البيت (عليهم السلام) لان الدليل معهم.
أمرتنا باجتناب هذا الرجس أو هذا العمل، لعلنا نفلح. فعلينا أن نعرف هذه الاشياء: ماهي؟ و أن نعرف معني كونها رجساً من عمل الشيطان، و أن ننظر في دلالة الكلام على التحريم، ثم في علاقة هذا التحريم بما يرجى لنا من فلاح:
الخمر: معاني المادة التي اشتقت منها اللغة:
فأما الخمر، فاشتقاقها من مادة (خمر) و من تتبع هذه المادة في ا للغة وجدها تدور بين معان متقاربة:
منها: الستر، يقال خمرة يخمره خمرا أي ستره، و كل شيء غطي شيئا، فقد خمره أي ستره، و منه خمار المرأة، و منه «خمروا آنيتكم» أي غطوها.
و منها: الكتمان، يقولون: خمر الشهادة إذا كتمها.
ويقولون: خمر فلانا أي استحيي منه، و خمر عنه أي توارى واستتر.
و يقولون: خامره في البيع مثلا أي خاتله، و خامر الشىء الشىء أي خالطه و قد خامره الداء أي داخله
/ صفحه 348/
اللغة و الشريعة على أن كل مسكر خمر:
و لذلك سمي المسكر خمراً لانه يستر العقل و يخامره و يختله، غير أن بعض اللغويين كابن سيده فسرالخمر بأنه عصير العنب إذا أسكر، و ذلك نقلا عن صاحب العين، فظن بعض الناس أن الخمر لا تطلق في الكقه إلا على هذا و هو خلاف الواقع، فإن اختيار المادة و اطلاقها على الشراب المذهب للعقل، دليل على أنه نظر فيها إلي ذلك، و أنه لم يرد تخصيص شراب معين بالاسم، و يقول صاحب القاموس: الخمر ما أسكر من عصير العنب أوعام كالخمرة، و قد يذكر، و العموم أصح، لانها حرمت و ما بالمدينة خمر عنب، و ما كان شرابهم إلا البسر و التمر، سميت خمراً لانها تخمر العقل و تستره... الخ» و قد ذهب إلي هذا أيضاً من اللغويين الجوهرى، وأبو نصر القشيرى، و أبو حنيفة الدينورى.
نقد القرطبي للكوفيين في قصرها على المتخذ من العنب:
ويقول القرطبي في الرد على القائلين بأن الخمر إنما هي عصير العنب «الاحاديث الواردة عن أنس و غيره على صحتها و
كثرتها تبطل مذهب الكوفيين القائلين بان الخمر لا يكون إلا من العنب، و ما كان من غيره لا بسمي خمراً و لا يتناوله اسم الخمر، و هو قول مخالف للغة العرب و للسنة الصحيحة و للصحابة، لانهم لما نزل تحريم الخمر فهموا من الأمر بالاجتناب تحريم كل ما يسكر، و لم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب ومابين ما يتخذ من غيره، بل سووا بينهما و حرموا كل ما يسكر نوعه و لم يتوقفوا و لم يستفصلوا و لم يشكل عليهم شيء من ذلك بل بادروا إلي إتلاف ما كان من غير عصير العنب و هم أهل اللسان، و بلغتهم نزل القرآن فلو كان عندهم تردد لتوقفوا عن الاراقة حتي يستفصلوا و يتحققوا التحريم، و قد أخرج أحمد في مسنده عن ابن عمر عن النبى (صلى الله عليه و سلم) قال: «من الحنطة خمر، و من الشعير خمر، و من التمر خمر، و من الزبيب خمر، و من العسل خمر» 1 هـ
رأي «الامامية»:
وقال الطبرسي في تفسيره: «مجمع البيان» بعد أن أرجع لفظ الخمر إلى معناها
/ صفحه 349/
الذي تفيده المادة في اللغة «هى كل شراب مسكر مخالط للعقل مغط عليه، و ما أسكر كثيرة فقليله خمر، هذا هو الظاهر في روايات أصحابنا، يريد الامامية راجع تفسيره عند قوله تعالي: «يسألونك عن الخمر والميسر» في سورة البقرة و قال عند تفسيرة لقوله تعالى «انما الخمر و الميسر» في سورة المائدة «مر معناهما في سورة البقرة» قال ابن عباس: بريد بالخمر جميع الاشربة التي تسكر، و قد قال رسول الله صلي الله عليه وآله: الخمر من تسع، من التبع ـ و هو العسل ـ و من العنب، و من ا لزبيب، و من التمر، و من الحنطة، و من الذرة، و من الشعير و السلت.
الميسر: معاني المادة التي اشتق منها في اللغة:
و أما الميسر فاشتقاقه من يسر الشيء ييسر يسرا، و المادة متنوعة المعاني كمادة «خمر» وهي مثلها أيضاً في تقارب معانيها، فتارة تفيد معني السهولة، و تارة تفيد معني الوجوب، و تارة تدل على الجزر فالياسر الجازر والميسر الجزور و تارة تفيد معني التجزئة، فكل ما جزأته فقد يسرته، و لهذا المعاني كلها شواهدها في الشعر و كلام ا لعرب، و قد استعمل
لذلك في معنى القمار، و القمار فيه هذه المعانى التي تعرفها اللغة العربية في مادة يسر، فإذا نظرت إلى معنى الوجوب فكل من الاعبين المقامرين ييسر شيئاً أي يوجيه، و هو ما يحق له أو لصاحبه بمقتضي المقامرة، و إذا نظرت إلي معني السهولة، فكل منهما يكسب المال سهلا يسيراً، و هما يكسبانه الفقراء سهلا إذ يوزعان لحم جزور الميسر عليهم و إذا نظرت إلي معني التجزئة وجدته، إذ كانوا يجزثون لحم هذا الجزور فيقسمونه أو يقتسمونه ـ و هكذا.
