/ صحفة 47 /
قال شيخي
لحضرة الكاتب الفاضل الاستاذ أحمد محمد بربري
تعلم أن خير الناس ميت ***** على جفر الهباءة لا يريم
ولولا ظلمه لظللت أبكى ***** عليه الدهر ما طلع النجوم
ولكن الفتى حمل بن بدر ***** بغى والبغي مرتعه وخيم
أظن الجهل دل على قومي ***** وقد يستهجل الرجل الحليم
ومارست الرجال ومارسوني ***** فمعوج على ومستقيم
الشعر لقيس بن زهير العبسي، يرثى حمل بن بدر الفزاوي، قتيل (داحس والغبراء) هو وأخوه حذيفة بن بدر (وداحس) فرس قيس بن زهير العبسي، والغبراء فرس حذيفة بن بدر الفزاوي، وكان من عبس رجل اسمه (قرواش) مارى حمل بن بدر وأخاه حذيفة في (داحس والغبراء) فقال حمل: الغبراء أجود وقال (قرواش) داحس أجود… فتراهنا عليهما عشرة في عشرة، فجاء (قرواش) قيساً وأخبره الخبر، فقال: راهن من شئت من الناس وجنبني بني فزارة فانهم يظلمون لقدرتهم. قال قرواش: فاني أوجبت الرهان، فقال قيس: ويلك ما أردت الا الى أشأم بيت. والله لتجبلن علينا شرا، ثم أني قيس حمل بن بدر وقال: جئتك لأواضعك الرهان عن صاحبي. فأجاب حمل لا أواضعك أو يجيء بالعشر فان أخذتها كانت سبقي، وان تركها تركت حقاً قد عرفته لي وعرفته لنفسي. فغضب قيس وقال: هي عشرون. فقال حمل: بل ثلاثون، فتزايدا حتى بلغ بها قيس مائة، وجعل الغاية مائة غلوه فضمروها أربعين يوما وقادوا الفرسين
/ صحفة 48 /
الى الغاية،، وجعلوا السابق الذي يرد (ذات الاصاد) ولكن حملا وضع كمينا من فزارة أثناء الطريق، وأمرهم أن يردوا وجه داحس عن الغاية ان جاء سابقا. ثم أرسلوهما. فلما دنوا وقد برز داحس، وثب الفتية الفزاريون فلطموا وجهه، فردوه عن الغاية. فقال قيس: يا حذيفة اعطني سبقني، فتماريا واستيقظت الفتية، فكذلك كانت حرب داحس والغبراء المعروفة.
قلت: بل المجهولة، فما كان مؤرخو الحروب الانسانية ليعنوا بداحس والغبراء، وحمل بن بدر، وأخيه حذيفة، وقيس بن زهير، وجفر الهباءة، وما شئتم من آبار وأماكن وخيل وابل وآدميين، اضطربوا في صحراء العرب منذ أربعة عشر قرنا، فلم يسترع مضطربهم (المعسكر الشرقي) ولا (المعسكر الغربي) اللذين كان اليهما مصير الأمور حينذاك. أفليس في تاريخ الانسانية القديم ما يشغلكم عن بني عبس وبني فزارة؟ بلي وان فيه لأحداثا لعلها مقدمات لتلك التي نعالجها في عصرنا الحديث، ومتى صح هذا ـ وهو صحيح ـ فقد يكون من المفيد أن نربط الغابر بالحاضر. وقد يكون من هذا الربط مصلحة اجتماعية، أو عبرة لمن شاء أن يعتبر.
قال: وهل تحسبني مؤمنا بتاريخ الانسانية هذا الذي تريدني على أن أصل حاضرة بماضيه، وأن أعتبر بما جرى فيه؟ هل تعرف أساطير الأولين؟ لقد أربت عليها أساطير الآخرين. فتجمع من هذه وتلك ما شئت من ترهات وخرافات ومفتريات هي ما تسمونه تاريخ الانسانية.
