/ صحفة 311 /

الغزالي

في فلسفته الاخلاقية والصّوفية

لحضرة الكاتب الفاضل الدكتور محمد البهي

أستاذ الفلسفة في كلية اللغة العربية

مقدمة في الاخلاق كعلم:

قبل أن نعرض للعزالي كصاحب مذهب، أو تابع لمذهب أخلاقي _ يحسن بنا أن نشير إلى الاخلاق كعلم في صورته العامة، حتى يمكننا أن نحدد وضع العزالي كعالم أخلاقي وأن نفهمه بأسلوب على فيما عرضه من رأي، ووضعه من قانون يرسم به غاية العمل الانساني والمنهج الذي يحقق الغاية المرسومة والمصدر الذي صدر عنه فيما رأى ووضع من قانون.

الاخلاق كعلم مهمتها. وصف سلوك الانسان، ووضع المبادء التي تستخلص من سنن الحياة نفسها، وظروف الوجود والغايات والاهداف التي يمكن التطور إليها ورسم خطة العمل التي بها ينسجم الانسان مع هذه السنن والظروف والغايات التي هي المثل.

ولهذا يحاول علم الاخلاق أن يجيب على هذه الاسئلة (ا) أي شيء هو حسن؟ (ب) كيف يجب لعينا أن نعمل؟ (جـ) لماذا يجب علينا أن نعمل على هذا النحو دون ذلك؟

وعلم الاخلاق هو مجموعة من المذاهب التي تحاول الاجابة عن هذه الاسئلة وتعدد هذه المذاهب، أما حسب المصدر الذي يصدر عنه العالم الاخلاقي في رأيه.

/ صحفة 312 /

أو حسب الغاية التي يحددها للسلوك الانساني.

أو حسب الموضوع الذي يتعلق رأيه به إن كان الفرد أو الجماعة الانسانية كلها.

1_ فبحسب ((المصدر)) تتعدد المذاهب الاخلاقية إلى:

(ا) مذهب المغايرة والتبعية، وهو المذهب الذي لا يرى الانسان نفسه مصدراً لتحديد القيم الاخلاقية والسلوك الانساني، بل يربطه في ذلك بغيره، يربطه بالله، والاخلاق الدينية تقوم على هذا الاساس. لأن ما جاء فيها ليس مصدره الانسان نفسه بل مصدره رسالة الوحي، والانسان عندئذ ليس هو المفنن والواضع المبادء الخلقية والغاية الخلقية، وإنما غيره هو الذي وضع له هذه المبادء بعد أن حدد له الغاية.

(ب) مذهب الاستقلال وعدم وصاية الغير على الانسان في تحديد السلوك، وهو المذهب الذي يرى أن عقل الانسان كفيل بتحديد التصرفات وتحديد القيم الاخلاقية والغاية الخلقية. والانسان مستقل في هذا، وليس بحاجة إلى رسالة من وحي السماء. وأفلاطون وأرسطوا في فلسفتهما الاخلاقية أصدراً عن هذه النزعة الاستقلالية، وغضا النظر عن أية معرفة دينية _ وإن لم يسلما في واقع الأمر من التأثر في ذلك بعقيدة الإغريق الدينية _ ولكنهما اتجها على كل حال هذا الاتجاه الاستقلالي.

(جـ) مذهب الارادة وهو المذهب الذي يرى أن الارادة الانسانية هي التي تصبغ العمل الانساني بالصبغة الاخلاقية. فما يتفق مع الارادة القوية من الافعال كان في نفسه سلوكا فاضلا. وما يحقق هذه الارادة كان غاية خلقية. ومذهب الارادة هو المذهب الذي اعتنقه نيتشه وشوبن هور.

هذه بعض المذاهب الاخلاقية تختلف فيما بينهاحسب المصدر والمنبع الذي تنتزع منه نظرتها الاخلاقية.

/ صحفة 313 /

2_ وبحسب الغاية من العمل الانساني تتنوع المذاهب الاخلاقية إلى ما يأتي:

(ا) مذهب السعادة وهو المذهب الذي يجعل السعادة النفسية كباعث وكغاية لسعي الانسان وعمله.

