/ صحفة 56 /
حياتنا بين الشرق والغرب
لحضرة الكاتب الفاضل الدكتور محمد البهي
أستاذ الفلسفة في كلية اللغة العربية
ـ 1 ـ
1 ـ الغرب له حضارة صناعية تمكن بها من الاستيلاء على منافع الطبيعة وتسخيرها في رفع مستوى معيشة الانسان ورفاهيته، في يسر من جانب وبنفقات قليلة من جانب آخر، لو قيست بنتائجها وفائدتها في الحياة العملية الانسانية، وكذلك الى المجهود العقلي والفني في تصميمها وتنفيذها.
هذه الحضارة الصناعية تتمثل في صناعات كثيرة تقوم على الآلات الميكانيكية، وملاحظة نفر قليل من العمال الفنيين والمهندسين المتخصصين: فصناعات السفن، والسيارات، والطائرات، وقطارات السكك الحديدية، ومولدات الكهرباء، وأجهزة الرصد والاختبار، وآلات الطباعة، والسينما، والراديو، والتليفزيون، والموصلات السلكية واللاسلكية، وغيرها، هي من الآلات التي يكثر انتاجها، وتؤدى خدمات متنوعة لا يستطيع تأديتها المجهود البشرى العادي بوسائله المحدودة.
وللغرب بجانب ذلك صناعة كيماوية فائقة: كصناعة الأدوية، والمركبات العضوية وغير العضوية.
/ صحفة 57 /
2 ـ وللغرب تطور واسع في بحوث العلوم الطبيعية للتجربية والكيمائية. ونتائج هذه البحوث تبلغ في الدقة درة اليقين في كثير من جوانب هذا البحث. لأنه لم يكتف فيها بالمراقبة والملاحظة لظواهر الطبيعة وأحداثها، وتفاعل العناصر التي يضم بعضها الى بعض، ثم رصد التغيرات التي تصاحبها، بل استعان في ذلك بالتجربة، وبتحكيم مقاييس الاختبار الآلي والصناعي في استحداث هذه التغييرات، حتى لا يكون فهمه للطبيعة وقفاً على الصدفة، وحتى لا يتأخر الانتفاع بها على الوجه الصحيح الى وقت قد يطول أجله.
وهذه البحوث الطبيعية والكيمائية الدقيقة هي مقدمات حضارته الصناعية في الأرض، والماء، والهواء. وكلها تتصل اتصالا مباشراً أو غير مباشر برفع المستوى الصحى، والاجتماعي، والاقتصادي للانسان.
هذا التطور الحضاري في ناحيته: ناحية الصناعة، وناحية البحث الطبيعي والكيمائي، له أثره الايجابي المحايد في الحياة الانسانية. سواء في جانب رفع المستوى المادي في المعيشة، أو في جانب الانتاج العقلي والفني. اذ مما لا شك فيه أن الانتاج الذهني مرتبط ارتباطا وثيقا ـ ارتفاعا وانخفاضا ـ بالحالة الصحية والنفسية للانسان.
واذا كان أثر هذه الحضارة الصناعية ومقدماتها من البحوث الطبيعية والكيمائية أثراً ايجابيا، ومحايداً فموقف الشرق منها يجب أن يكون موقف الغرب: سعى لاقتباسها، وتفهم لأصولها وبحوثها، واستمرار في تنميتها وترقيتها، وتوسيع لدائرة تطبيقها. ويوم يقف الشرق منها موقف المتفرج فقط، أو موقف المتردد في تقويمها وتقديرها ـ يوم يكون قد تصورها على أنها ضروب من السحر أو الشعوذة، يومئد يكون قد أخطأ فهمها، وبالتالي تكون نتيجة تخلفه عنها على حسابه نفسه كفرد وكجماعة.
/ صحفة 58 /
3 ـ وللغرب بجانب هذا وذاك ـ بجانب الحضارة الصناعية والبحوث الطبيعية البحتة ـ بحوث عقلية توجيهية هي ما تعرف باسم (الثقافة).