قلت: لست أدري، أأنبأتكم في حديث سلف أن رأيكم في التاريخ لا يعدو أن يكون رأي (أناتول فرانس)؟
قال: ولست أدري أأنبأتك فيما سلف أن لا يعنيني أن يقع حافري على حافر (أناتول فرانس) أو أي حافر دب في القطعة الغربية من الكرة الأرضية. وان فكرتي لذاتية فطرية لم تطعم بثقافة لاتينية ولا سكسونية؟
قلت: فهل من الأمور الفطرية أن تكفروا بالوثائق التاريخية؟ واذا كان
/ صحفة 49 /
ذلك كذلك ففيم البحوث والدراسات وكراسي الجامعات المخصصات للتاريخ في مشارق الأرض ومغاربها؟
قال: من الفطرة فيما أعلم وأرى، ان بني آدم يغضون البصر عن واقع الحال بقدر ما تهفو قلوبهم الى مخترعات الخيال… فأنت عم عن الحقيقة اذا كان مصدرها شيخك… بصير بالفرية مؤمن بها اذا رويت لك عن شيخ أوربى أو أمريكي … فأما عن البحوث والدراسات وكراسي الجامعات، فما أحسب الأساطير والخرافات غير صالحة للبحث والدرس.
قلت: واذا سلمت لكم جدلا أن تاريخ بني آدم خرافات ومفتريات فلم يكون تاريخ داحس والغبراء بدعا في نوعه؟ ولم تريدونني على أن أومن به استثناء؟
قال: داحس والغبراء ليس لهما شرف الانتساب الى الفصيلة الآدمية… ولو روياهما التاريخ لكان في وسعك أن تصدقه… فالظاهر أن الكذب امتياز انساني، لا تسمو اليه الخيل والبغال، ومهما تكن الحال فمن ذا الذي رغب اليك في أن تأخذ تاريخ داحس والغبراء قضية مسلمة؟ انه لخبر يحتمل الصدق والكذب شأنه شأن سائر الأخبار، وما يعتورها من زيادة ونقص، الا يكن الاختراع جملة وتفصيلا.
قلت: ولكن حرب عبس وفزارة بلغت من الشهرة والتقاء الروايات ومقولات الشعراء ما لا يجوز معه أن يقال انها في جملتها و تفصيلها اختراغ خيال لا يمت بسبب الى واقع الحال … قد تكون العصبية والتنافس ومحاولة السبق في ميدان الحرب أو ميدان الرواية وما الى ذلك وغيره، لعبت الا عيبها، وفعلت أفاعيلها في هذه الواقعة أو تلك، بيد أن من المتعسر عقلا أن نضيف أخبار داحس والغبراء جملة الى أخبار الغول والعنقاء …
قال: ها أنت ذا تحاول اثبات حرب عبس وذبيان، وكأنني أنكرتها فأنت تلزمني الحجة … ألا لتكن حرب داحس والغبراء حقيقة تاريخية لا يرقى اليها
/ صحفة 50 /
الشك كما تقولون، أو فلتكن أسطورة تطاول عليها الأمد فأكسبها قداسة شأن كل قديم ينظر اليه بعين الاجلال والتقديس، فما كانت لتعنيني الا من حيث جانبها الأدبي، ومن حيث تصويرها بيئة معينة، وخلقاً معينا، وحياة انسانية لا شك أنها حييت قبل الاسلام.
قلت: حياة انسانية … تعبير قد يضيق به أبناء النصف الثاني من القرن العشرين اذا قصدنا به تلك الحياة الجاهلية. حياة القبائل العربية قبل أن يهذبها الاسلام، أية انسانية هذه التي كانت الغارة قانونها الأعلى، والسلب والنهب، بل استلاب النفوس سنتها الموروثة؟
قال: السنة، بضم السين الوجه أو حره أو دائرته أو الصورة أو الجبهة أو الجبينان، والسيرة والطبيعة، وسنة الله حكمه وأمره ونهيه.
قلت: وما العلاقة بين السنة ومعانيها المختلفة وبين ما نحن فيه؟
قال: العلاقة بينهما قامت في دماغي، اذ تحدثت عن سنة الحياة الجاهلية، فذكرتني الفرض والسنة والمندوب والحلال والحرام، والمباح والمستحب والمكروه …
قلت: وأنتم ذكرتموني ما كنا نتفكه به حين نتحدث عن أمر فنقول: هذا أمر تعتريه الأحكام الخمسة، وما كان ليعرف الأحكام الخمسة هذه غير أصحاب الفقه، ومن اليهم ممن مارسوا العلوم الدينية ومارستهم … ولن أنسى أحاديث المرحوم الشيخ أحمد ابراهيم حين كان يتناول المصطلحات الفقهية المضللة أحيانا فيما يرى … فكلمة مكروه عند بعض الأقدميين مثلا تعنى المحرم، فاذا قيل: (كره أحمد هذا الأمر، أو هو مكروه عند أحمد) فان القصد أنه يحرمه.
