/ صحفة 29 /

قانون التناقض

لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الجليل الشيخ محمد عرفة

عضو جماعة كبار العلماء(1)

كتبت نقداً لكتاب (خرافة الميتافيزيقا) للأستاذ زكي نجيب محمود، ونشرته في مجلة الازهر، وعرضت في تقدى لقانون التناقض: (النقيصان لا يجتمعان ولا يرتفعان) فقد ذكر كتاب (خرافة الميتافيزيقا) أن هذا القانون ما هو الا مواضعة واصطلاح اصطلح الناس عليه، ولو اصطلحوا على أن النقيضين يجتمعان لساغ ذلك، وصلح عليه تفكيرهم، واستدل بأقوال بعض الفلاسفة الأوربيين، فأبينت أن قانون التناقض عقلي ليس تابعاً للمواضعة والاصطلاح، اذ هو قبل المواضعة والاصطلاح، وهو قديم باق ما بقيت العقول.

ثم نشرت مجلة الأزهر للشيخ محمد عبد الرزاق حمزة نقداً لي دفاعاً عن هذا الكتاب فكتبت مقالين أدفع بهما عن نفسي، وأرسلتهما الى مجلة الأزهر، فأبت نشرهما واستباحت أن تنشر الطعن ولا تنتشر الدفاع.

واني أبعث بهذين المقالين الى مجلة (رسالة الاسلام) لما فيهما من تصحيح لما غلط فيه الناقد من عقائد الاسلام، وأعتقد أن مجلة (رسالة الاسلام) ستنشرهما احقاقا للحق، وانصافا لي، اذ أبت مجلة الأزهر التي كنت مديراً لها أن تنصفني.

قرأت كتاب (خرافة الميتافيزيقا) فرأيته كتاباً مسموماً عظيم الضرر على الشبان الناشئين الذين لم يتعمقوا في الدرس، فهو ينكر الاله والقضايا العقلية التي عليها التفكير الانساني، وعزمت أن أفنده لأحمى الشباب منه، ولكن ذلك يطول ولا تتسع له مجلة سائرة، فعمدت الى بعض ما أنكره من القضايا العقلية،

/ صحفة 30 /

واخترت منها ما يسهل على الشباب فهمه وتبين الحق فيه وهو (قانون التناقض) وزعمه فيه أنه ليس قانوناً عقليا، بل هو قانون وضعي، يتبع تواضع المتواضعين، واصطلاح المصطلحين، ولو اصطلح مجتمع على أن النقيضين يجتمعان وبنى تفكيره واستدلاله على ذلك لنم له ما أراد، وناقشته فيه، وبينت بالدليل القاطع فساد ذلك، وقدرت أن الشبان اذا رأوه ينكر البديهيات ساء ظنهم به، ولم تخدعهم أسماء الفلاسفة الأوربيين الذين قالوا ذلك والذين نقل عنهم في ذلك الكتاب، فمن رأيته ينكر أن الأربعة زوج والخمسة فرد لم تثق بعلمه، اذا قال لك ان الله ليس بموجود، وان قضايا الفن الذي يبحث في وجوده فارغة ليس لها معنى.

وقد بلغت ما أردت، ثم رأيت كاتباً في مجلة الأزهر يعيبني فيما فعلت ويقول: (تعرض الى مسألة تافهة مما أنكر على المنطق، وهي مسألة تقابل النفي والاثبات في شيء واحد ورمز لها بـ (ق) و(لاق) وجمع همته للرد على منكريها، وذكر أنه بذلك يدافع عن تراث العقل النشرى، ولو علم الشيخ الفاضل أن في المنطق خيالات فاسدة أقعدت المشتغلين به فلم يقدموا أي نفع لنبشرية ولو ابرة خياطة ـ بله ما ازدهر على أيدي رافضي المنطق من صناعات البخار والكهرباء وتحليل مركبات المادة وتركب بسائطها ـ لما وصفه بأنه تراث العقل البشري، ولو علم الشيخ الفاضل أن علماء الاسلام بينوا فساده وافساده للعقول وللغة والدين وأخص منهم شيخ الاسلام ابن تيمية الذي كتب الكتب وألف الرسائل في تهافته وفساده وافساده للعقول والأديان، وظهر له في عالم المطبوعات ردان: أحدهما مطول طبع في بمبي الهند بمطبعة آل شرف الدين، والثاني مختصر طبع في مصر، وقد فصل القول في بطلان قضاياه، وخرج بنتيجة ذهبية فيه، هي أن أكثره باطل فاسد، والقليل منه صحيح يستغنى عنه الأذكياء ولا يفيد الأغبياء، واني أهيب بناقد كتاب (خرافة الميتافيزيقا) أن يرجع الى أحد الردين المذكورين أو كليهما ـ ولا تخلو منهما المكتبات العامة ـ فاذا سمح الشيخ الناقد وحفزته همته الى مطالعتهما أو أحدهما فأننى أعتقد بأننا سنتفق رأيا، فنجتمع لدفن رمم هذا

/ صحفة 31 /

العلم، هذه الرمم المنتنة التي آذت البشرية أحقابا طويلة، وأخرت جماعات عن ركب الحضارة والاختراع والعمل الصالح) انتهى.

