/ صحفة 365 /
المجتمع القرآني
لحضره صاحب الفضيلة الاستاذ الجليل الشيخ محمد أبو زهرة
وكيل كلية الحقوق بجامعة القاهرة
(1) شعار الاسلام بالنسبة للنفس الانسانية هو هدايتها وتعليمها وتوجيهها نحو النظر والمعرفة، ولعل أول آية نزلت في القرآن، وأول خطاب وجه من السماء إلى سيد المرسلين كان هو التعليم، لبيان أن تلك الشريعة التي سيجيء بها الوحي الإلهي تفوم على تنمية المعارف الانسانية، فقد اتفق الرواة على أن أول توجبيه إلهي للرسول الامين كان بدعوته إلى القراءة والتعلم؛ إذ قال رب البرية لنبيه: ((اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم)).
ولقد جاءت آيات القرآن من بعد ذلك كلها داعية إلى النظر والمعرفة، وتقصى الاسباب، وتعرف النتائج والمقدمات بكل ما في الطاقة البشرية أن تعرفه من غير أن تتقحم في مجاهل لا منارة فيها ولا هداية، فإن ذلك هو موضع النهي في مثل قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا).
ولقد جاءت آيات القرآن من بعد ذلك كلها تشير بل تصرح بأن المقصد الاسمي من مقاصد الاسلام هو توججيه النفس الانسانية تحو المعرفة المفيدة الجدية التي تتقدم بالانسانية، وتسير بها نحو المثل العليا الفاضلة التي يمكن تحققها في هذا الكون الذي هو ابتداء، والغاية النهائية في عالم آخر، فقد قال تعالى في بعض
/ صحفة 366 /
مقاصد الرسالة المحمدية ((كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون)) وقال تعالى في آية أخرى: ((هو الذي بعث في الاميين رسولا يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، وآخرين منهم لمَّا يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم)).
وبهذا يتبين أن الرسالة المحمدية تتجه بالنسبة لنفس الانسان إلى نواح ثلاث تتضافر فتكوِّن المعرفة الانسانية المفيدة المثمرة:
الناحية الأولى: من هذه النواحي، تزكية النفس بتربية الوجدان، وتقوية الضمير، والايمان بالخير وابتغائه، ودعامة ذلك الإيمان بالله تعالى، والقيام بالفرائض الدينية المتصلة بتهذيب الوجدان وتربية الضمير.
والناحية الثانية: تعليم الكتاب وهو الوحي المنزل من رب العالمين وهو يشتمل على الشريعة الغراء، وهي الحجة الواضحة التي ليلها كنهارها، ففي علمه علم بهذه الشريعة، وعلم بأسرار الوحي الإهلي الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك ورد عن بعض الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عنهم: أن من علم القرآن فقد أدرج النبوة بين جنبيه.
والناحية الثالثة: الحكمة ـ وهي العلم بكل ما يتفع ويفيد، فالعلم بما عليه الناس من أخلاق وعادات ليتميز الخبيث من الطيب حكمة، والعلم بكل ما يرقي به عمران الأمة من هندسة وطرق زراعة وغير ذلك حكمة، والعلم بما يدفع أدواء الأجسام من طب وغيره حكمة، وهكذا كل ما يتصل بالمعرفة العملية هو من الحكمة، وتعليم الإسلام لهذه الحكمة، ليس بتعليم المؤمن بهذه العلوم، فما كانت الديانات السماوية لتعليمها، ولكن بتوجييها نحوها، وإرشادها إلى وجوب تعرُّفها.
(2) وإذا كان أول نداء إلى محمد * وطلب المعرفة، فالمعرفة أساس من أسس الاجتماع الاسلامي، والمجتمع القرآني أول أسسه المعرفة والتفكير فيما خلق
/ صحفة 367 /
الله تعالى في السموات وفي الأرض، والنجوم المسخرات، والليل والنهار والشمس والقمر، وقد قال سبحانه يحث الم,منين على النظر والتفكير: ((أو لم ينظروا في ملكوت السموات والارض وما خلق الله من شيء)) وقال سبحانه: ((قل انظروا ماذا في السموات والارض))، ودعا سبحانه المؤمنين إلى دراسة أنفسهم فقال: ((وفي أنفسكم أفلا تبصرون)) ودعا إلى التفكر في هذا الوجود الذي سخر كل ما فيه لابن آدم يدرسه ويفحصه، ويعلم كل ما فيه ليتم له السلطان فيه، والسيطرة على هذه الأرض بكل قواها، سواء أ كانت ظاهرة أم كانت باطنة، كما قال سبحانه: ((هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا)).
