/ صحفة 40 /

الشيخ الطوسي

مؤسس المركز العلمي بالنجف

لحضرة الكاتب الفاضل الدكتور محمود محمد الخضبري

مراقب الثقافة بوزارة التربية والتعليم

التواريخ الفاصلة في حياته، اتصاله في بغداد بالشيخ المفيد وبالشريف المرتضى، محنته في بغداد، الخليفة يقدم للشيخ كرسى التعليم في بغداد، تعظيم الشيعة والسنة له، هجرته الى النجف، منهج الشيخ في الفقه، بين طريقة الاخباريين وطريقة الاجتهاد، منهجه في آخر كتبه في الفقه هو في الواقع استكمال لمنهجه الذي بدأ حياته باتباعه، منهجه في التفسير.

رجل واحد يقال له الشيخ الطوسي، مع أن مدينة طوس التي ينتسب اليها لا تعتمد في شهرتها ومجدها على غير كثرة من أنجبت على طول تاريخها المديد من مشاهير الرجال في عالم العلوم والآداب والسياسة والحرب، ووفرة من ينتسب اليها قبل الشيخ وبعده من الشيوخ والعلماء. ذلك لأنه في الحقيقة رجل فذبين علماء الاسلام، رفعته مؤلفاته الكثيرة العدد، وجهوده العلمية المثمرة الى مرتبة عالية ممتازة لا ينافسه فيها أحد، فاستحق بذلك أن يمنحه مواطنوه هذا اللقب تشريفاً له بين جميع من ينتسبون الى مدينتهم ذات المجد التليد. واستحق الشيخ عند الشيعة لقباً آخر يزيد عن اللقب الأول في مغزاه، ويعبر بفصاحة لا مثيل لها عن جميل تقديرهم اياه، ويعين منزلته بين جميع الطائفة الاثنا عشرية؛ وذلك اذ يلقبونه شيخ الطائفة، واذا أطلق أحد هذين اللقبين أو كلاهما على شخص لم ينصرف ذهن العارفين الى شخص سواه.

/ صحفة 41 /

هذا الشيخ هو أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي. ولد رحمه الله في رمضان سنة 385 بعد الهجرة، وانتقل من خراسان الى العراق سنة 408، وعمره ثلاث وعشرون سنة، وبقى في بغداد حتى أوائل سنة 449، حيث غادرها الى المشهد الغروي أي النجف، وظل فيها يدرس ويؤلف حتى وافته المنية في ليلة الثاني والعشرين من المحرم سنة 460 عن خمسة وسبعين عاما.

والمعروف من حياة الشيخ الطوسي يكاد كله يرتبط بحياته العلمية، وهذا الجانب واضح كل الوضوح، اللهم الا فيما يختص بحداثته، اذا اشتهر عنه أنه كان في حداثته يتبع مذهب المعتزلة، ولكن ما وصل الينا من خبر ذلك لا يتجاوز هذا التقرير، ولا يحتوى على شيء من التفصيل والبيان.

وربما كان المقصود بفترة الحداثة التي تابع فيها أصحاب الاعتزال هي الفترة الأولى من حياته التي قضاها في خراسان قبل انتقاله في سن الثالثة والعشرين الى العراق.

واتصل في بغداد بالكثيرين من العلماء، واستفاد بوجه خاص من اتصاله بعالمين عظيمين كان من حسن خطه أن يجتمعا في وقت واحد، وهما أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد، وهو الذي انتهت اليه رياسة علماء الشيعة، وقد توفى في سنة 413، أي أن الشيخ الطوسي لازمه وقرأ عليه مدة خمس سنوات، وذكر له في كتاب الفهرست أكثر من عشرين كتابا ورسالة من مؤلفاته، وقال بعد ذلك: (سمعنا منه هذه الكتب كلها بعضها قراءة عليه، وبعضها يقرأ عليه غير مرة وهو يسمع، ذلك الى ما سمعه عنه من كتب غيره من الشيوخ مما اشتهرت روايته عن الشيخ المفيد.