(ب) ومذهب اللذة الحسية وهو الذي يوجه نشاط الانسان إلى تحصيل اللذة الحسية، عن طريق وصف هذا العمل الموصل إلى ذلك بالفضيلة والحسن، وواضعه أرستيب Arstip من مفكري الاغريق.

وقد تطور هذا المذهب إلى جعل الغاية من العمل الانساني((إبعاد الضيق والالم)) عن النفس الانسانية. وعارضه نيتشه في هذه الصورة الاخيرة بأن طلب أن تكون إرادة الانسان ليست وقفاً على هذا العمل السلبي، بل يجب أن تتجه إلى عمل إيجابي.

(جـ) ومذهب المنفعة وهو المذهب الذي يتخذ من خير الجماعة ومنفعة الفرد نفسه غاية لعمل الانسان. وشعاره: أكبر قسط من السعادة لأكبر عدد ممكن. ومن بناة هذا المذهب وقادته بينثام Bentham في القرن الثامن عشر، ومِيلّ Mill في القرن التاسع عشر.

(د) ومذهب الكمال، وهو المذهب الذي يحدد غاية العمل الخلقي في سعي الانسان ونشاطه بتوصيل الانسان نحو الكمال. ومن أصحابه ليبنيز Leibniz وكانت Kant، وشافتسبري Shaftesbury.

3_ وبحسب الموضوع الذي تتركز فيه النظرة الاخلاقية توجد المذاهب الاخلاقية الآتية:

(ا) مذهب الفرد أو الذات وهو المذهب الذي يصدر عن الاحساس ((بأنا)) والتفكير حول ((أنا)) نفسه، أي عن الغريزة الاصيلة في حفظ البقاء. فكل عمل من الانسان يوصل إلى حفظ بقائه هو عمل خلقي.

/ صحفة 314 /

(ب) ومذهب الجماعة وهو المذهب الاخلاقي الذي يتخذ من العدالة ومحبة الانسانية عامة غاية اخلاقية لسعي الفرد وعمله.

والآن في ضوء هذا التحديد للمذاهب الاخلاقية وهي مذاهب مختلفة وليست كلها مما يتفق ونظرة الدين الاخلاقية، يمكننا أن نتساءل: أين يوضع العزالي الآن بين هذه المذاهب أو من هذه المذاهب.

1_ ما هو المصدر الذي يصدر عنه في تحديد السلوك الانساني والمباديء الخلقية؟ أهو الدين، أم العقل، أم الارادة؟

2_ ما هي الغاية الخلقية عنده؟ أهي سعادة الانسان النفسية؟ أهي اللذة الحسية؟ أهي المنفعة؟ أهي الكمال الانساني؟.

3_ ما هو الموضوع الذي جعله محل نظرته الاخلاقية؟ أهو الفرد، أم الجماعة؟

4_ ما هي الوسيلة التي رآها كفيلة بتحقيق الغاية الخلقية عنده؟ أهي سلبية الانسان في الحياة ومحاولة التجرد والفرار منها؟ أهي إيجابية الانسان فيها، ومحاولة السيطرة عليها.

إن عرض الاخلاق عند الغزالي فى ضوء هذه الاسئلة يمهد السبيل للحكم عليه من عدة جهات , يمهد السبيل للحكم عليه فى موقفه من الدين – السلام , ومن طبيعه الحياة ومن الفكر الانسانى لو جمعنا آراء الغزالي الاخلاقية _ كما عرضها في كتاب الاحياء _ ووضعناها في إطار واحد، لبدا بينها عدم الانسجام، على الاقل في اعتبار المصدر، الذي وضح منه تلك الآراء، فمرة يعتمد على الشرع والعقل معاً في توضيح هذه الآراء، ومرة يعتمد على الشرع والالهام معاً ايضاً، ويلغي العقل في شرحها وبيانها حافظ على الشرع، ولكنه تردد بعد ذلك بين اعتبار العقل واعتبار الالهام والبصيرة، وكان لا بد أن يحافظ على الشرع دائماً لأنه عالم مسلم وامام مسلم، ثم بعد ذلك يقر العقل بجانبه، إن ألف الفكر الإغريقي واحتضن النظرة الافلاطونية أو النظرة

/ صحفة 315 /

الارسطية أو هما معا في تحديد القانون الاخلاقي، وقد نراه ينكر العقل وقيمته ويدير وجهه إلى النظرة الصوفية فيأخذ بما تراه مصدراً للمعرفة وهو الإلهام، بديلا عن العقل وهو الفكر الاغريقي في نظره.

