/ صحفة 24 /

دعاة الفرقة

لحضرة صاحب المعالي السيد محمد رضا الشبيبي

وزير المعارف السابق بالعراق

معالى الأستاذ الكبير محمد رضا الشبيبي عضو المجمع اللغوي بمصر ووزؤير المعارف العراقية سابقاً، شخصية علمية جليلة، وله دراسات في الأدب واللغة والتاريخ وغيرها، يتجلى فيها طابعه الخاص الذي يمتاز بالتحليل والتعمق واستيطان الحوادث والاقوال، ليستخلص منها ما تفيده من المعاني والدلالات.

وسيادته يقيم الآن ضيفاً كريماً في القاهرة، للاشتراك في مؤتمر المجمع اللغوي وصلته بدار التقريب ورسالة الاسلام مستمرة على عادته. ولا غرو فهو من أخص أعضاء هذه الاسرة العلمية الاسلامية، وله في (رسالة الاسلام) بحوثه الجيدة التي يعرفها القراء، وقد أهدانا اليوم هذا الحديث.

(المحرر)

أكثر العرب في منظومهم ومنثورهم، وفي أمثالهم من ذكر الغراب، وذكرهم له في معرض الذم أكثر من ذكرهم له في معرض المدح، ومن ذلك قولهم: (غراب البين) ولم يقترف هذا الطائر البرىء ذنباً يستحق به هذا الذم، وانما هي الأوهام والعادات، والأوابد والخرافات، وأحق بالذم فيما نرى انسان مسخ نفسه غراباً يبعث الطيرة والتشاؤم، ويثير الفلق والتوجس، ويدعو الى التفرق والتشتت، وهذا الغرب الانساني ـ اذا صح هذا التعبير ـ هو مدار البحث في هذه الكلمة، لأنه هو (غراب البين) في الحقيقة، وهاك أولا بعض أقوال القوم في الغراب.

/ صحفة 25 /

قال الحافظ: (غراب البين نوعان: أحدهما غربان صغار معروفة بالضعف واللؤم، والآخر كل غراب بتشاؤم منه، وانما لزمه هذا الاسم، لأن الغراب اذا بان أهل الدار وقع في مواقع بيوتهم ليلتمس ما تركوا، فتشاءموا به، ونطيروا منه، اذ كان لا يرى في منازلهم الا اذا بابوا، فسموه (غراب البين) الى ان قال: (وليس في الأرض بارح ولا قعيد، ولا شيء مما يتشاؤم منه، الا والغراب عندهم أشأم منه).

هذا ما قاله أبو عمرو الجاحظ، وله فصل طويل في الغربان نجده في كتاب الحيوان، ومما يليق بهذا المقام فصل للبديع الهمذاني المترسل المشهور من كتاب وهو: (ما أعرف لفلان مثلا الا الغراب، لا يقع الا مذموماً على أي جنب وقع ان طار فمقسم الضمير، وان وقع فمروع بالنذير، وان حجل فمشية الأمير، وان صاح فصوت الحمير، وان أكل فدبرة البعير).

وقد أكثر الأدباء والشعراء من ذكر غراب البين، وأصناف الغربان كافة، ومن أمثالهم: (زهو الغراب) يضرب به المثل لانه اذا مشى اختال، ونظر في عطفيه، قال حسان:

في فحش موسمة وزهو غراب

و(غراب نوح) يضرب للمتهم، وللمبطىء.

والعرب تسمى الغراب: (ابن داية) لأنه اذا وجد دبرة في ظهر البعير أو قرحة في عنقه، سقط عليها ونقره وعقره حتى يبلغ الدايات.

وفي كتاب (حياة الحيوان) للدميري: غراب البين هو الغراب الأبقع، قال الجوهري (هو الذي فيه سواد وبياض) هذا والغراب أنواع، فمنه الغراب الأسحم، والغراب الأعصم، وهو قليل الوجود، والغراب الأبقع وزاغ والغداف، والعقعق.

وقال صاحب كتاب (المجالسة): سمى غراب البين لأنه بان عن نوح، على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

/ صحفة 26 /

وقال المقدسي في كتابه المسمى (كشف الاستار في حكم الطيور والازهار) في صفة (غراب البين): هو غراب أسود ينوح نوح الحزين المصاب، وينعق بين الخلان والاحباب، اذا رأى شملا مجتمعا نادى بشتاته، وان شاهد ربعاً عامراً أنذر بخرابه.

هذه نبذة مما قيل في تعريف (غراب البين) ولم تكن مقصودة بالذات، وانما عنيت أن أمهد بها للتعريف بعلة وببلة من عللنا الاجتماعية الفتاكة، ألا وهي علة المناداة بالتفرقة، والدعوة الى تمزيق الوحدة الاجتماعية بين المسلمين وهذه الوحدة هي أسمى وأرفع من الوحدة السياسية، اذ لا قيمة لأي وحدة سياسية اذا لم تقم على أساس وطيد مر وحدة اجتماعية متينة، أردت أن أشبه هؤلاء الأئمة الذين يعملون أقلامهم وألسنتهم في هذه الناحية، بالغربان الناعقة، أو غربان البين، وقصدت أن أدلل على أن كثيراً من المصائب والمحن التي عاناها المسلمون في ماضيهم وحاضرهم، انما ترد الى التفرق والانقسام، والى سياسة التمزيق والتشتيت.