وأما الاستاذ الثاني للشيخ الطوسي فهو علم الهدى أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى الموسوي المعروف بالسيد الشريف المرتضى المتوفى سنة 436. وكان السيد الشريف المرتضى ذا بسطة في العلم والمال، واعتاد أن يشمل العلماء وطلاب العلم ببره وعنايته، ويجرى الرواتب على المستحقين منهم، وقد رتب لمريده وتلميذه

/ صحفة 42) /

الشيخ الطوسي اثنى عشر دينارا كل شهر ليمكنه من التفرغ للتحصيل والتعليم وقد ذكره في الفهرست بما هو أهله من التقدير دون أدنى مبالغة، وأورد الكثير من أسماء مؤلفاته في علم الكلام والفقه وأصول الفقه، والأدب والنحو والشعر ومعاني الشعر، واللغة والمسائل، ثم قال: (قرأت هذه الكتب أكثرها عليه، وسمعت سائرها يقرأ عليه دفعات كثيرة).

وفي عامي 448 و449 تعرضت بغداد لأزمات كثيرة، لعلها نتيجة لما حل بالبلاد من قحط وغلاء ووباء، وكثرت الفتن ونهبت الدور، ولم ينج الشيخ الطوسي من هذا البلاء، فنهبت داره وكتبه عدة مرات.

ومما فقد في هذه الفتنة كرسي اعتاد أن يجلس الشيخ عليه للكلام والتدريس وكان قدمه اليه الخليفة العباسي القائم بأمر الله اعترافا بمنزلته، وتقديراً لامامته بين علماء العصر من جميع الطوائف، ولا شك أن في تقدير الخليفة وهو على مذهب السنة لشيخ الشيعة ما يشهد للخليفة نفسه بسعة الأفق والانصاف، وبلغ قبول أهل السنة له أن اعتبره بعض مؤرخيهم من أعلام السنة على نحو ما فعل السبكي، اذ عده في طبقاته من علماء الشافعية.

ولم يجد الشيخ بداً من مغادرة بغداد والمهاجرة الى مشهد الامام علي بالنجف، حيث قضى بقية حياته في التدريس، فكان بذلك مؤسساً لمركز التعليم الشيعي الغنى عن التعريف. وتوفى في جوار الامام ودفن بداره هناك حيث أقيم له مسجد بجوار المشهد لا يزال بفضل الصيانة والتجديد باقياً حتى الآن معروفاً بمسجد الطوسي.

وقد ألف الشيخ الطوسي كثيراً من الكتب، ذكر هو نفسه جملة منها في كتابه (الفهرست)(1)، وله غير ما ذكر كتب أخرى، لعله ألفها بعد انتهائه

ــــــــــ

(1) فهرست كتب الشيعة نشره ألويس اسبرنكر التيرولى ومولوي عبد الحق ومولوي غلام قادر، كلكته سنة 1854 ـ 1855. والأخطاء في هذه الطبعة كثيرة، وللكتاب طبعة ثانية أصح، وعليها نعتمد واليها نشير وهي بتصحيح السيد محمد صادق آل بحر العلوم، النجف سنة 1356 هجرية (1937 م) ص 159 ـ 161.

/ صحفة 43 /

من الفهرست، وصفها بعض معاصريه من تلاميذه، وأثبتها من المؤرخين أمثال القاضي نور الله المرعشي(1) ومحمد باقر الخونساري(2).

ولا يتسع المقام هنا لتحليل ما وقفنا عليه من كتبه، ولكننا نقف لتأمل قليلا منهجه في البحث والتأليف لتتبين اصالته في التفكير.

سلك الشيخ في الفقه مسلكين: مسلك الاخباريين أو أصحاب الحديث، ومسلك المجتهدين بالرأي أو أصحاب القياس.

