/ صحفة 204 /
على ذكر المؤتمر الدولي الذي سيعقد في جنيف في صيف هذا العام:
الطاقة الذرية في خدمة الانسان
للدكتور محمد محمود غالي
دكتوراه الدولة في العلوم الطبيعية من السوربون ليسانس
العلوم التعليمية ـ ليسانس العلوم الحرة ـ دبلوم المهندسخانه
(رسالة الاسلام) تزجى هذا البحث العلمي ليرى فيه قراؤها الكرام صورة من صور النشاط العلمي والعقلي في عالمنا الحاضر، والاسلام دين العلم والبحث والنظر في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء. [ المحرر ]
في 22 ابريل سنة 1954 وجه الي المجمع المصري للثقافة العلمية دعوة لالقاء محاضرة عن العصر الذري، وقد جعلت عنوانها: (الذرة ومستقبل العالم) وكانت هذه هي المحاضرة العشرين من محاضراتي العامة التي ألقيتها في موضوع الذرة بين بغداد والاسكندرية والقاهرة، ولقد كان لي من محاضراتي السابقة وكتابي الذي صدر في موضوع الذرة ومقالاتي العديدة بهذا الخصوص هدفان:
الأول: اطلاع اصحاب الرأي المتنور في مصر وجاراتها على موضوع الذرة وتقريبه الى أذهانهم رغم ما به من صعوبة علمية، فلا يصبح غريباً عليهم بعد أن أصبح من المواضيع الهامة التي تشغل بال العالم، اذ يتعلق على تطور المعارف فيه وكيفية استخدامها مستقبل البشر.
/ صحفة 205 /
والثاني: دعوة أصحاب هذا الرأي الى فكرة السلام المنبثقة اليوم من تطور معارفنا عن الذرة، ولقد كنت مؤمنا دائما بهذه الفكرة والدعوة اليها، وازداد ايماني بها بعد تطور معارفنا الأخيرة عن حقيقة العلاقة بين المادة والطاقة وما وصل اليه العلماء من معارف خطيرة تحمل في ثناياها مفاجآت قد تصل بأهل هذا الكوكب الى مدارج العلا، أو تنزل بهم الى هلاك حقق، حتى أنني كتبت عن يقين على غلاف كتابي(1) الذي صدر في سنة 1949:
(ستعلم وأنت تطالع هذا الكتاب أن البشرية قد خطت مع بكارل الفرنسي منذ نصف قرن(2)، و مع أوتوهان الألماني حديثاً(3) خطوتين حاسمتين: فاما مدنية فوق التصور نصبح فيها كالملائكة نستطيع ما لا نستطيعه اليوم، واما مفاجأة محزنة قد ينمحى معها الكوكب الوديع الذي نعيش عليه).
ولقد تأثرت بفكرة سلام العالم والعمل في سبيلها نتيجة لتتبعى موضوع الذرة وما يحمله كل يوم من جديد فاندفعت خلال محاضرتي المشار اليها الى ترديد هذه الفكرة السامية، حتى أن المحاضرة اتخذت طريقاً واضحاً نحو هدف معين وشكلا متبلوراً نحو غاية معلومة خرجا من قضايا علمية غاية في الدقة تهدف كلها نحو السلام، ولقد حمل كل هذا الحاضرين ـ وكانوا بالمئات ومن بينهم عدد عديد من العلماء وأهل الرأي ـ على أن يتخذوا قراراً في آخر المحاضرة بضرورة عناية الحكومة باستخدام الذرة في أعمال السلم مع المطالبة بتحريم الأسلحة الذرية والهيدروجينية.
ــــــــــ
(1) كتاب (ماذا تخبئه نواة الذرة للانسان) الناشر مكتبة النهضة بالقاهرة.
(2) كشف العالم الفرنسي (بكارل) النشاط الاشعاعي في عنصر اليوارنيوم في سنة 1896، وذلك بملاحظة الآثار التي تحدثها قطعة منه على اللوح الفوتوغرافي، وكان كشفه الخطير أول رسالة من داخل نواة الذرة.