وإذا كان علم الكائنات وما فيها ضرورة إسلامية فعلم الخير والشر ضرورة للاجتماع الانساني الفاضل، ومقياس الخير والشر مقياس إنساني عام يستوي فيه الابيض والاسود والاحمر، ولا فضل لأعجمي على عربي، وقد تكفل القرآن والسنة ببيان قواعد السلوك الانساني العام، وهو لا يخرج عن أحكام العقل المستقيم، حتى لقد قال أعرابي وهو يبين سبب اتباعه لمحمد (ما رأيت محمداً يقول في أمر افعل، والعقل يقول لا تفعل، وما رأيت محمداً يقول في أمر لا تفعل، والعقل يقول افعل) وكان أكثم بن صيفي يحث أولاده على اتباع محمد بقوله: ((إن هذا إن لم يكن ديناً؛ فهو في أخلاق الناس أمر حسن، كونوا في هذا الامر أولا، ولا تكونوا آخراً)).
(3) وكون القرآن والسنة يقيمان دعائم المجتمع القرآني على أساس العلم بالكون، والعلم بالخير الصحيح، وقواعد السلوك القويم؛ فيه سير بالمجتمع الانساني في طريق الكمال؛ لأن العلم هو المصباح الذي يسير بالجماعات في الطريق المستقيم، وهو الذي به يرقى مستوى الحياة، ومستوى الاقتصاد، ومستوى الاجتماع، فإن التقي علم المادة، وقوانين السلوك القويم، كانت الرفعة والسمو.
/ صحفة 368 /
وقد كان بعض الفلاسفة يعتبرون المعرفة الصحيحة مقياس الخير والشر، والحد الفاصل بين الفضيلة والرذيلة، فكان سقراط في اليونان يرى أن أساس الخير هو المعرفة، وأن من علم الخير عمل به، وسواء أكان نظره مستقيما أم كان غير مستقيم، فمن المؤكد أن المعرفة الصحيحة سبيل للخلق الفاضل: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) ولقد كان كونفشيوس ـ حكيم الصين الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد ـ يرى أنه لا سبيل لسياسة فاضلة، ولا لخلق فاضل، ولا لاجتماع فاضل، إلا إذا علمت الحقائق، وصححت الألفاظ، ووضع كل لفظ على مدلوله الحقيقي، وقد سئل عما يصلح السياسة فقال تصحيح الألفاظ، ذلك في جملة كلام صحيح، فإن تصحيح الألفاظ، وإطلاق كل لفظ على معناه الحقيقي أمر ضروري لصلاح المجتمع، فلا صلاح لمجتمع تطلق فيه كلمة الحرية على الفوضى، وحرية الفكر على فوضى التفكير، وكلمة الشورى على الاستبداد، وكلمة النظام على التضيق والإرهاق، وكلمة العزة على ما يتضمن في معناه الذلة، ولذلك يكون المجتمع الذي تضطرب فيه الحقائق ذلك الاضطراب، وتختلط فيه الألفاظ ذلك الاختلاط مجتمعاً غير صالح، وأول إصلاحه هو تصحيح الالفاظ، وبعبارة أدق: المعرفة الصحيحة في كل شيء.
(4) ومعما يكن من الامر بالنسبة للمعرفة عند الفلاسفة الأقدمين ـ وقد أجمعوا على إنها دعامة في كل مجتمع فاضل ـ فإن الهدى القرآني قد حث عليها، ودعا إليها المسلمين كافة
والمعرفة التي هي ضرورية لكل بناء اجتماعي سليم، والتي اعتبرها القرآن أساس المجتمع الفاضل؛ ليست مقصورة على العلوم الدينية، وقد أشارت آياته إلى ذلك بل صرحت به، إذ أن هذه الآيات تتجه نحو العلم بالكون وما يجري فيه، فالعلم بما في الكون، والسير في الأرض، والضرب فيها ابتغاء للرزق، وطلباً لأنزَالها المستكنة فيها، أمر مطلوب، والعلم به من المطالب الانسانية الضرورية
/ صحفة 369 /
التي زكاها القرآن فقد قال تعالى: ((هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه، وإليه النشور)).
