/ صفحه 431/

أنباء و آراء

مات شيخ الإسلام: عبدالمجيد سليم :

في يوم الخميسن التاسع من شهر صفر سنة 1374 هـ (7 من أكتوبرسنة، 4195 م) اختار الله إلى جواره عبده الصالح التقى النقي شيخ الإسلام، و علم ا لاعلام، المغفور له الاستاذ الاكبر الشيخ عبدالمجيد سليم، فانطوى بذلك كتاب

مشرق الصفحات في التقى و العلم، والحلق الكريم، و الجهاد الحق في سبيل الله، و الغيرة الصادقة على الإسلام و المسلمين (1)

كان الفقيد رضي الله عنه مؤمنا ً حق الايمان، صافي النفس، سليم الفطرة، قوياً في علمه و خلفه و قلبه و عقله، داعياً إلي الله بقوله و فعله، واسع الافق، لا يحده من القيود إلا ما قيد الله به المؤمنين من اتباع كتابه، و أن يحذروا المخالفة عن أمر رسوله، يعيش لأفكاره و مثله و خدمة دينه وأمته، لا للمال، و لا للجاه، و لا للمناصب، فكثيراً ما ساومه المال على الواجب فأباه، و كثيراً ما أعرض في غير ضعف ولا تردد عن مظاهر الجاه، و كثيراً ما ضحى بالمنصب الكريم، و السلطان العظيم، مؤثراً عليها رضا ربه، و طمأنينة قلبه.

و كان رضي الله عنه و فياً شديد الوفاء، كريم الصحبة، عف اللسان، قوى الجنان، لا يخاف في الحق لومة لائم، وكانت غيرته على الدين و العلم مضرب الامثال: يزأر في وجوه الظالمين كما يزأر الاسد الهصور، غير مبال بما يصيبه من بأسهم و طغيانهم، فإذا رأي فساداً أو شراً ولم يستطع له دفعاً بكى حتي يسمع

 

/ صفحه 432/

له نشيج، و تفيض بالدموع عيناه، و كان يرى عن إيمان و اعتقاد جازم أنه لا صلاح للامة الاسلامية إلا بأن تتمسك بدينها في كل شأن من شئون حياتها، على شريطة أن تعلم هذا الدين علما واضحاً صافيا لا تشوبه شائبة من جهالة أو تحريف أو سوء إدراك.

و كان رضي الله عنه مؤمنا بفكرة التقريب إيمانا فطريا دفعه إليه سعة أفقه، و صفاء عقله، و صحة علمه. و قد جرى طول حياته العلمية في الافناء وغير على تلقى المذاهب الاسلامية و لو من غير الاربعة المشهورة بالقبول ما دام دليلها لديه واضحا، ويرهانها راجحاً و له توجيهات علمية كان من أثرها أن أخذت لجنة الاحوال الشخصية في مصر برأي (الامامية) في عدة من المسائل الفقهية إلى الآن ضمن القانون المعمول به.

 

ـــــــــــ

1- للتاريخ: و لد الفقيد في 13 من أكتوبر سنة 1882 فعمره اثنتان و سبعون سنة الا ستة أيام.

 

و قد ظهر منه رحمه الله هذا الروح القوي حين ألفت جماعة التقريب فانه احتضنها وجاهد في سبيلها، ووجه كثيراً من جهوده

وتلهيهم عن ا صلاح أحوالهم، تكون سبباً دائما في إثقال كواهلهم بما لا يحتملون من الاعباء، و في إلباسهم لباس الذل و لاخوف و لاشقاء.... و إن أحسن ما تطفأ به هذه الحرب الاملية التي ظلت مستمرة بين المسلمين قرونا طويلة، هو التفاهم، و أن يدرك كل شعب ما عند الاخر، و يومئذ يظهر للجميع أن أمة الإسلام متفاهمة على كل ما يكون

سببا في قطع حبل الاخوة و الائتلاف، و سأنظر إن شاءالله تعالى في كل ما يعين المسلمين على إدراك هذه الحقيقة و العمل بمقتضاها، و إن رسالة