(3) كشف العالم (أوتوهان) الألماني أول انشطار أو انفلاق لنواة ذرة البليتونيوم في نوفمبر من سنة 1938، ولم تنشر نشرته العلمية وتذع في العالم الا في 8 يناير سنة 1939 قبل الحرب الثانية بثمانية شهور.
/ صحفة 206 /
تلك كانت الصرخة التى قام بها كثير من المحاضرين والكتاب فى انحاد العالم منذ القاء قنبلنى هيروشيما وناجازاكى حتى سنة 1954، أما الموجة التى تطغى اليوم على لسان المفكرين فقد اتجفت لا الى المطالبة بترحيم الأسلحة الذرية والهيدروجينية في الحرب فحسب، بل الى تحريم استخدامها حتى في القيام بعمل التجارب، وذلك بعد أن تبين للعالم الأضرار الناجمة عنها، والتي يتأثر بها جميع سكان المعمورة، والتي يزداد أثرها يوماً بعد يوم من جراء الاستمرار في تفجير قنابل ذرية، وأخرى هيدروجينية في صحراء نيوفادا بأمريكا وفي الباسيفيكي وفي سيبريا بالروسيا.
ومن المؤسف حقاً أن نطالع في البرقيات الأخيرة النية للقيام بمثل هذه التجارب في الصحراء الكبرى بأفريقيا، الأمر الذي يجب أن نتبين مدى خطورته على مصر والدول المجاورة، ونطالب بعدم في هذا السبيل.
وقد اطلعت حديثاً على تعليق كبريات صحف العالم ومنها (تريبيون دي جنيف) عن ذلك التقرير الهام لمسيو مارتان من درسي السوربون، الذي قدمه العالم الكبير (لويس دي بروي) الحائز على جائزة نوبل، والسكرتير الدائم للمجمع العلمي الفرنسي الذي تحدث فيه عن آثار التفجيرات الهيدروجينية الأخيرة التي قامت بها السلطات الأمركية في الباسيفيكي، وعن تأثيرها على أشجار الصنوبر، وعلى أوراق أشجار التوت في منطقة واسعة في اليابان تبعد ستة آلاف كيلومتر عن مركز الانفجار، وكيف أبيد دود القز في منطقة واسعة، والأثر السيء الذي كان يتعرض له آلاف البشر الذين يلبسون الحرير الطبيعي الناتج عنها، وذلك من أثر الاشعاعات الذرية الخطيرة التي يحدثها هذا الحرير الذي يكتسب نشاطا اشعاعياً خطيراً، بل أثر هذه التفجيرات الهيدروجينية التي تعدت كل خيال على بعض المراعى والاشجار في مناطق تبعد عن مركز الانفجار بأكثر من 7000 كيلومتر في الهند (لعل المقصود الهند الصينية، فصفة الهند غير واضحة من التقرير المتقدم) مما أكسب النبات نشاطاً اشعاعياً انتقل بدوره الى الابقار التي ترعى في هذه المراعى، وهذا انتقل عند استخدام عظامها في عمل الجيلاتينة التي تستخدمها
/ صحفة 207 /
كبرى المصانع في أوروبا في عمل الألواح الفوتوغرافية الى صناعة ألواح تالفة اتضح عدم صلاحيتها من وجود آثار النشاط الاشعاعي الصناعي في هذه العظام، بل ان علب الكرتون التي استخدمت في مصانع أخرى أتلفت جميع الألواح الفوتوغرافية الموضوعة في هذه العلب لأن هذا الكرتون صنع من أشجار مستوردة من هذه المناطق التي تأثرت بالرماد الذري الناتج من القنابل الهيدروجينية.
