/ صحفة 291 /

أصلح المواقف في الفتن

لفضيلة الاستاذ الشيخ عبد المتعال الصعيدي

الاستاذ بكلية اللغة العربية

اختلف الآراء فيما يفعل في الفتن اختلافا كبيرا، ولابد من بيان أحسنها في حسم الفتن، حتى لا تؤدي إلى قصم وحدة المسلمين، ولا يترتب عليها تفريق كلمتهم، بعد أن جمع الله بينهم بالاسلام، وجعلهم به أمة واحدة، لا يفرق بينها الاختلاف في الرأي، ولا يفصم وحدتها تعدد المذاهب، ما دامت متفقة في أصول الاسلام، قائمة على قواعده وأركانه.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

((ستكون بعدي فتنٌ الناتم فيها خير من المضجع، والمضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد فيها ملجأ أو معاذاً فليعُذ به))، وفي رواية((فإذا نزلت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، وذكر الغنم الأرض، قال رجل: يا رسول الله، أرأيت من لم يكن له؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج أن استطاع)).

وقد اختلف السلف في هذا الحديث اختلافاً كبيراً، فذهب بعضهم إلى أن المراد بالفتنة ما ينشأ من الاختلاف في طلب الملك حيث لا يعلم المحق من المبطل، فإذا لم يعلم ذلك وجب اعزالها عملا بهذا الحديث، لأن الغرض منه التحذير من الفتنة، والحث على اجتناب الدخول فيها، وان شرها يكون بحسب التعلق بها،

/ صحفة 292 /

فإذا علم فيها المحق من المبطل وجب الوقوف فيها بجانب المحق، ولا ضرر حينئذ من الدخول فيها، لانه لنصرة الحق وإزهاق الباطل، ومثل هذا يجب القيام به، ولا يدخل في الاشتغال بالفتن المنهى عنه.

وحمل بعضهم التحذير من الاشتغال بالفتن على العموم، حتى عند علم المحق من المبطل، ومنهم الذين قعدوا عن القتال الذي كان بين علي ومعاوية، كسعد ابن أبي وقاص، وعبدالله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأبي بكرة، وكثير غيرهم من الصحابة، وقد أرسل معاوية إلى سعد يتنصرة، فأجابه بهذه الابيات:

معاويَ داؤك الداء العياءُ ****** وليس لما تجيء به دواءُ

أيدعوني أبو حسن عليٌ ****** فلم أردد عليه ما يشاء

وقلت له أعطني سيفاً قصيراً ****** تميز به العداوة والولاء

أتطمع في الذي أعيا عليا ****** على ما قد طمعت به العفاء

ليومٌ منه خير منك حيا ****** وميتا أنت للمرء الفداء

ثم اختلف هؤلاء الذين آثروا اعتزال الفتن، فقال بعضهم بلزوم البيوت من غير مفارقة للبلد الذي وقعت فيه، وقال بعضهم بالتحول عن بلدها. ثم اختلفوا بعد هذا خلافاً آخر، فقال بعضهم: إذا هجم عليه شيء من ذلك يكف يده ولو قُتِل. وقال بعضهم: بل يدافع عن نفسه وعن ماله وعن أهله، وهو معذور إن قتل أو قُتِل.

وقال آخرون: إذا بغت طائفة على الامام، فامتنعت من الواجب عليها، ونصبيت الحرب، وجب قتالها، وكذلك لو تحاربت طائفتان وجب على كل قادر الاخذ على يد المخطيء ونصر المصيب، وهذا هو قول الجمهور. وفصل آخرون فقالوا: كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لا إمام للجماعة، فالقتال حينئذ ممنوع، وتنزل الاحاديث الواردة في النهي عن القتال في الفتن على ذلك، وهو قول الاوزاعي، فلزوم الجماعة في الفتن هو الواجب عند الجمهور، فيجب اتباعها عندهم في الفتن ولو اجتمعت على أئمة الجور)) وقد اختلفوا في المراد بالجماعة،

/ صحفة 293 /

فالاكثر على أن المراد بها سواد الاعظم من المسلمين في أي زمن كانوا، وقال قوم: المراد بهم أهل العلم، لان الله جعلهم حجة على الخلق، والناس تبع لهم في أمر الدين، وقد استدلوا على هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان في سؤاله عما يفعله إذا أدرك الفتن ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)) فقال حذيفة: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام. فقال له ((فاعتزال تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) وقد استدلوا على مذهبهم في أئمة الجور بما رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ((من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية)).