 

/ صفحه 433/

«جماعة التقريب» في ذلك، لتلتقى مع رسالة الازهر الذي يرى حقا عليه أن يبصر الامة الاسلامية بأمرها، و يرشدها إلي ما يجب أن يقوم عليه شأنها من المودة و التراحم و الالفة وتبادل العلم و المعرفة »(1)

هذا هو الرجل الذي فقدناه، و هذا هو روحه القوى، و علمه الجلي، و من لطف الله في قضائه ،أن هذا الرجل العظيم لم يمت حتي رأى فكرة التقريب قوية قائمة مستقيمة، قد تآزر عليها من أهل العلم و الرأي من يستطيعون بفضل الله حمل لوائها و تلبية ندائها و بذل النفس و النفيس في سبيلها فالحمد لله على قضائه والحمد لله على لطفه و أحسن الله في الفقيد عزاء المؤمنين، و أجزل له عما قدم أجر العالمين و «إنا لله و إنا إليه راجعون».

و لقد شعرت جميع الاوساط العلمية في مصر و البلاد الاسلامية بالخسارة العظمى في الفقيد الكريم، فانهالت الرسائل و البرقيات على «دار التقريب» وحضر إليها الافراد و الوفود، و كلهم يعزون فيه، و يدكرون مآثره، و يعبرون عن احتسابهم إياه عندالله، كما كتبت الصحف اليومية و الاسبوعية في تأبينه، مجمعة على أنه بقية العلماء العالمين المتقين، و هذه مقتطفات منها:

 

ـــــــــــ

1- المجلد الثالث من «رسالة الإسلام» ص 25

 *  *  *

قالت الاهرام بتوقيع الاستاذ الفاضل الشيخ أحمد العسكرى:

طوى الموت صفحة عالم من كبار العلماء، و فقيه من خيرة الفقهاء المجتهدين الاحرار، هو المغفور له الاستاذ الاكبر الشيخ عبدالمجيد سليم شيخ الجامع الازهر الاسبق و وكيل جماعة التقريب بين المذاهب الاسلامية، و قد وقع نعيه في داوئر العلم و الادب والدين وقعاً اليما، إذ خسرت البلاد بوفاته مناضلا قوياً ذا طابع خاص يصول و يجول في مختلف ميادين النضال الفكرى و العقلي، لا يرهبه تهديد أو وعيد، و لا يثنيه عن وثابته سلطان حاكم و لا طيش ظالم، وخسر الازهر و العالم الاسلامي بصفة خاصة رجلا عبقريا فذا من طراز المجاهدين من الفقهاء

 

/ صفحه 434/

الذين أضاءت لهم عبقريتهم طريق الحياة و سبل النجاح و لم يكن نجاحه في أية معركة علمية يخوضها يرجع بالغنم إلى شخصه، وإنماكان يغنم به الاسلام و يظفر من ورائه المسلمون في مختلف بقاع الارض.

وقد تلقي الشيخ عبد المجيد سليم عن الاستاذ الامام الشيخ محمد عبده مبادئه في الاصلاح، و أخذ عنه طريقته في البحث و الدرس و التفكير و كان الامام رضوان الله عليه يحبه و يؤثره على غيره من لدانه و أقرانه.

و قد شغل فضيلته وظائف التدريس و القضاء و الافتاء و مشيخة الجامع الازهر و مكث في الافتاء قرابة عشرين عاما و له من الفتاوى ما يرنو على خمس عشر ألفا فيها آلاف من الفتاوى ذات المبادىء و قد اتجهت وزارة العدل إلي جمعها و طبعها للانتفاع بما فيها من الاثار العلمية ذات النفع العام، و لا شك أنها تعد مرجع المفتين و الفقهاء و القانونيين مهما تعاقب عليها الزمان.

