/ صحفة 71 /
لكن قال شيخي
لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الشيخ محمد الطنطاوي
الاستاذ في كلية اللغة العربية
الياس:
جد النبي صلى الله عليه وسلم:بعد أن انتهينا من الدراسات التفصيلية السالفة فيما يتعلق بالعلم (الياس) النبي صلى الله عليه وسلم، أملت منك الرضا بهذا المقدار الكافي، اعتقاداً مني أنه الهدف والغرض لك فيء هذه المجالسات، غير أنك حملتني على ما يشابه هذه الدراسات في العلم (الياس) جد النبي صلى الله عليه وسلم، لاشتراك العلمين فيما بعد الحرفين الأولين، ولبيت رجاءك وتعهدت بالاجابة.
ولقد صادف هذا الطلب منك هوى في نفسي، لأن الحديث عن جد النبي يحلولي ويحب الى نفسي، لأنه متعلق بالجد الأعلى لأفضل الخلق صلوات الله وسلامه عليه.
على أن هذا الجد في واقع الأمر موئل المجد، وعراقة الأورمة، اعتز بالانتساب اليه الجد الأوسط (قصى). وقصى أول من ولى من قريش (فهر) أمر مكة بعد أن ظفر بجمعهم، حتى قال قائلهم:
قصى لعمري كان يدعى مجمعا ***** به جمع الله القبائل من فهر
فحاز شرف الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، وأنشأ دار الندوة تجاه الحرم المعظم منذ كان، ومنذ التفت الناس حوله. اذ يقول مفتخراً بنسبه الشامخ في موطن الاقدام والنجدة:
/ صحفة 72 /
اني لدى الحرب رخى اللبب ***** عند تناديهم بهال وهب
معتزم الصولة عالي النسب ***** أمهتي خندف والياس أبي
قلت: هذا حديث شهى على اجماله وعمومه، وما اخا لك في الاسترسال الا ذاكراً طرفا وملحاً رغيبة الى النفس، حسنة الوقع في السمع، يهش لها الفؤاد، غير أننى بصدد الاستفهام عن مادة (الياس) جد النبي صلى الله عليه وسلم للموازنة بينه وبين (الياس) النبي صلى الله عليه وسلم، وحقا تم الحديث، بل أوفى البيان على الغاية في الأخير، وبغيتى الآن معرفة الأول، فهل يساير علم جد النبي علم النبي، ويوافقه من ناحية التعريب وقطع الهمزة المكسورة؟ ولك بعدئذ ما تشاء من جولات في الميادين الممتعة في الأدب والتاريخ والتعليق، الأمر لك كما ترضى.
قال: قطعت على حديثي، وخلت أنني سأنأى عن المقصود لك من سؤالك، فذلك ما لا يكون ولن يكون.
ولو تمهلت قليلا، وصبرت جميلا، وتأملت في تعمدي ذكر البيتين، بعد التقدمة لهما بكلمة عن صاحبهما، لظننت بل تيقنت أنني سالك الطريق، وأن للبيتين شأنا في صميم الموضوع، والا كان تطويلا بلا طائل.
وفي الحقيقة أن البيتين من الدعائم التي بنى عليها القول الصحيح، وستلمس هذا قريبا عند المواطن المناسب، لكني رأيت الآن موافقتك في هواك، ومجاراتك في التعجيل بالافادة، عملا على مرضاتك.
تعلم أن (الياس) جد النبي صلى الله عليه وسلم ناله الخلاف كما نال (الياس) النبي صلى الله عليه وسلم من قبل وأن فيه قولا مختاراً من القولين فيه كما في (الياس) النبي صلى الله عليه وسلم، فهما متساويان اجمالا في أمرين: الخلاف فيهما على قولين: وقول مختار من القولين. لكنهما مختلفان بعدئذ في نوع المختار، اذ المختار في النبي من التعريب وقطع الهمزة المكسورة مضعف هنا، والمضعف فيه من العربية ووصل آل مختار هنا.
وليس بجديد عليك أنه لم تسلم جزئية علمية من خلاف، وبرحم الله الامام
/ صحفة 73 /
مالكا اذ كان يردد في درسه بالحرم المدني: ما منا الا من رد ورد عليه الا صاحب هذا المقام. ويشير الى المقصورة النبوية.