وكان علماء الشيعة حتى عصر الشيخ يفضلون في الفقه منهج الاخباريين، أي يعتمدون على الأحاديث المروية، ويعنون بألفاظ الحديث وبالرجال الذين رووه، ولذلك لم يكن من الهين أن يؤلف الشيخ كتبا في الفقه لا يجارى فيها هذا المنهج، ولا يتبع فيها مطالب العلم كما رسمه الاخباريون، وقد تكلم في كتابه الكبير في الفقه المسمى (المبسوط) وهو الذي آثر فيه طريق المجتهدين فقال: (انه كتاب لم يصنف مثله ولا نظير له في كتب الأصحاب ولا في كتب المخالفين) وبعد أن أشار الى أنه كان على قديم الوقت وحديثه متشوق النفس الى عمل مثل هذا الكتاب، عارفا ما رسخ في الطائفة في عهده من قلة الرغبة في علم يقوم على غير طريقة الخبر والرواية، قال: (لأنهم ألفوا الأخبار وما رووه من صريح الألفاظ، حتى ان مسأله لو غير لفظها وعبر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم، تعجبوا منها وقصر فهمهم عنها).

ويظهر اخلاص الشيخ في منهجه العلمي في قوله: (وكنت عملت على قديم الوقت كتاب (النهاية) وذكرت فيه جميع ما رواه أصحابنا في مصنفاتهم وأصولها من المسائل وفرقوه في كتبهم)، ثم قال: (وأوردت جميع ذلك أو أكثره بالألفاظ المنقولة حتى لا يستوحشوا من ذلك، وعملت بآخره مختصر جمل العقود في العبادات، سلكت فيه طريق الايجاز والاختصار، ووعدت فيه أن أعمل

ــــــــــ

(1) مجالس المؤمنين ص 200 ـ 201.

(2) روضات الجنات ج 4، ص 43 ـ 44.

/ صحفة 44 /

كتابا في الفروع خاصة ينضاف الى كتاب (النهاية) ويجمعه معه يكون كاملا في جميع ما يحتاج اليه، ثم رأيت أن ذلك يكون مبتورا يصعب فهمه على الناظر فيه، لأن الفرع انما يفهم اذا ضبط الأصل معه، فعدلت الى عمل كتاب يشتمل على عدد جميع كتب الفقه التي فصلها الفقهاء، وهي نحو من ثمانين كتابا على غاية ما يمكن تلخيصه من الألفاظ، واقتصرت فيه على مجرد الفقه، دون الأدعية والآداب، وأعقد فيه الأبواب وأقسم فيه المسائل، وأجمع بين النظائر، وأستوفيه غاية الاستيفاء، وأذكر أكثر الفروع التي ذكرها المخالفون، وأقول ما عندي فيه على ما تقتضيه مذاهبنا، وتوجبه أصولنا، بعد أن أذكر جميع أصول المسائل. واذا كانت المسألة أو الفرع ظاهراً أقنع فيه بمجرد الفتيا، وان كانت المسألة أو الفرع غريبا أو مشكلا أومىء الى تعليلها ووجه دليلها، ليكون الناظر فيها غير مقلد. واذا كانت المسألة أو الفرع مما فيه أقوال للعلماء ذكرتها وبينت عللها والصحيح منها والأقوى، وأنبه على جهة دليلها لا على وجه القياس، واذا شبهت شيئا بشيء فعلى جهة المثال، لا على حمل احداها على الأخرى، أو على وجه الحكاية عن المخالفين دون الاعتبار الصحيح، ولا أذكر أسماء المخالفين في المسألة لئلا يطول الكتاب، وقد ذكرت ذلك في مسائل الخلاف مستوفى، واذا كانت المسألة لا ترجيح فيها للأقوال وتكون متكافئة، وقفت فيها، وتكون المسألة من باب التخيير.

وهذا الكتاب (يعني كتاب المبسوط) اذا سهل الله اتمامه، يكون كتابا لا نظير له في كتب أصحابنا ولا في كتب المخالفين، لأني الى الآن ما عرفت من الفقهاء كتابا واحدا يشتمل على الأصول والفروع مستوفيا مذهبا، بل كتبهم وان كانت كثيرة فليس يشتمل عليها كتاب واحد.

وأما أصحابنا فليس لهم في هذا المعنى شيء يشار اليه، بل لهم مختصرات)(1).

وكتاب المبسوط من آخر ما ألف الشيخ في الفقه، وقد أشار فيما اقتبسناه

ــــــــــ

(1) راجع روضات الجنات لمحمد باقر الخونساري ج 4 ص 43، 44.