كل قمار ميسر:
وكل ما من شأنه أن يكون فيه مخاطرة و احتمال للربح والخسارة عن طريق المياسرة والمقامرة فهوحرام، و قد ورد في ذلك آثار و أحاديث و نقول عن ا لائمة و العلماء.
/ صفحه 350/
فمن ذلك ماروى عن الامام على كرم الله وجهه من أنه قال: الشطرنج من الميسر، رواه ابن أبي حاتم عن أبيه بسنده المتصل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على.
وروى عن عطاء و مجاهد و طاوس أنهم قالوا كل شيء من القمار فهو من الميسر حتي لعب الصبيان بالجوز، و عن راشد بن سعد، و ضمرة بن حبيب مثل ذلك و قالا: حتي الكعاب و الجوز والبيض التي تعلب بها الصبيان.
وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب الاسلمى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير و دمه».
و في موطأ مالك و مسند أحمد و سننى أبي داود و ابن ماجه عن أبي موسى الاشعرى، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و سلم): «من لعب بالنرد فقد عصي الله و رسوله»... إلي غير ذلك.
أنواع القمار المستحدثة من الميسر:
و من هذا يتبين أن كل أنواع القمارز المستحدثة داخلة في معنى الميسر، فالمراهنة على سباق الخيل ميسر، و لعب الورق ميسر، و لعب «الطاولة» ميسر، و «اليانصيب» ميسر، و لاعبرة بأن القصد من اليانصيب و نحوه تمويل المشروعات
الخيرية أو النافعة، فقد كان هذا مما يقصده اللاعبون في الجاهلية وكانوا يوزعون لحوم الجزر على الفقراء أو يقربونها للاوثان والإسلام ينظر إلي وسيلة الشيء كما ينظر إلي غايته فهو حريص على صحة الوسائل حرصه على صحة المقاصد.
الانصاب و الازلام:
وأما الانصاب فأصلها الاحجار تنصب أي تقام لغرض كأن تتخذ علامة تنصب ليهتدى بها القوم، والواحد نصيب، و نصب، و كما يقال في الجمع أنصاب يقال نصب، والله تعالى يقول: «كأنهم إلى نصب يوفضون» قرىء بفتح النون والصاد، و قرىء بضمهما.
وكان للعرب أحجار ينصبونها، ليست هي الاصنام، لان الاصنام كانت
/ صفحه 351/
مصورة و منقوشة، و هذه ليست كذلك، و إنما كانوا يذبحون عليها و يقربون قربانهم بتشريح لحما و نشره فوقها، و تلطيخها بدمائهم .
و أما الازلام فهي القداح جمع زلم ـ بفتحتين» أو بضم ففتح ـ: كان للعرب في الجاهلية قطع من الخشب على هيئة السهام التي لا ريش فيها، يستقسمون بها، أي يستعلمونها و يستخبرونها ما قسم لهم، و هي ثلاثة: أحدهامكتوب عليه: «أمرنى ربي» والثاني مكتوب عليه: «نهاني ربي» والثالث غفل ليس عليه شي ء، فإذا أراد أحدهم سفراً أو زواجاً أو بيعا أو شراء أو غير ذلك من شئونه أجال هذه الازلام، فإن خرج له الزلم المكتوب عليه «أمرني ربي» مضي لما أراد، و إن خرج له المكتوب عليه «نهاني ربي» أمسك عن ذلك و لم يمض فيه، و إن خرج الذي لا كتابة عليه أعاد الاستقسام.
وقيل في الازلام غير ذلك، ولكنه لا يخرج عن هذا المعنى في الاعتماد على ترجيح الفطع الخشبية التى تزلم و تسوى و يستنبئها الشخص فيما يفعل أو يترك.
هذه معاني الاشياء الاربعة التي جاءت في الاية.
* * *
معني كون هذه الاشياء «رجسا» و «من عمل الشيطان»:
و قد وصف الله هذه الاشياء بوصفين أحدهما أنها رجس والآخر آنهامن عمل الشيطان.
والعذرة رجس، و الكفر رجس، و النفاق رجس... الخ، و قد يسمي الغضب الالهي رجسا، و العذاب رجسا، و في القرآن الكريم: «فأعرضوا عنهم إنهم رجس» «و أما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلي رجسهم» «قال قد وقع عليكم من ربكم رجس و غضب» «و من يرد الله أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء. كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون»
«فاجتنبوا الرجس من الاوثان»
/ صفحه 352/
و كل هذه المواضع يبدو فيها أن المراد بالرجس الرجس المعنوى، و في القرآن الكريم موضع واحد أطلق فيه الرجس على ما يبدو أنه رجس حسي، و ذلك قوله تعالي: قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس» على إعادة الضمير في قوله «فإنه رجس إلى جميع ما تقدم ذكره في الاية».