قال: سقى الله جدث الشيخ أحمد ابراهيم. لقد كان من عمالقة الفقه وأصوله.
قلت: على أن له في الأصول رأياً يأباه الجمهور، بل يأباه الاجماع على حد تعبير بعضهم، فليست أصول الفقه عند الشيخ أحمد ابراهيم الا مخترعات أنشأها المتأخرون انشاء، وأدخلوا في روع الناس أنها الوسيلة الفريدة الى فهم كتاب الله
/ صحفة 51 /
وسنة رسوله، في حين أن النظام الاسلامي قد غبر دهراً طويلا قبل نشأة الأصول والأصوليين، وكانت أمنية الشيخ أحمد ابراهيم ـ ولست أدري، أحققها أم لم يحققها ـ أن يضع كتابا في الأصول محله نقض علم الأصول … أو تنقية الشريعة الغراء مما شابها وملأ كتب الأصول مما ينكره الاسلام، ودخله جراء الغفلة حينا، وسوء النية أحيانا … فمما لا ريب فيه أن المنافقين عاشوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبوه، أولئك هم الذين قال فيهم جل جلاله مخاطبا خاتم الأنبياء والمرسلين (لا تعلمهم نحن نعلمهم)، وان منهم لمن نتحدث الآن عنه قائلين (رضي الله عنه) في حين أن هذا المرضى عنه فيما نقول من الملعونين المستقرين في الدرك الأسفل من النار وما هم عنها بمبعدين …
قال: فدع الشيخ أحمد ابراهيم ورأيه في الأصول. الا أن يكون قد سجله في كتاب … فما كان شيخك ليعدك ثقة في الرواية وبخاصة اذا كان محلها هذا الأمر الجليل … وأي شيء أجل من الأصول: أصول الفقه أو أصول الدين؟
قلت: فاطرحوا روايتي أرضا ان شئتم فما رأيكم أنتم دام فضلكم؟
قال: فتعلم ان لم تكن علمت أن القرآن المبين ليس الا كتاب الأميين … ومحمد عليه الصلاة والسلام هو النبي الأمي المرسل الى الأميين، هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة … أفليست هذه حقيقة واضحة؟
قلت: وتوضيح الواضحات من المشكلات.
قال: فذلك اس الداء وأصل البلاء: توضيح الواضح أو تبيين المبين: كتاب رب العالمين، المنزل على النبي الأمي المرسل الى الأميين.
لقد كان للعالم ثقافته، بل ثقافاته الشرقية والغربية حين طلعت عليه الدعوة المحمدية … كانت الثقافات والفلسفات اليونانية واللاتينية … والهندية والصينية والفارسية والمصرية … ودخل في دين الله من شاء سبحانه وتعالى أن يدخل من أبناء تلك الثقافات وهذه الفلسفات، دخلوا بفطرهم وعقولهم وألوان تفكيرهم وأساليب
/ صحفة 52 /
تعبيرهم … فلما جاء عصر (التدوين) لجأ هؤلاء السادة الى علومهم والى مقاييسهم العلمية والفنية، فقاسوا بها (كتاب الأميين) وأحاديث النبي الأمي المرسل الى الأميين.
لقد كان في الامكان ـ لو أراد السميع البصير ـ أن يبعث رسوله من روما أو أثينا، أو غيرهما من بلاد الثقافات والفلسفات، وأن يبعثه كاتبا عالما فيلسوفا … فلو كان الأمر كذلك لكان جد طبعي أن يعمل العلماء والفلاسفة معاييرهم العلمية والفلسفية في الكتب والأحاديث النبوية التي جاءت على طراز معلوم لديهم … فأما والأمر لم يكن كذلك، فأما وقد خابت المعرفة الانسانية، فلم تستقم عليها الأوضاع الاجتماعية، ثم جاء الهدى من لدن عليم حكيم في كتابه الكريم كتاب الأميين، فانه لم يكن طبعياً أن يعالج بأدوات فنية أخفقت فنونها من قبل انها أدوات غير صالحة أعملوها في مادة صالحة فماذا كان؟ كان للتنافر أو النشاز … أو كان ما شئت من أسماء ومسميات … ولكن الغاية لم تكن، لأنهم توسلوا اليها بما يؤدى الى كل شيء عداها، لقد كنا في صدر الصبا وريعان الشباب نسمع كلاما لا تطيقه ونعده زندقة أو الحاداً في آيات الله … كنا نسمع مثلا أن المستشرق (اكس) أو المستغرب. (زيد) يرى أن الشريعة الاسلامية تأثرت بشريعة روما، فكنا نعده كلاما رجسا لا يدل الا على كفر قائله … ويضرب الدهر من ضربانه، فاذا شيخك يقول المقولة نفسها، وان كان مدلولها غير ما كان يتصور في العصر الخالي، فالشريعة الاسلامية هي هي لم يؤثر فيها (جستنيان) ولا (البيان) ولكنهما وغيرهما أثروا في المدونات والمصنفات.
قلت: وأي ضير في هذا؟ ان العلم حظ الانسان بوصف كونه انسانا لا بوصف كونه شرقياً أو غربيا … واذا كان منطق (أرستوت) صالحا لنظم أحكام الاسلام التي جاءت متفرقة، فلا اثم علينا اذا نحن تذرعنا بهذا المنطق؟
قال: ولا اثم علينا اذا لم تفقه البقر، لقد أبدأنا وأعدنا في تبيان ما نحن بصدده، فاذا أنت في النهاية كما كنت في البداية، ألا فلتعلم أن منطق (ارستوت)
/ صحفة 53 /
ومنطق (أبي علاثة) شيئان مختلفان، فأبو علاثة يفقه (انك ميت وانهم ميتون) دون أن يفقه (الصغرى) و(الكبرى) و(المقدمة) و(النتيجة) في حين أن (ارستوت) اذا أراد اثبات (انك ميت) قال: انك انسان وكل انسان ميت، اذن فأنت ميت. وهذه المقدمات والنتائج نفترض أنك درست شيئا اسمه الاستقرار وهو المؤدى الى انك ميت. وأبو علاثة يجهل كل هذا وغيره من أبواب المنطق على أنه يعرف المدلول اللغوي (لنتج) و (قدم) و (واستقرأ) و (استنبط) ومشتقاتها جميعاً فأما معنى هذه الألفاظ اصطلاحا فأمر دونه خرط القتاد، بل ان أبا علاثة ليخرط القتاد ويشق الصخر، فذلك أيسر عليه من أن يخرط فروع (شجرة خرط) خرطاً اصطلاحياً، أو يشتقها اشتقاقا صرفياً.
قلت: أبو علاثة يجهل العلوم العقلية والعلوم اللغوية جهلا لا يشاركه فيه أغبى تلميذ من تلاميذ التعليم الابتدائي.
قال: وهو مع هذا، يفهم كتاب الله فهماً لا يشاركه فيه أعلم العلماء الذين برزوا في العلوم العقلية والنقلية واللغوية.
قلت: فهماً معتلا مادام ينقصه معرفة اللغة والمنطق.
قال: بل فهماً صحيحاً مادام قد سلم من علل المنطق وعلوم اللغة. فأنا لم أزعم أبا علاثة محروما من العقل أو جاهلا لغته. انما زعمته بريئا من قولهم (الصلاة اصطلاحا هي كذا) فهو لم يصطلح، واولئك الذين اصطلحوا وانما هو (منهم) أعنى من الأميين الذين بعث الله فيهم رسولا منهم.
قلت: ما دمتم تعنون الأميين فهل ترشحونني لفقه كتاب الله وسنة رسوله اذا استطعت أن أعود أمياً كما كنت قبل أن أعرف القراءة والكتابة؟
قال: ان أراده شيخك ـ بل أراده الله واستغفر الله ـ لا تتعلق بالمستحيل.
على أنك اذا استطعت أن ترتد عربياً أمياً تتكلم العربية كما كان أبو علاثة يتكلمها فأنا الزعيم بأنك تفقه كتاب الله وسنة رسوله فقهاً مثالياً، لا يطمع شيخك ولا شيوخ شيخك أن يفقهوه. أما أن ترتد أمياً غير عربي: أمياً كل مؤهلاته
/ صحفة 54 /
أنه يجهل القراءة والكتابة، ويرطن رطانة لم تكن رطنت أيام نزل كتاب الله فأنا الزعيم بأنك تكون جاهلا جهلا عبقرياً لست أدري كم شركاؤك فيه.
قلت: شركائي فيه العامة جمعاء، وهو لهذا لا يصح وصفه بأنه عبقري، فالعبقرية ينبغي لها شيء من الغرابة أو الامتياز. اللهم الا أن تعدوا كثرة الشركاء امتيازاً، وانه لامتياز بالقياس الى القلة التي لا تعمها العامة.
قال: في وسعك أن تثرثر ما وسعتك الثرثرة، وأن تصف جهلك المفترض الوصف الذي يلائمه. بيد أن لي اقتراحا أوجهه الى من يعنون بأمر الاسلام والمسلمين: ألا فليحاولوا البحث عن المعاني التي كانت الألفاظ تؤديها حين نزل القرآ، على محمد عليه الصلاة والسلام. فلست أشك في أن قولهم (اصطلاحا) قد تناولها بالحذف والاضافة، فأصبح للغة مدلولات غير مدلولاتها الأول.
قلت: رويدك. لا ترمني بثلاثة الأثافي أو بما هو أدهى من ثالثة الأثافى، والثانية والأولى، فما كنت لأدعو الى هدم العلم واعدام المصطلحات. وليت شعري ماذا يكون عمل العلماء ـ وشيخك منهم ـ اذا هدم صرح العلم، ودفنت المصطلحات؟ انها لأمور واجبة البقاء. ونحن من جملة العاملين على ابقائها والاضافة اليها، حتى في أحاديثنا هذه فأنت تراها تكاد لا تخلو من مصطلحات اللغويين والمنطقيين وغيرهم من أصحاب العلوم المصطلح على تسميتها علوما وفنونا. ولكن الله سبحانه وتعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق للناس كافة لا لأصحاب الفنون والعلوم وحدهم، وشاء ـ جلت مشيئته ـ أن يكون دينه يسراً لأعسرا، فيسر كتابه على لسان رسوله الأمين. فلتفهموه ولتفهموه الناس ميسراً كما أنزل، ولتتبعوا في فهمه وافهامه أسلوب الأميين.
ان العلم مشكلات أهونها متعسر، ولا تسل فما غير الهين فهو المتعذر، والمشكلات تلد وجوه النظر المختلفات، وهذه تتمخض عن فرقة الجماعات، وقد تمخضت عنها فغرقت الأخوة، ونسى المسلمون أنهم اخوة بنص الكتاب المبين.
/ صحفة 55 /
قلت: معنى هذا أنكم تردون فرقة المسلمين الى العلم. فلو لم يكن علم لما كانت مشكلات ولا اختلافات ولا فرقة جماعات.
قال: العلم للعلماء، أي الخاص. والاسلام للعامة، أي الجميع، ولا بأس بالمشكلات والاختلافات مادامت في حيز العلم والعلماء بعيدة عن الحيز المشترك أفتعد الاسلام شيئا خصوصياً أم عاما مشتركا.
قلت: بل الاسلام عام وحاشاه أن تختص به طائفة من المسلمين دون أخرى.
قال: فتلك هي الدعوة الجليلة التي ندبت لها جماعة التقريب، فهي انما تبين للمسلمين ـ على اختلاف مذاهبهم وألوانهم ـ أنهم جميعاً سواء في الاسلام، لا امتياز لطائفة على اخرى … فهذه المساواة هي أساس الاخاء الاسلامي أو وحدة الامة الاسلامية.
قلت: يفرق أصحاب الفقه الدستوري بين الدولة والامة.. فالامة جماعة من الناس تربطها علائق مشتركة من اللغة والدين والعادات.. الخ، والدولة هي النظام المنطبق على قطعة من الأرض بما عليها ومن عليها… وبناء على هذا يتأتى أن تكون أمة من الناس موزعة على دولتين أو ثلاث أو أكثر، وكذلك يتبين أن وحدة الأمة الاسلامية لا تتنافى وتعدد الدول التي تحكمها، فليس ثم ما يمنع أن يكون لنا نحن المسلمين دول كثيرة. وهذا هو الواقع من حيث العمل، أقترونه سليما من حيث النظام الاسلامي، وبعبارة أخرى أترون وحدة الامة الاسلامية تقتضى وحدة الدولة التي تحكمها أم ترون أنه لا تلازم بين الأمرين، فتتعدد الدول الاسلامية ولو أنها أمة واحدة؟
قال: أنت تتجاوز حدود اختصاصي … فأنا من شيوخ الأمة الاسلامية، ومن شيوخ اللغة والمنطق، ولست من رجالات الدولة، ولا من رجالات الفقه الدستوري … فعليك بأولئك وهؤلاء … وعليهم الافتاء.