وذهب آخرون إلى أن أحاديث اعتزال الفتن وردت في حق ناس مخصوصين وهم الذين خوطبوا بها من أصحاب النبي صلى عليه وسلم، فكان اعتزالهم الفتن رخصة منه لهم، فلا يشاركهم فيها غيرهم، لأن الرخص لا يقاس عليها، وإنما هي خاصة بمن رخص له فيها.

وذهب آخرون إلى أن أحاديث النهي عن القتال في ذلك مخصوصة بآخر الزمان، إذ يحصل التحقق بأن المقاتلة إنما هي في طلب الملك لاغير، وقد استدلوا على هذا بما وقع في حديث من ذلك عن ابن مسعود ((قلت: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: أيام الهرج. قلت: ومتى؟ قال: حين لا يأمن الرجل جليسه)) وهؤلاء يرون أن القتال الذي وقع بين الصحابة لم يكن في طلب الملك، وإنما كان في سبيل الدين، وكان لكل منهم رأيه فيه، فلا شيء عليهم فيما وقع منهم من قتال، لأنهم كانوا مجتهدين فيه، والمجتهد إن أصاب فهو مأجور، وإن اخطأ فهو معذور.

ولكن بعض من اعتزل ذلك من الصحابة كان لا يرى في قتالهم هذا الرأي، وقد روي عن سعيد بن جبير قال: خرج علينا عبد الله بن عمر فرجونا أن يحدثنا حديثاً حسناً، قال: فبادرنا إليه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، حدثنا عن القتال في الفتن، والله يقول: ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة)) فقال: هل تدري ما الفتنة

/ صحفة 294 /

ثكلتك أمك، إنما كان محمد صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنة، وليس كقتالكم على الملك.

وكان عبد الله بن عمر يبالغ فيما يراه من ذلك مبالغة غير مقبولة، حتى إنه لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع حشمه وولده وقال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة، وإنا قد بايعنا هذا الرجل _ يعني يزيد _ على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله، ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا تابع في هذا الامر إلا كانت الفيصل بيني وبينه، وروي عنه أيضاً أنه قال: ما وجدت في نفسي في شيء من أمر هذه الامة ما وجدت في نفسي أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية، فقيل له: ومن ترى الفئة الباغية؟ قال: ابن الزبير بغى على هؤلاء القوم _ يعني بني أميه _ فأخرجهم من ديارهم، ونكث عهدهم.

ولا شك أن عبد الله بن عمر يكاد يخرج بهذا من الطائفة التي رأت اعتزال الفتنة حتى مع العلم بالمحق والمبطل، وليته حين انحرف في هذا عن رأيه لم يؤثر بني أمية الذين سنوا في الاسلام أخذ الامارة فيه بالقوة، وآثروا فيها سياسة الاستبداد على الشورى، فكانوا قدوة لغيرهم في هذه السنة السيئة، حتى تتابعت الدول الإسلامية عليها بعد ذهاب دولتهم، فأذلت المسلمين وأرهقتهم، وعلمتهم النفاق وأضعفت نفوسهم، حتى استكانوا لكل مستبد ظالم، بل حسنوا له الاستبداد والظلم، حتى نسوا حكم الشورى العادل، إلى ان عرفوا فضله في هذا العصر الحديث، وكان الفضل في ذلك لاتصالهم بأهل أوربا في هذا العصر، ولكنهم لم يعرفوا فضله إلا بعد أن ذهبت قوتهم، وفسدت نفوس خاصتهم وعامتهم، فلم يمكنهم الوصول إليه بسهولة، بل أوقعهم في فتن ومشاكل أدت إلى ضياع بلادهم، فوقعوا في حكم أجنبي جائر، وانثفلوا من شيء إلى أسوأ، ولا يدري ألا الله تعالى متى يتخلصون من حكم أولئك الاجانب فيهم، وكل هذا بسبب بني أمية الذين ينتصر عبد الله بن عمر لهم، لانه كان نتيجة حتمية لذلك السنة السيئة التي سنوها في حكم المسلمين.

