/ صفحه 388/
لحضرة الكاتب الفاضل الاستاذ أحمد محمد بريرى
مازال قولهمو في النحو يعجبنى * * * حتى تعاطوا كلام الترك والروم
فعل فعول و مفعول و مفتعل * * * هذا لعمرى كلام غير مفهوم
هو بدوى انحدر إلي الكوفة أو البصرة أو بغداد أو غيرها من الحواضر فرأي جماعة يتذاكرون النحو و الستمع إليهم ففهم بل طعم ما يقولون و هضم.
فليس عسيراً أن يفقه البدوى إذا أنت قلت له: «ضرب زيد عمرا» جملة تتكون من فعل ماض أي حدث انقضى زمنه وفاعل أي محدث لهذا الفعل أو الحدث و مفعول به أي واقع عليه الحدث... ولن تجد صعوبة في افهامه المبتدأ و الخبر وسائر المرفوعات والحال و التميز و سائر المنصوبات و المجرور بالحرف أو بالأضافة إلي آخر الابواب و التفصيلات....
أما أن تفهمه أن مفاعل غير فواعل و قواعل غير فعالل، و أن قال أصلها قول وباع أصلها بيع و أن «قسي» على وزن «فلى» فتلك مشاكل ما إلي حلها من سبيل، أو هذا كلام الترك والروم. و هو ـ فيمايرى أبو علاثةـ كلام غير مفهوم.
قلت: على أنه لو فقه التصريف و الاوزان و ما إليها لاعجبته... و لو طالت إقامته في الحاضرة التي قذفت به بيداءؤه إليها لكان حرياً أن يفهم كلام الترك و الروم، هذاالكلام غير ا لمفهوم لديه إذ هو لم يزايل غبار الصحراء بعد.
/ صفحه 389/
قال: ولكان حريا أن يفقد كثيراً من سلامة طبعه، و مقومات فصاحته، و ما كان كسبه في علوم اللغة بمعوض خسارته شيئا من فطرته القويمة الغنية عن النحو و الصرف... إن الجاحظ ليتحدث إلينا عن بدوى نزل عليهم و أقام معهم و حرص على أن تكون داره في أحد أطراف البلد حيث تمتد الصحراء فهو لم يتعمق فى الحاضرة، و لم يهجر البادية هجراً تاماً، ولم يخالط غير الجاحظ و أضرابه من أصحاب اللغة والادب، و مع هذا لم يبق ـ من حيث سلامة اللغة ـ هو الذي وردهم يوم ورد... إنه لخير لصاحبنا الذي لم يفقه «فعل فعول» أن يظل هكذا جاهلا كلام الترك والروم. خير له دون شك أن يظل حراً في لغته، و ليت شعرى ما جدواه من القواعد أو السلاسل و الاغلال إلا أن تعوقه و تعوق حركاته الخفيفة الرشيقة؟ دعه طليقاً ينطق ما قد يبدو خطأ إذا أنت أخضعته لاحكام النحاة وإنهم لمضطرون إلي أن يحتالوا فيوائموا بين منطوقي أبي علاثة وبين قواعدهم و إنه لغير مضطر إلي أن يأخذ مقوله بمعيارهم.
قلت: ما أحسب «كتاب النحاة» غادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاها.
قال: إنه لكتابك يوم تلقى ربك ـ أو كشف الحساب ـ هذا الذي لا يغادر كبيرة و لا صغيرة إلا أحصاها. فأما «كتاب النحاة» أعني مجموع كلامهم بما فيه ما لم يصلنا ـ فقد غادر ما شئت من صغيرة و كبيرة، ألم يمت علم من أعلام النحو في قلبه
من «حتي»
ترغب إليه ـ ملحة الرغبة ـ في أن يضم إليها متعلقاتها كاملة غير منقوصة، و لكنه يموت قبل أن يشبع رغبة حتي. ألا و إن حروفا أخرى كثيرة لتمسك برقاب البصريين والكوفيين، ناعية عليهم أنهم فرطوا في ذواتها، أو قسطوا عليها فأكلوا حقوقها أو منحوها غير مستحق ففرطوا و أفراطوا. فهذه الاسماء الخمسة أو الستة و هي شخوص قائمات بذواتها أو قل دولة مستقلة، ذات سيادة لا تابعة لسيادة أخرى، و لكنك ترى أصحاب النحو يعدون على هذه الدولة المستقلة، و يأبون إلا أن ينزلوها منزلة التوابع فيلحقوها بدولة
/ صفحه 390/
«جمع المذكر السالم» إن لجمع المذكر السالم لملحقات أخرى كثيرة، و إنه لغني عن الاسماء الخمسة، بيد أن سيبويه وجماعته يريدون أن يضيفوا إليه جديدا، و زيادة الخير خير لا يرفضه فرد و لا جماعة. إذن فيما الحق بدولة جمع المدرك السالم. أبون و أخون... و قال ابن مالك: لو قيل في حم حمون لم يمتنع، لكن لا أعلم أنه سمع، و قال أبو حيان يمتنع لان القياس يأباه، و جمع أب و إخوته كذلك شاذ فلا يقاس عليه... و عن ثعلب أنه يقال في فم: فمون و فمين، قال أبو حيان و هو في غاية الغرابة».
