/ صحفة 320 /

أثر الصًلاة في الأخلاق

لحضرة الكاتب الاديب السيد محمد صادق نشأت

الاستاذ المنتدب بكلية الآداب بجامعة القاهرة

يتناقل علماء الشرع والاخلاق قصة ذلك الفتى الذي قدم على الرسول _ صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه _ يشكو إليه كثرة ما يأتي من المنكرات، وما يقترف من المعاصي، ومن جملتها الكذب، وسأله عن عمل إذا داوم عليه كفه عن الإلمام بشيء من هذه السيئات، ومعروف أن الرسول قال له: هل تعاهدني على ترك الكذب؟ وأن الفتى حين عاهده على ذلك وجد نفسه _ مضطرا _ قد أقلع عن جميع المنكرات حين أقلع عن الكذب.

نقول إن هذه القصة معروفة مشهورة يتداولها العلماء منذ عهد الرسول إلى اليوم، يسوقونها في معرض الاستدلال على ما في خلة الصدق من الخير للفرد والمجتمع، وما زال هذا شأن الصدق وأثره في الأمم المستمسكة به والعكس صحيح، فالدعوة إلى الصدق دعوة إلى السعادة في الدنيا والآخرة.

ونستطيع إن نقول إن الصلاة من بين سائر العبادات بمنزلة الصدق بين الاخلاق، ويظهر هذا من قولهم: ((إن الصلاة صلة بين العبد وربه)) فبقدر ما تكون هذه الصلة مطابقة لآدابها المطلوبة، مستوفية لشروطها الكاملة تكون أقوى وأحكم، وتمهد _ والحالة هذه _ السبيل أمام المصلى كي يبلغ بصلاته منزلة ليس فوقها منزلة، فتكون كمعراج يعرج فيه المصلى إلى الملأ الأعلى، كما قالوا: ((الصلاة معراج المؤمن)).

/ صحفة 321 /

والمشاهد أن الصلاة يسيرة على المؤمن محببة إلى قلبه، على حين أنها شاقة على غيره، مصداق ذلك قوله تعالى: ((وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين)) فالذين لا يدركون فوائدها، ولا يشعرون بلذتها نجدهم يتوانون في أدئها، وقد عرف القرآن فيهم ذلك فوصفهم بأنهم: ((إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى)) ليس قصدهم توثيق الصلة بينهم وبين الله، وإنما ((يرائون الناس)) حتى يقال فيهم إنهم مصلون.

وليس أدل على أهمية الصلاة وعظم شأنها في نظر الشريعة الاسلامية من أنها كانت أول ما جاء لتعليم المؤمنين أدب معرفة العبد بربه، وكيفية خروج النفس الناطفة من عالم الجسم إلى عالم الروح بأدائها خمس مرات في اليوم والليلة.

كما اختصت بفاتحة الكتاب أو السبع المثاني، يرددها المصلي في كل ركعة، وفيها حمد الله، وتخصيصه وحده بالعبادة، وأنه _ سبحانه _ المستعان في كل حال، ومنه تطلب الهداية والغفران، وفي كل هذا تهذيب للنفوس وتطهير للأرواح من أرجاس الشرك، وأدناس الكفر، الأمر الذي أهاج المشركين وجعلهم يتربصون الدوائر بالمصلين، ويترصدونهم في كل مكان ليبطشوا بهم عند مايرونهم قد أقاموا هذه الصلاة التي ميزتهم، فصاروا بها مثلا عاليا لسمو الدين الجديد، وتعاليمه القويمة الحكيمة، على أن هذه المحاولات العدائية لم تكن لتمنع النبي وصحبه الابرار من إقامة الصلاة ومتابعة أدائها في أوقاتها الخاصة من غير ما خوف ولا خشية غير مكتفين بأداء الفروض، بل كانوا يهتمون بالنوافل _ وخاصة بالليل _ اهتماما لا يقل عن اهتمامهم بالفرض نفسه.

وكانوا يحتملون _ في سبيلها كل عنت ونصب يلحق بهم، ولا عجب حين نجد الرسول الكريم _ صلوات الله عليه _ يُسَرُّ بإقامتها، ويطيب له الاستغراق فيها، حتى كانت قرة عينه كما ورد في الحديث الشريف: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)).

هذا. ولقد اقتفى أصحابه والاقربون إليه أثره في الصلاة، ولم يكن يشغلهم

/ صحفة 322 /

في أثنائها شيء عن ذكر الله، ولا يصرفهم عنها شاغل، وربما عرض لأحدهم أمر لا يطاق احتماله، فلا يلهيه ذلك عن صلاته طرفة عين.

كما كانوا في صلاتهم مثال الخشوع والاستغراق في العبادة، حتى كانوا حين الدخول فيها لا يحسون بشيء مما حولهم.

وما هذه المنزلة الرفيعة التي أنزلها الشرع إياها، وهذا الاهتمام بآدابها، ومراعاة شرائطها _ ولو في أحرج ساعات الحياة عند الزحف في القتال، أو الاحتضار _ إلا رغبة من الشارع الحكيم في توجيه المسلمين إليها، وحثهم على الاستمرار عليها، بغية الحصول على أثرها وحكمتها؛ لتشملهم بركاتها التي ورد ذكرها إجمالا في قوله تعالى:

((أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر، إن قرآن الفجر كان مشهودا ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً((، وقوله تعالى في موضع آخر: (حافظوا على الصلوات والصلاة الواسطى وقوموا لله قانتين) ,وقوله في موضع آخر:((وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات)).

ونستطيع أن نقول: إن الشرع الحكيم أراد _ فضلا عما ورد في القرآن الكريم _ أن يأتي بكلمة توضح منزلة الصلاة بصورة يستدل منها على شأنها ونتائجها لدي الناس كافة، فمثل الدين بالبيت، وجعل الصلاة منه بمنزلة العمود الذي يبني عليه، ويدار حوله، فقال: ((الصلاة عماد الدين)) ولم يكتف بذلك بل أناط قبول كل الاعمال الدينية بقبولها، وجعل ردها متوقفاً على ردها، فأضاف إلى قوله ((إن قبلت قبل ما سواها، وإن ردت رد ما سواها)).

وإذا أضفنا إلى هذه الكلمة الحكيمة، والآية الواردة في شأن الصلاة ومبلغ أهميتها، وأثرها الروحي في نفوس المؤمنين الآية الكريمة التي تجمع بين إقامة الصلاة وتلاوة الكتاب أي اتباعه وقراءته: ((أتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة؛ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله

/ صحفة 323) /

يعلم ما تصنعون...))_ نجد أن القول في الصلاة، وتبيان آثارها ونتائجها المترتبة على القيام بها كاملة، قد بلغ حد الاعجاز، إذ لا يمكن أن يتصور العقل وصفا يضمن توضيح القصد، أبين من هذه العبارة الشاملة مع هذه الصراحة والإيجاز، ذلك لأنها كلمة القرآن الذي أعجز الانس والجن عن أن يأتوا بسورة من مثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا)).

فهذه الآية الكريمة تبين فلسفة الصلاة، والقصد الاسمي، والغاية المثلي من تشريعها، وتكليف المؤمنين أداءها؛ ذلك لأنها شرعت بصورة تنهى المصلين أو تصونهم من ارتكاب الاعمال غير الحسنة بالنسبة إليهم أو إلى غيرهم، فمن لم تكن صلاته ناهية له عن الفحشاء والمنكر، فلا ريب في أنها ليست بالصلاة الكاملة المرادة للشرع.

ويجدر بنا الآن أن نتبين كيف أن الصلاة الكاملة المفروضة علينا تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهذا أمر جد واضح، يمكن أن نعده _ كما يقول الحكماء _ من القضايا التي أدلنها معها _ فإن للصلاة مقدمات ومقارنات، يجب على المصلي أن يقوم بها، إذا أراد لصلاته كمالا، فتصبح كما أراد الشرع.

فمن مقدمات الصلاة الطهارة، يقول الله تعالى: ((يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فأفسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنباً فاطهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاه أحد منكم من الغائط، أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا...)) فهذه هي آية الوضوء والتيمم والغسل. ومن هنا تبدأ الخطوة الأولى لأهمية الصلاة من الوجهة العملية الدنيوية؛ إذ يجب على المصلي ألا يدخل الصلاة إلا متطهراً، وقد بين العلماء ما ينبغي أن يكون عليه الماء المعد للطهارة في الوضوء والغسل، بأن يكون صالحاً للتطهير، ومباحاً غير مغتصب من أحد. وهذا يلزم المصلي _ طبعاً _ أن يحقق أمرين:

/ صحفة 324 /

أولهما صحي، وهو الماء النظيف الطاهر.

وثانيهما اجتماعي؛ وهو عدم تجاوز المرء حقه بالاعتداء على حقوق الآخرين ولو في أرخص الاشياء وأوفرها _ كالماء _ المبذول بالطبع، والذي يبعد أن تشح به النفس.

ومن مقدماتها أيضاً، وجوب طهارة ثياب المصلي. وفي الآية: ))وثيابك فطهر))، ليقف الانسان أمام الله سبحانه وتعالى _ بثياب نظيفة طاهرة من جهة، ومن جهة أخرى يجب أن يكون هذا اللباس، غير مغتصب كذلك، ولا متنجس، ولا كاشف.. الخ.

* * *

وقصارى القول، أن المصلي حين يقوم إلى الصلاة فيتطهر لها، ثم يشرع فيها خاشعاً لله، مكبراً إياه، مستحضراً أمامه عظمته، مشعراً قبله خشيته _ حين يفعل ذلك - يكون قد قارب في صلاته مما أراد الشرع، وحقق الحكمة السامية التي من أجلها شرعت الصلاة، وجعلت عماداً للدين ومعراجا للمؤمن، وعند ذلك يجنى ثمرتها، ويحس طيب أثرها.

وإذا تصورنا مجتمعاً كل أفراده يقيمون الصلاة على وجهها، ويتخذون منها صلة روحية بينهم وبين ربهم _ وصلة _ في الوقت نفسه _ بين بعضهم وبعض، يجتمعون عليها، ويتواصون بها، تأمرهم بالمعروف، وتنهاهم عن المنكر، إذا تصورنا هذا المجتمع الإسلامي، وأمكننا تحقيقه، كنا قد بلغنا بالإنسانية غاية سامية، وأبلغناها طريق سعادتها في الدنيا والآخرة.