/ صحفة 298 /

الحديث والرأي عند الحنفية

لحضرة صاحب الفضلية الشيخ عبد العظيم الروبي

الاستاذ في كلية الشريعة

سلف المجتهدين وخلفهم _ دعوى على الحنفية _ تحليل الدعوى _ تعريف الرأي وتقسيمه _ ذم الباطل من الرأي _ الاقتصاد في المشتبه بين الصحيح والباطل _ الرأي الصحيح _ مراتبه _ الاستدلال على الاخذ به _ متى يأخذ الحنيفة بالرأي _ الشواهد على تقديم الحديث عندهم على الرأي والقياس _ نتيجة البحث.

ألا شك أن الائمة الاولين من الفقهاء المجتهدين الذين طبقت شهرتهم الآفاق، وأصحابهم الذين لازموهم وفرغوا لهم، كانوا خيراً ممن جاءوا بعدهم، واقتفوا آثارهم، لقرب عهدهم بالتابعين رضي الله عنهم أجمعين، فقد نهلوا من ورد مائهم، وعلّوا من عذب فراتهم ما أروى نفوسهم، ونقع غلتهم، وشرح صدورهم لما شرع الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبذلك كان فقههم وتخريجهم وعملهم زاداً وذخراً لهذه الحياة الاسلامية السامية، وعدة ومدداً لتلك القوة الروحية الواعية، ولسوف يتطاول على الزمان ما وضعوا، ويخلد فيه ما أسسوا وجمعوا، إلى أن يرث الله الارض ومن عليها وهو خير الوارثين.

وفضل هؤلاء المجتهدين الاعلام ومن خلفهم إنما كان لقوة اعتصامهم بالله تعالى واقتدائهم برسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وشدة استمساكهم بدينه وهديه وشريعته، فكانوا قادة الفكر الاسلامي في عصرهم الزاهي الزاخر بألوان الخير والسعادة، بل قل قادة الفكر في العصور كلها إلى ان تقوم الساعة، كما كانوا مصدراً لمعرفة التشريع القويم القوى المتين المحكم الذي لا يختل نظامه ولا تزلزل

/ صحفة 299 /

دعائمه وأركانه، لانه شرع صالحا لكل زمان ومكان، وإن سفه المكابرون وحجد المبطلون، وقد من الله عليهم فآتاهم من مواهب فضله وخزائن حكمته ما أشرقت به أقطار الدنيا بأسرها، شرقها وغربها، شمالها وجنوبها، فسعد به الناس في دنياهم وآخرتهم. وهؤلاء الاخيار كان بينهم من حسن الثقة والاخاء، وتبادل المودة والولاء، ما يتناسب مع سمو رسالتهم، ويتجاوب مع نماء عزتهم وقوتهم، وبقاء مجدهم ودولتهم، فلا تحاسد ولا تباغض ولا عصبية ولا عنجهية ولا جدال إلا بالتي هي أحسن، وقد حافظ أصحاب الفقه على هذه المبادء الكريمة أجيالا متعاقبة، فأبو حنيفة يروي عن مالك بن أنس ومحمد بن الحسن الشيباني يلازم مالكا ثلاث سنين، والشافعي يقول: أخذت من محمد وقر بعير من علم، وما رأيت رجلا سميناً أخف روحا منه، ومالك يعين الشافعي على نوائب الدهر. رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

ثم خلف من بعدهم خلف لم يسيروا على هذه المبادء وجعلوا الامر خصومة ولددا وكان من دعاوى بعضهم على الحنفية أنهم أصحاب الرأي يريدون بذلك أنهم يقدمون الرأي على حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيكون الرأي بزعمهم تابعاً للكتاب، سابقاً على الحديث في الحجة والبرهان، وسأناقش هذه الدعوى مناقشة علمية لا تحدى فيها ولا تعصب على أحد. ولنبدأ في تحليلها وتحريرها فنعرض أولا للكلام على الحديث والرأي.