ومن هذا يتبين أن الرجس معنوى و حسي، و أن أكثر ما عبر عنه في القرآن الكريم بالرجس أشياء لا يبدو فيها الرجس الحسي، و لهذا حمل الرجس في آية الخمر على القذر المعنوى لا الحسى، ورد بذلك قول من استدل به على أن الخمر نجسة العين، و لاسيما و قد عطف عليها الميسر و الانصاب والازلام: و هي مسألة خلافية فيها استدلالات أخرى، و كون الخمر رجسا معنويا ظاهر من آثارها السيئة و ما تجره من مضار خاصة وعامة، و هو ما أشارت إليه الايات فيما بعد بنوع من التفصيل، و كذلك القول فيما عطف عليها من الاشياء الاخرى، و هي الميسر و الانصاب و لازلام .
وقوله تعالي: «من عمل الشيطان» بيان و توضيح لكونها رجسا، فإن الشيطان يزينها للناس و يوحي إليهم ابتداعها و إنشاءها والافتنان فيها.
تدرج التشريع القرآني في تحريم الخمر
والميسر و بيان الحكمة في هذا التدرج:
بعد ذلك يأتي الأمر الصريح باجتنابها مشفوعا بتعليلين، أحدهما إجمالي وهو قوله تعالي: «لعلكم تفلحون» و الاخر تفصيلي، و هو قوله تعالي: «إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء» الخ.
و يحسن بنا أن نقف هنا وقفة نتأمل فيها موقف التشريع القرآني من الخمر والميسر، و تدرجه حتي انتهي إلي تحريمهما صريحا بهذه الاية، منتفعين بما في ذلك من عبر.
فمن المعروف أن القرآن الكريم لم يحرم الخمر و الميسر ابتداء ولكن ترك
/ صفحه 353/
الناس حتي شعروا بآثرهما السيئة في ا لمجتمع و بما لهما من مفاسد و بما ينجم عنهما من شرور، و كان من آثار هذا أن حدثت حوادث من السكر مثلا خرج فيها الشاربون عن طورهم، و ما يجب عليهم من الوقار، و احترام ذوى الاقدار فيهم، و أن صلي بعضهم صلاة فخلط في قراءته فيها خلطاً شنيعا، و قد أدت هذه الحوادث إلي أن يتكون في المسلمين شعور نفسى و إحساس قلبى، وبضرر الخمر و الميسر، وإلى أن يتطلعوا إلي معرفة حكم الله فيهما، فتمت بذلك حكمة الله تعالي في أن يأتى التشريع متطلباً والنفوس إليه متطلعة، والاعناق مشرئبة، و ذلك سر من أسرار بقاء التشريع الاسلامي و رسوخه، لان التشريعات التي تفرض فرضا قبل أن يشعر المجتمع بحاجته إليها، و قبل أن يدرك المفاسد و الشرور التي تعالج بها، أقول: إن مثل هذه التشريعات تأتى مصادمة للناس، فتولد فيهم روح المعارضة لها، و النفرة منها.
وقد ظهر فى المجتمع الاسلامي قبل تحريم الخمر و الميسر نزوع إلي هذا التحريم و تطلع إليه كثير من العقلاء، و جعلوا يسألون الرسول صلي الله عليه و آله و سلم عن حكمها، و هذا ما تشير إليه أول اية نزلت خاصة في ذلك و هي قوله تعالي في سورة البقرة: يسألونك عن الخمر و الميسر، قل فيهما إثم كبير و منافع للناس و إثمها أكبر من نفعهما» و صف الاثم بانه كبير، و عبر عن المنافع بعبارة تشعر بهوآنها، و قلة جدواها، ولكنه على كل حال لم يصادم الناس بانتزاعهم مما
هم به، أو أكثرهم، مقتنعون، بحكم العادة و الالف، و كأنه يريد منهم ان يدركوا بأنفسهم أن هذه المنافع لا تذكر بجانب الاثار السيئة، و المضار الكبرى، وترك لهم الفرصة حتي يتبينوا ذلك، و يؤمنوا به إيمانا عميقا، فكان هذا الطور من الاطوار التشريعية بمثابة تمهيد و إعداد، و قد فهم بعض الناس من هذه الاية تحريم الخمر و الميسر فكفوا عنهما، لانهم أدركوا أن النفع القليل لا يقام له وزن بجانب الضرر الكبير، و الاثم العظيم، و ذلك لان كل ما في الحياة له جانبان: جانب خير، و جانب شر، ولا يكاد يوجد شيء هوشر كله، ولاشيء هو خير كله،
/ صفحه 354/
و إنما للعبرة في كون الشى ء خيرا برجحان جانب الخير فيه على جانب الشر، و العبرة في كون الشى ء شرا برجحان جانب الشرّ فيه على جانب الخير.
ثم تقدم التشريع خطوة أخرى في سبيل التحريم جاءت على إثر حادثة الرجل الذي قرأ في صلاته فخلط، فنزل قوله تعالي: «يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة و أنتم سكارى حتي تعلموا ماتقولون» فكانت هذه الاية سبباً في أن يقلع كثير من المترددين عن الخمر و السكر، لانهم نهوا عن قرب الصلاة و هم سكارى، والصلاة هي العبادة الاولي في الإسلام، هي المناجاة للرب جل و علا في اليوم خمس مرات، هي النهر الذي يغتسل فيه الناس كل يوم عدة مرات من أدرانهم كما جاء في بعض أقوال الرسول صلوات الله و سلامه عليه، و هي بعد هذا كله فرصة كل مؤمن للاجتماع بالرسول والاقتداء به والانتقاع بما يدعو به لمن صلي معه.