الغزالي مردد بين إسلام وفكر إغريقي ونظره صوفية في آرائه الاخلاقية، الغزالي مردد هنا بين الوحي والعقل والالهام. وكلها مصادر مختلفة، وكثيراً ما يتقابل بعضها مع بعض أو يضاد بعضها بعضا الوحي لا يضاد طبيعة العقل كعقل، ولكنه قد يضاد عمل مفكر وقع تحت تأثير عوامل أخرى بعيدة عن اعتبار العقل الخالص والغزالي عند ما نقول أنه اعتمد على العقل نعني بذلك أنه اعتمد في الاكثر على الفكر الاغريقي، وهنا كثيراً ما تضاد رسالة الوحي في الاسلام تفكير فلاسفة الاغريق.

الوحي رسالة إلهية، تبليغ من الله عن طريق الملك إلى الرسول المصطفى، فلها القداسة والعصمة، والعقل طبيعة بشرية يجول به الانسان فيما يتحرك فيه ويتأثر بما يتأثر به الانسان في بيئته. والالهام تجل وكشف من الانسان للحضرة الالهية، يهيء له أن ينقل مشاهدته هناك بما لا يقف عليه الانسان العادي الذي لم يصل إلى حال الكشف والتجلي.

والرسول هو الذي أوحى إليه عن قصد، وكلف بتبليغ ما أوحي إليه، مهمته التبليغ وليست وضع الرسالة، والمفكر مستقل اعتمد على عقله الانساني فيما يراه وهو عرضة للخطأ والصواب لأنه إنسان، والملهم إنسان مستقل أيضاً اعتمد على المجاهدة النفسية والرياضة الروحية، حتى يصل إلى ما يسميه حال ((الشكف)) وهو إذ يخبر عما يشهده هناك في العالم العلوي، يخبر كإنسان ليست له عصمة، وليس لما يذكره وجه اليقين، الفيلسوف والملهم إذن كلاهما إنسان يحاول المعرفة، ذاك بإعمال فكره، وهذا بمجاهدة نفسه، وكلاهما عرضة للخطأ فيما يرى أو فيما يحكى.

والرسول وحده هو المعصوم، ولقوله صفة الحق دائماً. لأنه منزل عليه ومبلغ إياه، وليس ما يبلغه ثمرة لمجهوده الفكري أو النفسي.

/ صحفة 316 /

ولأن الغزالي جمع في آرائه الاخلاقية بين الشرع الذي هو رسالة الوحي، وبين الفكر الاغريقي مرة. ثم بين الشرع والالهام مرة أخرى رأينا أن نعالجه في هذه الآراء الاخلاقية تحت عنوانين. تحت عنوان:

1_ الغزالي كفيلسوف في أخلاقه.

وتحت عنوان آخر:

2_ الغزالي كمتصوف في أخلاقه.

وبذا يمكن أن تخفف من فجوة التضاد التي قد تدركها فيما لو نظمنا جميع آرائه في سلسلة واحدة ووضعناها في إطار واحد.

الغزالي كفيلسوف في أخلاقه:

في القسم الاول _ ربع العبادات وربع العادات _ من قسمي كتاب الاحياء الرئيسين يبدو الغزالي الفيلسوف الاخلاقي، الذي أضاف إلى الفكر الاغريقي ما في الاسلام من معاملة بين العبد وربه، وبين العبد والخلق، وهي المعاملة التي عنى بها فقهاء المسلمين من قبل، وإن كان في عرضه إياها حاول إن يبرز أسرارها في ضوء البحوث النفسية والسياسية والاجتماعية، التي إثرت عن مدارس الاغريق وبالأخص عن مدرستي أفلاطون وأرسطو.