وركز نشاطه في السنوات الاخيرة في الاشتغال بجماعة التقريب بين المذاهب الاسلامية و قد جعلت هذه الجماعة من اهدافها أن تتفاهم الطوائف الاسلامية، على ما ينفع المسلمين وأن تعمل على نسيان الخلاف و استلال الضغائن من بينهم وله ـ يرحمه الله ـ في هذه الناحية كتابات و رسائل ومراسلات بينه و بين كثير من علماء البلاد الاسلامية فلم

يقتصر فضله على العلم في مصر ولكنه تجاوز ذلك إلى آفاق الاسلام في كل الطوائف.

يرحمه الله بقدر ما جاهد و قدم لامته ولدينه من فوائد و نفع و عوض الأمم الاسلامية و الإسلام عن فقد هذا المجاهد العظيم.

 *  *  *

ونشرت الاهرام أيضاً كلمة بتوقيع القانوني الكبير الاستاذ محمد محمود وكيل وزراة العدل و رئيس محكمة استثناف مصر سابقاً جاء فيها عن منزلة الفقيد في لجنة الاحوال الشخصية التي كانت تجمع فطاحل رجال الشريعة و القانون في مصر.

 

/ صفحه 435/

«... و قد كان المرحوم الشيخ عبد المجيد سليم في هذه اللجنة النجم اللامع، و الكوكب الساطع «و الحركة الدائمة» إذ كانت تعرض الموضوعات و ا لمسائل على اللجنة بعد سبق بحثها و فحصها، وعند ذلك يأخذ الراحل الكريم الكلمة فيتولي شرح الموضوعات والمسائل الواحدة بعد الاخرى، مستعرضاً شتي الاراء و مختلف الصور في كل مذهب من المذاهب، مقرراً حكم الشرع في كل مذهب ذاكراً رأي الائمة و المجتهدين و الفقهاء المؤلفين، ومسايراً روح الزمن، متنقلا من فن إلي فن يقطف من أزهارها أبهاها، و يجني من ثمارها أحلاها و أشهاها، و هو في ذلك كله البحر المتدفق، و العالم المحقق المدقق، حتي إذا النتقى من جولته العلمية، و محاضرته الفقهية، قامت اللجنة بالبحث و التمحيص واستنباط الحكم الملائم تمهيداً لاعطائه الصيغة النهائية، تلك ناحية من نواحي الفقيد العظيم أسردها و أشهد بها، عليه رحمة الله و طيب الله ثراه.

وجاء في مجلة «منبر الشرق» بتوقيع فضيلة الاستاذ الجليل الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتى الديار المصرية السابق:

ثوى علم من أعلام الإسلام، و انطفأ مصباح طالما استنار به الانام، و خسر العالم الاسلامي بفقده نصيراً للحق من أعز النصراء، و فقيها من أجل الفقهاء، و تقياً من خيرة الاتقاء... ثم قال:

أختير للقضاة و قضى به سنين، ثم للافتاء فمكث شاغلا لمنصبه سبعة عشر عاما أصدر فيهاكثيراً من الفتاوى الهامه القيمة، و كان لا يتقيد في بعضها بمذهب الحنيفة، و يفتى بما ترجح عنده من المذاهب الاخرى لقوة أدلته و ظهور المصلحة فيه، و كان يتحرى الحق و يأخذ به أني وجده، و ما كان للهوى في فتواه سبيل إلى نفسه و سلطان على ضميره.

ثم عين شيخاً للازهر مرتين لم تمكنه الظروف فيهما من تحقيق آماله في الاصلاح و خدمة الإسلام و المسلمين.

 

/ صفحه 436/

و قد شق عليه كثيراً أن يحال بينه و بين تنفيذ مايراه إصلاحا جوهرياً في النظم الازهرية لا يصلح أمر الازهر إلا به، ولا يؤتي العلم الازهرى ثمرته إلا بتقريره .

لن ننسي الشيخ عبدالمجيد سليم القاضي النزيه والعالم القدير و الفقيه المجتهد، والصالح التقي، و الاخ الو في، و الصابر المحتسب الذي أوذى وحورب و اضطهد و حرم منه العلم والعلماء في الازهر و غيره.

