/ صفحه 382/
لفضيلة الاستاذ الجليل الشيخ عبداالمتعال الصعيدي
الاستاذ بكلية اللغة العربية
هذا الموضوع له صلة و ثيقة أيضا بالغرض الذي تسعي إليه جماعة التقريب بين المذاهب، فإنه إذثبت أن الإسلام ينظر إلي الرابطة الوطنية كماينظر الي الرابطة الاسلامية، فيرعي حق المواطن غير السلم كما يرعي حق المواطن المسلم، و يجعل بينهما أخوة و طنية كالاخوة الوطنية بين المواطنين المسلمين. لاتوثر فيها المخالفة في الدين و لا يحط من قداستها أن كلا من المسلم و غير المسلم ينظر إلي الاخر نظراً مؤذياً من حيث الثواب و العقاب الاخرويان، إذا ثتُتَ هذا كانت رابطة المسلم بالمسلم أحق بالرعاية و التقديس، لان ا لخلاف بينهما لايبلغ درجة الخلاف بين المسلم و غير المسلم ولان كلا منهما لاينظر الي الاخر في الثواب و العقاب
آثم بمخالفته له في المذهب و لكن هذا لا يبلغ ما يبلغ مابين المسلم و غير المسلم، فيجب أن يترك أمره الى الاخرة و حدها، و يجب ألا يكون له أثر فيما بيننا في هذه الدنيا، إن لم يجب أن يزول أيضا من نفوسنا ليعذر كل منا الاخر في هذه الخلافات المذهبية و لا يرى فيها عصيانا ولاإثما، و إنما هي خلافات بريئة دعاإليها فتح باب الاجتهاد في الإسلام و المجتهد إن اخطأ فهو معذور، و ان أصاب فهو مأجور.
و قد يظن كثير من الناس أنه ليس في الإسلام الا رابطة واحدة هي الرابطة الاسلامية، فلا يكون فيه رابطة أخرى هي رابطة الوطنية، لانه لا يعرف حدود
/ صفحه 383/
الوطن، و لا يعرف حدود القومية و ما إليها من الحدود، و لا يعرف العصبية للوطن أو القومية على النحو الذي كان معروفا قديما بين الناس و لا يزال معروفا بينهم في عصرنا الحديث ،و إنما أتى للقضاء على هذه العصبية لتزول فيه كل
عصبية إلاعصبية الدين، و تذهب كل أخوة إلا الاخوة فى الاسلام.
نعم قد يظن كثير من الناس هذاكله، بل يظن أكثر منه، فيظن أن الاسلام قد جعل المسلمين بعضهم أولياء بعض، و جعل غير ا لمسلمين بعضهم أولياء بعض، فقطع ما بين المسلمين و غير المسلمين فلا يكون بينهم رابطة أصلا، و لا يكون هناك رابطة وطية تجمع بين المسلمين و غير المسلمين، و يؤيد هذا بقوله تعالي فى الايتين 72 - 73 - من سورة الانفال: «إن الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله و الذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنو و لم يهاجر و ما لكم من ولايتهم من شي ء حتي يهاجروا و إن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم و بينهم ميثاق والله بما تعملون بصير، و الذين كفروا بعصهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير».
والحق أن هذا لا يفيد من بظن هذا كله في شىء، لانا إذا حملنا الولاية في الايتين على ولاية الارث كما ذهب إليه بعض المفسرين، كانت في موضوع آخر غير موضوعنا، و هو ولاية المواطن للمواطن، و إن كان أحدهما مسلما و الاخر غير مسلم و كذلك الأمر إن حملنا الولاية في الاية على غير ولاية الارث، كما ذهب إليه كثير من المفسرين، لان من حملها على الارث ذهب إلي أنها منسوخة بقوله تعالي بعد الايتين السابقتين: «وأولوا الارحام بعضهم أولي ببعض» والحكم بأذن ذلك صار منسوخاً بآية أخرى مذكورة معه في غاية البعد، و هذا إلى أنه لا ضرورةُ تدعو إلى حمل الولاية على الارث، لان لفظها لا يفيد
إلا بشأنه مخصوصاً بمعاونته و مناصرته ،و المقصود أن يكونوا يداً واحدة على الاعداء،
/ صفحه 384/
و أن يكون حب كل واحد لغيره جارياً مجرى حبه لنفسه، و إذا كان اللفظ محتملا لهذا المعنى كان حمله على الارث بعيداً عن دلالة اللفظ، و إنما كان حمل الولاية فى الايتين على هذا المعني مثل حملها على الارث في عدم المعارضة للولاية بين المواطنين و إن كان أحدهما مسلماو الاخر غيرمسلم، لان الايتين لم تنزلا فى مثل هذين المواطنين، و إنما