هنا عالج العزالي ثلاث نقط، تعد عادة قوام أي مذهب خلقي عالج:

(ا) الفضيله. وما هي، ومتى تكون الفضيلة فضيلة؟.

(ب) عالج السبيل لبلوغ الفضيلة. ما هو؟.

(جـ) عالج الغاية الاخلاقية من تحصيل الفضيلة والسلوك طبقا لحدودها.

وفي كل نقطة من هذه النقط ربط بين الشرع والعقل، كما ذكرنا.

(ا) الفضيلة. ما هي:

عرف الفضيلة مرة بأنها العقل المحمود عقلا وشرعا، وحدد المحمود بأنه ((الوسط)) كما وصف الطرفين الذين يقع بينهما هذا الوسط بأنهما رذيلتان مذمومتان.

/ صحفة 317 /

يقول في ذلك: ((والمحمود عقلا وشرعا هو الوسط، وهو الفضيلة. والطرفان رذيلتان مذمومتان)) ويحددها مرة أخرى بأنها ((اعتدال)) أركان النفس الاربعة وأركان النفس عنده هي قواها، وهي قوة الغضب وقوة الشهوة وقوة الحكمة والعدل، ويقول في هذا: ((وحسن قوة الغضب واعتدالها يعبر عنه بالشجاعة، وحسن قوة الشهوة واعتدالها يعبر عنه بالعفة. فإن مالت قوة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة تسمى تهوراً، وإن مالت إلى الضعف والنقصان تسمى جبنا وخورا. وإن مالت قوة الشهوة إلى طرف الزيادة سميت شرها، وإن مالت إلى النقصان تسمى خمودا. وأما الحكمة فيسمى إفراطها عند الاستعمال في الاغراض الفاسدة خبثا، ويسمى تفريطها بلها، والوسط هو الذي يختص باسم الحكمة. والعدل إذا فات فليس له طرفان، زيادة ونقصان بل له ضد واحد ومقابل: وهو الجور.

وإذن أمهات الاخلاق وأصولها أربعة: الحكمة. والشجاعة. والعفة. والعدل. والباقي فروعها... كما يقول:

((فإذا استوت الاركان الاربعة واعتدلت وتناسبت، حصل حسن الخلق، هي قوة العلم. قوة الغضب. قوة الشهوة. قوة العدل بين هذه القوى الثلاث. أما قوة العلم فحسنها وصلاحها في أن تسير بحيث يسهل بها درك الفرق بين صدق والكذب في الاقوال وبين الحق والباطل في الاعتقاد، وبين الجميل والقبيح في الافعال. فإذا صلحت هذه القوة حصل منها ثمرة الحكمة، والحكمة، رأس الاخلاق الحسنة، وهي التي قال الله فيها: ((ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً)). وأما قوة الغضب فحسنها في أن يسير انقباظها وانبساطها في حد ما تقضيه ((الحكمة)) وكذلك الشهوة حسنها وصلاحها في أن تكون تحت أشارة الحكمة، أعنى اشارة العقل والشرع. وأما قوة العدل فهو ضبط الشهوة والغضب تحت إشارة العقل والشرع ((الحكمة)) فالعقل مثاله مثال الناصح المشير، وقوة العدل هي القدرة، ومثالها مثال المنفذ الممضي لإشارة العقل. والغضب هو الذي تنفذ فيه الاشارة، ومثاله مثال كلب الصيد، فإنه يحتاج إلى أن يؤدب حتى يكون استرساله وتوقفه

/ صحفة 318 /

بحسب الاشارة لا بحسب هيجان شهوة النفس. والشهوة مثالها مثال الفرس الذي يركب في طلب الصيد فإنه تارة يكون مروضا مؤدبا، وتارة يكون جموحا.

فمن استوت فيه هذه الخصال واعتدلت فهو حسن الخلق مطلقا، ومن اعتدل فيه بعضها دون البعض فهو حسن الخلق بالاضافة إلى ذلك المعنى خاصة، كالذي يحسن بعض أجزاء وجهه دون بعض.