إلي غير ذلك، فكأنه عز عليهم أن يحرموا ذلك كله من أجل الخمر التي تذهب بعقولهم، و تحول بينهم و بين أعظم غنم في نظرهم، فلهذا كف كثير منهم، وإن كان آخرون اكتفوا بأن يكفوا عنها في الاوقات التي تمنعهم من أداء الصلوات، و أن يشربوها في أوقات أخرى، فلما تهيأت النفوس تمام التهيؤ، وكثرت المفاسد و الشرور الناجمة عن هذين الامرين في المجتمع، جاء التشريع الحاسم القاطع، فنزلت هذه الايات التي نفسرها: «يأيها الذين آمنوا إنما الخمر و الميسر...» الخ.
قصر هماعلى وصف الرجس، بعد أن كان يشير إلي ما هو شائع عندهم من منافعهما الضئيلة، ثم أمر بأجتناب ذلك
الذي هو رجس من عمل الشيطان، بعبارة حاسمة هي قوله «فأجتنبوه» بعد أن كان يشير إلي هذا دون نص عليه، و كما مهد للحكم بوصف المحكوم عليه بأنه «رجس» و من عمل الشيطان» اتبعه ببيانين، أحدهما إجمالي يبين الغرض من التشريع و هو قوله «لعلكم تفلحون» أي إنما شرعنا لكم اجتناب ذلك رجاء أن تفلحوا، و الفلاح لفظ واسع المدلول، لايدع شيئاً من أسباب السعادة و الطمأنينة و الرضا و العافية إلا شمله، و الآخر تفصيلي يوضح به كون هذه الاشياء «من عمل الشيطان» مبرزاً آثارهما السيئة في المجتمع
/ صفحه 355/
بأسلوب قوى مؤثر، و ذلك قوله تعالى: «إنما يريد الشيطان» إلى آخر الاية، حيث ذكر العداوة و البغضاء، و هما جماع أسباب القلق و الاضطراب و الشقاء، و ألوان البلاء، و ذكر الصد عن ذكر الله و عن الصلاة فمس بذلك عاطفة الايمان في المؤمنين و أثار اشمئزازها ثم خاطبهم بهذه الجملة الاستفهامية الرائعة في معناها التي من شأنها أن تهز المؤمنين: «فهل أنتم منتهون؟» كأنه يقول لهم: أنا ربكم و خالقكم، و العالم بما ينفعكم و ما يضركم، و قد أرخيت لكم في حبل النظر والتأمل، و لم أنتزعكم من عادتكم انتزاعا، ولكن أمهلكتم امهالا، و مهدت لكم تمهيدا، ثم بينت لكم بيانا، و أكدت لكم توكيدا، فهل أنتم بعد هذا كله مستجيبون لي، متبعون لامرى، نازلون على تشريعي؟ و لدلك وردت الاخبار الصحيحة بأنهم بادروا حينما سمعوا هذه الاية بقولهم: انتهينا انتهينا!
استطراد توحي به الاية لفائدة التقريب:
و أحب أن أستطرد بذكر شيء يتردد في خاطرى في هذا الموضع، قبل أن أنتقل إلى نقطة أخرى: ذلك أن الله سبحانه يخوف المؤمنين تخويفا شديدا حينما يقول لهم «إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء» و يجعل ذلك في مقدمة الاسباب التي دعت إلى تحريم الخمر و الميسر لانه أهم هذه الاسباب و يشير إلى أنه اسلوب من أساليب الشيطان، و من عمله و افتنانه في الكيد للانسان، و أنه أخر أسباب القلق في المجتمع، فليس خطره على الفرد في نفسه أو ماله أو عقله أو صحته فحسب، ولكن خطره الاول و الاشد على المجتمع و هذ ما يفيده التعبير بقوله «أن يوقع
بينكم» فهذه «البينية» يجب أن تظل بمنأى عما يفسدها، و عن كل بذرة من بذور السوء في أرضها، لان الشارع الحكيم يستهدف ذلك في تشريعه، و يعمل عليه في أحكامه، و يلفت إليه نظر المؤمنين فى تعليله، فإذا أردنا أن نعبرعنه بلغة العصر، فلنا أن نقول إنه من الاحكام الاساسية، والمبادىء التي يجب أن تراعى في كل حكم، و في كل قانون، و في كل معاملة، و إذا كان الأمر كذلك فكل ما يؤدى إلي إفساد ذات البين فى المسلمين، فهو حرام حرمة الخمر و الميسر، فلندع جو المسلمين صافيا، لانكدره بإثارة الخلافات العقيمة التي
/ صفحه 356/
لا تنتج خيراً، بله الخلافات الخبيثة التي يثيرها الخبثاء، و التي تلد الشر و الاثم و القطيعة و ما نهى الله عنه من العداوة و البغضاء، و هذا ما بينه رسول الله صلى الله عليه و آله في حديث له إذ يقول «إن فساد ذات البين هي الحالقة» لا أقول حالقة الشعر، ولكن أقول حالقة الدين».
أسلوب القرآن في الجمع بين مخاطبة العقول و مناشدة العواطف:
وبعد هذا البيان الالهي للخمر والميسر و مالهما في الناس من أثر سىء، يقرع الله أسماع عباده المؤمنين بهذا التحذير القوى، فيقول لهم «و أطيعوالله و أطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين».