نزلتا في كفار قريش واليهود الذين اجتمعوا على حرب المسلمين ووالي بعضهم بعضا على عداوتهم، وكانت الجنسية علة ولاية بعضهم لبعض، لانهم لما اشتركوا في هذه العداوة صارت هذه الجهة موجبة للولاية بينهم، و لقرب بعضهم من بعض، و لم يكن اشتراكهم في هذا لاجل اتفاقهم في الدين لان كل فريق منهم كان في نهاية الانكار لدين صاحبه ،و إنما كان لمحض ما وقعوا فيه من الحسد و البغي والعناد، على أن الايتين إذا كان فيهما ما يفيد قطع الولاية بين المسلمين و أعدائهم من أولئك المحاربين، فإن فيها ما يفيد الابقاء على ما يكون من ولاية بينهم و بين غير المحاربين، و هذا في قوله تعالي في الاية الاولى منهما: «و ان استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم و بينهم ميثاق» فليس فى هذا ما يمنع من طغيان الرابطة الاسلامية على غيرها فقط بل فيه مايفيد إيثار غير الرابطة الاسلامية عليها في بعض الحالات، كما في هذه الحالة التي آثر فيها بعض المسلمين الاقامة في مكة على الهجرة إلى المدينة، و كانت مكة في ذلك الوقت دار حرب، فوجبت الهجرة منها إلي المدينة تكثيراً لعدد المسلمين و زيادة في النكاية بأهل مكة فكان من أقام بهامن المسلمين عاصياً بإقامته فيها، و قد أوجب الله تعالي على المسلمين في المدينة أن ينصروهم في الدين إذا استنصروهم، و استثني من هذا أن يكون استنصار هم لهم على قوم من غير المسلمين بينهم و بين أهل المدينة رابطة ميثاق، و هم أهل ذمة المسلمين بأن يكونوا مواطنين لهم أو معاهدين فأوجب عليهم مراعاة
ذلك على مراعاة الرابطة الاسلامية بينهم و بين مسلمي مكة، لضعفها بإيثارهم دار الحرب على دار الإسلام، و قعودهم عن نصرة إخوانهم بالمدينة على أعدائهم بمكة، فكان من حسن السياسية إيثار الرابطة السياسيه على الرابطة الاسلامية في هذه الحالة، لان مسلمي أهل مكة
/ صفحه 385/
يظاهرون أهل الحرب ببقائهم بينهم، و أهل الذمة يظاهرون المسلمين على أهل الحرب بمعاهدتهم لهم، و إيثارهم مسالمتهم على حربهم، و في هذا تقوية لجانب المسلمين على خصومهم، فكان موقفهم من الناحية السياسية أحسن من موقف مسلمي مكة، و من مزايا الإسلام أنه لا يزن الامور بميزان الدين فقط، بل يزنها بميزان الدين و بميزان
السياسية غير هذا من الموازين الانسانية، ثم يأخذ في هذا بحكم المصلحة العامة، و إن ترتب على هذا ماترتب في هذه الحالة من إهمال مراعاة الرابطة الاسلامية، و هذه مرونة دينية لا يكاد الانسان يجدها في غير الإسلام و نظر بعيد يمتاز به على غيره من الاديان وتوجيه شامل يناسب تشريعه الشامل للناس جميعاً على اختلاف أجناسهم و أديانهم، و يلائم حكمه العادل الذي لايخص بعدله المسلمين وحدهم.
على أن في إيجابه تعالى على مسلمى أهل المدينة، نصرة مسلمى أهل مكة، إذا استنصروهم في الدين ما يفيد الغرض الذي تسعي إليه جماعة التقريب بين المداهب فقد حصل بقعود مسلمي أهل مكة عن نصرة إخوانهم بالمدينة خلاف كبير بين الفريقين و لعله أول خلاف حصل بين المسلمين ثم طال أمده بينهم لأنه ظل من بدء الهجرة من مكة الي السنة الثامنة منها، و هي السنة التي فتح المسلمون فيها مكة، و انقطع بها حكم الهجرة منها إلى المدينة، لانها صارت بعدفتحها دار إسلام، فكانت الافامة بهامثل الاقامة بالمدينة، و لكن هذا الخلاف حصل في عهدالنبى (صلى الله عليه و سلم)، فوقف به عند حده الذي يجب أن يقف عنده، و جعله خلافا سياسيا لا دينيا، فلم يحكم به على المسلمين الذين لم يهاجروا بالخروج من الإسلام، كما حكم بهذا بعد وفاة النبي صلي الله عليه و سلم في مثل هذا الخلاف أو أقل منه، ثم انه لم يتغال فيه بعد هذا حتي يصير الي قطيعة بين الفريقين، و ينتهي الي عداوة دينية أو سياسية، كما انتهي الخلاف بين المسلمين بعده الي مثل هذه العداوة، بل بقيت الرابطة الاسلامية بين الفريقين في ا لحد السابق و وجب على مسلمى أهل المدينة نصرة مسلمي مكة اذا استنصروهم في الدين الا على قوم بينهم و بينهم ميثاق، فلم يؤثر الخلاف بين الفريقين في رابطتهم بل
/ صفحه 386/
كان مسلموا أهل المدينة ينظرون الى مسلمى مكة بشىء من الرحمة و الشفقة، و يعملون على ضمهم اليهم بكل وسيلة، الي أن انتهي الخلاف بينهم بفتح مكة.