(5) ولقد أجمع علماء المسلمين ـ مستنبطين إجماعهم ـ من الكتاب والسنة وما كان عليه سلف هذه الأمة ـ على أن العلوم الكونية والهندسية والطبيه وغيرها مما يُمَكن للإنسان في الأرض ويُسَخِّر له لك ما فيها وما يحيط بها ـ من الفرائض الكفائية، وهي الفرائض التي يجب على الأمة في مجموعها تحقيقها، فإن قام بها البعض سقط الإثم عن الباقي، وكان لمن قام بها فضل جزائه، ولغيره فضل تسهيل هذا والواحب عليه، وإن لم يقم أحد بهذا الواجب من الأمة كان عليها مجتمعة الإثم.
ولذلك قرر الفقهاء أن على الأمة أن تهيء شبابها للقيام بهذه الوابجات الكفائية، فإقامة المصانع والمسالح أمر واجب وجوبا كفائياً على الامة كلها، وإيجاد الاطباء وأماكن الاستشفاء والمصحات أمر لازم لزوما كفائياً، وإيجاد العلماء المنقبين الذين يستخرجون أنزال الأرض، فيخرجون من ثنايا الطبقات الأرضية المعادن بأنواعها سائلة أو جامدة فِلِزَّات أو أحجاراً نافعة، ولهذا أوجبوا على الأمة أن تهيء الأسباب لتعليم النشء فيها، وتعرف كفاياتهم والواجبات الكفائية التي تتناسب مع هذه الكفايات، فمن تقاصرت به مقدرته العقلية عن أن يستبحر في علم من العلوم، وقف عند ذلك وكان عاملا يدوياً، أو تاجراً أو زارعا أو نحو ذلك على أن يعلم ويدرب على ذلك تدريباً يجعله ينتج فيما يعكف عليه إنتاجا حسناً، ومن كانت كفايته تتجه إلى ناحيه البحث النظري وجه إليه، ومن كانت كفايته تتجه إلى الهندسة أو شعبة من شعبها وجه إليه، وهكذا.
(6) وقد يقول قائل إن هذه روح العصر، وقد أخذت منها ما جعلته حكما فقهياً، وليس فيه نص عند الفقهاء ولم يصلوا إليه، ذلك قول من ينكر على الاقدمين من فقهاء المسلمين أنهم فهموا أسرار دينهم، ومرامي القرآن الكريم،
/ صحفة 370 /
والهدى المحمدي السمتقيم، ولكنا نقول إن ذلك هو مقتضى النصوص القرآنية الكريمة وما ترمي إليه، والفقهاء قد ادركوه ودونوه، ولم يتركوا مقالا لقائل، وهذا ما قاله الشاطبي في موافقاته في الفروض الكفائية، فاقرأه فكأنك تقرأ كاتباً يكتب في عصرنا، فقد قال رضي الله عنه في الفرض الكفائي:
((إن القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة، فهم مطالبون بسدها على الجملة فبعضهم قادر عليها مباشرة، وذلك من كان أهلا لها والباقون وإن لم يقدروا قادرون على إقامة القادرين، فمن كان قادراً على الولاية فهو مطلوب بإقامتها، ومن لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر هو إقامة ذلك القادر وإجباره على القيام بها، فالقادر إذن مطلوب بإقامة الفرض، وغير القادر مطلوب بتقديم ذلك القادر، ذإ لا يتوصل إلى قيام القادر إلا بالإقامة، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)) ثم بين أن واجب الأمة أن تقيم الصناعات التي لابد منها، مع العلم بأن مواهب الناس مختلفة وقدرهم في الأمور متباينة متفاوتة فهذا قد تهيأ للعلم، وهذا للإدارة وذاك للصناعة وآخر للصراع، والواجب على الأمة أن تهيء لكل امرئ ما يسر له حتى يبرز كل واحد فيما يقدر عليه، ويشير إلى أن يُعَلم كلٌّ في ابتداء الأمر تعليما واحداً، ومن يتخلف في مرحلة يتخلف في موضع يحتاج إلى واجب كفائي، فمن يتخلف مثلا بعد المرحلة الأولى فهنا الصناعات اليدوية تحتاج إليه وهكذا، ولذا يقول: ((ولذلك يتربى لكل فعل هو فرض كفاية ـ قوم: لأنه سير أولا في طريق مشترك، فحيث وقف السائر وعجز عن السير فقد وقف في مرتبة محتاج إليها في الجملة، وإن كان به قوة زاد السير إلى أن يصل إلى أقصى الغايات في المفروضات الكفائية. وبذلك تستقيم أحوال الدنيا وأعمال الآخرة، فأنت ترى أن الترقي في طلب الكفاية ليس على ترتيب واحد، ولا هو على العامة بإطلاق، ولا هو على البعض بإطلاق، ولا هو مقصود من حيث المقاصد دون الوسائل، ولا بالعكس، بل لا يصح أن ينظر فيه نظر واحد، حتى يصل بنحو من هذا التفصيل، ويوزع في أهل الإسلام بمثل هذا التوزيع(1) )).