و هذا هو أسلوب القرآن دائما: يجمع بين مخاطبة العقول، و مخاطبة القلوب، و يورد الناس دائماً هذين الموردين ليحملهم على الطاعة بإذاقتهم فوائدها العملية المادية، و فوائدها الروحية المعنوية، ثم ليجارى المكلفين الذين تختلف أمزجتهم، فمنهم من ينصت إلي دواعي العاطفة، و منهم من يعرض كل قضية على عقله، و يطلب فيها حكم الواقع السليم دون تأثر بالعاطفة.
و لو ذهبنا نستقرى ء مواضع التشريع في هذا الكتاب الخالد لو جدنا الجمع بين هاتين الناحيتين من ظواهره الواضحة: يعلل ليقنع، ثم يناشد ليطاع، و لا بأس بأن نضرب بعض الامثلة التي تؤيد مانقول، وتوضح السبيل أمام الناظر في هذه الناحية من نواحي عظمة التشريع القرآني.
مثالان لهذا الاسلوب في شرحهما فوائد:
فمن ذلك قوله تعالي في سورة البقرة «و يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض، و لا تقربوهن حتي يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين و يحب المتطهرين. نساؤكم حرث لكم، فأتوا حرثكم أني شئتم و قدموا لانفسكم واتقوا الله و اعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين»
/ صفحه 357/
ينهاهم الله تعالي عن إتيان النساء زمن المحيض، فيقرر لهم أولا أنه أذى، و تحت هذه الكلمة ألوان كثيرة من الضرر، عرفها الناس قديماً معرفة عملية، و عرفوها بنفرة الرجل ذى الطبع المستقيم من مس المرأة في هذه الفترة، و بنفرة المرأة من المخالطة فيها، ثم عرفها العلم الحديث بتحديد الامراض التي تترتب على مخالفة التشريع القرآنى في هذا الشأن فتصيب الرجل، و تصيب المرأة و تصيب ما عسي أن يرزقاه من ولد، فالاساس في التشريع إذن هو الرغبة في وقاية الناس من الضرر ولكن الاية تضم إلى ذلك هذه المناشدة العاطفية «إن الله يحب التوابين و يحب المتطهرين» كأن الله تعالي يقول لهم: إن كنتم تحبون أن أحبكم فتوبوا من ذلك وتطهروا، و من ذا الذي لاتهتز عاطفته لهذا النداء العاطفي القوى، ثم يقول فى الاية التالية «و قد موا لانفسكم، و اتقوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه، و بشر المؤمنين، تذكير لهم بأنهم مقبلون على يوم شديد لابد أن يقدموا فيه لانفسهم ما يدرأ عنهم شدته من طاعة الله، و النزول على حكمه، و أمر لهم بأن يتقوا الله، و يعلموا أنهم ملاقوه، ثم تبشير مطلق للمؤمنين، لا تختص فيه البشرى بشيء، ولا تقيد بشيء و لكن تطلق إطلاقا: «و بشر» فأية مناشدة عاطفية قلبية كهذه المناشدة؟
وقد يدمج القرآن الكريم كلتا الناحيتين إدماجا، فيخاطب العقل و العاطفة معا كما يبدو في هذا المثال الذي نشرحه بعض الشرح.
يقول الله تعالي في تحريم نكاح المشركات، و الانكاح إلى المشركين: «و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن، و لامة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم، و لا تنكحوا المشركين حتي يؤمنوا، و لعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم، أولئك
يدعون إلي النار، والله يدعو إلي الجنة و المغفرة بإذنه، و يبين آياته للناس لعلهم يتذكرون.
لاشك أن أمر النكاح، و اختيار الزوجة أو الزوج أمر له اهميته و خطورته و لا شك أن البيئة الاسلامية بيئة مقتطعة من بيئة العرب المشركين، و قد كانوا
/ صفحه 358/
جميعاً أهل وطن واحد، و بينهم و شائج قربي، و صلات معاملة، و أنواع من الصداقات و التعارف، فإذا أراد مسلم أن يتزوج، و وقع اختياره على مشركة; فليس هذا بعيداً، و ربما طغت عليه عوامل الرغبة و الحرص على إتمام هذا الزواج، فلم يلتفت إلي الناحية الدينية، فلما حرم الله زواج المشركين و المشركات قرنه بأمرين:
أحدهما: الاشارة إلي أن الاختيار الزوجي لم تقصره الطبيعة على ناحية معينة حتي يشعر الانسان بأنه إذا لم يفز ببغيته، و يحقق طلبته من هذا الافق بالذات فإنها لا تتحقق، فإن في أفقه المشارك له في العقيدة و الرأي فرصا للاختيار، يتحقق بها مطلبه إذا لم يكن يريد التعنت، فيمكنه أن يجد زوجات مؤمنات، و أزواجا مؤمنين، و إذا كان في جانب المشركين و المشركات شيء من عوامل الاغراء و الترجيح أثار في نفسه الاعجاب، فليذكر أن الايمان صفة ترجح سائر الصفات عند الموازنة، فلو أن أمة مؤمنة و زنت بامرأة مشركة لكان لها في نفس المؤمن رجحان و إيثار: و لوأن عبداً مؤمناً وزن برجل مشرك لكان له في نفس المؤمنة رجحان وإيثار، والآية بهذا تعمل على إقناع المكلفين بالحكم من جانبين: جانب لفتهم إلي «خيرية» المؤمن، لانه آمن و ما كان إيمانه إلا لانه أدرك الحق فهو ذو عقل، و أنه لم يستكبر على الحق الذى أدركه فهو ذو حكمة، و لم تصرفه عنه عوامل المنفعة الشخصية، فهو ذو تضحية، و ذلك ما لم يتوافر في المشرك الذي لم يدرك، أو أدرك وكابر، أو بخل بالتضحية، ولاشك أن الزوج الذي تتحق له صفات الادراك و الحكمة والتضحية، ولاشك هو الزوج الافضل، و أن الزوج الذي يحرم هذه الصفات هوالزوج الادني، والجانب الآخر أن الآية بهذا تثير فيهم نخوة الايمان، و تقابل بها نخوة المعاظمة والمكاثرة و التفاخر بالزوجية و الصهر، ولاشك أنها تصيب من ذلك هدفها، فالقوم مؤمنون لا يعدلون بإيمانهم شيئاً من أعراض هذه الحياة.