أما الحديث وهو أقوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأفعاله وتقريراته، وفليس هناك ما يدعوا إلى شرحه وبسط القول فيه، لان أهل العلم عامة يعرفونه حق المعرفة، ويضعونه في المنزلة التي ينبغي أن تكون له، فلا يصح تقديم الرأي على الوحي، كما لا يصح تقديم الهوى على العقل، وأما الرأي فهو مصدر لرأي الشيٍء يراه ثم غلب استعماله في المرئي نفسه، وهو اسم المفعول، ولرأي مصدر ان آخران هما الرؤيا والرؤية. فالرأي فيما يعلم بالقلب بعد فكر وتأمل، وطلب

/ صحفة 300 /

لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الامارات والرؤيا في المنام خاصة، والرؤية للمبصرات وحدها. والتمييز بين هذه الثلاثة بحسب المحل فلا يلتبس أحدها بالآخرين في الاستعمال. والرأي ثلاثة أضرب: رأي باطل بلا شك، ورأي صحيح بلا شك، ورأي هو موضع الاشتباه بين هذا وذاك، فالباطل ذمه السلف ومنعوا العمل والقضاء والفتيا به، وكفى تحقيراً للرأي الباطل، وزراية بأهله ما روى عن اثنى عشر صحابياً في مقدمقتهم الخلفاء الراشدون، كلهم كان يحتاط لدينه ويحذر نفسه وغيره من الاندفاع في الاجتهاد والسير وراء الرأي خشية الوقوع في مزالق الباطل ومهاويه، فيقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو على المنبر ((يأيها الناس إن الرأي إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيباً أن الله كان يريه وإنما هو منا الظن والتكلف)) يريد عمر رضي الله عنه قوله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) في سورة النساء: ((إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما)).

ويقول ابن عباس رضي الله عنه: إنما هو كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمن قال بعد ذلك برأيه فلا أدرى أفى حسناته يجد ذلك أم في سيئاته. ويقول سهل بن حنيف رضي الله عنه: أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم، ويقول عبد الله بن بن مسعود رضي الله عنه بعد أن تحدث عن ذهاب الفقهاء وانقراضهم: ثم يحدث قوم يقيسون الامور برأيهم فينهدم الاسلام ويثلم.

وما هو موضع الاشتباه بين الحق والباطل؟ إما أن يكون فيه بد فإن لم يكن منه بدّ يباح بهذه الضرورة كما تباح الميتة للمضطر من غير بغي ولا عدوان، وذلك كالفتوى بإباحة الشركة في الحيوان على الطريقة المعروفة عندنا، وكالقول بأن الطلاق لا يقع إلا في مواجهة الزوجة، وأما الرأي الصحيح وهو ما يدخل في صميم بحثنا الذي تصدينا له فيهمنا من الرأي المحمود الرأي الذي يفسر النصوص ويبين وجه الدلالة فيها ويسهل طريق الاستنباط منها، كرأي الصحابة رضي الله عنهم في القول عند تزاحم الفروض، ورأيهم في الحامل والمرضع

/ صحفة 301 /

إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا لكل يوم مسكينا، وكرأيهم في الكلالة أنها من لا ولد له ولا والد، ومنه كذلك الرأي الذي تواطأت عليه الامة وتلقَّاه خلفها عن سلفها، فإن ما تواطئوا عليه من الرأي لا يكون إلا صوابا. ولهذا كانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وليس فيها نص عن الله تعالى ولا عن رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع لها من الصحابة رضي الله عنهم من يعول عليهم في الفقه والرأي وجعلها شورى بينهم.

ومن الرأي المحمود أن يجتهد وينظر بعد أن يطلب الواقعة في الكتاب أو السنة فلا يجدها ويطلبها في عمل الخلفاء الراشدين وقضائهم أو عمل أحى من الصحابة رضي الله عنهم فلا يجدها، فقد قال الحميدي حدثنا سفيان حديثا الشيباني عن الشعبي، قال: كتب عمر إلى شريح إذا حضرك أمر لابد منه فانظرما في كتاب الله فاقض به، فإن لم يكن ففيما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يكن ففيما قضى به الصالحون وأئمة العدل، فإن لم يكن فأنت بالخيار فإن شئت أن تجتهد رأيك فاجتهد رأيك، وإن شئت تؤامرني، ولا أرى مؤامرتك إياي ألا خيراً لك والسلام. لم يأذن عمر رضي الله عنه لقاضيه في الاجتهاد والرأي الا بعد أن يتفقد الحكم في كتاب الله وقضاء رسوله وأصحابه الذين هم أئمة الهدى والعدل، مع أنه إنما اختاره عن كفاية وكياسة وبلاء وتجربة، فقد قال علي ابن الجعد أنبأنا شعبة عن سيار عن الشعبي قال: أخذ عمر فرساً من رجل على سوم فحمل عليه فعطب فخاصمه الرجل، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلا، فقال الرجل إني أرضي بشريح العراقي، فقال شريح: أخذته صحيحاً سليما فأنت له ضامن حتى ترده صحيحاًسليما، قال: فكأنه أعجبه، فبعثه قاضيا.