والغرب في هذه البحوث العقلية التوجيهية قد سلك فيها مسلكان:
(ا) مسلك المثاليين، أو المعنويين،
(ب) ومسلك الماديين، أو الوضعيين، أو الواقعيين، أو الاجتماعيين، أو المجددين.
ولكنه لم يسر ـ منذ عصر النهضة ـ في هذين المسلكين سيراً متوازيا، بل في الوقت الذي تطورت فيه حضارته الصناعية منذ النهضة الأوربية، وتطورت بحوثه الطبيعية البحتة والكيمائية على اثر ابتعاد العقلية الأوربية في بحثها عن مجال ما بعد الطبيعة، وتركيز نظرتها الى الطبيعة، تنفيذاً للخطة التي اشتركت فيها الكنيسة الغربية ـ في هذا الوقت ابتدأ الاتجاه المادي يسود في بحث العلوم العقلية والروحية، وابتدأت تغفل في بحثها وسيلتها الخاصة وهي الوسيلة النظرية أو العقلية الصرفة، وأصبح يطلب فيها ضمانا لمعنى (اليقين) استخدام المنطق الوضعي، وهو منطق الملاحظة والتجربة.
وبرزت سيادة الاتجاه المادي في بحثها على عهد أوجست كومت (1798 ـ 1857) الفيلسوف الفرنسي في النصف الاول من القرن التاسع عشر، واشتد أمره على عهد كارل ماركس (1818 ـ 1883) في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، صاحب المذهب الاجتماعي أو الشيوعي أو صاحب المذهب المادي التاريخي.
وبالتالي تخلف مسلك المثاليين، وضعفت قيمته في دائرة البحث العلمي. ونتيجة لذلك قل اعتبار البحث النظري الميتافيزيقي، ورمى (بالخرافة) واستبعد الدين ووصف بأنه (مخدر)، وأخرجت القيم الاخلاقية المثالية من مجال تقدير
/ صحفة 59 /
الانسان صاحب الحضارة الصناعية، وصاحب المذهب الواقعي، أو الاجتماعي في التوجيه الانساني.
لازم اذن التقدم الصناعي الغربي، انتشار المذهب المادي في التوجيه، وفي بناء الثقافة الغربية الحديثة، واتخذ هذا المذهب من الحضارة الصناعية الغربية حجة له، وسنداً في قيامه وسعة نفوذه. ويعتبر القرن التاسع عشر المسرح الزمني لسيادته كما ذكرنا.
Augut Comte ـ و هو من عمد هذا المذهب ـ يرى أن العقل الانساني يمر في تاريخ الانسانية بثلاث مراحل: مرحلة الدين، ومرحلة الميتافيزيقا، وأخيراً المرحلة (الوضعية) أو (الواقعية).
ويرى أن المتحكم في المرحلة الأولى رجل الدين ورجل الحرب، وفي الثانية الفيلسوف والقانوني، وفي الثالثة العالم الطبيعي ورجل الصناعة.
ولأن (الفرد) في نظره هو الحقيقة الأولى التي يجب أن تبتدىء منها الحياة العملية، والشعور (الجماعي) هو الغاية الأخيرة للحياة ـ يرى كومت أن العلوم التي يجب أن تكون (الثقافة) هي: علوم الرياضة، الفلك، الطبيعة، الكيمياء، علم الاحياء، علم الاجتماع. وهو العلم الذي يجب أن تتركز فيه الاهمية. اذ أنه علم الحقائق والقوانين المتعلقة بالجماعة الانسانية. وهدفه تنظيم الحياة الانسانية كلها، تنظيم الجماعة الانسانية تنظيما يتطور فيها حال الحرب الى حال الصناعة، وحال الحيوانية الى حالة الانسانية، وحال الغريزة العمياء الى حال سيادة العقل، وحال (الانانية) الى الشعور (الجماعي).