الأمر الثاني: من الامرين اللذين اقترن بهما تشريع هذا الحكم: ماوصف الله به المشركين و المشركات في هذا المقام حيث يقول: «أولئك يدعون إلي النار»
/ صفحه 359/
فإنه في قوة أن يقول: كيف يعرض المؤمن نفسه و ما عسى أن يرزقه من بنين و بنات ثمرة لهذا الزواج إلى خطر الارتماء في أحضان الشرك المفضى إلى النار؟ و هل مثل ذلك في نظر العقلاء إلاكمثل امرىء يلقى بنفسه طائعاً مختاراً في نار حامية يدعوه إليها داع؟ لا شك أن الحزم هو الابتعاد عن النار و من يدعو إلي النار، و التماس الحياة في كنف آمن غير هذا الكنف.
و الاية بهذا أيضاً تخاطب العقل حيث يلتمس الانسان في الزواج المجانسة و المؤانسة و الامن و السكن و الذرية التي تكون ملائمة له معينة على لاواء الحياة، و كل هذا إنما يتوفر في زواج متناسب بين مؤمن و مؤمنة لابين مشركة و مؤمن و لابين مؤمنة و مشرك وهي أيضاً تخاطب العاطفة حيث توازن بين دعوة المشرك إلي النار، و دعوة الله إلي الجنة و المغفرة.
وإنما أطلنا بعض الاطالة في هذا لنجلى معنى يجب أن يعرفه أرباب القانون و التشريعات الوضعية، ليعلموا أن هذا سر من أسرار نجاح التشريع القرآني و خلوده، و أن سياسته هي خير سياسة، و حكمه هو أحسن حكم «و من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون»؟
بعد هذا نعود إلي ما كنا فيه فنقول: «إن الذي جرنا إلي هذا الحديث هو مجي ء قوله تعالى: «و أطيعو الله و أطيعو الرسول....» الخ. بعد الآيتين السابقتين اللتين بين فيهما أوصاف الخمر والميسر و شرورهما و مفاسدهما في المجتمع، فهي خطاب لعاطفة المؤمنين بعد مخاطبة عقولهم، و فيها تحذير لهم، و إنذار بالتخلي عنهم، و تركهم لانفسهم و ما اختاروا بعد البلاغ المبين.
نفي الجناح عن المؤمنين فيما طعموا: سبب
نزول هذه الاية فيما رواه الجمهور و غيرهم.
جاءت بعد ذلك آية كريمة متصلة بهذا النداء هي قوله تعالي «ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا و آمنوا و عملوا الصالحات ثم اتقوا و آمنوا ثم اتقوا و أحسنوا و الله يحب المحسنين».
/ صفحه 360/
و قد اختلفت الروايات في سبب نزول هذه الاية، فمنها ما يقرر أن سبب نزولها هو أن الصحابة لما نزلت آية الخمر السابقة قالوا يا رسول الله: ما تقول في أخواننا الذين مضوا وهو يشربون الخمر و يأكلون الميسر، فأنزل الله هذه الاية هذا هو المروى عن ابن عباس و انس بن مالك و البراء بن عازب و مجاهد و قتاده و الضحاك، و في بعض هذه الروايات تنظير لهذا بتحويل القبلة، حيث قال ناس: يا رسول الله، إخواننا الذين ماتوا و هو يصلون إلي بيت المقدس، فأنزل الله: «و ما كان الله ليضيع إيمانكم».
و من الروايات ما يذكر إن الذين سألوا أو تساءلوا عن ذلك هم اليهود، لا الصحابة، روى الحافظ أبوبكر البزار في مسنده عن عمرو بن دينار أنه سمع جابر بن عبدالله يقول: اصطبح ناس الخمر من أصحاب النبي صلي الله عليه و آله و ثم قتلوا شهداء يوم أحد، فقالت اليهود: فقد مات بعض الذين قتلوا و هي في بطونهم، فأنزل الله: «ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا...» الخ.
و من الروايات ما يذكر أنها نزلت في القوم الذين حرموا على أنفسهم اللحوم و سلكوا طريق الترهب كعثمان بن مظعون و غيره، فبين الله لهم أنه لا جناح في تناول المباح مع اجتناب المحرمات، و بذلك تكون هذه الاية مرتبطة بالنداء السابق على هذا كأرتباطها بهذا النداء.