هذه المسائل الخطيرة وغيرها من تغيير حادث في الكروموزونات تنبه له فريق من العلماء أخيراً ـ وذلك ما بسبب تغييراً جوهرياً في مستقبل الكائن الحي: الانسان والحيوان والنبات، نطالعها في تقرير (مارتان) الهام المتقدم وفي غيره من آراء العلماء اليوم مما سنجعله موضوع محاضرات قادمة، وما سنقدمه لمعهد البحوث في مصر من تتبع الآثار التي قد نفيد منها في مقاومة بعض الآفات الضارة كدودة القطن، أو الحشرات غير النافعة التي ترعى في اسطبلات الخيول وتتكاثر في حظائر الماشية، وقد تحدثت به هذا العام مع فريق من العلماء في مصر، أذكر منهم الدكتور عيسى محمد عيسى أستاذ الكيمياء بجامعة عين شمس والدكتور محمود رشدي المدير العام لمصلحة الطب البيطري، حيث نعلق على نتائج هذه البحوث الأمل في نتائج ايجابية فعالة.
ولقد سرتنا أخبار ذلك المؤتمر المزمع عقده في 8 أغسطس سنة 1955 في جنيف للبحث في استخدام الطاقة الذرية في الأغراض السلمية، ونأمل أن يكون فيه للعالم طريق نحو السلام والبعد عن الحروب، والعمل على التضافر الدولي في سبيل استخدام طاقة الانشطار النووي، وطاقة التجمع الذري في سبيل الخير وفي سبيل رفعة الانسان.
ولعل أول ما يخطر على الذهن في استخدام الطاقة الذرية في الأعمال السلمية هو البحث عن الوسائل التي تجعلنا نسيطر على التفاعل المتسلسل الذي وصفناه على صفحات مجلة (رسالة الاسلام) في أربع مقالات نشرتها هذه المجلة الرفيعة في أعدادها الأولى، وأن نهيمن عليه بصفة مستمرة، بحيث نحصل على
/ صحفة 208 /
حاجتنا من الطاقة الذرية دون أن تنطفىء ودون أن تبلغ بها الشدة درجة الانفجار، ولقد كان من محاسن الصدف أنه يمكن استخدام مثل هذا التفاعل المتسلسل في عنصر اليورانيوم الطبيعي دون اللجوء الى استخلاص اليورانيوم 735 منه(1)، وهي العملية التي تتكلف عادة الوقت والنفقات، والتي كانت ضرورية في صناعة القنبلة الذرية، وقد أوضحنا في كتاب ثان عنوانه (الذرة ومستقبل العالم)(2) كيف أمكن عمل ما يسمونه اليوم الكومات الذرية أو الأفران الذرية (ونستطيع أيضا تسميتها المولدات الذرية) باستخدام اليورانيوم الطبيعي وسهل الحصول عليه مع مواد أخرى كالماء الثقيل والجرافيت النقي في الحصول على الطاقة الذرية التي تبدو في شكل طاقة حرارية مستديمة، وكيف أن وجود هذه المواد من الماء الثقيل أو الجرافيت يساعد على أن يحدث الانقسام أو الانشطار في النويات القليلة لليورانيوم النادر الموجود في اليورانيوم الطبيعي 238 دون استخلاصه أو فصله، وشرحنا كيف أمكن بناء هذه الأفران بوسائل سهلة، والحصول على الطاقة الدائمة منها.
وعلى أساس الطريقة التي شرحناها في كتابنا الأخير المذكور، والتي يطول بنا المقام لو أننا حاولنا أن نشرحها في هذا المقال، أنشئت عدة (مولدات)، أو (كومات) للطاقة الذرية في ألمانيا وفرنسا على نطاق صغير جداً في بادىء الأمر، ثم في أمريكا وانجلترا وفرنسا وروسيا على نطاق عملي، وفي الهند والباكستان يعملون الآن على ايجاد محطات ذرية على هذا النمط، وليس هناك ما يمنع
ــــــــــ
(1) لعنصر اليورانيوم كالكثير من العناصر الطبيعية الأخرى عدة مما كنات أو نظائر كما يسمونها اليوم والمماكن أو النظير هو عنصر يختلف وزنه الذري اختلافا بسيطا ولكن له نفس العدد الذري أي عدد ما يدور حول نواته من الألكترونات، وعلى هذا الأساس وجد اليورانيوم الطبيعي 238، ويوجد المماكن اليورانيوم 235 بنسبة 10000/7 من اليورانيوم الطبيعي، ويوجد أيضاً اليورانيوم 234.