وهذه العلوم التي يراها أساس الثقافة في حاجة ـ لكي تتطور هذه الأحوال بسرعة ـ الى (دين الانسانية) وهو الذين الطبيعي الذي يجب أن يكون موضوعه (الانسانية نفسها) (Grandetre) وهي الطبيعة الكبرى. وقوام هذا الدين: المحبة كمبدأ، والنظام كأساس، والتقدم كهدف وغاية. والانسان بدلا من أن يعبد الله يجب أن يتجه في عبادته الى الطبيعة الكبرى وهي الانسانية.
/ صحفة 60 /
أما البحث الالهي الديني، وأما البحث الفلسفي الميتافيزيقي، فكلاهما في رأي (كومت) عديم الجدوي. الدين وفلسفة ما بعد الطبيعة خرافة يجب أن يبعدا من دائرة الثقافة.
والفرد اذن تبعاً لهذا المذهب هو الامر (الواقع)، هو الحقيقة (الوضعية). ولذا يجب أن تتجه النظرة الباحثة اليه أولا. ثم من هذا الفرد يحدث الترقي والتطور، ويحدث تحديد المصير لحياة الجماعة كلها.
الفرد أولا، والجماعة ثانياً، هما الحقيقتان الموجودتان، واحداهما مبدأ، والأخرى غاية. تلك نظرة المذهب الواقعي، أو الاتجاه المادي.
وهذا على عكس الدين تماما: اذ في الدين يبدأ تحديد المصير للكون كله من الموجود المطلق وهو الله. ثم اليه تعالى ينتهى هذا الكون. فالله في الدين هو الأول والآخر. والفرد والجماعة الانسانية تتلقى التوجيه من الوحي السماوي. وتوجيه البشر قاطبة في نظر الدين اذن توجيه تلقائي، وليس منبثقا مما يسمى الحقيقة الأولى المشاهدة في هذا العالم، وهي الانسان الفرد ـ كما يقول الانسان المادي ـ.
وهذا على عكس الدين تماما: اذ في الدين يبدأ تحديد المصير للكون كله من الموجود المطلق وهو الله. ثم اليه تعالى ينتهى هذا الكون. فالله في الدين هو الأول والآخر. والفرد والجماعة الانسانية تتلقى التوجيه من الوحي السماوي. وتوجيه البشر قاطبة في نظر الدين اذن توجيه تلقائي، وليس منبثقا مما يسمى الحقيقة الأولى المشاهدة في هذا العالم، وهي الانسان الفرد ـ كما يقول الانسان المادي ـ.
والمذهب المادي والدين طرفان متقابلان تماما في النظرة الى الوجود، وفي توجيه الانسان فرداً وجماعة: ذاك يقصر الحقيقة على الفرد والجماعة، وينكر ما عداهما كمصدر للتوجيه، وكغاية للحياة. وهذا يؤمن بموجود أسمى وراء الفرد ولجماعة، وهو الله، منه التوجيه، وفيه تتحق الغاية الأخيرة للحياة الانسانية والوجود الانساني.
والمذهب المادي في تطوره ـ وهو المذهب الواقعي أو الوضعي، أو مذهب التفسير المادي للتاريخ ـ صار الى المذهب الاجتماعي أو المذهب الشيوعي: وقوام هذا المذهب نقل قيمة الفرد كلية من ذاته الى (وحدة) الجماعة الكبيرة،
/ صحفة 61 /
أو ما يسمى بالانسان العام، أو (الانسان التعاوني) Kollktiv Menschen والدولة المطلقة Staats Absolutismus هي المبدأ الأخير للحياة كلها. وتطبيقاً لهذين الأساسين يجب تأميم مصادر الانتاج والاستهلاك في دائرة الاقتصاد.
