/ صفحه 365/
لحضرة صاحب السماحة العالم الجليل الاستاذ محمدتقي القمي
السكرتير العام لجماعة التقريب
كل خطوة نحو التكتل تثير منا الاهتمام، و كل فكرة ترمي إلي الوحدة تحرك فينا الامل، و كل محاولة لضم صفوف المسلمين تقع من نفوسنا أحسن موقع، فطبيعي و هذه حالنا، أن نستبشر خيراً حين نلحظ اتجاها إلي تحقيق التعارف بين إخوة تخاصموا في الميراث، و تقاطعوا على الزمن، و تنكر بعضهم لبعض دهراً طويلا و صارع بعضهم بعضا صراعاو هيباً ضعضع قوتهم، و حطم كيانهم، و جر المذلة و الضعة عليهم جميعا.
إن أربعمائة مليون من المسلمين قوة لايستهان بها، و جمع كلمتهم أمر لا يكرهه إلا عدو و لا يخافه إلا طامع، ولكن تحقيق ذلك بصورة كاملة يحتاج إلي تفكير جدى عميق، و بحث مستفيض دقيق، و دراسة شاملة لخريطة العالم الاسلامي، و إلمام كامل بالاحوال القائمة في كل جزء، و الآراء السائدة في كل صقع، و النزعات المتباينة في كل قطر، فإذا أحطنا بكل ذلك علماً، أمكن أن نجمع المسلمين على منهاج لا تنفر منه طائفة، و لا تجحده فرقة.
وليس ذلك بعسير إن صحت العزائم و تهيأت النفوس، لان المسلمين متفقون في الاصول، و الخلاف بين طوائفهم و مذاهبهم إنما هوفي آراء لاتمس العقائد التي يتحتم على المسلم ليكون مسلماً أن يؤمن بها.
/ صفحه 366/
و نحن حينما نتكلم عن الطوائف، إنما نعني تلك التي تتفق في الاصول من أهل السنة و الشيعة و لا دخل لنا بالطوائف التي لا وجود لها إلا في كتب الملل والنحل أو التي تختلف فيالاصول، فأتباعها في نظرنا ليسوا بمسلمين، و إذا كان هناك غلاة فنحن أول من نحكم بكفرهم.
إن إله المسلمين واحد، و نبيهم صلي الله عليه و اله و سلم واحد، و كتابهم و لله الحمد لا يختلف على حرف منه مسلم شيعي و لو في أقصى الصين، مع مسلم سنى و لو في أقصى المغرب. و هم جميعاً يتجهون في صلواتهم إلى قبلة
واحدة، و يحجون إلي بيت واحد، و يؤتون الزكاة و يؤمنون بالغيب والملائكة و النبيين واليوم الاخر وغير ذلك من العقائد التي لسنا بصدد حصرها، و رغم ذلك كله فإن التباعد بينهم ـ و هم أبناء الدين الواحد، و أصحاب العقيدة الواحدة ـ يزيد أحيانا على التباعد بين أبناء دينين مختلفين، بل يزيد على التباعد بين المؤمنين والملاحدة في بعض الاحيان .
إنها لمأساة عجيبة أن يعيش 400 مليون من المسلمين في قطيعة و تدابر و هم أبناء ملة واحدة، و سكان بقاع من الارض متجاورة إنها لمأساة عجيبة حقاً تدعو كل غيور إلي التفكير الجدى، وتدفع كل قادر إلي السعي الحثيث و العمل الدائب لتخليص هذه الامة المسلمة من التقاطع والتدابر، و من الذل و الهوان.
من هنا جاءت فكرة التقريب، و ظهرت جماعة التقريب، لا لتوحد المذاهب، و لا لتصرف أي مسلم عن مذهبه، و لا لتحجر على التفكير، و إنما جاءت لتذكر المسلمين جميعاً بالنقط الوفاقية عندهم، و هي كثيرة، و هي الاصول لحسن الحظ، ولتوجد التعارف بين الطوائف باطلاع كل طائفة على ما عند سواها فإن رأت الحق بجانب أختها احترمتهٌ وإن لم تقتنع بما ثبت عند سواها عذرتها فيه
و كانت هذه الجماعة واقعية لا تتجاهل الخلافات و لا تتغافل عما يصعب علاجه، و لا تخشي مواجهة الحقائق، و لا تجامل طائفة على حساب أخرى، فهذا سبيل من لا يثق بنفسه أو من يشك في صحة دعوته و لسنا كذلك ولله الحمد
/ صفحه 367/
كنا و لا نزال صرحاء صادقين في علاج المشاكل، و كم من مشاكل يحتاج علاجها إلى الصدق و ا لصراحة، و كانت شعارنا التمهل و التروى والتدقيق، و ضرب المثل في الاعتدال في الفول والهدود في النقاش، ولم يفتنا أن المهمة أدق من إجراء جراحة في القلب، و لم ننس قط أن هناك من يثير الخواطر و يؤجج العواطف و أن هناك معوقين يعرقلون السير، و أن بقية من الاستعمار لاتزال جاثمة في أرضنا تعاكسنا بطرقها الخاصة وتغرى بنا نفراً من دعاء الغرفة كشف أمرهم و عرفت حقيقتهم.