ــــــــــ
(1) الموافقات الجزء الاول ص 119، 124.
/ صحفة 371 /
(7) لقد وضعنا بهذا النص الفقهي المحكم يد القارئ على مدى ما وصل إليه إدراك فقهاء المسلمين من إدراك للمعاني الاجتماعية والاقتصادية، ومعاني المعرفة الإنسانية التي تجعل كل نوع من أنواع هذه المعرفة يفتح بابا للجهد الإنساني ليعمل فيه، ويصل إلى أقصى الغاية في مصلحة المجتمع؛ ولذا وصلوا في الماضي إلى درجات من العلم بوسائل استغلال الأرض وما فيها وما حولها كانوا فيها من السابقين بالنسبة لعصورهم.
وإذا كانوا قد تخلفوا من بعد فلتقاصر الهمم وضعف العزائم وخمول النفوس، وتنكبهم العمل بما ترمي اليه النصوص القرآنية التي تبين أن الكون وما فيه مسخر لابن آدم يعمل فيه وينتج كما قال سبحانه وتعالى: ((ولقد مكناكم في الأرض، وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون)).
ولقد وجدنا في هذا العصر ناساً، ومنهم من يتسربلون بسربال علماء الدين يقولون عبارات مبهمة تفيدان خمول المسلمين من تمسكهم بألفاظ النصوص الدينية، ويقولون وعليهم إثم قولهم: إن الأرض العربية كانت تموج طبقاتها بالزيت من قديم وما كشف المسلمون عن شيء منه حتى جاء الأمريكان وغيرهم فأثبتوا أن الصحراء العربية كأنها سفينة تغطي بحراً من الزيت. فعلى المسلمين أن يتحرروا من التمسك بالألفاظ ليعرفوا أرضهم.
ونحن نقول ما كان تقاصر الهمم حجة على الاسلام الذي يدعو ابن الأرض أن يستخرج ما في بطونها، وقد قرر الفقهاء أحكاماً لما يخرج من باطن الأرض، وجعلوا لمن يخرج من باطنها شيئاً ملكية تامة فيه ليكثر الإنتاج، وتستخرج كل ينابيع الخير، ولكن الناس خملوا، والخمول إذا سيطر على أمة طويت فيها كل مقدرة، وتمايل فيها كل قائم، وخبت فيها كل قوة، ويكون العيب فيمن سكنوا إلى هذا الخمول، ولم يستمعوا إلى نداء القرآن بأن الله سخر لهم الأرض وما حولها من أكوان، ولا عيب في ذات الدين.
هذا هو الأساس الاول من أسس الاجتماع القرآني، وهو المعرفة بهداية
/ صحفة 372 /
السماء إلى الأرض، وبأسرار الكون وما فيه ووسائل السيطرة على ينابيع الخير فيه، واستخدام كل قوة من قواه في خدمة الانسان.
وقد ابتدأنا بهذا الاساس؛ لأنه عما عظيم في بناء الاجتماع القرآني، ولأنه أول دعوة إلى المؤمنين، وجهها القرآن الكريم، ولأنه أول نداء الوحي المحمدي إلى النبي الامين؛ وهو كما نوهنا يجعل شعار الاسلام الذي يعلنه هو العلم والمعرفة.
(8) والأساس الثاني بعد هذا الاساس هو الكرامة الانسانية، وقد صرح بذلك القرآن الكريم ودعا إليه، فقد قال تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير من خلقنا تفضيلا).
وهنا نرى النص عاما يدعو إلى تكريم الانسان لذات الانسان فهو تكريم لابن آدم بوصف أنه ابن آدم، لا فرق بين عربي وأعجمي، ولا سامي وآري، ولا أسود ولا أبيض، ولا أحمر، فكلهم أبناء آدم، وآذا كان بعضهم في جهل فعلى المجتمع الاسلامى أن يعلمه , كما قال على رضى الله عنه: (لايسأل الجهلاء لِمَ لم يتعلموا، حتى يسأل العلماء لِمَ لم يعلموا) وإذا كان بعضهم قد تخلف في ناحية من النواحي الاجتماعية فعلى الباقين أن يعاونوه.