(2) سيصدر هذا الكتاب في مايو سنة 1955، وستنشره مكتبة النهضة.
/ صحفة 209 /
من ايجاد مولد ذري في مصر، لا سيما مع عدم حاجتنا في أغلب الظن لاستيراد اليورانيوم الذي أعتقد بوجود فيما لدينا من الفوسفات بقرب سفاجة، وفي جهات أخرى. وفي باريس الآن محولان أو محطتان ذريتان، الأولى صغيرة في قلعة (شاتيون) ويطلقون على هذا المحول اسم (زوي) والثانية أكبر في سكلاي واسمها P2 وسيكون لدى الفرسنيين محول ثالث يطلقون عليه EL3.
وجدير بالذكر أن أول مولد خرجت منه الطاقة النووية بصورة عملية تم في شيكاغو وأسسه العالم الايطالي المعروف (أتريكو فرمي) الحائز لجائزة نوبل للطبيعة. وفيما يلى أتكلم عن مولد (زوي) ومحطته الذرية التي زرتها سنة 1950، حيث كانت محطة ساكلاي في دور الانشاء.
* * *
لقد كان شعوري بالارتياح عظيما عند زيارتي لهذه المحطة الذرية الموجودة في ضواحي باريس داخل قلعة شاتيون، فقد طلبت في ابريل سنة 1950 من أستاذي السابق المرحوم (كوتون) رئيس المجمع العلمي الفرنسي أن يتخذ الخطوات اللازمة للسماح لي بزيارتها، فأفهمني أنه قد يصادف صعوبة للحصول على مثل هذا التصريح، باعتبار أن مثل هذه المحطة الذرية تتبع وزارة الدفاع، ولكن حدث أن سمحت السلطات لأعضاء مؤتمر (الكولوك الدولي للجسيمات المتناهية في الصغر) بزيارة المحطة، فتوجهت مع مجموعة كبيرة من العلماء والباحثين اليها، وقد أجرت السلطات تفتيشاً لنا جميعاً عند دخولنا هذه المحطة، ولست الآن بصدد أن أشرح ما يدور بداخلها أو اسجل ملاحظاتي عن الكثير من العمليات العلمية التي تدور بين جوانبها، وانما أذكر أن أهم أجزائها هي تلك الكومة الذرية، أو المولد الذري الذي يتم بداخله عملية التفاعل المتسلسل المستمر لليورانيوم، وليس الغرض منه كما ذكرنا الحصول على عناصر أو مما كنات تصلح للانفجار أو تهيأ لعمل القنابل الذرية، انما الغرض الحصول على طاقة دائمة صغيرة، واستخدام النيترونات والجسيمات التي تخرج من التفاعل النووي المتسلسل في الحصول على نظائر مشعة، ترسل لعدد من المستشفيات لأغراض العلاج، أو لمراكز البحث للأغراض العلمية.
/ صحفة 210 /
وبصرف النظر عما تحتويه هذه المحطة الذرية من غرف وعنابر متعددة لكل منها عمل خاص، فان الفرن الذري أي المولد للطاقة النووية موجود في صالة رئيسية، وهو يتوسط هذه الصالة، والشكل الظاهري لهذا الفرن الذري هو مكعب كبير يشبه في الشكل والحجم أضرحة الأولياء التي يلتف حولها الزوارز، وانك لا ترى شيئاً داخل هذا المكعب المقفل، ويشرح لك المختصون ما بداخله، مستعينين في ذلك بما لديهم من الرسومات التفصيلية.
ويوجد في الصالة ذاتها عدد من الأجهزة تسمح لفريق من المشتغلين بالبحوث النووية بالقيام بعمل قياسات مختلفة، بعضها معروف لنا، وبعضها كان حديثاً يحتاج الى الشرح.