ولعلك استشففت من وراء هذا التمهيد مجمل ما نفصله في المقدمات والنتائج في الحديث عن الياس، ودونك التفصيل:
تعلم ثانياً ـ هداك الله ـ أن في (اليأس) جد النبي صلى الله عليه وسلم رأيين متقابلين تمام التقابل: الأول أنه عجمي مقطوع الهمزة مكسورها، والثاني أنه عربي موصول الهمزة، فأل فيه للتعريف، وأنه منقول عن المصدر.
القول الأول، لابن الانباري حكاه عنه السهيلي في الروض الأنف في أول الكتاب عند الحديث على النسب النبوي، قال: (قال ابن الأنباري الياس بكسر الهمزة، وجعله موافقاً لاسم الياس النبي صلى الله عليه وسلم، وقال في اشتقاقه أقوالا، منها أن يكون فعيالا من الألس وهي الخديعة … ومنها … ومنها … الخ).
فابن الانباري يراه كالياس النبي في العجمة وقطع الهمزة، والمنع من الصرف للعلمية والعجمة، وتقدم في المقالات الماضية أن هذا الرأي مختار هناك، ولكنه لم يشفع بشيء في ناحية الاشتقاق، وهذا سليم من جهة المألوف في الألفاظ الأعجمية، فليس بعد العجمة من داع الى هذه الاحتمالات المرددة من ابن الأنباري، وما أغناه عن التفكير فيها.
ولقد وافق الرضي ابن الانباري في هذا الرأي، فانه في شرح الشافية للرضي مبحث الزيادة: (الهاء) لمناسبة استشهاد ابن الحاجب في الشافية بالشطر الأخير من البيتين السابقين:
(أمهتي خندف والياس أبي)
قال رحمه الله:
(يريد الشاعر به الياس فوصل الهمزة المقطوعة ضرورة)، ولم يعتبر الرضي الضرورة الا لأنه يرى ما يرى ابن الأنباري من أنه مقطوع الهمزة كالياس اسم النبي صلى الله عليه وسلم، على أن بعض الحذاق يرى أنه لو كان مقطوع الهمزة كما
/ صحفة 74 /
ظن ابن الأنباري والرضى لكان من الصواب أن ينشد البيت برواية أخرى تدفع عنه الضرورة من أول الأمر فيحذف منه الواو وينشد هكذا …
(أمهتي خندف الياس أبي)
لكن المسألة أولا وقبل كل شيء، ينبغي فيها على سبيل الأساس مراعاة الرواية ثم الكلام بعدئذ في الضرورة أو عدمها، أما أن تترك للنظر المرتب عليه تغيير البيت بما يتفق والصواب فليس من صالح العلم في شيء، لأن اباحة التغيير ترفع الثقة بالشعر وتؤدى الى الاضطراب والاختلال.
القول الثاني، للجمهور وقد صححه السهيلي بعد ذكره القول الأول من ابن الانباري مؤيداً له بالشواهد الفصحى فيقول: (والذي يقوله غير ابن الانباري أصح: وهو أنه اليأس سمى بضد الرجاء، واللام فيه للتعريف، والهمزة همزة وصل، وقاله قاسم بن ثابت في الدلائل، وأنشد أبياتا شواهد منها قول قصي:
اني لدى الحرب رخي اللبب ***** أمهتي خندف واليأس أبي
ويقال انما سمي السل داء يأس لأن اليأس بن مضر مات منه، قال ابن هرمة:
يقول العاذلون اذا رأوني: ***** أصبت بداء يأس فهو مودى
وقال ابن أبي عاصية:
فلو كان داء اليأس بي وأغاثني ***** طبيب بأرواح العقيق شفانيا
وقال عروة بن حزام:
بي اليأس أو داء الهيام أصابني *****فاياك عني لا يكن بك مابيا
* * *
فمن هذه الشواهد نستنبط أمرين على سبيل اليقين: الأول أن اليأس موصول الهمزة وأل طارئة عليه للتعريف فهو عربي محض مصروف منقول عن مصدر يئس، ومأخذه الرجز الأول في الأبيات، والثاني ما استفيد من الأول مع اضافة
/ صحفة 75 /
تسمية مرض السل بهذا الاسم للمناسبة بينهما، وقال الوزير بن بكار اليأس بن مضر أول من مات من السل، فسمى السل يأساً ـ وقانا الله جميعاً داء اليأس.
ولعلك تبينت الآن سر تقديمي للرجز الأول في مطلع درسنا اليوم، وأنه ذو اتصال قوى بالمطلوب، وأنه الدليل القوى الأول، ولو تريثت وانتظرت لأرحتك من الاستعجال بصورة لا تستويها نفسي، ولا تحوز عندي كمال الاستعلام والاسترشاد.
