/ صحفة 271 /
في التاريخ والأدب
لحضرة صاحب الفضيلة الشيخ محمد الطنطاوي
الاستاذ في كلية اللغة العربية
اليأس – خندف:
نسوق حديثنا اليوم عن صلة اليأس بزوجه خندف، ونرمى من وراء ذلك إلى غاية مقصودة لنا منه: تلك هي معرفة الاسباب التي غلّبت اسم خندف زوجه في التعريف ببنيهما وما تفرع منهم على اسم.ابيهم اليأس، حتى صار سمة التمييز لبنيهما وحفدتهما على كر الايام، وساير في الشهرة اسم عمهم: قيس أخي اليأس الذي كان اللقب لبني قيس فمن تحتهم منذ كانوا، مستمراً الاحقاب الطوال.
على أنه قد بقى هذا التغلب دون مناهضة علم آخر له في التغيير والتبديل الآماد المتوالية، حتى انتثر عقد الانتماء للقبائل في عضون العصر العباسي، حين تحكم الانتساب للوطن أو الجنس أو الاسرة عند انقسام الدولة الاسلامية، وقيام دويلاتها بشؤونها مستقله غير خاضعة لنفوذ دولة عامة.
فقد تخطى لقب خندف عصرالجاهلية الي عصر الاسلام عنوان القبائل والعمائر والافخاذ والعشائر من عهد اليأس وخندف _ موئل التسامي بالاصل وقدم المجد حتى أطلق على خلفاء بني أمية.
وسترى وتسمع إن كان في الوقت سعة، وفي الذهن نشاط، وفي النفس رغبة
/ صحفة 272 /
حتى لا تعجب أن يتغنى بملء شدقيه من يرتفع نسبه إلى اليأس وخندف مفتخراً، ألا وهو العجاج التميمي الاموي في أرجوزته:
يا دار سلمى يا اسلمى ثم اسلمى فخندف هامه هذا العألم (1)
بل تجاوز التعريف به العصر الأموي فامتد إلى العصر العباسي الثاني. فهذا أبو الطيب المتنبي وضلعه مع اليمانيين لأنه جعفى يماني، يقول في مطلع افتخارية له على لسان بعض بني تنوخ من اليمنيين في مناهضة الخندفيين:
قضاعة تعلم أني الفتى اللـ ***** ـذي ادخرَت لصروف الزمان
ومجدي يدل بني خندف ***** على أن كل كريم يمان
ولئن كان هدفنا الذي نصوب إليه النظر معرفة أسباب تغلب علم الأم على الأب في الذرية، ليقتضين الترتيب الزمني أن نوطيء له بما كان ذريعة ووسيلة إليه، فنشأ عنه وتفرع عليه، بادئين تلمسه من حين الاتصال بين الزوجين: اليأس وخندف، ثم التوالد بينهما في أبنائهما الادنين، ومستعرضين الظرف الذي عرض فيه إضافة البنين إلى أمهم والاجتزاء باسمها معهم دون حاجه في تمييزهم إلى اسم ابيهم، ثم شيعان هذه الاضافة على مرور الملوين، مع أنه قلما يستأثر عَلم الام بمن ينتج من شعب أو قبيلة أو بطن فمن دونها إلا لملابسات خاصة تهبط على الناس في مجتمعهم فتلفتهم إلى تداول اسمها وتقديمه على اسم أبيهم الذي يحق انتسابهم إليه _ على أن تفسير تلك الملابسات اتفاقي دون تفكير يسبقه، خاضع لحادث يحول الافكار إليه، فهو كما يقال: ابن الظروف.
وفي ثنايا التاريخ ملوك جبابرة، وأعراب متمردة، ورواة اللغة عباقرة، وأدباء معلمون، وشعراء مفلقون. عُرفوا بالانتساب إلى أمهاتهم:
ــــــــــ
(1) البيت الثاني من شواهدهم على همز الالف في (العألم) لموافقة باقي الأرجوزة في عدم التأسيس، والبيت الأول مطلعها، وبينهما أبيات كثيرة. راجع شرح شواهد شرحي الشافية للبغدادي، الشاهد السادس يعد المائتين.