وتعتريك عند الوقوف أمام هذا المكعب الصامت روعة وأي روعة، حينما تتأمل أن الانسان يسيطر لأول مرة في حياته الطويلة على الطاقة الذرية، ويحصل عليها لسعادته ومستقبله من داخل النواة العجيبة التي اقتحمها ودخلها ظافرا.
وكما يقف الزائرون في شيء من الورع والخشوع أمام أضرحة الألياء وقف هذا الفريق من العلماء، وبينهم من الأعلام من وفق لأهم الكشوف المعروفة، وقد لاحظت أن من بين الموجودين ثمانية من حملة جائزة نويل للطبيعة، وقفوا وقد بدت عليهم أمارات التأمل العميق، وعلت ثغورهم ابتسامة عذبة، هي ابتسامة الأمل.
وهكذا كنت كلما أجلت النظر في هذا المكعب الكبير وما يحيط به من آلات دقيقة، مرت بذهني الأحداث العملية الكبرى في نصف القرن الأخير، ومر سراعا في مخيلى من هذه الأحداث كيف استطاع (تومسون) الانجليزي (وجان بيران) الفرنسي (ومليكان) الامريكي أن يجدوا بوسائل مختلفة وغاية في البراعة شحنة الالكترون، ثم مرت في ذهني فلسفة (اينشتاين) في النسبية عند ما بين أن المادة هي الطاقة.
/ صحفة 211 /
تلك الفلسفة التي أعاود مطالعتها هذه الأيام لمناسبة وفاة هذا العبقري العظيم في الثامن عشر من ابريل الحالي، كذلك مر بذهني فكرة (ماكس بلانك) في الكم، وكأني كنت أري (بكارل) ومدام (كوري) وقد عادا للحياة يتحدثان عن النشاط الاشعاعي من خلال هذا المكعب، وأخيرا مر بخلدي (نيلز بوهر) الذي جمع بعبقرية فذه بين الكم ووثبات الالكترون والخطوط الطيفية، والذي تحدثنا عنه في مجلة الكاتب المصري في أكثر من مقال، ثم عرض لذهني (أوتوهان)(1) صاحب عملية الانشطار في نواة الذرة، كما مر على مخبلتي ثم رأيتهما رأي العين فقد كانا بين الحاضرين (ايرين كوري) صاحبة النشاط الاشعاعي الصناعي، وزوجها (جوليو) الذي حدد عدد النيترونات المتطوعة، والذي كان مديراً لهذه المحطة في ذلك الوقت من سنة 1950، وغيرهم ممن أسدوا للبشرية أجل الخدمات.
وقد ذكرت محطة (زوي) كمثال حي لاستخدام الطاقة الذرية لأعمال السلم لسببين جالا بخاطري، وأعتقد أن في ذكرهما مصلحة عامة ودعوة للسلم الي أردته بهذا المقال.
السبب الأول: وأذكره لغاية وطنية، وأوجه الكلام هنا لبني وطني من شباب الجامعة طلابا وأساتذة لأذكرهم بالعاملين من الأمم العريفة في العلم أمثال الألمان والفرنسيين والانجليز وغيرهم، وما يتصفون به من صفات الاعتماد على النفس والمثابرة على العمل: فحول هذا المكعب البسيط في مظهره، وفي الغرف المجاورة له، والصالات المنتشرة في أرجاء هذه القلعة الفسيحة، يشتغل ما لا يقل عن 800 من الباحثين من عالم ومهندس وصانع دقيق، يساهم كل منهم بمجهوده الشخصي في سبيل هذه الحلقة الجديدة من العلوم، ويعمل جاهداً في اعلاء شأن بني الانسان.
على أن جل ما تراه في الداخل من أجهزة دقيقة هو من صنع أنامهلم،
ــــــــــ
(1) للعالم أوتوهان كتاب مبسط في العلوم عني بترجمته زميلنا الدكتور عفاف صبري، ونشرته مكتبة النهضة.