و هذا الاختلاف في سبب النزول لا يضرنا، فقد علمنا أن له حلا، و هو أن قول الرواية إن آية كذا نزلت في كدا، ليس معناه دائماً أن نزولها كان مباشراً لهذا الذي تذكره، فقد يكون مراد القائل أنها نزلت شاملة لحكمه، أي أن الله قد أنزل آية تدل على هذا الحكم أو على جواب هذا السوال.
ولنا، على هذا، أن نفهم أن الصحابة سألوا يريدون الاطمئنان على إخوانهم الذين سبقوهم، و أن اليهود أيضا تساءلوا ارجافا على القرآن و على المؤمنين، فلا تنافي بين هذا و ذاك، و أن الاية بعموم حكمها مبينة لمن ترهبوا أن الأمر ليس
/ صفحه 361/
أمر اجتناب للمباحات إذلالا للنفس، وإنما هو أمر تقوى وإيمان و إحسان فليس على المؤمنين المتقين المحسنين جناح فيما طعموا من الحلال، و لا يعتبرون في شرعة الإسلام ناقصين أو ملومين بأنهم لم يترهبوا و يتزهدوا.
ترجيح رأي أهل البيت في معنى الاية و أدلة هذا الترجيح:
و المعني الاخير هوالثابت عند أهل البيت (عليهم السلام)، فهم يفسرون الاية بقولهم: «فيما طعموا» أي من الحلال، و قد ذكر هذا الرأي الطبرسي في كتابه (مجمع البيان) و إنى أميل إلى ترجيح ذلك لاسباب:
منها أن التعبير في الاية جاء بلفظ «فيما طعموا» و هذا اللفظ أقرب في إفادة معنى الاكل، و لا يستعمل في الشرب إلا إذا ضمن معني «ذاق» و قد صرح بذلك صاحب لسان العرب، فذكر أن طعم بعمنى أكل الطعام، و أنه إذا جعل بمعني الذوق، جاز فيما يؤكل و يشرب، و استشهد له المفسرون بقول الشاعر:
فإن شئت حرمت النساء سواكم * * * و إن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا
النقاخ بالضم: الماء البارد، و البرد: النوم قال الزمخشرى: ألاترى كيف عطف عليه البرد و هو النوم؟ و يقال: ما ذقت غماضا. 1 و (راجع تفسير الكشاف عن قوله تعالي في سورة البقرة «و من لم يطعمه فإنه منى»
ومن هذا يتبين أن الطعم في اللغة لا يدل على الشرب، و إنما يدل على الاكل، و قد يستعمل بمعنى ذوق المشروب، أي إدراك طعمه و اختباره، و إذن فالمراد الاتيان بقاعدة عامة إنشائية يعلم بها أن أساس الأمر في الشريعة، إنما هو الايمان والتقوى و الاحسان كما قلنا، لا الترهب وتعذيب النفس، ولو كانت الاية نازلة في أمر الذين شربوا الخمر قبل تحريمها و ماتوا و هي في بطونهم لكان المعنى قاصراً عن ذلك لان الاية إنما بينت حكم من طعم الخمر، و الخمر شراب، فالمعني ليس على الذين آمنوا جناح فيما ذاقوا أي وضعوا في مقدمة أفواهم لإدراكه و اختباره كما هو الاستعمال اللغوى لطم
بمعني ذاق، و لا شك أن هذا معني غير مراد، و لم يفهمه أحد من الصحابة وهم عرب فصحاء يفهمون الفصيح من الكلام.
/ صفحه 362/
و من أسباب الترجيح أنني قد أفهم أن اليهود يرجفون على القرآن بمثل هذا السؤال فيستشكلون و هم عارفون أن الذين شربوها إنما شربوها قبل تحريمها.
وهذا ماورد في بعض الروايات، ولكنه غريب لم يجى ء إلا في رواية واحدة، أما الصحابة فكيف يمكن أن يستشكلوا بذلك على الرسول صلي الله عليه و آله و سلم؟ أفاتهم أن تحريم طارى ء و أن الله لا يؤاخذ على ما قد سلف؟ أم حرصوا على إبطال هذا الحكم و تحايلوا بذلك على التخلص من الاعتراف بالتحريم؟ نعم قد يقال إن الله تعالي لماأخبر عن الخمر و الميسر و ما عطف عليها بأنها رجس من عمل الشيطان ; فهموا أن كونها رجسا، و كونها من عمل ا لشيطان ثابت لها و إن لم تحرم، فسألوا عن شأن من ماتوا و هي في بطونهم، قد يقال هذا تبرير سؤالهم، ولكنه تبرير ضعيف، لانهم يعلمون أن أحد لا يؤاخذ قبل التكليف، و لو كان قد تناول الرجس و ملأ منه بطنه «و ما كنا معذبين حتي نبعث رسولا».
و من أسباب الترجيح أيضاً أنه لو كانت هذه الاية استثناء للذين شربوا الخمر قبل تحريمها و ماتوا لكان هذا الاستثناء بلفظ قاصر عن إفادته، لانه لم يقل: ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما كانوا قد طعموا ـ مثلا، ولا: ليس على الذين آمنوا و سبقوا إلي ربهم جناح فيما طعموا، ولكن الكلام يبدو عاما لا يراد به جماعة من المؤمنين دون جماعة، و لاسيما و الاية تقول: إذا ما اتقوا و لا تقول: لانهم فعلوا ذلك و قد اتقوا، و إذا كانت الاية عامة فإنها تثير شبهة في نفوس بعض الناس قد تحملهم على شربها متأولين بأنهم متقون مؤمنون.... الخ.