هذا والرأي بعد أن عرفناه بأركانه، وفصلناه بأقسامه، وشرحناه بأمثلته، لا يختص بالقياس ولا يرادفه، بل هو أعم منه وأشمل كما يفهم من عباراتهم واصطلاحهم ولا ينكر الحنفية أنهم يأخذون بالرأي، ويعولون عليه في العمل

/ صحفة 302 /

والقضاء والفتوى، كما يأخذ غيرهم من أهل الفقه والاجتهاد، ولكنهم يشترطون في الاخذ بالرأي ألا بتعارض مع حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن تعارض الحديث والرأي قدم الحديث وإن كان ضعيفاً على الرأي وإن بدا قويا.

وقد يقال: كيف يستدل الحنفية بالحديث الضعيف ووصفه مما يدعوا إلى تركه وعدم التعويل عليه في الاستدلال؟ ولكن الدارسين للحديث المشتغلين بالفقه يدركون الفرق بين اصطلاح السلف الاولين، واصطلاح الخلف المتأخرين، قإن ما يسميه الاوائل ضعيفاً قد يكون هو الحسن في اصطلاح المتأخرين لأنه تأئيد برواية أخرى أن روي من عدة طرق ظاهر بعضها بعضاً، فزال بذلك ضعفه واكتسب صفة الحسن التي تدنيه وتقربه من الصحة. ومن المعروف أن أصحاب أبي حنيفة مجمعون على أن الامام رضي الله عنه بني مذهبه على تقديم الضعيف على الرأي والقياس، وإليك أمثلة نستشهد بها على هذا المبدأ الذي التزمه.

1_ حديث القهقهة، وهو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ألا من ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة جميعاً. قدمه الحنفية مع ضعفه على القياس الذي يقضي بأنه لا ينقص الوضوء إلا الخارج النجس.

2_ حديث أبي فزارة عن أبي زيد عن ابن مسعود أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له ليلة الجن ما في إداوتك، قال نبيذ تمر قال ثمرة طيبة وماء طهور، وفي رواية الترمذي فتوضاً منه، أخذ به الحنفية مع ضعفه، وقدموه على الرأي والقياس فجوزوا الوضوء بنبيذ التمر في السفر لمن لم يجد الماء المطلق.

3_ حديث وائلة بن الاسفع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام. قدمه الحنفية على القياس الذي يفضي بان أقل الحيض ساعة.

4_ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعائشة رضي الله عنها: أغسليه رطبا وافركيه يابسا، خالف الحنفية به القياس الذي يقضي بأن النجس لا يطهر إلا بالغسل.

/ صحفة 303 /

5_ حديث إنما أطعمه الله وسقاه، تمسك به الحنفية فقالو إن من أكل أو شرب ناسياً لا يفطر مع انه مخالف للقياس لانه لا فرق بين أكل وأكل ولهذا قال مالك رضي الله عنه يفطر.

6_ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم).. من أدرك عرفة ليلا أو نهاراً فقد أدرك الحج. تمسك به الحنفيه فقالوا من وقف بعرفات ساعة من ليلة العيد فقد أدرك الحج، وهو مخالف للقياس لان الليلة تابعة لليوم الذي بعدها ولهذا قال مالك رضي الله عنه لا يكون مدركا للحج.

7_ حديث علي رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع أو في مدينة عظيمة قدمه الحنفية على القياس الذي لا يفرق بين المصر والقرية.

8_ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) من حديث عائشة: وتتزوج الحرة على الامة ولا تتزوج الامة على الحرة. أخذ به الحنفية وقدموه على القياس الذي يصحح زواج الامة على الحرة.

9_ حديث علي وعبد الله رضي الله عنهما أنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلقمة بن قيس قد حبس الله عليك ميراثها. بهذا تمسك الحنفية وقالوا إن المطلقة إذا حاضت واحدة ثم انقطع حيضها لا نقضي عدتها حتى تبلغ حد الاياس فتعتد بالاشهر.

هذه تسعة أحاديث سردناها في موطن الاستشهاد والاستدلال على ماذكرنا ولسنا في مجال الحصر والاستفصاء، وقد أخذ بها الحنفية وقدموها على الرأي والقياس مع ضعفها، وهناك غيرها مما يعد بالمئات لا بالعشرات، أفبعد ذلك يقال إن الحنفية من أهل الرأي، ويعرَّض بهم هذا التعريض؟

الحق أنهم من أهل الحديث حين يجدون الحديث صحيحه وضعيفه، ومن أهل الرأي حين يعوزهم الحديث يطلبونه فلا يجدونه وهو شرف وفخار لهم.