/ صحفة 212 /
وانك لترى فريقاً من الشباب الجامعي الناضج يلم بالكثير من التفاصيل الذرية، ومنهم الرياضي ومنهم الفيزيائي، فجهاز قياس الأوزان الذرية للنظائر المتقاربة، والذي يعتمد في فصل هذه النظار بعضها عن بعض على اختلاف المسافة التي تقطعها جسيمات ذرات هذه النظائر في المجال المغناطيسي أو الكهربائي، وهو الجهاز المعروف باسم سبكتروجراف الكتلة، وهو من أدق الأجهزة الطبيعية المعروفة، تدهش أنه من صنع أيدي هذا الفريق النابه من الشباب، وقد رأيت منه داخل هذه القلعة العتيدة جهازين، أحدهما أمريكي استوردوه من الخارج، والآخر صنعوه بأيديهم جزءاً جزءاً وقطعة قطعة.
هذا ما أرجو أن يحدث في بلادنا العزيزة ـ فتقوم بانشاء محطة ذرية، وفرن ذري ولو ص غير، حتى لا يكلفنا من النفقات فوق طاقتنا، وأن نعتمد في تشييد هذه المحطة على ما نستورده تارة، وما يبتكره فريق من شبابنا الحامعي تارة أخرى، وذلك بتتبعه الدراسات الذرية الحديثة، وفي الوقت ذاته يقوم هذا المركز العلمي بتوزيع بعض النظائر المشعة على مستشفياتنا، وعلى بعض مراكز البحث العلمي التي يجب أن نعمل على انشائها ودعمها في جامعاننا.
بهذا نوجد جيلا جديداً من الشباب يعمل في محيط الذرة، ونسهم من داخل بلادنا التي كانت مهد الحضارة في رفعة بني الانسان، واني على أتم الاستعداد لأن أسهم بنصيبي في تنشئة هذا الجيل من الشباب، وكما سبق أن ذكرت يجب أن يكون لنا هدفان: الأول أن نبدأ بنقل المواد والآلات اللازمة من الخارج، والتعرف على ما لدينا من موارد طبيعية في الداخل، والثاني أن نخلق نواة للبحث تسعى بدورها الى الابتكار والتجديد فلا نكون بمنأى عن موكب المدنية.
هذا وقد علمت أن الحكومة المصرية تنوى أن تنفق حوالي مليون جنيه في تهيئة البلاد للمضى في استخدام الطاقة الذرية لأعمال السلم، واني أرجو التوفيق في هذا المضمار وعلى قدر اختيار الذين سيقومون بهذا العمل الكبير يكون نجاحه أو فشله، وهي مهمة دقيقة أرجو أن يكون نصيب البلاد فيها التوفيق.
/ صحفة 213 /
السبب الثاني: هو الفكرة التي تستولى عليك في أمثال هذه المحطات من ضرورة التضافر للعمل على تقدم الانسان ـ فكرة الاخاء لا العداء ـ فكرة التقارب بين الشعوب لا التنافر بينها ـ فكرة العلم لذاته وللتقدم العام لا السعي في هلاك الانسان، كل هذه العواطف مجتمعة تلمسها عند ما تطأ قدماك هذه المحطة، وتقتحم بواباتها الضخمة، فانك تجد في أعلى هذه البوابات من الداخل العبارة الآتية وأمثالها مكتوبة بخط كبير واضح:
(نحن هنا لا نعمل الا للسلم، نحن لا نصنع القنابل الذرية، ولو طلب منا ذلك فسوف لا نقدم على صنعها ـ نحن هنا نستخدم العلم في خدمة الانسان ونحييى بأعمالها فكرة السلام).
هذه العبارات وأمثالها تجدها مكتوبة أيضاً على كثير من اللافتات الموجودة أمام الأجهزة المختلفة.