 و سيذكر له التاريخ بعد حين مواقف مشهودة، و شجاعة، وقوة إيمان و صلابة عقيدة و ليس هو بأول من عصفت به السياسة من أعلام الإسلام.

                                                                             *  *  *

و جاء في مجلة (الدعوة):

كان رحمه الله ينظر في آراء العلماء الاولين، و يستعرض دليل واحد كل منهم، مترفعا عن التعصب لمذهبه... فإذا وحد الدليل و الحجة في اى مذهب اخذ به غير مبال بمخالفة مذهبه.

و كان يقرر أن الفقه الاسلامي موسوعة كاملة لكل شئون الحياة، و أنه لا يعرف مسألة واحدة ليس للاولين فيها رأي، أو يمكن استنباط الرأي فيها مما قاله الاولون.

وكان تمكنه في الفقه و سعة أفقه و عدم تعصبه، هي الدوافع التي جعلت منه الركن الركين لجماعة التقريب بين المذاهب الاسلامية... و قد اشتغل عملياً بهذه الفكرة واختار عدداً من العلماء لمشاركته... وقد ترك فيها من المبادىء

وحدد لها من الأهداف ماجعلها فكرة واضحة ماضية في سبيلها بقوة... و كانت بينه و بين علماء مختلف الطوائف مراسلات و مساجلات في كثير من المسائل تسودها الرغبة في إجلاء الحق مع التزام النقاش الهادىء الذي يليق بوقار العلماء....

فهي الخالدات في الفقه الاسلامى... ولفضيلته بحوث في مجلة «رسالة الإسلام التي تصدرها دار التقريب ولعل الداراتهتم بنشر مساجلانه العلمية مع علماء الطوائف.

 

/ صفحه 437/

 

ولي عهد اليمن عضوفخرى بالتقريب

اهتمت «درا التقريب» في هذا العام بتقوية القسم اليمنى الزيدى فيها لتوفر الباحثين في فقه الزيديه و سائر علومهم مايحتاجون إليه من مراجع تفيدهم، و تقرب إليهم غاياتهم فإن في المذهب الزيدى علماً عظيما، و فقها جيدا، و من حق المسلمين أن نيسر له يُسبل دراسته، و الافادة منه.

و قد كان من حسن المصادفة أن زارها في هذا الشهر حضرة صاحب السمو الامير البدر ولى عهد المملكة المتوكلية اليمينة، و لمس هذا الاتجاه، و أبدى سروره العظيم به، مما نرجوا أن يكون له إن شاءالله أثر طيب و مما يذكر أن اليمن ممثله في جماعة التقريب منذ تأسيسها.

بين الهيئات العلمية و «داراالتقريب».

(1) اتصلت المؤسسة العلمية العالمية «اليونسكو» التابعة لهيئة الأمم المتحدة بدار التقريب سائلة: هل يمكنها أن يعتمد على معاونة الدار في مدها بما تحتاج إليه من المعلومات المتصلة بالطوائف الاسلامية في الشرق و الغرب، سواء أكانت معلومات إحصائية أو فكرية مذهبية.

و قد أجابت «درا التقريب» بأنها ترحب بكل طلب للمعاونة في هذا الشأن تتقدم به آية هيئة، و اثفة بأنها تؤدى بذلك

طرفا من واجبها العلمي و الاسلامي، و تعمل على تجلية الحقائق في كل محيط ماوسعها العمل، كمركز إسلامى عالمى توافرت له أسباب العلم بأحوال الطوائف المتعددة في مختلف الشعوب الاسلامية.

(ب) كما اتصلت بعض الجامعات العلمية خارج مصر بالدار في طلب معلومات في مسائل معينة مما تهتم به «جماعة التقريب

إذ تتجة إليها الهيئآت العلمية على هذا النحو، تشعر شعوراً كاملا بما ينبغي أن تحمله من الاعباء في سبيل الثقافة الاسلامية و كل ما يعرف بالمسلمين و أنها ستقابل هذه الاعباء التي تطرد زيادتها حيناً بعد حين بالترحيب و تمام الاستعداد. و بالله التوفيق.