وكان المذهب الشيوعي تطوراً للمذهب المادي أو الواقعي، لأنه من حيث المبدأ يعترف بالفرد والجماعة فقط كحقيقته في هذا الوجود، وينكر ما عداهما: لا يؤمن بالله كما يقول الدين، ولا يعترف بالعلة الأولى فيما بعد الطبيعة كما تقول الفلسفة الميتافيزيقة. ولكنه مع مشاركته للمذهب الواقعي في الاعتراف بهاتين الحقيقتين يبالغ في قيمة الجماعة فيجعلها كل شيء. والفرد لذلك لا ترى حقيقته، ولا تقدر قيمته الا داخل الجماعة. ومن هنا قد يعنون له بالمذهب (الاجتماعي).
وكارل ماركس Karl Marx صاحب المذهب الاجتماعي أو الشيوعي يصدر في فلسفته عن الفهم المادي للتاريخ. ويعتبر (الاقتصاد) الأساس المحدد لكل شيء، والمغير للعالم وما فيه، حتى الثقافة العقلية والروحية: فتطور العقل الانساني وآثاره الايجابية في الدولة والقانون تتصل في نظر ماركس اتصالا وثيقا بالظروف المادية للحياة وأحوالها. ثم طريقة الانتاج في الحياة المادية تؤثر في مجرى الحياة السياسية، والاجتماعية، والعقلية. والوجود الاجتماعي للانسان هو الذي يحدد في الجملة لذلك عقل الانسان وتكوينه.
وهناك أيضاً صور أخرى للتيار المادي في التوجيه ظهرت أيضاً في القرن التاسع عشر. ولكن عنفها ضد الدين وضد الفلسفة الميتافيزيقية لم يبلغ مبلغ المذهب الاجتماعي أو الشيوعي لكارل ماركس، ومع ذلك فهي مناوئة لهما.
منها مذهب (النسبية) Relativismus الذي يرى أن الحقيقة ليست مطلقة، بل مرتبطة أيما ارتباط بصفة الآلة المفكرة وظروفها التي تفكر فيها.
وصورة أخرى تتمثل في مذهب البراجماتزم Pragmatisnus [مأخوذ من كلمة براجما الاغريقية، وهي الشيء الواقع أو المصلحة المتبادلة] لمؤسسه
/ صحفة 62 /
الفيلسوف الأمريكي وليم جميس في آخر القرن التاسع عشر (1842 ـ 1910). وفي رأي هذا المذهب أن (الحقيقة) هي التي تخدم المصلحة الخاصة. والحق كذلك ليس قيمة من القيم في ذاته، والخير ليس من القيم الرفيعة المطلقة، بل الذي يحقق المصلحة الخاصة هو الحق، وهو الخير أيضاً.
وممن عنى بالاتجاه المادي من فلاسفة الانجليز: (هيوم) و (ميل) و (اسبنسر) و (راسل).
وهذا الاتجاه يرجع في أصله الى الفيلسوف الاغريقي (بروتاجوارس) في الفلسفة القديمة.
ولسنا الآن بحاجة الى الرد على هذا المذهب من وجهة نظر علماء آخرين، ومدارس توجيهية أخرى لها حظها في الثقافة الغربية الحديثة. اذ لم يكد ينتهى القرن التاسع عشر الذي تسلم من عصر النهضة الأوربية الدعائم الجديدة لهذا المذهب المادي في التوجيه، وتسلم كذلك أنصاف الحلول في المشاكل العقلية ـ لم يكد ينتهى هذا القرن حتى قامت فيه بعض المدارس المقابلة الأخرى لترد الى الدين اعتباره، والى الفلسفة الميتافيزيقة اعتبارها:
فنجد اشبرانجر Spranger (1882) يكافح مذهب (النسبية) بما وضعه من علم سماه علم (القيم) أو (الطبائع). وانتصر بذلك لمذهب (المطلق) المقابل لهذا المذهب.
واشترك مع قيلهلم ديلتاي Wilhelm Diltey (1883 ـ 1911) في محاولة ازالة الفجوة بين العقل والوحي، أو بين العلم والدين، وأبعدا في محاولتهما استخدام طريقة البحث الطبيعي في الموضوعات العقلية و الدينية، وأعادا اليها طريقة البحث العقلي، وهي النظر الخالص.