تلك هي محطة (زوي) التي أنشئت عام 1948، والتي زادت قوتها من 10 الى 120 كيلو وات، وعلى صغرها بالنسبة لما في العالم الآن من محطات ذرية أخرى فقد استمرت في تقديم أكبر العون للعلوم الذرية، حيث تعود عدد من الشبان الباحثين هذه الأعمال، ولم يبخل أكبر العلماء المعاصرين بتقديم العون العلمي لهم.
وفي تلك الفترة من سنة 1950 التي حظيت فيها بزيارة (زوي) كان العمل جاريا في انشاء وحدة ثانية في باريس ومحطة أكبر للطاقة الذرية، وكانت المباني قد بدأت لهذا الغرض في (ساكلاي) التي تحتوى اليوم على الفرن P2، وقد تمت اليوم الأجزاء الرئيسية لهذه المحطة، وما زال العمل جارياً في اتمام بقية أجزائها.
ولهذه المحطة الثانية جهاز غاية في الأهمية هو جديد في فكرته، اذ أنه يستخدم الأفيدريد كاربونيك الذي يحتفظون به في شكل حبوب، وذلك لعملية التبريد
/ صحفة 214 /
المطلوبة للقرن الذري الذي تبلغ قوته 1100 كيلوات من الحرارة الخارجة منه وستصل هذه القوة الى 2000 كيلوات، ولا شك أنه سيكون للسيال النيتروني القوي في هذه المحطة أكبر الأثر في البحوث الذرية، والحصول على النظائر للمستشفيات ومراكز البحث العلمي.
* * *
تلك لمحة سريعة في ذكر احدى السبل التي جعلتنا نسيطر على التفاعل المتسلسل وذلك بالحصول على الطاقة الذرية، والحصول في الوقت ذاته على النظائر المشعة، ولعل ما نسمعه اليوم من تقدم متواصل في فروعه الطب والبيولوجيا وغيرها، كان نتيجة لتلك النظائر المشعة التي تحصل عليها بالألوف من أمثال هذه الأقران ولقد شاع استخدام هذه النظائر حتى أصبحت مادة للتصدير للمستشفيات وللأطباء في البلاد التي لا توجد فيها مثل هذه الأقران الذرية، وأعتقد أننا نستطيع من الآن ـ ولو لعدد قليل من الباحثين ـ استيراد كميات من هذه النظائر وعمل التجارب التي تتطلبها مقتضيات البحث العلمي عندنا، وذلك باستخدام ما نستورده منها لحين القيام بعمل واحد أو اثنين من هذه الأقران الذرية، واني أضرب لذلك مثالا من استخدامها في بعض التجارب التي تعن لي في مقاومة دودة القطن مثلا أو بعض الحشرات الضارة بالخيل والمواشي أو الحبوب المخزونة كما ذكرنا في هذا المقال.
ولا نستطيع أن ندخل في تفاصيل المواضيع العديدة التي تدخلت في صميمها العلوم الذرية اليوم بعد الكشف عن النشاط الاشعاعي الصناعي وعن الانشطار النووي، وبعد الحصول على مئات النظائر المشعة، فآثار ذلك في علوم البيولوجيا والكيمياء البيولوجية والطب والنبات والحيوان كثيرة، والأمثلة في ذلك كثيرة كدراسة المادة الحية التي اذا امتصت كمية من النظائر المشعة أمكتنا أن نقيس سير هذه المادة في الجسم الحلي: الانسان والحيوان والنبات، وذلك من واقع نتبع الاشعاعات الذرية الخارجة من المادة التي امتصها الجسم، وذلك بأجهزة طبيعية
/ صحفة 215 /
خاصة معروفة اليوم لدى جميع المشتغلين بالبحث العلمي، وبمثل هذه الوسيلة مثلا تمكن (بورن) و(لانج) و(زيمر) من متابعة هجرة الفوسفور في الجسم الحي وذلك بزراعه الدخان في أرض بها فوسفور مشع.
بل لقد كان لمثل هذه البحوث نتائج فعاله في تعرف العلماء على بعض القضايا الدقيقة الخاصة بامتصاص النبات لثاني أكسيد الكربون وتكوين المواد الغذائية كالكسر والنشا بواسطة الكلوروفيل، ويعلق العلماء اليوم على هذا الموضوع بالذات أكبر الآمال باعتبار أنه سيصبح لحقة هامة في عملية ايجاد غذاء جديد للانسان سيما بعد هذا التزايد الملحوظ في زيادة السكان في كل بقاع الأرض.
وفي هذا المقال لا يتسع المجال للدخول في تفاصيل استخدام الطاقة الذرية لأعمال السلم، كالحصول على محطات لتوليد الكهرباء ووسائل لتسيير البواخر والطائرات والسيارات.
ومهما يكن من الأمور التي يتوقعها العلماء في استخدام الطاقة الذرية لرفاهية الانسان، فاننا نود من صميم القلب أن يعقد ذلك المؤتمر لأغراض السلام وأن يتكرر أمثاله في كل عام، وأن نستمع فيه لأمثال ديراك الانجليزي، وجوليو الفرنسي، وفايمان الأمريكي، وباولي السويسري، وبهابها الشاب العبقري الهندي الذي رأيناه في مؤتمر الذرة سنة 1950، وسمعنا أنه رشح ليرأس المؤتمر القادم، نود أن نستمع لهؤلاء وأمثالهم يعرضون قضية السلام، ويناضلون في سبيل بقاء الانسان، تاركين الزمان والحيز، والمادة والطاقة، والجاذبية والكهر ومغناطيسية، التي تناولوها في مؤتمرهم الأول الذي حضرناه سنة 1950 الى فلسفة أعم هي فلسفة السلام، وعمل أعظم هو رفعة بني الانسان.
عليهم وعلى غيرهم أن يجتمعوا ويتشاوروا ويتبادلوا الرأي لذلك الغرض النبيل الذي ترتكز عليه حياة البشر، وعلى البشرية جمعاء أن تصغى الى نصائح أمثال هؤلاء وتسير خلف قافلتهم، اني أنادى بذلك ولا أجد لأختم هذا المقال أحسن من ذلك المثال الذي سقته في نهاية كتابي الثاني المعنون (الذرة
/ صحفة 216 /
ومستقبل العالم) والذي شبهت فيه البشرية بذلك الصياد المسكين الذي تصوره الكاكتب الأمريكي العبقري همنجواي في روايته التي أخرجها عام 1952، ونال عليها جائزة نوبل في ديسمبر سنة 1954 وعنوانها (الرجل العجوز والبحر).
* * *
لقد طالعنا عمل همنجواي الشاعري: ويتلخص في أن صياداً مسناً معدما خرج الى عرض البحر 84 يوما لم يحظ فيها بشيء من الصيد، حتى أن صبياً مخلصاً لازمه خلال مدة طويلة، وقد اضطره أهله فيما بعد على ترك الصياد العجوز، ولكنه ذكر لهذا الغلام أنه مازال يحدوه الأمل في أن يصيد يوما سمكة كبيرة، يدهش لها الصيادون فيقتنع باعادته اليه الأهلون.
وفي ذات يوم، خرج الصياد بمفرده الى عرض البحر كعادته، ووقعت سمكة كبيرة في حبائله، وظل يصارعها وتصارعه ثلاثة أيام بلياليها حتى تغلب عليها، وكانت السمكة من الضخامة بحيث يخيل للناظر أن السمكة هي القارب، وأن القارب هو السمكة، وقد حدث بعد ساعة واحدة أن خرج على القارب فوج من سمك القرش، وظل الصياد يصارعه حتى دميت يداه، فلما وصل الى الشاطىء كان لم يبق من السمكة الكبيرة الا عظام الرأس وبقايا السلسلة.
تلك هي قصة همنجواي الرائعة ـ ترى هل البشرية قد أوقعت في حبائلها أسرار الطاقة الذرية، فاصطادت سمكة همنجواي الكبيرة؟ … وترى ماذا يخبئه القدر؟
أيكون لنا منها النفع بعد طول العناء؟ أم يكون نصيبنا معها الهلاك والفناء؟