/ صحفة 295 /

ولعل مثل هذا من عبد الله بن عمر هو الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يرخص له ولأمثاله في اعتزال الفتن، لأنهم بلغ من كراهتهم لها أن ساووا فيها بين المحق والمبطل، فيخشى عليهم إذا اشتركوا فيها أن يؤثر عليهم المبطل فيضمهم إلى جانبه، ويروا فيه ما رأى عبد الله بن عمر في بني أمية أنهم كانوا أصحاب بيعة، مع أنها كانت بيعة باطلة أخذت بالقوة، ولم تؤخذ بالشورى التي لا تصح بيعة إلا بها، لأنها تكون مأخوذة برضا المسلمين واختيارهم، ولا شك أنهم أصحاب الحق فيمن يولونه عليهم، فيجب أن تكون ولايته عليهم برضاهم واختيارهم، وبهذا كان الاسلم لعبد الله بن عمر وأمثاله في دينهم اعتزال تلك الفتن، وكان هذا رخصة لهم لا يشاركهم فيها غيرهم، وقد سبق أن هذا كان رأى طائفة من العلماء فيهم.

والحقيقة أن الفتن يجب أن يجرى فيها ما هو الاصل في كل منكر، وهو قوله صلى الله عليه وسلم ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، وذلك اضعف الايمان)) فيجب أن يجرى هذا الاصل في أسباب الفتن، من المنكرات التي تحمل بعض الناس على إثارتها، وفي نفس الفتن بعد قيامها، فلا يسوى فيها بين المحق والمبطل، بل تجب مساعدة المحق على المبطل باليد أو باللسان أو بالقلب على ماجاء في تغيير المنكر في الحديث السابق.

ولكن يجب أن يلاحظ أن الحديث لم يأت فيه تغيير المنكر بالسيف والقوة، (؟) وإنما أتى فيه تغيير المنكر باليد واللسان والقلب، لما في استعمال السيف والقوة في تغيير المنكر من الخطر، لأنه هو الذي يدعدوا إلى إقامة الفتن بين المسلمين، وإلى تقسيمهم إلى فرق يقتل بعضها بعضا، وهذا أشد خطراً من المنكر الذي تقوم الفتن من أجله، وإنما تغيير المنكر باليد أن ترى شخصاً يحاول قتل آخر فتدفعه عنه، أو يحاول الزنا بامرأة فتحول بينه وبينها، مستعملا في هذا ما يجب من الحكمة في دفع الشر، حتى لا يؤدي دفعه إلى شر أشد منه.

/ صحفة 296 /

أما استعمال السيف والقوة في تغيير المنكر، فإن كان من أفراد الرعية فهو اغتصاب لسلطة الحاكم، وفيه من الفوضى ما يؤدي إلى ضرر أشد من المنكر الذي يراد تغييره به، وإن كان من الحاكم هو انحراف عما سنه الاسلام في الحكم، لان المنكر إن كان من أفراد خاضعين للحكم، فلهم عقوبات مقدرة في الشريعة يجب الاقتصار عليها، من إقامة حد فيما يجب فيه الحد، ومن أقامة تعزير فيما يجب فيه التعزير، ولا يصح تجاوز هذا إلى أخذ الرعية بالسيف، وقد كان لعمر ابن الخطاب في خلافته درة يستعملها في بعض المنكرات الصغيرة، وكانت عصا صغيرة لا تؤلم، وكان الناس يتقبلونها منه، ولا يرون فيها شيئا، ومع هذا لم يستعملها قبله أبو بكر، ولم يستعملها بعده عثمان بن عفان ولا علي بن أبي طالب، والقدوة بهم في هذا أحسن، ليكون لتأديب الرعية وسائله القضائية المعروفة، ولا يؤخذ أحد بمثل هذه الدرة التي كان عمر يحسن استعمالها، لأن غيره قد يسيء استعمالها في الرعية، وقد يتجاوزها إلى السوط وإلى ما هو أشد منه بطشا.