كما نجد الفيلسوفين الألمانيين في القرن العشرين Husserl (1859)
/ صحفة 63 /
وشيلير Max Scheler (1875 ـ 1928) قد حاولا أن يجعلا الفلسفة تبتدىء من التجارب النفسية لتصل الى المعرفة الميتافيزيقة.
وهذه المحاولة وتلك نقض لاتجاه المذهب المادي الذي ساد في القرن التاسع عشر، وتكون على أثر تقدم البحث الطبيعي في عصر النهضة الأوربية نتيجة استخدام وسيلة هذا البحث ـ وهي الملاحظة والتجربة الآلية ـ في البحوث الروحية والعقلية.
واذا كان لنا أن نذكر أحداثاً مادية تعقيباً على الآثار السلبية للمذهب المادي في الحياة الغربية خاصة، والانسانية على وجه العموم ـ فنشير فقط الى أن الديمقراطية الغربية ـ وهي صاحبة الكفة الراجحة في الحضارة الصناعية الحديثة ـ ترى في هذا الاتجاه المادي خطراً على الانسانية وتراثها من المدنية والثقافة. وأصبح شعورها بهذا الخطر يزداد يوما بعد يوم.
كما نشير الى أن سيطرة رجل الصناعة والعالم الطبيعي أو الاجتماعي التي نشدها أوجست كومت في فلسفته الواقعية هي التي سببت الحرب العالمية الأولى وكذا الثانية. وان دلتا هاتان الحربان على شيء وراءهما فليس على المحبة كمبدأ، ولا النظام كأساس، كما طلب (كومت) في دينه الذي سماه بالدين (الطبيعي) وجعله الوسيلة لتحقيق (الجماعة) المنشودة، بجانب قصر الثقافة على مواد معينة، ليس من بينها الدين، والفلسفة الميتافيزيقة.
هاتان الحربان نعم كان وراءهما تكتل عالمي تجاوز حدود القوميات ولكنه تكتل لم تتحول فيه الحيوانية الى الانسانية، والغريزة العمياء الى العقل السائد، والأنانية الى الشعور الانساني الجماعي، على نحو ما انتظر أوجست كومت يوم يكون لرجل الصناعة وللعالم الكلمة الأولى في التوجيه، دون رجل الدين ورجل الجيش، ودون القانوني والفيلسوف. وقد كانت سيادتهما السبب المباشر المختفى وراء قيامهما.
/ صحفة 64 /
كما أن افناء الفرد في الجماعة وجعل الجماعة ـ بمعناها الواسع ـ الغاية الأخيرة في الحياة ـ كما يرى ذلك المذهب أو الشيوعي ـ هو الذي يهدد الغرب الآن في حضارته الصناعية، وفي تراثه التاريخي من الثقافة الروحية والانسانية، وهو الذي يحمل الغرب كذلك على أن يباشر في سياسته الدعوة الى الروحية كوقاية من الآثار السلبية لهذا المذهب المادي.
ولكن بالرغم من مناوءة بعض العلماء المثاليين أو الروحيين، وبالرغم من وضوح الآثار السلبية لهذا المذهب في الحياة الانسانية ـ بالرغم من ذلك لم يزل هذا المذهب مقترنا في التصور بالحضارة الصناعية الغربية والبحوث الطبيعية البحتة. وهذا الاقتران نفسه هو سبب الاختلاف في تقدير الحضارة الصناعية الغربية، وسبب التردد في الأخذ بها عند كثير من علماء الشرق الاسلامي وقادتهم في التوجيه.