ويمكننا بعد هذا أن نحكم بأن الإسلام لا ينظر في سياسته الى الرابطة الاسلامية و حدها، بل ينظر فيها الى غير الرابطة
الاسلامية من الرابطة الوطنية و نحوها، لانه يمتاز على غيره من الاديان بأنه لا اكراه فيه على الدين فيدخل في حكمه المسلم و غير المسلم، و يجتمع في وطنه الناس على اختلاف أديانهم و أجناسهم، فيكون وطنه وطناً لهم جميعا.
وقد نشأ الوطن الاسلامي المشترك بين المسلمين و غيرهم بعد هجرتهم من مكة إلي المدينة، فصارت المدينة بهذه الهجرة وطناً إسلاميا بحكم الكثرة الاسلامية التي ظهرت فيها فصار لها الحكم في أهلها، و قد كان فيها جالية من اليهود هاجرت إليها قديما قبل المسلمين، واتخذت الصناعة و التجارة و الزراعة حرفة لها، و عاملت العرب بالربا الفاحش، حتي ابتزت كثيراً من أرضهم و أموالهم، و لما طال العهد عليها بين العرب انغمست في جاهليتهم، وانقسمت إلى قبائل مثلهم، فكان منهم بنو قينقاع و بنو النضير و بنو قريظة، و كان العرب الذين يسكنون بينهم ينقسمون إلي قبيلتين كبيرين (الاوس و الخزرج) و كان بين القبيلتين حروب و خصومات، فاشتركت تلك القبائل اليهودية في هذه الحروب، و انقسموابها على أنفسهم، و نسوا ما بينهم من رابطة الجنس والدين، فدخل بنو قريظة في حلف الاوس، و دخل بنو قينقاع و بنو النضير في حلف الخزرج.
فلم يضق الإسلام بهؤلاءاليهود بعدأن آل أمر هذا
فيما بين أهله و حدهم، بل يعمل عليه أيضا فيما بينهم و بين غيرهم، ليكون دين المحبة و الصفح بين الناس،
/ صفحه 387/
لا دين الاحقاد والكراهية بينهم، و لهذا جاء يدفع السيئة من أعدائه بالحسنة منه، كما قال تعالي في الاية ـ 34 ـ من سورة فصلت «ولاتستوى الحسنة و لا السيئة ادفع بالنى هي أحسن فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه ولي حميم».
فأراد الإسلام أن يجمع بين هؤلاء المتنافرين من العرب و اليهود في هذا الوطن الجديد، و قد قبله العرب ديناً لهم وبقى اليهود على يهوديتهم، فجمع بينهم في هذا الوطن الجديد برابطة الوطنية، ليعيشوا فيه جنبا لجنب إخوانا في الوطن لا يفرقهم ما بينهم من الاختلاف في الدين و الجنس، لان الإسلام يرى أن الدين لله يحاسب عليه في الاخرة، و أن الوطن لجميع الناس على اختلاف أديانهم، كما يرى أن الناس كلهم لاب واحد و أم واحدة، فلايصح أن تفرق بينهم فوارق من
الاختلاف في الجنس و نحوه، لانهم خلقوا ليتعارفوا لا ليتنا كروا، كما قال تعالى في الاية - 13 - من سورة الحجرات: «يا أيها الناس إنا خلفناكم من ذكر و أنثي و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عندالله أبقاكم إن الله عليم خبير» و بهذا كان الإسلام أول من أتي الناس بذلك الاصل العظيم: الدين لله، و الوطن لجميع النس.
و قد توصل الإسلام إلي هذه الغاية العظيمة بإبطال ما كان بين أهل ذلك الوطن قبل الإسلام من معاهدات مفرقة بينهم، ليعقد بينهم معاهدة جديدة تجعلهم إخوة في هذا الوطن، فينسى العرب فيه أنهم عرب، كما ينسون أنهم أوس وخزرج، و كذلك ينسى اليهود فيه أنهم يهود كما ينسون قبائلهم التي كانت تفرق بينهم.
فعقد بين المهاجرين و الانصار ـ الاوس و الخزرج ـ و اليهود معاهدة جديدة تخالف ما كان بينهم من معاهدات، و توافق الغرض الجديد الذي يريده لذلك الوطن، و كتب بها كتاباً وادع فيه اليهود و عاهدهم، و أقرهم على دينهم و أموالهم و ساوى بينهم و بين إخوانهم في الوطن من المسلمين، فكانت هذه المعاهدة فتحاً جديداً في السياسة الدينية، أقرت حرية العقيدة، و حرية الرأي، وحرمة الاديان، بل كل هناك الاضطهاد والظلم، والتفرقة في الحقوق بين أهل الوطن، للاختلاف في الدين أو الجنس فأزال الإسلام هذا كله بعدله وقضى عليه بمرونته و سماحته؟