ولتزداد طمأنينة لما أقول فاسمتع الى أبي عبيد البكري في شرح أمالي القالي لما أنشد أبو علي هذا البيت في الجزء الثاني الصفحة الواحدة بعد الثلثمائة معلقا على البيت: (هذا الرجز حجة من قال ان اليأس بن مضر اللام فيه للتعريف، وألفه ألف وصل، قال المفضل بن سلمة، وقد ذكر الياس النبي صلى الله عليه وسلم: وأما اليأس بن مضر فألفه ألف وصل، واشتقاقه من اليأس).
والخلاصة أن في اسم جد النبي قولين: الأول أنه أعجمي مقطوع الهمزة مكسروها ممنوع من الصرف، والثاني أنه عربي موصول الهمزة مصروف. ولا ريب أن هذا الاختلاف حقيقي يترتب عليه أثر مختلف في الاستعمال.
موازنة بين القولين:
القول المعول عليه في اليأس جد النبي صلى الله عليه وسلم الثاني بعكس الياس النبي صلى الله عليه وسلم، والمنقوض هنا هو المختار هناك، فالعلمان على الصحيح مختلفان أصلا ونطقا وحكما، ويعجبني لهذه المناسبة ختام الدراسة في اليأس جد النبي صلى الله عليه وسلم بما أعده كقول جهيزة المشهور. ما نقله الأخفش الصغير في حاشيته على الكامل عند تعريف المبرد ـ بالنمر بن تولب، وأنه متصل النسب باليأس بن مضر ـ اذ ذكر ما لفظه: (قال ابن سراج رحمه الله من رواه بن الياس فقد أخطأ، انما هو ابن اليأس بوصل الألف وكسر السين، والألف واللام للتعريف، والاسم يأس مشتق من يئست)(1) وقد علق المرصفى بما يوافق
ــــــــــ
(1) الكامل: شرح الرغبة ج 4 ص 62.
/ صحفة 76 /
التصويب، وضم اليه ما سلف عن الزبير بن بكار، وأظنك الآن مغتبطاً بما يشفى الغلة وبنقع الفؤاد، أنار الله البصائر وهدى السبيل.
قلت: انني ورب البيت لخجل مما فرط مني، معتذر عن هناتي، مغتبط بما منحت من عوارف مئن عليك وحدك بكل صالح، وأنت فوق ما نثنى، فأنا حقيق أن أتقدم اليك رافعاً ما أبدع أبو نواس في مديحه:
اذا نحن أثنينا عليك بصالح ***** فأنت كما نثنى وفوق الذي نثنى
وان جرت الالفاظ منا بمدحة ***** لغيرك انسانا فأنت الذي نعنى
ولكن يا مولاي لأمر ما لم تمتعنا بطرفة تتخلل الدرس وتؤنس النفس، فالجد المتواصل يورث السآمة، ولقد كان ديدنك ذاك على الدوام فيما غبر من الزمان، فما جرى اليوم؟
اني لأتوجس خيفة ولأرتاب كما ارتاب قبلي توبة بن الحمير الخفاجي:
وكنت اذا ما جئت ليلي تبرقعت ***** فقد رابني منها الغداة سفورها
قال: لا توجس ولا ريبة انما أنت صانع هذا، فقد بدأت الدراسة، وجريت على أذلالي كما اعتدت وتعودت مني، ولكن ما الحيلة معك؟ وقد بغتني بما غير منهاجي ووقفتني، ظانا ما لا يظن، فالتبعة عليك وحدك، ولا جناح على أن أقول لك ما قاله العربي قديماً بعد تبرمه ممن عنى بشأنه، وقام باصلاح أمره: (أعييتني من شب الى دب).
قلت: قد كان ما خفت أن يكون، ومعذرة اليك، ولا تحرمني نوالا عودتنيه بعد أن لمست منك كرم الصفح، ويرحم الله أبا الأسود الدؤلي يخاطب الأمير:
لا تهني بعد اكرامك لي ***** فشديد عادة منتزعة
وتكرم باستكمال ما بدأت فيه مما يتصل بالبيتين الأولين أدباً وتأريخا، وما يحسن لك كتقديرك أنت.
قال: اني بعد ذا لعائد ان شاء الله، ولكن في الغد ان طال الأمد.
قلت: في حفظ الله.