وفي الوقت نفسه من وجهة نظر أخرى: هذا الاقتران في التصور بين التيار المادي في التوجيه والحضارة الغربية الصناعية أوحى لبعض كتاب الشرق وعلمائه بأن يضغطوا على الثقافة الاسلامية الأصيلة، وعلى التوجيه الروحي عامة في الشرق. لأنهم ظنوا ـ نتيجة لهذا الاقتران في التصور ـ أن الشرق سوف لا يقبل الحضارة الصناعية الغربية الا اذا ألغى اعتبار التوجيه الروحي، وأخذ بوجهة نظر المذاهب المادية، وعلى الأقل في صورة المذهب الوضعي أو الواقعي لأوجست كومت، أو في صورة مذهب البراجماتزم لو ليم جميس.
وأصبحنا نجد في المكتبة العربية المعاصرة: المنطق (الوضعي) و (خرافة) الميتافيزيقيا لبعض أساتذة الجامعة في مصر، كما أصبحنا نسمع في المؤتمرات التي استهدفت تحديد معالم الثقافة الضرورية للمواطن الشرقي صيحات تطالب بإبعاد الدين وما يتصل به من ثقافة من محيط الثقافة الضرورية للمواطن في الشرق الأدنى على نحو ما حدث في المؤتمر الثقافي العربي الثاني الذي عقد بمدينة الاسكندرية
/ صحفة 65 /
في 21 أغسطس سنة 1950 عند عرض مقررات اللجنة الثقافية على المؤتمرين من مصر والبلاد العربية.
وما زال بعض الكتاب في الصحف والدوريات يوالى نشاطه في تضخيم الهوة بين الثقافة الاسلامية من جانب والحضارة الصناعية الغربية من جانب آخر، وينعت هذه الثقافة بأنها العقبة في تحضير الشعوب الشرقية على نحو ما في الغرب.
4 ـ وللغرب ـ بجانب الحضارة الصناعية، والبحوث الطبيعية البحتة، والتوجيه المادي في مجال الثقافة ـ لون آخر من الثقافة ليس مادياً في الأساس والنشأة، ولكنه مادى في الغاية والهدف. وهو الدراسات الاستعمارية التي تتناول مخصصات الشعوب الضعيفة ومقوماتها من التراث العقلي، والروحي، والفني، وأقصد بالشعوب الضعيفة الشعوب التي ليست لها حضارة صناعية حديثة تساير حضارة الغرب الحالية.
ان كثيراً من علماء الغرب يتناول ثقاة الشرق العقلية، والروحية، والفنية بالشرح والتخريج بناءً على فكرة سابقة لديهم: وهي أن الشرق يجب أن يبقى في وضعه من الغرب. الغرب سيد والشرق مسود. وذلك تحقيقاً لغاية اقتصادية أو صليبية. وتطبيقاً لهذه الفكرة تصبح ثقافة الشرق اذا استوردت من الغرب مصدر ضعف للشرقيين أنفسهم، لا مصدر قوة لهم. وتبعاً لذلك توحى لهم بالحاجة الى الغرب في التوجيه، وبوصايته عليهم فيما يأخذون ويتركون.
ولم تزل ترن في أذنى للآن كلمة أحد المستشرقين في المؤتمر الثقافي الاسلامي الذي عقد بجامعة برينستون بنيوجرسي في سبتمبر عام 1953 عند ما ذكر: (أن المسلمين قاموا بدور ايجابي في تصحيح الحديث يسجله لهم تاريخ الثقافة الانسانية بالفخار، ويرجى من معاصريهم الآن أن يقوموا بتصفية القرآن وازالة التناقض فيه؟؟ ـ كما ادعى ـ).
/ صحفة 66 /
ومن اطلع على توجيهات المستشرقين في بحوثهم في دائرة الثقافة الاسلامية يجد كثيراً من توجيهاتهم تقوم على الغرض، وفي بعض الأحيان على نقص في استيعاب الفكرة، أو على الفهم اللغوي الحر في لبعض النصوص العربية(1).
وبعض المعاصرين منهم يطالب باستخدام الطريقة العلمية ـ وهي وسيلة البحث الطبيعي ـ في التراث الاسلامي الروحي بدعوى أن التاريخ الاسلامي نفسه وكذا بعض الحقائق الاسلامية في حاجة الى تنظيم علمي ومراجعة علمية، كي تساهم في خدمة الانسانية عامة.