/ صحفة 45 /

عنه الى الفرق بين منهجه فيه، ومنهجه في كتاب (النهاية). ونحن نستطيع ادراك هذا الفرق بين المنهجين اذا نظرنا في كتابين آخرين من تأليفه لهما شهرة كبيرة بين فقهاء الشيعة، وهما كتاب التهذيب، وكتاب الاستبصار. وقد طبعا عدة مرات في ايران والهند، وقد ألف كتاب التهذيب في حياة أستاذه الشيخ المفيد، أي قبل سنة 413 هـ ومع ذلك فان هذين الكتابين من الكتب الاربعة في جوامع الحديث التي يستنبط منها فقهاء الشيعة الاثنا عشرية أحكام الشرع منذ زمن الشيخ الى الوقت الحاضر، وفي كتاب التهذيب يجمع المؤلف بين ما اختلف فيه وما اتفق عليه، وقد حصر أحاديثه في ثلاثة عشر ألفاً وخمسة وتسعين حديثاً، أما في كتاب الاستبصار فقد اقتصر على ذكر ما اختلف فيه من الأخبار، وبين طريق الجمع والتوفيق بينها، وحصر أحاديثه في خمسة آلاف وخمسمائة وأحد عشر حديثا، وقال في آخر الكتاب: (حصرتها لئلا تقع فيها زيادة أو نقصان).

ولهذين الكتابين شروح كثيرة، وعليهما تعليقات أحصى بعضها العلامة المعاصر محمد محسن الشهير بالشيخ آغا بزرك الطهراني (أو الرازي) في كتابه القيم: (الذريعة الى تصانيف الشيعة).

ونرى من ذلك كله أن الشيخ الطوسي زادت عنايته مع تقدمه في السن بطريقة الاجتهاد، واتجه في رغبته القوية في ضبط الأصول الى منهج القياس، ولكنه مع ذلك لم يعدل عن طريقة الاخباريين، بل أثبت أنها وحدها غير كافية في تقويم الفقه على وجه الكمال.

وليس بنائل منه شيئا ما لاحظه بعض المتشبئين بطريقة الأخبار، الضاربين صفحاً عما يكملها من وسائل الاستنباط في الأحكام من أنه وقع أحيانا في شيء من التعارض والاختلاف يلاحظ في أقواله على حسب المسلكين(1)، اذ أن هذه الملاحظة المزعومة تحتاج الى كثير من التمحيص والنقد.

ــــــــــ

(1) روضات الجنات ج 4 ص 42.

/ صحفة 46 /

واذا نظرنا في مؤلفاته في التفسير لم يسعنا الا الاعجاب بغزارة انتاجه لا سيما اذا تأملنا فيما وصلنا من الأخبار الخاصة بكتابه الكبير: (التبيان في تفسير القرآن) الذي يقع في أكثر من عشرين مجلدا، وقد عبر هو عن السبب الذي دعاه الى تأليفه في قوله: (…فان الذي حملني على الشروع في عمل هذا الكتاب أني لم أجد في أصحابنا من عمل كتاباً يحتوي على تفسير جميع القرآن، ويشتمل على فنون معانيه) وبعد أن أثنى على أصلح السابقين منوهاً بجميل صنعهم قال: (وسمعت جماعة من أصحابنا يرغبون في كتاب مقتصد يشتمل على جميع فنون علم القرآن من القراءة والمعاني والاعراب، والكلام على المتشابه، والجواب عن مطاعن الملحدين فيه وأنواع المبطلين كالمجبرة والمشبهة والمجسمة وغيرهم وذكر ما يختص أصحابنا به من الاستدلال بمواضع كثيرة منه على صحة مذاهبهم في أصول الديانات وفروعها في ذلك على وجه الايجاز(1).

ونقف اليوم عند هذا الحد، ونرجو أن يوفقنا الله الى أن نؤدى لشيخ الطائفة في مقال آخر بعض ما يستحق من التقدير والتعظيم، وذلك بالنظر في كتاب واحد من كتبه الكثيرة هو كتاب الفهرست الذي هو في الوقع ضبط لتاريخ العلوم عند الشيعة حتى تاريخ تأليفه.

ــــــــــ

(1) الشيخ آغا بزرك الطهراني، الذريعة ج 1 رقم 1197.