الغزالي هنا في غاية اللباقة وحسن العرض والتصوير. جمع بين تحديد أرسطو وأستاذه أفلاطون للفضيلة، فمأثور عن أرسطو أنه يحددها بالوسط بين طرفين مذمومين، ومشهور عن أفلاطون أنه يحددها بالعدالة أو الاعتدال بين قوى النفس الثلاث _ لا الاربع كما ذكر الغزالي هنا _ قوة الشهوه وقوة الغضب وقوة الحكمة. أما قوة العدل التي زادها العزالي هنا _ فلم تعرف لأفلاطون إلا على أنها التوازن بين هذه القوى الثلاث وليست قوة مقابلة لها أولإحداها. والتوازن هذا هو الفضيلة. والتوازن لايتم عنده إلا إذا كانت الحكمة مسيطرة على القوتين الاخريين قوة الغضب والشهوة.

لباقة الغزالي هنا في التصوير وسهولته، وضرب المثل لتوضيحه، ومحاولته أن يعد ((العدل)) قوة رابعة للنفس، زيادة عما عرف لأفلاطون.

على أنه يعد ذلك في مزاوجته بين الفكر الاغربقي والدين هنالم يستطيع أن يبين على وجه التحديد مكان الشرع من الحكمة عند ما شرح في هذا النص إشارة الحكمة التي يجب أن تقع تحتها قوتا الغضب والشهوة عند ما يوصفان بالفضيلة والحسن. عند ما أراد ذلك سار مع العقل وحده، وجعله مثال الناصح المشير، وترك الشرع كلية مع أنه جعله والعقل مضمون الحكمة.

واقع الامر أنه سارق أفلاطون في هذا الاسترسال، واكتفى بأن دلل على أن الحكمة ((كقوة من قوئ النفس جاء بها القرآن الكريم في قوله (( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً)) فإن اكتفى الآن بشرحها بالعقل، فقد سبق أن بين منزلتها من الشرع على هذا النحو. وإذن الشرع والعقل ((أي الفكر الاغريقي )) اجتمعا عند الغزالي في تحديده للفضيلة.

/ صحفة 319 /

ولكن متى يكون عمل الوسط الذي هو محمود شرعا وعقلا فضيلة، متى يكون الاعتدال بين قوى النفس فضيلة، يجيب الغزالي على ذلك بأنه لا يكون فضيلة إلا إذا كان صادراً عن خلق، ويقول في شرح الخلق((والخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر، من غير حاجة إلى فكر وروية. فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الافعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا، سميت تلك الهيئة خلقاً حسنا، وإن كان الصادر عنها الافعال القبيحة، سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئا. وإنما قلنا هيئه راسخة لأن من يصدر منه بذل المال على الندور لحاجة عارضة لا يقال. خلقه السخاء، ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ. وإنما اشترطنا أن تصدر منه الافعال بسهولة من غير رؤية، لأن من تكلف بذل المال أو السكوت عند الغضب بجهد وروية لا يقال: خلقه السخاء والحلم فههنا أربعة أمور:

1_ فعل الجميل والقبيح.

2_ القدرة عليهما.

3_ المعرفة بهما.

4_ هيئة للنفس تميل إلى أحد الجانبين ويتيسر عليها أحد الامرين، إما الحسن أو القبيح.

وليس الخلق عبارة عن الفعل، فرب شخص خلقه السخاء ولا يبذل لفقد المال أو لمانع.

وليس هو عبارة عن القدرة لأن نسبة القدرة إلى الامساك والاعطاء واحدة

وليس هو المعرفة، فإن المعرفة تتعلق بالجميل والقبيح جميعاً على وجه واحد.

بل هو عبارة عن المعنى الرابع، وهو الهيئة التي تعد النفس لأن يصدر منها الامساك والبذل، فالخلق إذن عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة... ((هذا ما يقوله الغزالي في تحديد الفضيلة، ومتى تكون الفضيلة.