/ صحفة 325 /

أنباءُ وَآرَاء

ذكرى الاستاذ الشيخ محمد عبده:

في اليوم الحادي عشر من شهر يوليو الميلادي الحال مرَّ خمسون عاما على وفاة العالم الديني المصلح الذي رجّ الشرق من بطاحه ورعانه، وأمسك بيمينه شعلة التجديد في الدين والفكر عالية السناء، وهاجة الضياء، فالتفت إليها العالم كله، يقبس من نورها، ويهتدي بهداها، ذلك هو الاستاذ الإمام المغفورُ له الشيخ محمد عبده، رضي الله عنه وأرضاه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين أفضل ما يجزي به مجاهدٌ في سبيله كان هدفه الحق، ورائده الإخلاص والإنصاف.

إن ((رسالة الإسلام)) تحيِّي هذه الذكرى المجيدة، وتُزهي بما هيأ الله لها من احتضان المباديء الشريفة التي عاش ذلك المصلح المجاهد لها، ومات وفؤاده يخفق بها، فإن الأستاذ الإمام لم يكن رجل طائفة، ولا فقيه مذهب، ولا مفتى ((ديار)) معينة، وإنما كان عالم الأمة بأسرها، ارتفع بإيمانه عن اتخاذ الدين وسيلة للدنيا، وارتفع بعقله عن التقيد بأفكار بيئة خاصة، وارتفعت همته عن أن تكون إماله ومراميه الاصلاحية خاصة بأفق دون غيره من آفاق هذه الأمة الاسلامية، فلم يرض إلا أن يكون للمسلمين أجميعن، لا تزويه ((المصرية)) عن ((العالمية)) ولا تلويه ((الأزهرية)) عن ((الإسلامية)).

ولقد كان للشيخ عبده رضي الله عنه تلاميذ نجباء، وخلفاء على الحق حلفاء، منهم المصريون وغير المصريين، ومنهم المعاصرون له وغير المعاصرين، وفي

/ صحفة 326 /

مقدمتهم أساطين ((التقريب)) الأولون، الأئمة الراحلون، المراغي وعبد الرازق وسليم وكاشف الغطاء وغيرهم: آمنوا بمثل ما آمن به، وسموا بأنفسهم إلى الشرف الذي سما إليه، وتلقوا بأيمانهم راية الدعوة التي دعا بها، فلم يتركوها تسقط حين انتزعه الموت وهو في ساحة الجهاد، ثقة منهم بأنها دعوة الاسلام الصحيح على بصيرة من كتاب الله، وهدى من رسول الله، وعاهدوا الله ليكونُنَّ لها حمِلة صادقين، وجنداً مخلصين، حتى يظهرها الله في العالمين، وهاهم أولاء قد ((صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا)).

القضية التي ضُخِّمِت

انتهت قضية الشيخ الذي أعلن أنه يجوز الفطر في رمضان لمن يضايقه الصوم أدنى مضايقة، وأنه يجوز اعلان هذا الفطر جهاراً نهاراً دون اعتداد بما للشهر الكريم من حرمة، وأن الصوم إنما شرع للمشغوفين به القادرين عليه، وكانت نهاية هذه القضية هي صدور الحكم من الجامع الأزهر بإقصائه عن منصب التدريس.

وقد شغلت هذه القضية الرأي العام في مصر وغيرها، وضخمتها الأغراض بلا مقتض، وخاضت فيها الصحف كثيراً بعلم وبغير علم، وبدت في أثناء ذلك ظواهر:

منها أن كثيراً من حملة الأقلام يبيحون لأنفسهم حق الكتابة في الموضوعات الدينية وهم ليسوا من أهل ليسوا من أهل العلم بها، فإذا نبهوا إلى ذلك نادوا بأن الدين ليس احتكاراً، نعم إن الدين ليس احتكاراً، ولكن الدين علم وبيان لحكم الله، فهل يجوز القول على الله بغير علم؟

ومنها أن كثيراً من الذين خاضوا في هذا الامر، لم يفرقوا بين حرية الرأي

/ صحفة 327 /

وبين محاسبة متجريء على أصول الشريعة ومحكمات الدين بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وإذا كان من يخطيء في الطب مثلا خطأ بينا يجب نتحيته عن عن معالجة الناس، أفلا يجب على جامعة تُعَلم الدين أن تنحى عن منصب التدريس فيها من ترى في أسلوبه التعليمي إفساداً للعقول، وليّا للنصوص، وهل تكون إذا قصرت في ذلك أمينة على ما أوتمنت عليه؟.

ومنها أن روحا خبيثاً يظهر دائماً وراء تلك الحركات غايته تشكيل الناس في الدين والفضيلة والمثل الصالة، وهو روح إن لم يكن منبعثاً من آفاق أعداء الشرق والاسلام؟ فإنه لا يخدم إلا أعداء الشرق والإسلام.

* * *

إحصاء المسلمين في العالم:

راجعَنا بعض المهتمين بالدراسات الاسلامية في بعض ما أثبتناه من عدد المسلمين، وسألنا بعضهم: ما هي الطوائف الاسلامية التي اعتدَدنا بها وعددناها، كما سألنا آخرون عن المصدر التي أستقينا منه هذا الإحصاء.

ونقول: إننا ذكرنا في مقدمة الإحصاء ما يفهم منه الجواب عن بعض هذه الأسئلة مجملا، ولا بأس أن نزيد الأمر تفصيلا فنقول:

إن هذا الإحصاء ليس له مصدر واحد، وإنما هو ثمرة مراجعة وموازنة قامت بها دار التقريب منذ زمن طويل، وقد كنا نشرنا وعداً بذلك في (رسالة الإسلام) منذ أكثر من عام، وقد يكون العدد في بعض البلاد، أو في بعض الأقليات، زائداً أو ناقصاً بما لا يتجاوز ألفاً أو ألفين أو بضعة ألوف، أو مختلفاً فيه من وجوه نظر متباينة، ولكن ما ذكرناه هو الأدنى إلى الصواب فيما بدا لنا بعد الموازنة والتثبت، ثم إننا لم نعتمد في هذا الإحصاء بعضَ الطوائف الإسلامية دون سواها، وإنما اعتمدنا مجرد الانتساب إلى الإسلام، فعددنا المسلمين في العالم انتسابا، في مقابل المنتسبين إلى غير الإسلام.

/ صحفة 328 /

وبهذه المناسبة نرجو أن يتدارك القراء خطأ وقع في الطبع عن ((أمريكا الجنوبية)) بالسطر التاسع من جدول الإحصاء في صفحة 217.

والصواب أن العدد المذكور أمام ((أمريكا الجنوبية)) إنما هو عدد ((غيانا الهولندية)) من بلاد هذه القارة.

كما نذكر أ، عدد سكان ((ترينيداد وتوباجو)) من هذه القارة أيضا هو 651000 وأن المسلمين من هؤلاء 32000

على أن بالقارة مسلمين متناثرين في بعض البلاد _ كالبرزيل وغيرها _ يعدون بالمئات، وهؤلاء لم يشملهم الإحصاء الذي كان يستهدف المناطق التي بها كثرة متجمعة من المسلمين تحصى وتحسب.

* * *

مناهج العلماء في فهم القصص القرآني:

كتب إلينا بعض القراء الكرام، ومنهم الأستاذ الفاضل الحاج عباسقلي ((واعظ جراندابي)) ي تبريز _ إيران... سائلين عن رأينا في القصص القرآني، وعما نشر من قبل في بعض الصحف المصرية من تعليق لرئيس تحرير هذه المجلة على الفكرة التي كان أبداها الأستاذ خلف الله في رسالة له.

ونجيب بأن (رساله الإسلام) عرضت لهذا الموضوع بما فيه الكفاية، ويمكن الرجوع إليها في تفسير سورة البقرة في العدد الثالث من المجلد الأول، وفي مقدمة التفسير لعدننا هذا، وبالله التوفيق.