كنا ندرك تماما أن المهمة شاقة، و أن الطريق طويلة، و ليست مفروشة بالورود و الرياحين، بيد أننا توكلناعلى الله وحده، و اعتمدنا على عونه سبحانه، و تجنيبنا السياسة حتي لا تجرفنا تياراتها الهوجاء.
و كان من العوامل التي ساعدتنا على النجاح أن الفكرة جاءت في وقت ضعف فيه شأن الاستعمار، و خفت و طأة سياستة التي تقوم على قاعدة فرق تسد. وظهرت فيه موجة من الالحاد تهدد الكثير من البلادالاسلامية، فبدأ عقلاء المسلمين يفكرون في التكتل. و كان من حسن الحظ أن شمل هذا عقلاء المسلمين من مختلف المذاهب و الشعوب المسلمة مماتجلت صورته بصفة واضحة من تأليف جماعة التقريب من أعضاء يمثلون تلك المذاهب، و تلك العقليات النيرة، أضف إلي ذلك أن انتشار الثقافة يخدم هذا الغرض و ييسر فهم ا لفكرة، و يساعد الفرد على الاطلاع و البحث بدل الاعتماد على الشائعات و الاخذ بأقوال المغرضين.
وهكذا بدأت جماعة التقريب منذ نشأتها تشق طريقها و تلتزم سبيلها و تمد يدها لمن يضمر للاخوة الاسلامية خيرا و للمسلين وحدة. و تستجيب إذا دعيت إلي مؤتمر أو تبعث برأيها إن فاتها الحضور.
واتفق أن انعقدت في السنين الاخيرة عدة مؤتمرات متفاوته في القوى، و في الامكانيات، و نظرنا إليها نظرة التأييد لانها لا تخلو من كونها محاولات لخير المسلمين.
/ صفحه 368/
و كان لزاماً علينا أن نفكر و نستقصي و نستمع إلي تعليل غيرنا، لعدم نجاح مؤتمراتنا الماضية في الوقت التي كانت تنجح فيه المؤتمرات في غير بلادنا؟
كان ذلك لزاما علينا لنفيد منه، و لا نقع في مستقبل أمرنا فيما وقع فيه من قبلنا.
قالوا: ماالسبب؟
أهو كثرتها؟
أهو قلة المؤتمرين فيها؟
أهو عدم الدقة في انتخاب الاشخاص فغالباً ما يكون المؤتمرون غير منسجمين لما بينهم من اختلاف في التفكير و تفاوت في المركز، و تباين في التمثيل.
أهو أن تلك المؤتمرات تعودت إصدار قرارات جزافية لم يسبقها البحث و التنظيم، أو غير عملية لم يراع وقت صدورها إمكان التنفيذ؟
وقلنا بدورنا: هذه كلها أسباب صحيحة، و لكن وراءها جميعاً سبباً آخر له تأثيره و له خطره هوالطائفية... وقى الله الدعاة إلي الوحدة الاسلامية العالمية شرها.
فهناك اختلاف في الرأي نشأ عنه مذهبان رئيسيان قديمان. مذهب أهل السنة، و مذهب الشيعة. و هما رغم اتفاقهما في الاصول، و رجوع كليهما في الاحكام إلى كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و آله و سلم، إلا أن الاختلاف حول الخلافة و الامامة و كونها بالنص أو بالأنتخاب، و أن في الكتاب والسنة ما يثبت هذا أولا، أوجد تلك الطائفتين.
وكان بالامكان أن يبقي الخلاف في دائرته المحدودة، لولا حكام السوء؟؟؟ الظالمين الذين ابتدعوا العنف: العنف في الكتابة، و العنف في الجدل، والعنف في التعصب، ثم التوسل بالاتهام و الطعن، فضلا عن الحروب الدامية، و الفتن العمياء، هذا مضافا إلى النعرة المفرقةالتي جدت أخيراً ـ و كم كنا في
/ صفحه 369/
غنى عنها ـ تفرق بين مسلم و مسلم فيما كانوا فيه على وفاق من قبل، كأن رصيدنا من الخلافات لم يكن يكفينا!