و هذا الذي لا يمتنع عند ابن مالك، و لو أنه لم يسمع. كان الممكن أن يسمع.... فلو شاء خلف الاحمر مثلا لقال مطولة نونية و ضمنها حمون أو حمين، ثم نحلها الشنفرى أو تأبط شرا، و لو أنه فعل لفال ابن مالك: لو قيل حمون لم يمتنع و لقد سمع.
قلت:ها أنتم أولاء تعودون إلي مناقشة الشيخ المستدرك فهو يطالبكم بالنصوص أفليس من يحفظ حجة على من لم يحفظ؟
قال: فتلك النصوص أمامنا إن أراد أقوال النحاة، و ما كان لي أن أخفيها أو أشكك في صحة روايتها، أما إذا أراد بالنصوص الاب و الاخ مفردين أو مجموعين جمع تكسير فأمامنا كتاب الله وأحاديث رسوله و كلام العرب وفيها االاب
و الاخ و الاباء و الاخوة، فأما الابون و الاخون فما أقل أن تجدهما، و إذا و جدتهما ففي نحو «شربني الاخينا» مما يتأتي معه إفراد الاخ و إضافة النون للتحلية، كما هي في إلياسين أو فى شعر لايخفى أنه مصنوع. فنحن نعلم أن قريشاً تقول: آباء و إخوة و لاتقول أبون و أخون إلا ماروى عن أبي طالب واستشهد به ا لنحاة. أفتراه اخترعها، أم تكلم بغير لغة قومه؟ و إذ كان فعل فلم لم يقلها إلا مرة واحدة.
إن إلحاق الاسماء الخمسة أو إلحاق بعضها بجمع المذكر قد يكون، لغة و قد يكون لغيّة، وقد يكون من أوهام النجاة، وليس لي أن ألزمك بعض مايمكن
/ صفحه 391/
أن يقال. فتلك قضايا يمتد فيها القول و يدور حتي ليدخل في دائرة الدجاجة و البيضة أيتهما أسبق وجوداً. و ليس لى أن أرغب الي الشيخ المستدرك في أن يتخلف عن الصف، وصف النحاة (الابين) فهو أخوهم ولا منفعة لى في شقاق بينهم، و لكني آخذ عليهم أن قواعدهم لم تحط باللغة إحاطة كاملة، و ليت شعرى أيكون الكمال من نصيب الانسان؟ لقد جد القوم كل الجد، و فطنوا لكثير مما كان من الجائز ألا يفطنوا له، عل أنه قد فاتهم كثير. خذ مثلا بابي (البسط) و (القبض) فلست أشك في أنهم لم يستنقذوهما، إنهم عرفو و عرفونا أن العرب تمد المقصور و تقصر الممدود و ترخم المنادى و تضيف النون تحلية كما تضيف الهاء في نحو ماليه و (سلطانية) إلا أن جميل بن معمر رخم بثينة غير مناد، و سماها بثينة و بثين و بثة و بثن. و ما أحسب النحاة و ضعوا قاعدة لصنيعة هذا. لقد بسطت العرب فزادت في حروف الاسم و الفعل فقالت: لو أن عمراً هم أن يرقودا، أي يرقد. و سمت الفرقد( فرقودا).
وليلة خامدة خمودا، طخياء تغشي الجدى و الفرقودا.
و قبضت فقالت: لاه ابن عمك. تريد لله ابن عمك و درس المنا. تريد درس المنازل. إلي غير ذلك من ظواهر كثيرة مبعثرة هنا و هناك و هي جديرة أن تبحث و تدرس.
و لقد رأيت أحد زملائي في المجمع اللغوى يبدو الاهمال في ربطة رقبته. قلت: إنك لتبدو مهملا في ربطتك هذه. قال:
لقد ربطتها على الطريقة الاهمالية و هي آخر ما وصلت إليه الاناقة، و لو خيل لغير الممتازين المتأنفين أن من يتزى كذلك خارج على قواعد الزى. إنه لاغراق في الترف لا يعرفه إلا ذووه. ليقل غير المترفين إنه إهمال فلن يضير المترفين أن يقال هذا، بل هم أنفسهم سحموه: (الطريقة الاهمالية) فكذلك البدوى القح يتأنق في مقوله فتحسبه خرج على قواعد اللغة في حين أنه بلغ أوج الفصاحة، لقد تكلم على الطريقة الاهمالية كما يفعل المتأنقون في هندامهم لا في كلامهم. و لقد يضيق اصحاب النحو بمثل هذا البدوى الذي يأبى إلا أن يزج بهم في مأزق. فليجدوا لهم لا له مخرجا.
/ صفحه 392/
قلت: أفيجوز لنا ـ و قد تأنفت العرب في لغتها الى حد إهمال قواعد اللغة أن تحتذيها فنهمل قواعد النحوتأنقا فنرفع الحال مثلا و ننصب المجرور، ونرفع المنصوب، و نزيد في حروف الكلمة و ننقص منها الى آخر مايدخل في باب الاناقة الاهمالية.
قال: على رسلك فأنا لم أزعم أن العرب أهملت قواعد اللغة، بل زعمت أنك تحسبها خرجت على هذده القواعد. و حسبانك ليس حسبان العرب التي كانت تتكلم فتراعى حفظ النسب، كما يقضى ميزآنها الفطرى دون ما رجوع إلى القواعد التي لم تكن قعدت... فإذا رأيت كلاما عربياً يجافي قاعدة من القواعد اللغة العربية نحواً أو صرفا أو غيرهما، فليس معني هذا أن العربي أخطأ أو شذ، بل معناه أن القاعدة الموضوعة قصرت فكانت غير جامعة أو مانعة... على أنه يندر أن يعدم أهل (الفن) طريقة احتيالية تجعل القاعدة جامعة مانعة.
قلت: فكيف أتأنق لغة على الطريقة الاهمالية؟
قال: إنك تأبى إلا الاهمال غافلا أو متغافلا عن مدلول ضرب الامثال... لقد دعا أبو قير الناس إلي مذهبه الموسوم مذهب (اللذة) و هو إنما يعني الملذات الروحية، فخلف من بعده خلف آمنوا بمذهب الملذات أو الشهوات الحسية معتبرين أنهم لم يؤمنوا إلابما آمن به أبو قير من قبل، فهم أتباعه أو فقهاء مذهبه...
قلت: لا أحب أن يصرفنا أبو قير عما نحن فيه، نحن فى اللغة العربية، و أناقة التعبير.
قال: إن العرب لم تتأنق ولم الترف اللغوى أو الكماليات إلا بعد أن استنفدت كل الضروريات و المقومات اللغوية، فكان لكل مدلول دلالة لفظية، ثم دلائل لفظية كثيرة مكنت للعرب أن تتصرف في تلك الثروُة اللغوية البالغة تصرف صاحب الملايين ـ أو صاحب الالاف المؤلفة إن لم يكن فوق الالف عد ـ الذي يريد أن يستمتع، فلا يفوته لون من ألوان الاستمتاع... أفترانا نحن عرب هذه الايام في مثل هذه الحال.
/ صفحه 393/
قلت: بل أرى مدلولات جد كثيرة ليس لها دال لفظي عربي فهذه أداة لم تسمها العرب و لم تعرفها، و تلك آلة تتألف من مئات الاجزاء أو آلافها، و ما عرفت العرب لها كلا و لا جزءا، و إذا تركناعالم العلم و الصناعة، فقد تجد في مملكة الحيوان أو مملكة النبات كثيراً جهلته العرب فلم تسمه.
قال: فأنت إذن في طور استكمال الضروريات لا في طور الكماليات و الترف الكلامى، أنت في طور الله وحده يعلم متى كانت العرب فيه بالقياس إلي لغتها قبل أن تستكمل، فكل ما يمكن أن يصح صحة علمية هو أن تطور لغة العرب كان بطيئاً و كان فطريا.
قلت: فإن المجمع اللغوى هو الذي يؤدى الآن مؤدى التطور الغريزى ...
وقد يستطيع أن ينجز في أيام معدودات ما لم ينجزه التطور الفطرى إلا في قرون و دهور.
قال: ليست المسألة يسيرة كما تتصور، فليس المهم وصف آلة و تنسيق اسماء لمخترعات كما قال حافظ ابراهيم رحمه الله، و إنما المهم أن يتقبل الناس هذا التنسيق و ذاك الوصف ... ولو كان إلي وحدى مرجع الامور لقبلت كل مسمى بأسمه الموضوع له في لغة صانعه، فكذلك فعلت العرب فيما وردها.... لقد جاءنا من الغرب شى ء اسمه (الراديو) فقلنا (مذياع) فلم يستمع إلينا و قالت الناس (راديو) و لو أنه جاء العرب قبل الإسلام أو في صدره لقبت الاسم و المسمي، و ما كانت لتخترع له (المذياع).
قلت: فأنتم يا سيدى الشيخ مجددون، بل مبالغون في التجديد.
قال: إنه لن يضر لغة القرآن أن نضيف إليها جديداً و أن ندخل في حظيرتها (الاتمبيل) و (الموتسكل) و (الراديو) و (الراديوم).
قلت: كما لا يضيرها أن نغفل قواعد النحو و الصرف
قال: هنا يقف حمار الشيخ، فلست داعية خطأ، و أنه ليضير لغة القرآن كل الضير أن نغفل قواعدها، فيخر علينا السقف من فوق و نحن لا نشعر.
/ صفحه 394/
جدوا ما شاء لكم التجديد في حدود، هي أن تكون لنا جميعاً لغة واحدة: هي لغة القرآن. فأما أن تتكلم أنت اللغة العربية المصرية و أنا اللغة العربية العراقية، فتلك هي الكارثة أو الهوة، التي ود عدو القرآن أن نتردى فيها. إنه قرآن عربى غير ذى عوج... و أي عوج أعوج من أن تتخذها لغة ذات شعب، فهذه الشعبة العربية المصرية، و هاتيك الشعبة العربية الشامية ،و تلك الشعبة العربية الحجازية... الخ. أفتريدون لها أن تصير إلي ما صارت اليه اللاتينية بالقياس إلي الفرنسية والاسبانية و الايطالية و غيرها من بنات اللاتينية.
قلت: و ما حيلتنا إذا قضي التطور هذا القضاء، أفنستيطع ـ و التطور سنة الله في خلقه ـ أن نقف في سبيله ؟
قال: لا أحد يكلف الوقوف في سبيل التطور، و لكنه لا يفتعل افتعالا، و أنتم حين تحاولون وضع لغة عربية مصرية و أخرى شامية و ثالثة يمانية، إنما تصنعون و تفتعلون. فأماالتطور الذي هو من صنع الله، فانه يتلقى تلقياً اجتماعياً لا فردياً.
لقد ولد منذ نزول القرآن لغات و ماتت لغات. و بقيت العربية القرآنية هي هي على كثرة كيد الكائدين و تربص المتربصين أن يعدوها من اللغات الميتات ولكن هيهات هيهات، لقد مكروا و مكر الله و الله خير الماكرين... اذكر قوله تعالي «إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون» و كن على يقين من إن حفظه يستلزم حفظ لغته و لو كره الكافرون.
قلت: إذا أعجز الكافرين أن يذهبوا بلغة القرآن فإنه لم يعجزهم أن يفرقوا الكلمة، و يشتتوا الامة الواحدة اُمماً لست
أدرى كم تكون في لغة الاحصاء و الإحصائين.
قال: تعلّم أن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون. فلا تهو لك السنون و ا لقرون التي تحاوزهاالمسلمون و هم في غفلة ساهون عن قوله تعالي «إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون» لقد حدثني شيخي المستتر ـ و هو على بصيرة
/ صفحه 395/
أن أمور الامة الاسلامية قد يغلب الخوف فيها على الرجاء، إذا لم تتعد نظرتك ظواهر الحال: إلا أن مرسل محمد للناس كافة مبشراً و منذرا، لا بد محدث أمرا، فإن الإسلام أكرم عليه سبحانه وتعالي من أن يكون عمره في الارض تلك السنوات المعدودات التي فقه فيها المسلمون معنى الوحدة: معبود واحد، وأمة واحدة هي أمة التوحيد.
قلت: فمن شيخكم المستتر هذا؟ أو مستتر وجوباً أم جوازا؟
قال: بل وجوبا، فهو ألطف من أن يظهر لذوى الجسوم الغليظة.
قلت: أو ما زلت فيما ترون غليظ الجسم؟ ألا فلترجعوا البصر فعسي أن أكون غير كثيف و لعلي صالح لان تظهروني على شيخكم اللطيف؟
قال: يزعمون أن بشار بن برو كان يشبه أن يكون فيلا حين قال:
إن في بردى جسما ناحلا * * * لو توكأت عليه لا نهدم
قلت: و لكني لست شاعراً و أعوذ بالله من بشار و من جماعة النار.
قال: لو شئت لحدثتك عن بشار و عن الطين و النار.
قلت: بل عن شيخكم اللطيف، و الدين الحنيف.
قال: فهذا حديث لا يجيء ذيل كلام، فإنى جلسة أخرى؟