ونخلص الآن الى أن في الغرب:
(ا) حضارة صناعية، ومقدماتها من البحوث الطبيعية المحايدة،
(ب) وتوجيها ماديا عنيفاً في الثقافة العربية، بجانب توجيه آخر هزبل ـ بالقياس الى مجاوره في قوة السلطان وبسط السيطرة ـ هو التوجيه المثالي أو الروحي.
(ج) توجيهاً استعمارياً فيما يسمى بالدراسات الاسلامية أو دراسات الاستشراق على العموم هناك.
ــــــــــ
(1) يطلع على سبيل المثال على الكتب التالية:
/ صحفة 67 /
ـ 2 ـ
1 ـ أما الشرق الاسلامي ففيه ثروة كبيرة من المعادن، والمنتجات الزراعية، بالاضافة الى ثروة بشرية ضخمة. تكون جميعها المواد الأولية لصناعات كثيرة، ويصح أن تتخذ أساسا لحضارة صناعية، لو توفر معها العنصر الفني، والآلي، والبحث التجربي.
2 ـ وفيه تراث ثقافي اسلامي، وتوجيه روحي، لا يضاد الحضارة الصناعية الحديثة الا اذا فهم محرفا، أو فهمت الحضارة الصناعية خطأ.
ولكنه مع ذلك يضاد التوجيه المادي في جميع صورة: من الواقعية، الى الشيوعية، فالبراجماتزمية. لأن الاسلام ينظر الى الفرد على أنه طبيعة ثنائية، له انتاج مادي وآخر عقلي، وعلى أن قيمته العقلية لا يتحكم فيها جانبه المادي. وينظر الى الجماعة على أنها بناء عام من الافراد، ولكنه تتميز فيه أشخاص الافراد.
وتبعا لهذه النظرة: للفرد قيمته في ذاته، وقيمة أخرى بالنسبة لجماعته. ووراء الفرد، ووراء الجماعة حقيقة أخرى عليا يجب الايمان بها والاذعان لما توحى به من وصايا وتعاليم في صلة الافراد بهذه الحقيقة العليا، وفي صلة كل منهم بغيره في جماعته. هذه الحقيقة العليا هي الله تعالى.
الاسلام في الآيات الكريمة التالية يصف نظرته الى الوجود كله، ويحدد الجماعة التي ينشدها: يقول الله تعالى في سورة الشورى (الآيات من 36 ـ 39):
(فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا،
وما عند الله خير وأبقى،
للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون،
والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش،
/ صحفة 68 /
واذا ما غضبوا هم يغفرون،
والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة،
وأمرهم شورى بينهم،
ومما رزقناهم ينفقون،
والذين اذا أصابهم البغي هم ينتصرون).
فاعترف بهذه الحياة المادية وبقيمها، ولكنها ليست في نظره الوجود كله. بل هناك الله، وما عنده خير وأبقى.
وحدد جماعته المنشودة بأنها الجماعة المؤمنة بالله،
والتي يشارك أفرادها بعضهم بعضا في المعاونة الاجتماعية بالانفاق، وفي دفع الاعتداء الخارجي عليهم دفعاً يحفظ لهم كيانهم، وفي تبادل الرأي بينهم،
والتي يتصف أفرادها بالاستقامة في السلوك وعدم ارتكاب الجرائم في علاقة بعضهم ببعض، وبالطاعة في صلاتهم بخالفهم.
وكأني بالاسلام يعني أصحاب الاتجاه المادي بهاتين الآيتين الكريمتين:
(واذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، واذا ذكر الذين من دونه اذا هم يستبشرون).
(ذلكم بأنه اذا دعى الله وحده كفرتم، وان يشرك به تؤمنوا، فالحكم لله العلي الكبير).