أما إذا كان المنكر من أفراد خارجين على سلطة الحكم، فإنه يجب على الحاكم أن يكف عن استعمال السيف معهم في أول الامر، بل يأخذهم بوسائل الاقناع، ويحاول أحضاعهم للحكم بالتي هي أحسن، ولا يأخذهم بالسيف إلا إذا استعملوه في خروجهم عليه، وهذه كانت سنة علي بن أبي طالب فيمن خرج عليه في خلافته، فقد أخذهم أولا بوسائل الاقناع، فلما استعملوا السيف أخذهم به.

وحينئذ يمكننا أن نحكم بأن أصلح المواقف من يقف مع المحق فيها، فمن يعلم المحق فيها من المبطل يجب عليه أن يقف بجانب المحق، ومن لا يعلم المحق فيها من المبطل يجب عليه أن يجتهد حتى يعلم ذلك، ولا يصح أن يتوقف في ذلك الامر، لان من يطلب الحق يصل إليه إذا أخلص النية، ولم يحجبه عن الوصول إليه غرض من الاغراض، ولا شك أن الانضمام إلى المحق في الفتن هو السبيل الوحيد للقضاء عليها، وإلى جمع كلمة الامة بعد افراقها، أما اعزالها والتردد في شأنها فإنه يؤدي إلى استفحالها، بل قد يؤدي إلى انتصار المبطل فيها، كما حصل في الفتن الاولى التي حدثت بين المسلمين، فقد أدى التردد فيها

/ صحفة 297 /

إلى انتهاء الحكم الذي يقوم على أساس الشورى، وقام بعده ذلك الملك العضوض، فأدى إلى ما أدى إليه في أمر المسلمين.

ولا يلزم بعد هذا أن يكون الحق في جانب الجماعة وإمامها، ولا سيما إذا كان إمامها إماماً جائزاً، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بلزوم الجماعة في الفتن، وإذا كان ابن عباس قد روي عنه ((من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإن من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية)) فإن أمره بلزوم هذه الجماعة وإمامها يراعي فيه ناحية السياسة لا الدين، لأن هذه الجماعة وإمامها الجائر إثمان من الناحية الدينية، فإثم الامام لجوره، وإثمها لسكوتها عنه، لانها يمكنها مجتمعة أن تتخلص منه، فتكون مقصرة في سكوتها عنه، ولكن إذا كان سكوتها عنه خوفاً من تفريق الكلمة، فإن هذا قد تعذر به أو يخفف به شيء من إتمها.

على ان النبي صلى الله عليه وسلم قد يريد من هذا منع الافراد من الخروج بالسيف على السلطان القائم عنى كراهة شيء منه، ولا يريد منعهم من السعي في تغيير ما يرونه منكراً بوسائل سلمية من وسائل تغيير المنكر، كوعظ السلطان القائم ونقد ما يكوهونه من أمره، ويجب أن يتلطقوا في ذلك ويسلكوا الوسائل التي تدل على حسن القصد، وإرادة الخير للأمة، بل للسلطان القائم، فلا يكون فيه شيء من وسائل التشهير، ولا شيء من سوء القصد، حتى لا يكون لأحد سبيل للانتقال منهم، لانهم حينئذ يكونون قائمين بواجب ديني لا يكون لاحد سبيل عليه فيه.

وهذا هو المتبع الآن في الحكومات المدنية الحديثة، فإنها تتيح لرعاياها حرية النقد لسياستها، فتقوم بنقدها في الصحافة وغيرها من الوسائل الحديثة، وتعرف لحكوماتها ما تبيحه لها من حرية النقد، فلا تجاوز فيه حد الاعتدال، ولا تقصد به شيئاً من التشهير، ولا تتخذه وسيلة لاثارة الفتن، وبهذا استقام الحكم فيها، ووصل إلى حد الثبات والاستقرار، فارتاح الحاكم والمحكوم من الفتن والاضطرابات، وسار في طريق الامن إلى أحسن الغايات.