وانى أقول للشيخ الفاضل: ليس ما أنكره على المنطق شيئا تافها، ليس تافها بالنظر الى قيمته، اذ قد أبنا فيما سلف أن (قانون التناقض) هو الذي يميز الانسان عن سائر الحيوان، وأن قوانين التفكير والبحث مبنية عليه، وليس تافها بالنظر الى الذين أنكروه، فان منهم الاستاذ كرناب والاستاذ أير، ولا بالنظر الى الشبه التي استعملت في انكاره، فقد كانت خفية غامضة، يلتبس الحق فيها بالباطل، فنقدناها اجمالا وتفصيلا، وبينا موضع الاشتباه، ومن أين جاءهم الغلط.

وأما نقض ابن تيمية للمنطق، فاني أقول: هل يلزم اذا نقد ابن تيمية بعض قضايا المنطق أن تكون كل قضاياه باطلة، لا يصح الدفاع عنها، حتى (قانون التناقض) الذي ناقشنا فيه المؤلف ومن استشهد بأقوالهم من الفلاسفة الأوربيين؟

اني قرأت كتاب ابن تيمية في نقد المنطق مطوله ومختصره، ولم يمنعني ذلك من مناقشة من يبطل قانون التناقض ولا يراه عقليا، بل يراه مواضعة واصطلاحا ولم أر في الكتاب ولا في مختصرة ما يعيب به (قانون التناقض) ولا ما يمسه من قريب أو بعيد.

وكنت أحب من الشيخ الكاتب أن يدخل في موضوع المناقشة، ويهدم ما ذهبت اليه، ويؤيد المؤلف في هذا الموضوع المحدد، ولكنه لم يفعل، وذهب الى عمومات يتكلم فيها لا تحق حقاً ولا تبطل باطلا، ولا يزال موضوع النزاع يناديه، ماذا تقول فيه، أتوافق المؤلف؟ وما حجتك؟ أم توافق الناقد؟ ولماذا اذن تنقده؟

اننا نتحداه أن يفعل، ونتحدى معه الأبيض والأسود، وانا لمنتظرون. ويقيني أنه لا يفعل، وأنى له أن يفعل وهو لم يفطن الى موضوع النزاع، فظنه كما جاء فيما نقلناه عنه في الرمز له بـ (ق) و (لاق). وموضوع النزاع كما قلناه مرارا، هو انكاره قانون التناقض، وزعمه أنه ليس عقليا بل هو مواضعة واصطلاح، ولو اصطلحنا على أن النقيضين يجتمعان لتم لنا ذلك.

/ صحفة 32 /

واذ قلد الناقد ابن تيمية في نقد المنطق وقوله: ان المنطق لا جدوى فيه، فلم لم يقلد علماء الاسلام الكثير في احترامهم المنطق والثناء عليه، ومنهم الامام الغزالي، حيث جعله معيار العلم ومحك النظر، وألف فيه كتابين سماهما بهذين الاسمين، وقد قال في وصفه في أول كتاب معيار العلم (…ان الباعث على تحرير هذا الكتاب الملقب بمعيار العلم غرضان مهمان، أحدهما تفهيم طرق الفكر والنظر، وتنوير مسالك الأقيسة والعبر، فان العلوم النظرية لما لم تكن بالفطرة والغريزة مبذولة وموهوبة كانت لا محالة مستحصلة مطلوبة، وليس كل طالب يحسن الطلب ويهتدى الى طريق المطلب، ولا كل سالك يهتدى الى الاستكمال، ويأمن الاغترار بالوقوف دون ذروة الكمال، ولا كل ظان الوصول الى شاكلة الصواب، آمنا من الانخداع بلا مع السراب، فلما كثر في المعقولات مزلة الأقدام ومثارات الضلال، ولم تنفك مرآة العقل عما يكدرها من تخليطات الأوهام، وتلبيسات الخيال، رتبنا هذا الكتاب معياراً للنظر والاعتبار، وميزانا للبحث والافتكار، وصيقلا للذهن ومشحذاً لقوة الفكر والعقل، فيكون بالنسبة الى أدلة العقول كالعروض بالنسبة الى الشعر، والنحو بالاضافة الى الاعراب، اذ كما لا يعرف منزحف الشعر عن موزونه الا بميزان العروض، ولا يميز صواب الاعراب عن خطئه الا بمحك النحو، كذلك لا يفرق بين فاسد الدليل وقويمه وصحيحه وسقيمه الا بهذا الكتاب، فكل نظر لا يتزن بهذا الميزان، ولا يعاير بهذا المعيار، فاعلم أنه فاسد العيار، غير مأمون الغوائل والأغوار … الخ.