وقد حدث هذا فعلا ففهم بعض الناس على عهد عمر ذلك ـ و منه ما روى أن أناساً شربوا بالشام الخمر فقال لهم يزيد بن أبى سفيان: أشربتم الخمر؟ قالوا نعم بقول الله تعالي: «ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا»
الاية فكتب فيهم إلي عمر بن الخطاب، فكتب إليه: (إن أتاك كتابي هذا نهارا فلا تنتظر بهم إلي الليل، و إن أتاك ليلا فلا تنتظر بهم نهارا، حتي تبعث بهم إلي لئلا يفتنوا عبادالله، فبعث بهم إلي عمر، فشاور فيهم الناس، فقال لعلي ماترى؟
قال أرى أنهم قد شرعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه، فإن زعموا أنها حلال
/ صفحه 363/
فاقتلهم فقد أحلوا ما حرم الله، و إن زعموا أنها حرام فاجلدوهم ثمانين ثمانين؟؟؟، فقد افتروا على الله، وقد اخبرنا الله عزوجل بحد ما يفترى بعضنا على بعض، فحدهم عمر ثمانين ثمانين؟؟؟».
هذه الرواية تدلنا على أن عمر و علياً لم يريا درأ الحد بالشبهة في التأويل و لو كان الأمر أنها نزلت لاستثناء من شربوا الخمر قبل تحريمها و ماتوا، لكان تأويل الشاربين قريبا، و لما كان يجب قتلهم إذا اعتقدوا حلها لانهم متأولون تأولا محتملا بفهم العموم من الكلام، و ليس في الكلام ما يدفع إرادة العموم، فلم يبق إلا أن عمر و عليا فهما أن الاية ليست في هذا الشأن و إنما هي في شأن آخر وهو ما رجحناه.
و إذن فمعنى الاية إنشائي عام لا خصوص له، وجملته: أن العبرة في دين الله ليست بأن يتحرج المؤمنون من تناول المباحات و اللذائذ التي يسرها الله لهم حلالا طيبا، و إنما العبرة بالايمان و العمل الصالح و التقوى والإحسان، فإلى هذه الصفات فليتجه الناس لا إلي الترهب، و لا إلي التزهد، فإن شأن الذين يتصفون بها أن يضعوا كل شي ء في موضعه، و أن يتنالوا ماأحل الله لهم تناولا مشروعا، يعرفون بالايمان فضل الله فيه، و بالتقوى تصفيته من كل ما يشوبه، و ابتغاة رضوان الله و المقاصد الصحيحة به، و بالاحسان عدم الاسراف فيه بما يضر المرء في نفسه، أو بما يتبعه تضييق على غيره، أو تعطيل لمصالح الامة و منافعها المتوقفة على الاقتصاد فيه.
وكون عدم الجناح في تناول المباحات خاصا بأصحاب هذه الصفات; علته أنهم الذين من شأنهم أن يضعوا الأمر في ذلك موضعه دون طغيان و لا انحراف، أما الكافرون المحرومون من لذة الايمان و التقوى و الاحسان و ابتغاء وجه الله و المقاصد الشريفة، فلا يدركون إلا أنهم يتمتعون «و الذين كفروا يتمتعون و يأكلون كما تأكل الانعام و النار مثوى لهم».
/ صفحه 364/
بقي بعد هذا الكلام على التكرار الذي جاء في الاية: «اتقوا وآمنوا و عملوا الصالحات ثم اتقوا و آمنوا ثم اتقوا و أحسنوا» و قد اختلف في تعليل ذلك المفسرون، و اضطربوا في الجمع بينه و بين كون الاية: نزلت في الذين ماتوا و قد شربوا الخمر و أكلوا الميسر، و الذي أفهمه أن هذا التكرار إنما هو للتوكيد على سنة العرب في توكيد الأمر بإعادته و تكريره مرة بعد مرة، و قد سأل رجل رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم: أي الناس أحق بحسن صحبتي فقال: أمك، قال ثم من، قال أمك، قال ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أبوك ـ فهو قد أرادأن يرسخ المعني في ذهنه و أن يؤكده له عدة مرات ليعرف منزلة أمه.
و يشبه ذلك ما روى عن على كرم الله وجهه من قوله في إحدى خطبه:
«... لقد أفسدتم على رأيي بالعصيان، و ملائم جوفي غيظاً، حتى قالت قريش: ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا رأي له في الحرب. لله درهم! و من ذا يكون أعلم بها منى أو أشد لها مراسا، و قد نشأت بهاو ما بلغت العشرين، و لقد نيفت اليوم على الستين، ولكن. لا رأي لمن لا يطاع، لا رأي لمن لا يطاع، لا رأي لمن لا يطاع.
والشاهد في تكريره الجملة الاخيرة اقتلاعا لما زعموا من كونه ليس بصاحب رأي في الحرب، كما ترمى الاية إلى اقنلاع فكرة الترهب.
فهي تقول لهم: ليس الترهب و التزهد هوالذي يريده الله منكم، ولكن الايمان و التقوى و عمل الصالحات، الايمان و التقوى التقوى و الاحسان، ولاشك أن هذا أسلوب من يريد إقناع متردد أو معتقد خلاف الصواب، و الله يقول الحق و هو يهدى السبيل» و الحمد لله رب العالمين؟
في سبيل الوحدة: