/ صفحه 405/
عاد(2)
لحضرة الكاتب الكبير السيد صدر الدين شرف الدين
مرتين خلق الله (عاداً)
خلقها يوم أنشأها أول مرة، أمة ذات أيد و قوة، و خلقها يوم أفناها عبرة يفتح منها للاعتبار كوة.
وجودين أتاح لها من عدمين.
أخرج الاول من فناء الازل... من ظلامه، و أخرج الثاني فناء الابد... من ركامه.
فعاشت «عاد» في أو لهما عيش حركة.... عيش تلاشى، وعاشت في ثانيهما عيش جمود.... عيش خلود.
بقاء فني، و فناء فني.
ـــــــــــ
1- مجمع الامثال (الهمزة) يضرب لتقدير المسئولية.
امتدادات ذوات آفاق و أغوار ،تؤلف هذه الاضداد المتوافقة في قصة «عاد» التي نفض «القرآن» الكريم الغبار عن أوراقها، و علقا في (كعبة) التاريخ.
عاد في القرآن:
و الحق أن «عاداً» كانت جديرة أن ترتد إلي رحم الازل لولاعناية القرآن الكريم، فإذا فلت منها خبر، لم يؤخذ إلا على أنه أسطورة من تمويه الخيال.
/ صفحه 406/
و صنع الوضاعين، ولكن القرآن الكريم جلاها حقيقة تاريخية ثابتة، ثم أعارها من الاهتمام ما أعاد خلفها كما بدأه أول مرة، فهي فيه مدار حديث يتكرر بالحاح شديد، و يظهر بامتنان كلما استخدم التاريخ القديم لتنبيه الطغاة، في صدد بيان قدرته، و أخذه بأعراف الاقوياء، و نواصي الجبابرة، و قد صور «عاداً» في هذا الصدد قوة من القوة، في مختلف المظاهر و شتي الاشكال: في بناء الاجسام، و عنفوانية الانفس، و نشاط الحياة و ضخامة الاثار، وشدة البطش، و بعد النفوذ و عظمة الثروة و لم تكن عنايته أقل، إن لم تفق، عنايته بقوم نوح قبلها، و بثمود و قوم لوط وإبراهيم و بفرعون و أهل مدين بعدها، بل لعله يصورهم أرسخ الأمم القديمة و أشدها شكيمة.
وأقل ما يترتب على هذا التأكيد الملح من أثر، نفي الزيف عن وجودهم التاريخي (1) و حمايته من شكوك التحريف الذي تناول تفاصيل أخبارهم بتصوير أسطورى، اشتهاه، بعض القصاصين مثل كعب الأحبار ليمتع به بعض الملوك، مثل معاوية، أو يضلل به الرأي العام وفق سياسة معينة.
و قد تحدث القرآن الكريم عنهم في مواضع كثيرة منه، تحدث عن عاد في سورة الاعراف و في سورة التوبة، و في سورة
ـــــــــــ
1- في محنة ابن رشد نسب إليه خصومه كلمة قيل إنها من أسباب نكبته و هي أنه قال ـ و قد شبهت عاصفة بريح عاد: و أن وجود عاد ما كان حقاً فكيف سبب هلاكهم». و يقوى عندى افتراء هذه الكلمة عليه أنه ـ وهو العالم الفلكي ـ لا تخفي عليه طبيعة الريح التي يصورها القرآن، و هي لا تزيد عما تسجله المراصد اليوم من سرعة العواصف التي تقتلع الاشجار، وتهدم القصور، و ما أظن عصر ابن رشد غريباً عن هذه العواصف هذا فضلا عما يصحح مفاد الاية من وقوع منازل عاد في مواقع بركانية.
هود، و في سورة إبراهيم، و في سور: المؤمنون، الفرقان، و الشعراء، و العنكبوت، والسجدة و (ص) و الحقاف و (ق) والذاريات، و النجم، و القمر، والحاقة، و الفجر.
نعم لم يكن القرآن مؤرخا، و إنما أوحي الله إلي نبيه صلي الله عليه و آله و سلم من
/ صفحه 407/
«أنباء الغيب» (1) وننائج التأريخ، عبراً تأخذ بأعناق قومه إلي الاستقامة و الايمان و عاد من تلك الانباء مثل ما جاء مقصوداً لذاته كي يتخذ منه موضوعا مستقلا، و إنما جاء شاهداً من شواهد الحياة في معرض التحذير من العصيان، و الاغراء بالطاعة، أو جاء ـ بعبارة أخرى ـ مشهداً من مشاهد العرض التاريخي في رواية الحياة.
و مع ذلك فقد تواتر حديثه العميق المحمل على إبراز ملامحها، و تحديد أهم العناصر التي يحتاج إليها باحث يريد أن يؤرخ لعاد، فحدد زمانها، و حدد مكانها، و وصف طبيعة أرضها، و موارد عيشها، و قوتها و فنها العمراني، و ثقافتها الزراعية و الحيوانية، ثم صور كارثتها في ضبط حسابي دقيق.
و إليك صوراً من حديثه عنها كمستندات في هذه الخطوط الجوهرية من حياتها:
زمانها :
«ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح و عاد و ثمود الذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله. جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم و قالوا: انا كفرنا بما أرسلتم به. و إنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب» سورة ابراهيم.
«و أنه أهلك عاداً الاولي، ـ النجم ـ و الاولي: القديمة خلافاً لوهم القدماء الذين رأوا عاداً ثانية، إذ ظنوا (الاولي) عدداً. على حين أنها وصف.
«و إلي عاد أخاهم هوداً، قال يا قوم اعبدو الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون». «أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم، و اذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح. و زادكم في الخلق بسطة، فاذكروا آلاء الله لعلكم
ـــــــــــ
1- «تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت و لا قومك من قبل هذا فأصبر أن العاقبة للمتقين» سورة هود.
تفلحون» الاعراف.
ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد و ثمود، و قوم ابراهيم و أصحاب مدين و المؤتفكات أنتهم رسلهم بالبينات» التوبة.
/ صفحه 408/
مكانها:
«واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالاحقاف وقد خلت النذر من بين يديه و من خلفه، ألا تعبدوا إلا الله، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم» الاحقاف
طبيعة أرضها:
أثناء الجدل بين هود و قومه قال «و ياقوم استغفروا ربكم» ثم توبوا إليه، ير سل السماء عليكم مدرارا. و يزدكم قوة إلي قوتكم، و لا تتولوا مجرمين» هود.
قوتها و فنها العمراني:
«كذبت عاد المرسلين، إذ قال لهم أخوهم هود: ألا نتقون». «أتبتون بكل ريع آية تعبثون و تتخذون مصانع لعلكم تخلدون و إذا بطشتم بطشتم جبارين، فاتقوا الله و أطيعون، و اتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، أمدكم بأنعام و ينين، و جنات و عيون» الشعراء
«ألم تركيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، الفحر.
طغيانها:
«و أما عاد فاستكبروا في الارض بغير الحق و قالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة و كانوا بآياتنا يجحدون» السجده.
كارثتها:
«فأرسلنا عليهم ريحاً صرصرا ـ شديدة البرد. أو ذات صرير ـ في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا، و لعذاب الاخرة أخزى» السجدة.
«كذبت عاد فكيف كان عذابي و نذر، إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في يوم نحس مستمر ـ شديد المرارة أو متتابع ـ تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر ـ منقلع ـ» القمر.
«فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا، بل هو ما استعجلتم به، ريح فيها عذاب اليم، تدمر كل شيء بأمرربها، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم، كذلك نجزى القوم المجرمين» الاحقاف.
/ صفحه 409/
ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا، و نجيناهم من عذاب غليظ» هود.
مدة الغارة:
«و أما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية، سخرها عليهم سبع ليال و ثمانية أيام حسوماً، فترى القوم فيها صرعي كأنهم اعجاز نخل خاوية، فهل ترى لهم من باقية» الحاقة .
صدى أخبارها:
كان النبي صلي الله عليه و سلم إذا رأي الريح فزع و قال: اللهم إني أسالك خيرها و خير ما أرسلت به، و أعوذبك من شرها و شر ما أرسلت به، و إذا رأي مخيلة ـ غيمة ـ قام و قعد، و جاء و ذهب، و تغير لونه، فيقال له: يا رسول الله مم تخاف؟ فيقول: أخاف أن تكون كارثة عاد إذ قالوا هذا عارض ممطرنا(1)
وكانت أشد آية في جميع القرآن، و أشق آية نزلت على النبى ـ كما يقول عبدالله بن عباس ـ هذه الاية:
«فاستقم كما أمرت و من تاب معك، و لا تطغوا إنه بما تعملون بصير» هود.
و هي من الايات الشداد الواردة في هوامش قصة عاد، و التعليقات عليها، و قد قال النبى (صلى الله عليه و سلم) حين
ـــــــــــ
1- الكشاف ج 3 ص 448 والبداية و النهاية قصة هود.
نزولها: لقد شيبتني هود و الواقعة و أخواتهما(1)
المحصول القرآني:
يخرج الباحث من القرآن: هذا المصدر القدسي الاسمي، مطمئنا يمشي في أرض «عاد» على وضح بين عثار التأريخ، و بيده من القرآن «بوصلة» تدله عبر المحيطات الخبرية على مقر عاد وراء الرمال.
والواقع أنه رسم لها صورة كاملة، و أن لم يتخذد موقف المؤرخ، فجاء تمامها على وجه تؤيده مكتشفات العلم الحديث إحدى معجزاته التي جهلها القدماء، و خرّجوها لجعلهم ـ و هم معذورون ـ تخريجاً أسطورياً لا طبيعياً.
/ صفحه 410/
و قبل أن أقص حكاية عاد مسدودة الثغرات، أحب أن ألم أطراف صورتها العلمية القرآنية الرائعة، في ضوء ما علق بالذاكرة من نتائج الادلة المادية المستخرجة من النصوص و المقارنات و الاثار و البحوث (الجيولوجية) و (البيولوجية) و (الانتر و بولوجية) و ما شاكلها من المعارف المتشابكة التي سهلها و قدمها للناس رجال الاختصاص بجهد يقل عنه شكره مهما عظم.
ضجة بابلية:
و قبل البدء يجب الاعتراف بأنني في منفاى هذا على شاطىء صور من الابيض المتوسط، لا أملك من مصادر التاريخ غير (ضوضاء بابلية) من هذيان المؤرخين القدماء، و تشويشهم في هذا الموضوع، و غير ذكريات دراسة تنقذها من العقم ملكة الفكر و التأمل و المناقشة، أما الادلة المادية من شواهد العلم الحديث فبعيدة عني الآن إنها في أدراج لا تألف منفاى المهتم بأخبار المعارك العشائرية في ظل نظام قيل: أنه ديمقراطى!
ولو كنت إزاء بطل مثل (عوج) ابن عنق، لهان الامر، و سهل الحديث كنت ـ إذن ـ أحدثك عن أعاجيبه يوم سخر بالطوفان، و راح ينقل فوق أمواجه ساقين: قصبتا هما أطول من سارية السفينة! و كنت ـ إذن ـ في سعة الحرية الادبية،
ـــــــــــ
1- الكشاف ج 2 ص 237.
استخدم ماتشاء من خيال، و اصطنع ما تشاء من إغراب، في أمن من صرامة المهج التاريخى، و رقابته العلمية.
ولكني من «عاد» إزاء حقيقة تأريخية يلزمني المنهج أن أتحدث عنها بأمانة، و أن أنقلها بواقعها نقلا مؤثراً نافعاً، باعتبارها جزءاً من ذلك (المركب) العظيم: الانسان و الارض و الحضارة، إنساننا و أرضنا و حضارتنا.
و أنه لو هم ذلك الرأي الذي يقول بتحرر الحاضر، كل حاضر في ماضيه، فإن الحاضر ـ في أصح الاقوال ـ إنما هو نتيجة من نتائج الماضي الحتيمة، و أن خفيت المقدمات، أو تعاصت على الافهام لخفاء أسباب الربط، و نحن الان في حاضر يأخذ برقبته ماض قديم، و يشد على خناقة بقبضة قاسية يضاعف قوتها أنها تمتد إلي عنقه في ظلام، و لكى نحرره من قسوتها، و لا أقول منها، يجب
/ صفحه 411/
أن نستجلي الماضي استجلاء متصلا متسلسلا، و ندرسه على أنه حكايتنا البشرية... حكاية حياتنا الماضية في هذا الكون، و بهذا نفيد من الماضى إخضاع تجاربه للارتقاء لا لامتاع الاذواق و إرضاء العواطف. و استثارة الاعجاب فقط.
و «عاد» كانت ساقية من نهرنا الكبير، نعم و دفعها سوء المصير إلي ارض رملية عطشي، فلم تلبث حتي ابتلعتها، و لم ينته الامر، فقد التقت على رمسها رياح القضاء الهوج، و براكين الاعماق الحمر،، هذه تقيؤها، و تلك تدملها!.
ترى أتننهي القصة عند هذا الحد؟ لقد مضت آلاف السنين على هذا الحادث العجيب، أفنيأس؟ إنها حلقة من حياننا ضاعت ولكن لابد من العثور عليها، إن لم يكن الآن ففي وقت آخر، و إن لم يكن بيدى فبيد باحث غيرى.
وأكثر ما أستطيع أنا في هذا المنفى المهتم بتفاهات الاقطاع، و سخافات العصبيات، أن استهدى إلى تحديد زمنها بهدى القرآن مستعيناً بحركات المجتمع البشرى الكبرى التي دارت حول الجزيرة في قلب هلالها الخصيب، و شواطىء الابيض المتوسط.
كانت الامة العربية نائمة في مهدها... هذا صحيح، ولكن الأمم الثائرة على أسوارها عيت بها أحيانا كثيرة و متى استطيع العثور على رأس الخيط ،في تحديد زمن معروف لهذا الشعب الضائع منا، لم أستطع فحسبى أن أستفهم.
من هي عاد! و متي ظهرت؟ و أية أرض عَمَرت؟ و كيف عمرت؟ و من أين جاءت؟ ما عقيدة عاد؟ و من هو «هود» نبيها؟ و كم عاشت، و كيف انتهت؟ و لماذا انقرضت؟
تلك هي الاسئلة التي تجيب عنها قصة «عاد» التي أنا بصددها، و ليس شيء أسهل من تأليف هذه الفصة على من يقتحم (ضحة بابل) ويصاب بعدواها، أما الذي يخرج منها مالكا لامره، فسيجد في تأليفها حرجاً من أيسره عناء التوفيق بين متناقضات المسابين بالضجة البابلية، و ليس شيء أهدى إلي المعرفة في هذا الخضم من التمسك بعرى القرآن؟