وإن ابن هذه الأرض الذي خلق من طين قد جعله الله سبحانه خليفة في هذه الأرض بحكم النصوص القرآنية، اذ يقول سبحانه وتعالى عن بدء خلق الانسان وتمكينه في هذه الأرض: ((واذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون).
واذا كان للإنسان هذه الكرامة عند ربه بحكم إنسانيته فإن المجتمع عليه أن يعمل على منع الكرامة الإنسانية من الهوان، وأن تتضافر كل قواه لرفعة الإنسان لا لإذلاله، وان الجميع متساوون في هذا القدر من الإنسانية الذي يوجب التكريم فلا تفاضل بالأجناس ولا بالألوان، ولكن التفاوت بالأعمال، ((فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)) وبذلك يقوم
/ صحفة 373 /
الاجتماع القرآني على المساواة العادلة التي تحمي الكرامة، وتفتح باب العمل، ويكون الجزاء على قدره.
(9) والأساس الثالث للمجتمع القرآني بعد الأمرين السابقين هو المودة الواصلة بين آحاده، فالإسلام ككل الأديان السماوية يدعو إلى المحبة الإنسانية العامة، فكل مودة واصلة هي من أسسه، وكل قطيعة صارمة هي مما نهى عنه، وقد وصف الله المؤمنين بأنهم يصلون ما أمر الله به أن يوصل، وأن الكافرين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، وهو تلك المودة، ولذا يقول سبحانه وتعالى في أوصاف المؤمنين: ((والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل، ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب)) ويقول سبحانه وتعالى في أوصاف الكافرين والمنافقين: ((والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض، أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار)).
ولقد وصف الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالرحمة، وهي شعبة من شعب المودة فقال سبحانه: ((أشداء على الكفار رحماء بينهم)) ودعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرحمة، فقال: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) ويقول عليه الصلاة والسلام: (لا تنزع الرحمة إلا من شقى).
وليست الرحمة التي يتصف بها المؤمن هي الرحمة التي تقضي العفو عن الآثمين في حق المجتمع، بل الرحمة التي دعا إليها هي الرحمة بالمجموع، والمودة التي لا يكون فيها تعاون على الإثم والعدوان.
إن الرحمة التي يدعو إليها الإسلام في المجتمع ليست هي الشفقة التي لا تبني عليها مصلحة، بل قد تبني عليها المضرة كل المضرة إنما هي كرحمة الطبيب بالمريض إذ يتناول مبضعه فيشق بطنه فيقطع الجزء المتوفى، وكرحمة القاضي بالمجتمع إذ يحكم بقطع عضو متوفى من جسم الأمة ليسلم الباقي من آفاته، ويدفع عن الجماعة ويلاته، فهي رحمة بانية مصلحة لا شفقة مفسدة.
هذا هو الأساس الثالث من أسس الاجتماع القرآني.
/ صحفة 374 /
(10) أما الأساس الرابع فهو التعاون، والتعاون الإسلامي تعاون على الخير مع كل من يعمل الخير، وتعاون على دفع الآثام مع كل من يعمل على دفعها، ولذا جاء الأمر بالتعاون عاما في قوله تعالى: ((وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله، إن الله شديد العقاب)).
وإن التعاون على الخير يشمل التعاون الاقتصادي، ويشمل التعاون التهذيب الذي أساسه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو خاصة الإسلام، كما قال تعالى: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)) فخاصة الإسلام هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو مناط خيرية المسلمين، فإن قاموا بحقه كانوا خير أمة، وإن لم يقوموا بحقه فهم في الحضيض الأوهد، وهو باب التعاون على إيجاد رأي عام مهذب يشجع على الخير، ويمنع من الشر، يدفع إلى الفضيلة، ويحاجز بين الناس وبين أن تظهر الرذيلة رافعة رأسها كما تشيل الحية برأسها.