وكما أن تراثنا الثقافي الاسلامي يضاد الاتجاه المادي في الثقافة الغربية الحديثة فانه لا يتفق في أصالته مع التخريج الذي يخرج به في محيط الاستشراق الغربي.
واذن تراثنا الشرقي من اسلامي وروحي على العموم ينسجم مع الحضارة
/ صحفة 69 /
الصناعية الحديثة عند الفهم المستقيم، ولكنه لا ينسجم مع التخريج الغربي له، كما أنه في الوقت نفسه يضاد الاتجاه المادي في الثقافة الغربية الحديثة.
ـ 3 ـ
هل يمكن لنا في حياتنا الشرقية أن ننتفع بحضارة الغرب الصناعية، مع الاحتفاظ بتراثنا الثقافي الاسلامي والروحي على العموم؟
اننا لو استطعنا ذلك رفعنا مستوانا الصحي، والاجتماعي، والاقتصادي، وسلمنا من الهزات العنيفة في التوجيه وفهم الحياة، واحتفظنا مع ذلك بمقوماتنا الأصلية كأمة من مجموعة الأمم الشرقية والاسلامية!
وان مدى استطاعتنا يتوقف الى حد كبير على عناية الأزهر برسالته، وعلى أن يمكن من تأدية هذه الرسالة. اذ ليست الجامعة المصرية الحديثة هي التي تلائم بين تراثنا الثقافي الاسلامي، وبين الحضارة الغربية الحديثة في مجتمعنا المصري أو الشرقي الاسلامي، بل الأزهر، ويكاد يكون وحده.
وان قبول البيئة الريفية في مصر لآثار الحضارة الصناعية الحديثة ومظاهرها مهمة لا يؤديها المرشد الاجتماعي، وانما يؤديها صاحب الثقافة الأزهرية اذا فهم هذه الحضارة على وجهها الصحيح وفهم موقف الاسلام منها.
والنظام الرأسمالي الذي يستخدم في الصناعات بمصر لا يقربه من العقلية المصرية العامة حتى تؤمن به وبنتائجه الايجابية في الحياة المصرية ـ فتساهم فيه، أو تستسغيه عن رضاً واطمئنان ـ الا العقلية الأكاديمية في البيئة الأزهرية.
* * *
وموجز الرأي: أن في حياة الغرب (حضارة) صناعية تسايرها تعاليم الاسلام.
/ صحفة 70 /
وفيها بحوث طبيعية بحتة، وكيمائية ـ هي الأسس لتطور الحضارة الصناعية ـ لا تجافي الاسلام ولا تعادى رسالته.
وفي حياة الغرب أيضا (ثقافة) توجيهية، هي ما تعرف بالثقافة الغربية الحديثة:
للاتجاه المادي في هذه الثقافة سيطرة وشأن، وهو يناوىء الاسلام تماما.
وفي الاتجاه الروحي والمثالي فيها هزال وضعف لسنا في حاجة اليه، مع قوة اسلامنا وسلامة توجيهه الروحي.
وطابع الاتجاه الاستشراقي فيها يتسم بالحزبية والغرض، ويقوم على فكرة صليبية أو سياسية. وهذا أيضاً لسنا في حاجة الى استيراده، ثم الأخذ به في توجيهنا في الحياة، لأنه مصدر ضعف لنا من جانب، وحائل بيننا وبين الفهم المستقيم لتراثنا الثقافي من جانب آخر.
اسلام يعتز به في التوجيه، وحضارة صناعية تقتبس يجب أن يكون الشعار لنا في حياتنا المعاصرة.
توجيه ثقافي غربي في صورة من صوره الثلاث اذا سرنا وراءه فقدنا شخصيتنا أولا، ثم اضطربنا في توجيهنا ثانياً، ثم كنا أخيراً لا في عداد الغربيين، ولا في عداد الشرقيين.
ان وجودنا كجماعة وكأمة ليس وجوداً مادياً فحسب، انما قوامه قبل ذلك أننا شعب شرقي اسلامي له ماض عريق في الثقافة والحضارة الانسانية.