ولو أنصف الشيخ الناقد التاريخ، لرأي أن علماء المسلمين قبلوا المنطق، وألفوا فيه، وتناولوه بالشرح والاختصار، وجعلوه علما يدرس في المساجد والمعاهد الاسلامية الى اليوم، وليس ذلك فحسب، بل هو قد دخل في تفكيرهم وتغلغل في أبحاثهم، فهم يذكرون في مجادلتهم الأصولية والتوحيدية، القياس والبرهان والمقدمتين الصغرى والكبرى، ويبينون الاعتراضات الواردة: أهي على الصغرى أم الكبرى، ويذكرون القياس الاستثنائي والاقتراني، ويتكلمون عن الملازمة

/ صحفة 33 /

بين المقدم والتالي، وهل الاعتراض وارد على الملازمة، أو على بطلان التالي، واقرأ ان شئت كتب أصول الفقه، كالاحكام للآمدي، ومختصر ابن الحاجب، وشرح العضد، وحواشي السعد والسيد عليه، بل اقرأ جمع الجوامع وشروحه وحواشيه، واقرأ كتب أصول الدين، كالمواقف والطوالع ومحصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، وتهذيب المنطق والكلام لسعد الدين التفتازاني، تجد أفكارهم جميعا في العلم مصطبغة بالصبغة المنطقية، فهم يوردون استدلالاتهم وبرهاناتهم على طريقة المناطقة، وليس ذلك منهم تقليداً للمنطق، انما ذلك لأنهم علموا صدقه وفائدته، وعلموا أنه كشف عن قوانين الله في النفس الانسانية والتفكير الانساني.

والناقد قد ظن أن قانون التناقض قد وضعه في النفوس الفلاسفة اليونانيون الذين وضعوا المنطق، فلما كره الفلاسفة اليونانيين كره قانون التناقض، وكره من يدافع عنه.

واني أستطيع أن أؤكد للناقد، وللناس جميعاً، أن واضعي المنطق لم يخلقوا قانون التناقض في نفوس الناس، وانما الذي خلقه في النفوس وركزه في الطباع وبنى العقل الانساني عليه هو الله تعالى، وانما فضل المناطقة في أنهم كشفوا عنه وعلموه موجوداً في الفطرة الانسانية، فليس أرسطوا هو الذي أحدثه، ولا هو الذي ركزه في الطباع، لأن الناس كانوا يفكرون قبله بقانون التناقض، وكذلك قل مثل هذا في الاشكال الأربعة، وفي أضربها المنتجة، وليس له من فضل الا أنه نظر في نفسه، ولاحظ عقله حين يفكر فكشف عن هذه القوانين.

ومثل قانون التناقض في ذلك مثل قانون الجاذبية: ليس الطبيعيون هم الذين أوجدوا الجاذبية بين الاجسام، فقد كان ذلك قبل الطبيعين وبعدهم، انما فضلهم أنهم كشفوا عنه، ومثل ذلك في المحسات مثل مناجم الذهب ـ ليس المعدنون هم الذين أوجدوها انما هم كشفوا عنها، والله هو الذي أوجدها وكونها

/ صحفة 34 /

فاذا دافعنا عن قانون التناقض فنحن ندافع عن الفطرة الانسانية التي فطر الله الناس عليها.

والشيخ الناقد يقول: (لقد سمعت أن بوقا من أبواق الالحاد وكاتباً يتظارف بالدعوة الى ترك الدين فرح بهذا الكتاب، وتمنى أن في استطاعته شراء نسخ منه بعدد طلاب كلية دار العلوم ليوزعها عليهم مجانا، لظنه أنه يهاجم الأخلاق ويهدم أركانها، ونحن نسوق الى هذا البوق ما يزيده غيظاً ويحرق كبده، هو أن الكتاب لا يمس الدين في قليل ولا كثير، والدين هو أساس الأخلاق … الخ).

وهذا يدل على أنه قرأه لأنه حكم عليه بأن الكتاب لا يمس الدين في قليل ولا كثير، ثم قال في آخر مقاله: (هذه العجالة حفزني الى كتابتها ما قرأته في مقدمة كتاب: (خرافة الميتافيزيقا) ولما آت على الكتاب بتمامه، وخصوصا باب الخير والشر، فقد رأيت من بعض الأحباب اشمئزازاً منه، فلعل الفرصة تواتى لاستيعاب الكتاب).

وهذا يدل على أنه لم يقرأه وانما قرأ مقدمته، فاذا كنت لم تقرأه فكيف حكمت عليه بأنه نافع، والحكم على الشيء فرع عن تصوره كما يقولون، وأنت لم تتصوره لأنك لم تقرأه، وبعبارة أخرى: انك قرأته كما يفيده حكمك عليه، ولم تقرأه بصريح قولك، وقرأته ولم تقرأه نقيضان لا يجتمعان، وهذا من بركة قانون التناقض الذي ندافع عنه، وتأبى أنت هذا الدفاع.

[للكلام صلة]