أدى انقسام المسملين وتخاصمهم فيما بينهم الى ضعقهم، حتى طمع فيهم أعداء الاسلام، وهذا التاريخ يحدثنا أن أولئك الأعداء كانت فرائصهم ترتعد من ذكر المسلمين، لما كانت كلمهم مجتمعة، ولما كانوا كالبنيان المرصوص.

كان الروم البيزنطيون في عصور الدولتين الأموية والعباسية، ينتهزون الاختلاف والشقاق الداخلي في بلاد المسلمين فرصة لغزوهم، وكان لهم في صميم بلاد الاسلام وعلى حدودها عيون توافيهم بما يجد من خلاف، وما ينشب بين أبنائها من فتن، فينشطون لغزو البلاد الاسلامية، والهجوم على المرابطين من أهل الثغور، وقد يتغلغلون الى قلب البلاد، فلما وقعت فتة الأخوين العباسيين عبدالله المأمون، ومحمد الأمين، ولما احترب الأخوان، ولما التحمت الجيوش العباسية، والأحزاب السياسة في بغداد وفي غير بغداد من الأقطار، شرقا وغربا، هجم البيز نطيويو على ثغور المملكة العباسية، واستولوا على شطر منها، وارتكبوا

/ صحفة 27 /

في أهلها من القتل والسلب والسباء ما تقشعر له الأبدان، وتنفطر منه القلوب، على أن المأمون تمكن بعد ذلك من القيام بغزوة تاريخية عظيمة، لم يكتف فيها باسترداد ما أخذه البيزنطيون، بل سار والنصر حليفة بفتح قلاع القوم ومعاقلهم حصناً حصناً، ومعقلا معقلا، حتى وصل الى قلب المملكة الرومية، وفي احدى هذه الغزوات عاجلت المأمون منيته، فمات في ثغر من تلك الثغور يعرف بطرسوس، وقبره هناك، وطرسوس اليوم من ملحقات ولاية حلب السورية، ويؤسفنا أن نقول: كأن طرسوس لا يوجد فيها جدث لخليفة عباسي عرف ببلائه في جهاده للروم.

هذا وكيف تم للتتار في القرن السابع للهجرة استصفاء العالم الاسلامي في الشرق، وتدمير حضارته من تركستان الى سمرقند وبخارى والبلاد المعروفة بما وراء النهر، الى قفقاسية والبلاد الفارسية والأذربيجانية والعراق، الى الجزيرة والشام؟ ما تم ذلك للمغول الا بأسباب في طليعتها هذا الشقاق والتطاحن والاختلاف بين الدول الاسلامية، وهي أمور شجعت المغول على غزو الشرق والأفطار المذكورة، ويزعم بعض المؤرخين أن لبعض خلفاء بني العباس المتأخرين صلة بالمغول، وكان هذا الخليفة يحثهم على غزو الدولة الخوارزمية، وليس من السهل فيما نرى اثبات ذلك.

هذا التاريخ الحديث ينبئنا بكيفية استيلاء دول الاستعمار الأوربى على الشرق وعلى ديار الاسلام خاصة، واذلال أهلها، وامتصاص دمائهم، وابتزاز ثروتهم.

وكان الشقاق والانقسام بين المسلمين عونا للمستعمرين على استغلال البلاد المذكورة، وقد تسنى لهذه الدول المستعمرة اثارة النعرات، وضرب بعض فرق المسلمين ببعضهم، وتعكير صفو بلادتا، ليتسنى لهم الاصطياد.

أليس من الغريب بعد هذا أن نرى قوما ينتسبون الى العلم، وينتمون الى الدين، ثم لا يعتبرون ولا يتعظون بمآسى المسلمين، وما جلبه عليهم الشقاق كلمتهم من الذل والهوان، فيصرون في عصرنا هذا على بذر بذور الشقاق والخلاف؟

/ صحفة 28 /

هؤلاء قوم يلذ لهم أمتهان اخوانهم في الدين، بل اني أعرف فيهم من مضى عليه خمسون عاما وأسلة قلمه مغموسة بالدماء، لم يكتب كلمة في سبيل الوفاق والوتام، وانما يعنى بالكتابة في سبيل اللدد والخصام، وفي سبيل نشر المثالب والمطاعن بين فرق الاسلام.

لقد آن لهؤلاء أن يعلموا أن الالحاد والمروق يطغيان الآن على كثير من النشء المسلم، وأن مرد ذلك في كثير من الأحيان الى ما يشاهد من اندفاع بعض المنتسبين الى الدين، المتظاهرين بالغيرة عليه، الى الدعوة لتمزيق شمل الأمة، وايقاد نار الفتنة، بتوجيه ضروب من الطعون والتجريح من هذه الطافة الى تلك، ومن تلك الى هذه، وأن قادة الرأي في العالم الاسلامي لا عمل لهم الا الهدم والتخريب، فيمرق من يمرق، وينشز من ينشز، ويلحد من يلحد، والمسئول عن ذلك دعاة الفتنة والتفريق.

ثم تقول لهم: أليس لدى الملل الأخرى من مسيحية ويهودية فرق وطوائف؟ فلماذا لا نراها تفاخر وتتطاحن كما يطيب لهؤلاء المكابرين أن تتطاحن فرق المسلمين أحوج ما يكونون الى الائتلاف والوثام؟

يزعمون أنهم دعاة الاصلاح، ورواد الخير، وما هم الا رواد الخرائب، ويقولون انهم أولاء، على الحق، ومتى كان غراب البين دليلا هادياً للناس:

اذا كان الغراب دليل قوم ****** يدلهم على دار الخراب