وهذه كلها تركت في مجتمعنا رواسب أفقدتنا الثقة فيما بيننا، و أدت بنا إلى التقاطع في كل شى ء حتى في الثقافة.
و لو أنك سألت جامعة تدعي أنها للمسلمين جميعاً، ماذا يعرفون عن مذاهب المسلمين من غير أهل السنة المعروفة لاجابوك بالشائعات، ذلك لانها في الوقت الذي تهتم فيه بدراسة أحوال الاغريق القدامى، و المذاهب البائدة كاللاأدرية تغفل دراسة أحوال فريق كبير من المسلمين، و تحجم عن دراسة فقه كفقه الامام جعفر ابن محمد الصادق، و الامام زيد بن على بن الحسين، و هما من هما و أتباعهما يقربون من ربع عدد المسلمين.
هل من الرأي أن يجهل المسلم حال إخوانه ويهتم بغيرهم؟
هل يصح أن يعني بالمذاهب غير الاسلامية و هو يهمل بعض المذاهب الاسلامية الصحيحة التي هي جزء من التراث الاسلامي المجيد؟ و هل الفقه شي ء يحارب؟ و إلي متي تظل الثقافة الاسلامية مجزأة و هي خير كفيل لوحدتنا؟ و كيف يمكن أن تجتمع كلمتناو في قلوبنا رواسب، و في صدورنا حرج، و في عقولنا ظنون و أوهام.
وكيف يرجي النجاح لمثل هذه المؤتمرات التى كانوا غالباً ما يجتمعون فيها بأحسامهم و يتباعدون بأفكارهم و تنعدم الثقة فيما بينهم.
وكيف نصل إلي تفاهم صحيح، و كثيراً ما كنا نكتفي بالكلام العام المعسول، ولا نتصارح خيفة أن نظهرما يضمره بعضنا لبعض من نفور؟
لقد حدث في «مؤتمر العلماء الاسلامى» الذي انعقد في كراتشى حين أريد الاخذ بلون من الصراحة أن ظهرت بوضوح النزعات المختلفة، و لو لا حنكة رئيس المؤتمر لتكهرب الجو أكثر و ساءت العاقبة...
/ صفحه 370/
ثم ماذا؟
ثم أحالوا بالاجماع المسائل الخلافية المعروضة عيه إلي جماعة التقريب بين المذاهب الاسلامية بالقاهرة لعلاجها، و هي مطروحة أمامنا، داخلة في منهاجنا.
* * *
هذه هي تجاربنا أملتها علينا مع الاسف الوقائع الماضية، و دعانا حبنا لامتنا، و إخلاصنا لوحدتنا، أن نهديها لاخواننا الذين يحاولون مخلصين أن يصلوا إلي الوحدة الاسلامية، و لنا أن نقول بعد ذلك في صراحة و قوة:
إن أية دعوة للتكتل لابد لها من تمهيد، و أي مؤتمر يراد له النجاح لابد له من أن يهتم في نفس الوقت بدراسة البلاد الاسلامية والاراء السائدة في أجزائها، و إعطاء فكرة صحيحة لكل عضو عن مذاهب الاخرين، و التنبيه عى حملة
الاقلام أن بقفوا عند حدودهم، فلا مهاجمة و لا نبش للماضي ولا إثارة لمسائل خلافية من جديد من شأنها أن تهدم ما يبنيه المصلحون.
ولعل من اليسير بعد ما قدمنا أن ندرك أن الذين يتبنون فكرة المؤتمرات الاسلاميه، و الذين تنعقد في بلادهم هذه المؤتمرات عليهم تبعات جسام في مقدمتها أن يعملوا على فتح آفاق جديدة للتفكير الاسلامى، تكون ثمراته أجدى على المسلمين من نبش الماضي، و إثارة الاحقاد و أن يكونوا في ذلك كله جراء أقوياء
مقياسا للفصل بين الكفر والايمان و هي لم تكن كذلك في سالف الزمان.
إن الطائفية التي لاتحس بها بلاد لاطوائف فيها، تلعب دوراً هاماً في كثير من بلاد المسلمين و كل محاولات لجمع الكلمة ينبغي أن تتفادى هذا الداء الوبيل، وجماعة التقريب حين اتجهت إلي هذه العاية إنما و ضعت يدها على النقطة الحساسة، فلو نجحت في علاجها لنجح المسلمون؟