وإنه لإيجاد معنى التعاون في نفوس المسلمين اعتبروا جسما واحداً كما وردت الآثار الصحاح، ودعى المسلم لأن يكون ممن يألف ويؤلف، فلا يكون جاسي الطبع نفورا، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن مألف، فلا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف) ودُعِيَ المؤمن إلى التسامح في المعاملات المادية لكيلا تكون نفرة بين المسلمين بعضهم مع بعض بسبب التنابذ المادي، والتخاصم حول المال، فكان صلى الله عليه وسلم يقول: (رحم الله امرأ سمحاً آذا باع سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا عامل) وتلك السماحة ثمرة من ثمرات التواد والتراحم، وركن من أركان التعاون ومنع التزاحم، وجعل التنافس في الخير وفي سبيل الخير، لا للمادة وفي سبيلها، فإن التنافس في فعل الخير خلق فاضل، والتزاحم على المادة تكالب عليها، كما يَقرم الوحش إلى لحم الفريسة، فأمر المسلمين بالمادة تعاون في طلبها والحصول عليها والإيثار فيها بعد الحصول، وبالنسبة لكل خير إنساني تزاحم عليه وتداع إليه.
/ صحفة 375 /
ولحرص الإسلام على التعاون المطلق دعا إلى عمل كل ما من شأنه أن ينفع الناس، بلف أن ينفع الأحياء بشكل عام، ولذا يقول صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو دابة إلا كتب له به صدقة) فالإسلام يرى أن من التعاون الذي يجب أن يسهم فيه المسلم ـ عمارة الأرض بالزرع والغرس ليكثر ما يمد به الإنسان أخاه الإنسان من قوت، وما يكون به إقامة الحياة الصالحة القويمة، وهذا تعاون إنساني كامل.
(11) وإن التعاون في الاجتماع الاسلامي ليس مقصوراً على المسلمين، بل إن التعاون على إقامة الحق والفضيلة واستدرار ينابيع الخير من الأرض وما يحيط بها يشمل الاجناس كلها والاديان كلها، فالله سبحانه وتعالى يقول: ((يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند ألله أتقاكم، إن الله عليم خبير)) ومن هذا النص يتبين وحدة العالم الانساني في نظر الإسلام، وأن التعاون واجب بين آحاده وجماعاته، وإن اختلفت الاجناس والألوان، وإن القرآن الكريم ليصرح بأجلى بيان بالوحدة الانسانية، فيقول سبحانه: ((وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا، ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم فيما فيه يختلفون)) ومثل هذه الآية التي تثبت وحدة الإنسانية في القرآن كثير.
ولذلك كان البر حقاً لكل انسان بوصف كونه انسانا؛ ولا تنقطع العلاقة إلا بالنسبة للجماعة التي تحارب الحق فتقاتل لبغيها، ويكون الانقطاع بمقدار الضرورة؛ ولذا قال سبحانه: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم، أن الله يحب المقسطين).
ولقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن قريشا في قحط، وأن فقراءها في مخمصة وكان بينه وبينهم موادعة، فأرسل حاطب بن أبي بلتعة إلى أبي سفيان بن حرب بخمسمائة دينار ليشتري بها قمحاً ويعين به الضعفاء من قريش.
ولهذا التعاون الإنساني الكامل في المجتمع القرآني كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل
/ صحفة 376 /
كل حلف أساسه التعاون على نصر المظلوم وإقامة الحق والعدل، ولقد حضر قبل البعث المحمدي حلفاً عقده بعض زعماء البطون من قريش في بيت عبد الله ابن جدعان، وقد تعاهدوا فيه على أن يكونوا مع المظلوم على الظالم مارسا ثبير وما بل بحرٌ صوفة(1) )) ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد البعث في هذا الحلف: (حضرت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً، ما يسرني أن لي به حمر النعم، ولو دعى به في الإسلام لأجبت).
وما أقر الإسلام الحرب إلا لهذا التعاون الإنساني الكامل؛ لأن أساس التعاون منع الخبث وإقامة الخير، والحرب الإسلامية لمنع الفساد ولإقامة التعاون الإنساني على أساس من الفضيلة سليم، ولذا يقول سبحانه: ((ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)) ويقول سبحانه: ((ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز)).
هذا هو الأساس الرابع من أسس المجتمع القرآني، وهو تعاون عام شامل يخص المسلمين، ويعم العالمين.