/ صحفة 273 /
فهذا عمرو بن هند ملك الحيرة الجبار، أبوه المنذر الاكبر _ وسليك بن السلكة الشاعر الجاهلي الفاتك المعدود في غربان العرب، أبوه عمير السعدي _ وشبيب ابن البرصاء الشاعر البدوي الاموي، وابوه يزيد _ وابن عائشة العالم بالعربية وأيام الناس، ونسب إلى عائشة بنت طلحة، وابوه عبيد الله بن حفص التيمي _ وسالم بن دارة الشاعر الإسلامي ذو الاحداث الجسام، قال الحلواني في كتاب الشعراء المنسوبين إلى أمهاتهم (دارة لقب أمه، وأسمها سيفاء وكانت أخيذة أصابها زيد الخيل من بعض غطفان من بني أسد وهي حبلى، فوهبها زيد الخيل لزهير ابن أبي سلمى، فربما نسب سالم بن دارة إلى زيد الخيل)(1)
وابن القِرِّية هذا الاعرابي الامي الفصيح الذي قتله الحجاج لاتباعه ابن الاشعث الذي قتل في موقعة دير الجماجم، والقرية جدته نسب إليها _ وأبوه أيوب بن زيد الهلالي، وابن القرية متعالم مشهور ذكره النحاة في أمثلتهم (باب المبتدأ والخبر) إذ يمنعون الإخبار بالزمان عن الذات إلا إذا جدت إفادة، وذلك نحو ابن القرية زمان الحجاج، وترجمته مستفيضة في وفيات الاعيان.
بل ربما طغى اسم الام على اسم الاب حتى يقبر في زوايا النسيان، فلا يعلم بعد، ولا يمكن الوقوف عليه عند البحث والتحري، فهذا: محمد بن حبيب من علماء بغداد، المشهود له باللغة والآداب المتوفى سنة 245هـ، قال العلماء: لا يعرف أبوه.
وما من شك أن للأم في هذه الحالة شأنا خاصا حمل الناس على الجنوح إلى اسمها واستبقائه لقباً لذريتها مع إغفال اسم الاب الذي كان حريا باتخاذه لقباً لهم وذيوعه معرفا لهم وإن لم يتبين إلا بعد البحث والتنقيب.
على أنه لا يحسن بنا الاسترسال حتى نبعد عن الموضوع، ويتناول الكلام ما تقل مناسبته له، فلنعتبر ما سقناه الآن استطراداً لنعود إلى المقصود.
إن استعراض الزمن الذي طرأ فيه اسم خندف ليكشف لنا أنه لم يحدث بعد
ــــــــــ
(1) راجع خزانة الأدب الشاهد الثامن بعد المائتين.
/ صحفة 274 /
الزواج باليأس. إنما حدث بعد الإنجاب للبنين منها لحادث ذي بال أنطق لسان الناس به واستدامهم يتداولونه فخف على ألسنتهم وصار علماً لبنيها، وانزوى وراءه الاسم الموضوع لها عند ميلادها الذي لازمها منذ المهد إلى الزواج إلى أن نسلت البنين أولا، كما اختفى وراءه لقب بنيها العصبي الابوي الذي يدور عليه التميين بين الاسر ثانيا فإن اسمها الموضوع لها من آلها هو ((ليلى)) اسم عربي صميم، قال في الروض الانف: ((خندف اسمها ليلى))(1).
اليأس بن مضر بن نزار عدناني، وليلى بنت عمران بن الحاف قحطانية، شاءت الاقدار أن يجمعها عقد الزواج الذي هو خير آصرة وأسمى رابطة، به يتم الالتئام بين البعيدين، والتآلف بين الغريبين، والتآزر بين المتصاهرين، كان لهذا الارتباط أثره العملي في ازدياد التواصل بين العدنانين والقحطانيين، وبعبارة أخري بين العرب العرباء والعرب المستعربة, اذ حدثت مصاهرة قبل هذه المصابرة بين العربين في أبوي ليلى نفسها: عمران وضَريّة، فأبوها عمران بن الحاف ابن قضاعة قحطاني، وأمها ضرية بنت ربيعة بن نزار عدنانية، فقد غرست هذه المصاهرة الاولى بذور التقارب بين العربين، وجلبت التعاطف بينهما، وخففت من حدة الاختلاف المتولد عن عدم الاتحاد في الروابط الثلاثة: الاصل والبيئة والنزعة، وانها لعوامل كفيلة ببذر التفرق وبقاء التنازع واشتعال نار الفوضى المؤذنة بعدم الاستقرار واستتباب الامن بينهم بعد ضرب قبابهم حيث ينتجعون فلو لم يدفعها هذا التصاهر بيد الحنان والتحاب لقضى على العربين في حياتهم الفطرية الاولى، على أنه عرف من شيم العرب قديماً الالتفات في الزوج إلى الغربات، اعتقاداً من العرب وراء الاعتزاز بالعصبيات للبعداء أنه يثمر النجابة والكياسة في النسل، وحقاً إنها نظرة صائبة أقرها الدين الحنيف بعد، فقد قال
ــــــــــ
(1) لروض الانف ص 61
/ صحفة 275 /
صلى الله عليه وسلم: ((اغتربوا لا تُضووا)) وعن أبي مُليكة أن عمر قال: يا بني السائب إنكم قد أضويتم فانكحوا في التزائع(1).
هذا وقد كانت ضرية العدنانية مجدودة نالت نصيباً وافراً من المجد في شخصيتها فتألق نجمها، ودوى اسمها في التاريخ بنسبة حماها إليها، كما سنقص فيما يأتي إن حان الاوان.
فخندف في نباهة شأنها صورة صادقة لنباهة شأن أمها ضرية، وإن اختلف نسباهما، كما اختلف نسبا زوجيهما، فهما صورتان تمثلان التفارض والتبادل بين العربين، فالزوج الأول (عمران) قحطاني، والثاني (اليأس) عدناني، والزوج الأولى (ضرية) عدنانية، والثانية (خندف) قحطانية.
وإنها اتفاقية تسوق إلى النفس التعجب والاستغراب ثم الاطمئنان والرضا في استحسان الاخذ والاعطاء.
وأذ انجر الحديث إلى ضرية فيحسن أن نذكر نبذه عنها مع زوجها عمران، نشير فيها إلى ما أنجبا من أولاد جمعوا بين العظامية والعصامية، وإلى ما أضيف إليها من القرية المسماة باسم (ضرية) وحماها المنسوب إليها على مر الاحقاب، وكان مراداً للرواة والعلماء والادباء يهبطون إليه فيستمعون من العرب الخلص الملبين به، وينقلون عنهم مستشهدين بحديثهم ومحاوراتهم ومصطلحاتهم في مرافقهم إذ كان ذلك حين كانت سليقتهم سليمة نقية من أدران اللغات الاخرى على اختلاف صورها وألوانها.
ولست أرى ذلك إكثاراً لم يَحل بطائل، فإن الحديث وإن كان متجهاً إلى خندف أولا مع اعتباره مقدمة لنتيجة أخرى، فالحديث عن أمها مع أبيها وبنيهما
ــــــــــ
(1) ضوى الرجل: ولد له ولد ضاو أي ضعيف، والمراد الحث على الزواج في البعاد الانساب، والنزائع جمع نزيعة، وهي المرأة تزوج في غير عشيرتها. راجع عيون الاخبار (كتاب النساء) ج 4 ص 3
/ صحفة 276 /
بعد مقدمة للمقدمة، فكان بمثابة (أساس الاساس). وكلما كان الاساس عميقاً كان أحكم وأقوى.
عمران _ ضرية:
عمران بن الحاف بن قضاعة قحطاني، وضرية بنت ربيعة بن نزار عدنانية، جمعتهما المشيئة الالهية؛ مع تباعد العنصرين؛ في بيت واحد تحت سقف واحد، فتفرع منهما أبناء يتسامى الاصل بانطوائهم تحت رايته، إذ كان منهم (حلوان وخندف) وناهيك بهذين الولدين فلهما المنزلة الكبرى في تقدير التاريخ القديم، فقد سجل اسميهما في صفحات الخلود بما سطره من آثارهما المشهورة، وسيكون الحديث عنهما بعد الفراغ من المقال عن أمهما ضرية بالطبع، ومن هذا ترى توافر الاسباب والدواعي إلى تقدير مكانة ضرية: كرم نجار في الاصل، ونجابة في الفرع بينهما شخصيتها التي أوحت إلى ذويها وأجبرتهم على إلماع اسمها في تسمية القرية التي نزلوا فيها باسمها، وإضافة ما حولها من الحمي إليها، مع بقاء هذا الفخر في الخلف بعد السلف جيلا بعد جيل، ولهذا يترتب الكلام في الموضوع بذكر ما يتصل بضرية أولا، وإردافه بالكلام على أبنيها: حلوان وخندف، فدونك كلمه عن ضرية:
ضرية:
يتردد هذا الاسم بين العلماء: رواة وشعراء وأدباء، بفضل نسبة حماها إليها كما أسلفنا، ومرجع التسمية والإضافة تكّفل به علماء اللغة وتقويم البلدان.
فأما علماء اللغة فيقول ابن منظور في اللسان مادة (ضرا): ((ابن السكيت الشرف كبد نجد، وكانت منازل الملوك من بني آكل المرار، وفيها اليوم حمى ضرية، وفي حديث عثمان كان الحمي: حمى ضرية على عهده ستة أميال، وضرية امرأة سمى الموضوع بها، وهو بأرض نجد)) ويقول المجد في القاموس مادة (الشرف): ((الشرف جبل قرب جبل شريف، وشريف أعلى جبل ببلاد العرب وقد صعدته وفي الشرف حمى ضرية والربذة)).
وأما علماء تقويم البلدان فيقول ياقوت في معجم البلدان (ضرية): ((ضَرية)) بالفتح ثم الكسر وياء مشددة، وهي قرية عامرة قديمة على وجه الدهر في طريق مكة من البصرة من نجد...
وقال ابن الكلبي: سميت ضرية، بضرية بنت ربيعة بن نزار وهي أم حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة هذا قول السكوني...
وقال أبو محمد الحسن بن أحمد الهمداني أم خولان وإخوته بنو عمرو بن الحاف ابن قضاعة، ضرية بنت ربيعة بن نزار، وفي ذلك يقول المقدام بن زيد سيد بني حي بن خولان:
نمتنا إلى عمرو عروقٌ كريمةٌ ***** وخَولانُ معقودُ المكارم والحمد
أبونا سما في بيت فرعى قضاعة ***** له البيت منها في الأرومة والعد
وأمي ذات الخير بنت ربيعة ***** ضرية من عيص السماحة والمجد
غذتنا تبوك من سلالة قيذَر ***** بخير لبان إذ ترشح في العهد
فنحن بنوها من أعز بنيَّةً ***** وأخوالنا من خير عود ومن زند
وأعمامنا أهل الرياسة حميرٌ ***** فأكرم بأعمام تعود إلى جد
ثم استطرد ياقوت (فيما نقل: وماء ضرية عذب طيب... قال بعضهم:
ألا يا حبذا لبن الحلابا بماء ضرية العذب الزلالا)
ثم نقل عن الاصمعي بعض ما رأى فيها من أحاديث شهية، واطراء ساكنيها لها واغتباطهم بتوطنها.
ويقول في (الحمى): الحمى بالكسر والقصر وأصله في اللغة الموضع فيه كلأ يحمي من الناس أن يرعوه... وقال الاعصمي: الحمى حميان حمى ضرية وحمى الرِّبذَة، قال المؤلف: ووجدت أنا حمى فَيد وحمى النير وحمى ذي الشرى وحمى النقيع.. فأما حمى ضرية فهو أشهرها وأسيرها ذكرا، وهو كان حمى كليب بن وائل فيما يزعم لي بعض أهل بادية طيء، قال ذلك مشهور عندنا بالبادية يرويه كابرنا عن كابرنا... قال وفي ناحية منه قبر كليب معروف أيضاً إلى اليوم وهو سهل
/ صحفة 278 /
الموطيء كثير الخلة وأرضه صلبة ونباته مسمنة، وبه كانت ترعى إبل الملوك... وللعرب في الحمى أشعار كثيراً ما يعنون بها حمى ضرية، قال أعرابي:
ومن يك لم يغرض فإني وناقتي ***** بحجر إلى أهل الحمى غرضان
أليفاً هوى مثلان في سر بيننا ***** ولكننا في الجهر مختلفان
تحِنُ فتبدى ما بها من صبابة ***** وأخفى الذي لو لا الاُّسى لقضاني(1)
وقال أعرابي آخر:
خليلي ما في العيش عيب لو اننا ***** وجدنا لايام الحمى من يعيدها
ليالي أثواب الصبا جُددُ لنا ***** فقد أبهجت هذى عليها جديدها
ا هـ ياقوت بنصة مع حذف فقط دون تغيير أو إضافة:
تحرى ياقوت:
كثر ما سمعت من أفواه مشايخي عن نقلهم نصوصا من ياقوت أنه ثبت محرر، فيجتزئون بالنقل عنه ولا يفتشون لتوثق عن مرجع آخر وراءه ثقة منهم بضبطه وسعة اطلاعه، ومما يؤيد صدق هذه العقيدة جودة نقله للاّبيات الثلاثة الاولى في الحمى، فإن الاخفش الصغير في تحشيته على كامل المبرد استبدل بالبيت الثاني من الثلاثة بيتاً من آخر ليس من قصيدتها البتة وهو:
هوى ناقتي خلفي وقدامى الهوى ***** وإني وإياها لمختلفان
والذي أدخل على الاخفش هذا التخليط هو الاتحاد في القافية النونية بينهما، واتفاق الشاعرين في الشكوى مع الناقة، إذ أن هذا البيت من قصيدة أخرى معروفة بنسبتها إلى عروة بن حزام العذري، أما الابيات الثلاثة فمن قصيدة لاعرابي
ــــــــــ
(1) لم يغرض: لم يشتق، حجر: قصبة اليمامة، غرضان: مشتاقان، الحمي: حمي ضرية، الاسي بضم الهمزة: جمع أسوة، وهي ما يتأسى به الحزين، وقضائي: أي قصى على، فحذف الجار واتصل الضمير على الاتساع، والابيات مشروحة في الكامل مع رغبة الامل ج 1 ص 134
/ صحفة 279 /
من كلاب، ولا يمت البيت المذكور لها بصلة أبداً، فهذه فطنة وحسنة تعد لياقوت، وهناك أمثلة أخرى فيما أذكر لا يسمح الاستطراد بالتعرض لها.
على أن النظرة الفاحصة تبين لنا الثغرة من جهة المعنى بين بيت عروة إذا وضع كما زعم الاخفش وبين البيتين: ما قبله وما بعده بقطع النظر عن الرواية التي هي الاساس، ذلك أن ناقة الاعرابي الكلابي متحدة معه في الاستشراف إلى موطن حبيبيهما (الحمى) كما يصرح في البيت الاول، وناقة الغذري الذي هواه عراقي متلفتة إلى حيث حل حبيبها في اليمن على حد ما يقول القائل.
وهل ريبة في أن تحن نجيبة ***** إلى إلفها أو أن يحن نجيب
فلكل منهما وجهة هو موليها، فكيف يستساغ التحشية ببيت الاخفش وفيه الاعلان باختلاف جهتي الهوى بعد التصريح في البيت الاول من الثلاثة أنه وناقته غرضان معا للحمى، ويزيد ذلك وضوحا قول الاعرابي الكلابي بعد الابيات الثلاثة:
فيا كبدينا أجملا قد وجدتما ***** بأهل الحمى ما لم يجد كبدان
إذا كبدانا خافتا وشك نية ***** وعاجل بين ظلتا تجبان(1)
أما بيت عروة المخلوط بالبيتين خطأ فإنه إذا سلك في سمط الابيات التي معه من قصيدته في الشكوى منه ومن ناقته يبدو انسجامه واضحا واقتضاء ما قبله وما بعده له، ولهذا أرى لزما ذكره معها حتى لا تبقى خلجة شك في توجيه هذا النقد القريب، قال عروة بن حزام العذري:
فياليت كل اثنين بينهما هوى ***** من الناس والانعام يلتقيان
فيقضى حبيب من حبيب لبانة ***** ويرعاهما ربى فلا يريان
هوى ناقتي خلفي وقدامي الهوى ***** وإني وإياها لمختلفان
ــــــــــ
(1) فيا كبدينا: يخاطب كبده وكبد ناقته، أجملا: تأنيا واعتدلا، وجدتما: اشتد حبكما، وشك نية: سرعة البعد، تجبان: تضطربان. والبيتان مشروحان في الكامل مع الرغبه، الموضع السابق.
/ صحفة 280 /
هواى عراقي وتثنى زمامها ***** لبرق إذا لاح النجوم يمان
إن عروة كان صبا كلفا بعفراء استولى حبها على فؤاده صغيراً، وحيل بينهما كبيراً، فهام في سبيل رؤية محياها، واحتسب عمره في لقياها، فليس له أمسل في الدنيا سواها، فمما عزى إليه:
يا رب يا رباه أياك أسل ***** عفراء يا رباه من قبل الاجل
فإن عفراء من الدنيا الامل
موازنة بين العاشقين، العذري والكلابي:
يتفق العاشقان في الحنين إلى الحبيب بعد الاغتراب وطول النوى كلما دعا داعي الهوى، وفي الاشفاق على الناقة المسعفة لهما كلما جد المسير وتلفتت الناقة صوب ما ألفت من المراتع والمرابض، فكل من الغزلين والناقة متلهف ومتشوق، ونار الحب في الكبد مستعرة. ويختلفان في شأن ناقتيهما، فناقة الكلابي عرضة لحمى ضريه، كما أنه عرض له، لكنها باحت بوجدها ولم تطق كتمانه من فرط ما بها، أما هو فتجلد متأسياً بغيره من المتيمين الكاتمين حتى لا يشمت به العذول، وإلى التأسي يلجأ الحزين فيسرى عن نفسه فيما ينتابه ويحيا حياة الوادع، وصدق القائل:
ولو لا الأُسى ما عشت في الناس ساعة ***** ولكن إذا ما شتت جاوبني مثلي
أما ناقة الغذري فهواها يمني وهواه عراقي، وشتان ما بين الحبيبين، ولذا تمنى أن يظفر كل منهما بمناه فيلقى حبه ويقضي منه لبانته بعيدين عن الرقباء، كما تمنى ابن قيس الرقيات.
ليتني ألقى رقية في ***** خلوة من غير ما أنَسِ
كي لتقضيني رقية ما ***** وعدتني غير مختلس
/ صحفة 281 /
فالتشابه بين الشاعرين في اتخاذهما الناقة وسيلة لبث الشكوى فقط، وناقة الكلابي عميدة معه من أهل الحمى، وناقة العذرى العراقي يهيجها البرق اليماني.
ومن هذا يتبين أنه لا يقبل التداخل بين القصيدتين في أي بيت منهما، فإن كلتا القصيدتين تصور حالة خاصة آخذة حجزها بحجز بعض حتى تستكمل الهدف الذي يسدد إليه العاشق على وفق تصويره.
وإذا امتد الاسترسال في التفخيم من قدر ضرية إلى التعرض لشيء من الشعر المذكور في حماها وفاء لما وعدنا به _ مع أنه كان في الظن استكمال الحديث عن ابنيها النبهين: حلوان وخندف _ فإنا نرجى الحديث عنهما إلى مقال آخر.
ونختم الموضوع بكلمة يتبين منها أن الحمى كان مضرب الاقبية للأعراب الخلص، ويممه الرواة والعلماء ينقلون عنهم حفاظاً للغة العربية أيام الرواة، ولو لا تجشم هؤلاء الغُير على لغتهم: لغة الدين والقرآن لتمزقت أوصالها، واشتبهت معالمها، ونضع بين يديك كلمه مما فاه بها بعض أولئك الاعلام كنموذج تتمثل فيه واقع الحال في الحمى إبان جولات النقلة للغة في ميادين أسرة الجزيرة العربية وما يتاخمها من الجهات الدانية منها المتيقن فيها أن لغاتهم لم يتسرب إليها لوثة الامصار الاعجمية.
يقول الاصمعي: ((سمعت صبية بحمى ضرية يتراجزون فوقفت وصدوني عن حاجتي، وأقبلت أكتب ما أسمع، فأقبل شيخ فقال: اتكتب كلام هؤلاء الاقزام الادناع؟))(1)
لم تغير الايام _ وهي ذات غير على كر الغداة ومر العشى _ معالم الحمى، فلبث يتردد اسمه في الجاهلية والاسلام، حتى عهد ابن السكيت المتوفى سنة 244 هـ، إذ يقول: كما سلف لك فيما نقل عنه ابن منظور في اللسان: ((وفيها اليوم حمي ضرية))؟
ــــــــــ
(1) راجع المزهر النوع السادس. الأقزام: القصار، والادناع: السفلة.