(12) أما الأساس الخامس فهو العدل، وهو دعامة الدعائم لكل بناء اجتماعي، فما يقوم مجتمع إلا إذا كان العدل قوامه وعنوانه، وهو مقصد الإسلام الأسمي، بل هو مقصد الديانات السماوية كلها، فقد قال تعالى في وصف الغاية من رسالة الرسل: ((لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب؛ إن الله قوي عزيز)) فلغاية الأولى التي أجمعت عليها الرسالات السماوية كلها أن يقوم الناس بالقسط، والا يبغي بعضهم على بعض، وجاء أمر القرآن صريحاً بالعدل وأنه الغاية السامية فقد قال تعالى: ((إن الله يأمر
ــــــــــ
(1) ثبير: جبل، وهذا كناية عن التمسك بالعهد.
/ صحفة 377 /
بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)) ولقد روي أن أكثم به صيفي حكيم العرب بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوفد يتبين له رسالته فتلا النبي صلى الله عليه وسلم على وفده هذه الآية الكريمة، ولقد أجمع علماء الإسلام على أنها أشمل آية لبيان مقاصد الإسلام السامية.
والعدل طالب به الاسلام بالنسبة للعدو والولي على سواء، فالعدل حقيقة مقررة ثابتة إلى يوم القيامة لا تفرق بين عدو ولا ولي ولذا يقول الله تعالى: ((ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)) ويقول سبحانه: ((يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله، ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين، إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا، وإن تلووا أو تعرضوا، فإن الله كان بما تعملون خبيرا)) ولقد روي أبو ذر الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حكى عن ربه تعالى أنه يقول: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظَّالموا)).
فالمجتمع القرآني لا يمكن أن يرضى عن ظلم يقع فيه؛ ومهما تكن أسباب الحياة متقدمة، والاقتصاد المالي مستقيما، والعمران مستبحراً، فلن يكون المجتمع مما يقره القرآن إذا انطوى شيء منه على ظلم، بل إن الله سبحانه وتعالى لم يعتبر الإيمانَ إن لابس المؤمنُ ظلماً ـ مؤديا إلى أمان، ولذا قال تعالى: ((الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، إولئك لهم الأمن وهم مهتدون)).
(13) والعدل الذي دعا إليه القرآن ليس هو فقط ما يجري به القضاء وما يجري به أعمال الولاة والحكام، وإن كان ذلك أوضح العدل وأظهره، بل إن العدل القرآني يشمل هذا ويشمل للعدل
/ صحفة 378 /
الاجتماعي، والعدل الاقتصادي، بأن تهيأ الفرص لكل الآحاد ليجدُّوا ويعملوا، وكل وما يسر له، وكل وما ينيح، ويكون الجزاء كفاء للعمل، فمن يعمل يجد جزاء عمله، ولا يحرم عامل من ثمرات ما يعمل، ومن يتخلف به جهده، لا يشارك غيره في ثمرات كده، فليس العدل هو المساواة المطلقة، بل العدل الاجتماعي، هو أن يتساوى الجميع في فرص العمل، فيمكنوا جميعاً من هذه الفرصة، ثم لا يكون بينهم بعد ذلك تساو في الثمرات إلا إذا تساوت الننتائج لأنه لا يتساوي العامل بالخامل، ولو كانت مساواة في التوزيع مع اختلاف نتائج العمل لكان ذلك ظلماً، وما كان عدلا قط.
ولكن من تتخلف بهم قواهم عن أن ينتجوا، إما لعجز مطلق، أو لفقر مدقع تنقطع أمامه الوسائل، ولا تكون ثمرة لعمل قط، أو نحو هؤلاء، فإن على المجتمع أن يعينهم، ويمد يده إليهم ليرفعهم من كبوتهم، ويضمن وسائل العيش لهم ولذريتهم، ولذلك كان لهم حق معلوم في مال الاغنياء الذين بسط الله لهم في الرزق، وقدنظم ذلك الإسلام تنظيما عادلا؛ لا إفراط فيه ولا تفريط، بل كان بين ذلك قواما.
(14) هذه اسس الاجتماع في الإسلام؛ معرفة، وكرامة إنسانية، ومودة واصلة، وتعاون على البر والتقوى، وعدالة منظمة تكون ميزان الحقوق والواجبات، وإن هذه الأسس لوحظت في بناء المجتمع الإسلامي في لبناته وفي صرحه، فلوحظت في تكوين الآحاد، وتكوين الأسرة، وتكوين الدولة، وعلاقات الجماعات الإنسانية بعضها ببعض، ولكل من هذه كلمة مفصلة نقولها فيما يلي والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق.