/ صحفة 391 /

قال شيخي

لحضرة الكاتب الفاضل الأستاذ أحمد محمد بريري

قال شيخي:

ألا مَن مبلغ مفتيان فهم ****** بما لا قيت عند رحي بطاو

فإني قد لقيت الغول تهوى ****** ببهب كالصحيفة صحصحان

فشدت شدة نحوي فأهوى ****** لها كفى بمصقول يمان

فأضربها بلا دهش فخرت ****** صريعا لليدين وللجران

فقالت عد، فقلت لها: رويداً ****** مكانك إنن ثبت الجنان

فلم أنفك متكئا عليها ****** لأنظر مصبحا ما ذا أتاني

إذا عينان في رأس قبيح ****** كرأس الهر مشقوق اللسان

وساقا مخدج وشاة كلب ****** وثوب من عباء أو شنان

يقولون: أخدجت الناقة إذا جاءت بولدها ناقصاً ولو كملت أيامه، فهي مخدج ـ بكسر الدال ـ وهو مخدج بفتحها. فتيان فهم. أضرابه من قبيلته، فهو يقص عليهم قصته مع الغول: رآها تهوى إليه في خلاء فسيح، ولا عاصم له منها إلا سلاحه، فهو يهوى لها كفه بسيف صقيل: يضربها بلا خوف ضربة واحدة قاضية، وهي تقول عد أو أعد الضرب فلا يفعل، إذ لو عاد لعاودتها الحياة، فذلك شأن الغول فيما يزعمون، وفيما يروي القصاص رواية مستمرة حتى أيامنا هذه فلقد سمع شيخك ولا بد أنك سمعت الشاعر البلدي في القرية يقول

/ صحفة 392 /

في أبي زيد الهلالي وكيف لاقي ((العون)) وهو الغول ـ أو كائن آخر يشبه الغول ـ مذكراً أبداً في لغة العامة، فما سمعناهم قالوا عونة، كما أن الغول مؤنثة أبداً في لغة العرب، ولوأن العامة قالت ((للأنثى وذكرت الغول في لغتها بخذف التاء.

ونعود إلى تأبط شراً وغوله الأنثى فهو لا يشبع رغبتها في إعادة الضرب بل يكتئ عليها حتى الصباح فيرى الهول: عينين في رأس قبيح، وساقين منقوصتين شكلا لا قوة ـ بطبيعة الحال ـ إلى آخر الصورة الشوهاء التي أداها أحسن أداء، إنه يهوى كفه بسيف صقيل. يضربها بلا دهش يعبر بصيفة المضارع، ولو أن الحدث قد انقضى فذلك أروع وأقوى وأجدر أن يثبت الصورة في ذهنك.

قلت: استعينوا بما شئتم من أدوات الفن نحواً كان أو بياناً أو غيرهما، فقد أراه أساء الأداء، ونزول عن مرتبته بين الشعراء، فلم لا تكون القصة كلها من صنع الرواة؟

قال: من اليسير أن تشك ولا يلبث الشك أن ينقلب يقينا، فإذا القصة كلها من وضع الرواة: ألا فلتعلم أن القصص أصلا ليس مما يتلاءم والشعر العربي، فما عالجه شاعر إلا نزل عن مستواه العادي، انظر مثلا قصة فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام شراع وارد الثمد فعدته، ثم وقع في الشرك فإذا هو كما زعمت تسعُ وتسعون لم تنقصولم تزد.

روي النابغة هذه القصة في مطولته:

يا دار مية بالعلياء فالسند ****** أقوت وطال عليها سالف الأمد

فكانت دون مستوى شعره عامة، بل دونه في القصيدة نفسها، لقد فطن القدماء لهذه الحقيقة: حقيقة أن الشعر العربي ما كان ليؤدي القصص أداءه

ــــــــــ

(1) العون: مارد جبار في الأساطير الشعبية الصعيدية، وليست أدري أمعروف هو في الأقاليم الأخرى أم محدود في إقليم معين؟ فأما عندنا فهو مضرب المثل، حتى ليقاتل للمفرط في الطول من الرجال: إنه ((عون)) أو ((قد العون)).

/ صحفة 393 /

الأغراض الأخرى، ولقد أضاف بعضهم إلى وجوه إعجاز القرآن تميزه من الشعر بأن القصة ما كانت لتؤثر في آي الذكر الحكيم أثرها في الشعر: فكتاب الله هو هو كتاب الله، قصة كان أو شرعا أو موعظة أو استدلالا.

قلت: هذا جدّ طَبعيّ، فما كان كلام الله جل وعلا ليتأثر بما يتأثر به كلام الناس، ولكني ما زلت أعالج أمر تأبط شرا في قصته هذه، إذا لم يكن وضعها الرواة، فلماذا هذه الأكذوبة العريضة?.

قال: ولماذا لا تعطيه أنت حريته في أن يكذب بالطول والعرض ما شاء له الكذب الطويل العريض؟.

أتحسته حكيما أو فيلسوفا أو فقيها أو ناسكا يزن مقولاته وبتأثم في منقولاته؟ أفليس هو أحد أولئك الذين قال فيهم أصدق القائلين: ((والشعراء بتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون)) ثم هو قبل هذا وبعده صعلوك خليع، يتلصص، ويرتاد الفلوات، ويألف الوحشة، أو على حد تعبيره:

يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدى ****** بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك

استمع إلى أبي إسحق المتكلم، فله كلمة أحسبها جماع هذا الأمر، قال:

((أصل هذا الأمر وابتداؤه أن القوم لما نزلوا ببلاد الوحش عملت فيهم الوحشة، ومن انفرد، وطال مقامه في الفلاة والخلاء والبعد عن الانس استوحش، ولا سيما مع قلة الاشتغال والمذاكرين والوحدة لا تقطع أيامهم إلا بالمني وبالتفكير، والفكر ربما كان من أسباب الوسوسة، وقد ابتلى بذلك غير حاسب... وخبرني الأعمش أنه فكر في مسألة فأنكر أهله عقله حتى حَمَوه وداووه؛ وقد عرض ذلك لكثير من الهند. وإذا استوحش الإنسا مثل له الشيء الصغير في صورة الكبير، وارتاب وتفرق ذهنه، وانتقضت اخلاطه، فيرى ما لا

/ صحفة 394 /

يرى، ويسمع ما لا يسمع، ويتوهم على الشيء الصغير الحقير أنه عظيم جليل، ثم جعلوا ما تصور لهم من ذلك شعرا تناشدوه، وأحاديث توارثوها، فازدادوا بذلك إيماناً، ونشأ عليه الناشيء، ورُربَي به الطفل، فصار أحدهم حين يتوسط الفيافي، وتشتمل عليه الغيطان في الليالي الحنادس فعند أول وحشة أو فزعة وعند صياح بوم ومجاوبة صدى، تجده وقد رأي كل باطل، وتوهم كل زور، وربما كان في الجنس وأصل الطبيعة نفاجا كذاباً وصاحب تشنيع وتهويل، فيقول في ذلك من الشعر على حسب الصفة، فعند ذلك يقول: رأيت الغيلان، وكلمت السعلاة، ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول قتلتها، ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول رافقتها، ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول تزوجتها.

ومما زادهم في مذاهب الباب وأغراهم به ومد لهم فيه، أنهم ليس يلقون بهذه الأشعار وبهذه الأخبار إلا أعرابياً مثلهم، وإلا غبيا لم يأخذ نفسه قط بتمييز ما يوجب التكذيب او التصديق أو الشك، ولم يسلك سبيل التوقف والتثبت في هذه الأخبار قط، وإما أن يلقوا راوية شعر أو صاحب خبر، فالرواة عندهم: كلما كان الأعرابي أكذب في شعره كان أظرف، وصارت روايته اغلب، ومضاحيك حديث أكثر((.

أعرابي وراوية: هذان هما الأصل الأول لما نحن فيه، ثم جاء الثالث، أو ((ثالثة الأثافي)) فيما بعد، وإنما أعنى فئة القاصين.. فهؤلاء جماعة فرضوا أنفسهم فرضاً على المجتمع الاسلامي، واتقسموه فيما بينهم فثم قصاصو العامة تتحلق الناس حولهم، وهناك قصاصو الأمراء والأشراف وأصحاب الفراغ والجدة ومن إليهم ممن يقطعون الوقت في الاستماع إلى غريب الخبر، ولا عليهم أن يكون ما يسمعون قد وقع حقيقة أو خيالا، فإذا أضيف إلى العوامل الذاتية الفردية دوافع اخر تمتُّ إلى السياسة وتثبيت السلطان ـ فإن مجتمعنا الأول كان حريصاً على أن يشرك عالمن الجن في شؤونه العامة ـ كان لنا ثروةٌ أيةُ ثروة من التكاذيب أو ما يسمونه الميثولوجيا.

قلت: لو عني المسلمون بتنقية الشريعة من هذه الأكاذيب! فلست أشك في أنها تسىء إلى الإسلام إساءة بالغة، وهي منبثة في كتب التفسير والحديث والفقه، وقد يقرأ غير هذه القصة هنا أو تلك الأسطورة هناك فيحسبها من أصول العقيدة الإسلامية.

/ صحفة 395 /

قال: القول أصحاب تكاذيب، وأنت صاحب تهاويل. فلست أرى من هذه التكاذيب إلا وجهها السمح، وناحيتها المشرقة، والرأي عندي أن نجمعها من مصادرها المختلفة ونضم أشتاتها، لا باعتبارها كلاماً فارغاً، بل باعتبارها علماً له أصوله وقواعده.. أليست الميثولوجيا عليما له ونه ولعمائه وقارهم؟ إن في الغرب للحيً بيضاً وأخر سوداً تهتز في وجوهٍ أبى أصحابها إلا أن تكون أدمغتهم محشوة ((بجبتير)) و ((مارس)) و ((اپلون)) و ((فينيز)) و ((منيرفا)) و ((ديانا)) وآلة الآلهة، والآلهة، واصنصاف الآلهة والأناس الذين اتصلوا بالآية. فهذه أنثى آديمه أرضية احبها إله سماوي، وتلك إلهة سماويه أحبت إنسانا أرضيا، وقد يخُفق هذ الحب حينا، وينجح أحيانا، فتنشأ في السماء أسر إلهية آدمية، وعلي الأرض أسر آدمية إلهية، يأبي بطارقة الروم الاول إلا أن يكونوا من أصل إلهي على خلاف ((البيالبة)) الذين لم ينموا لاي غير آدم وإذا شئت ألا تبعد النجعة فأمامك الميثولوجيا الوطنية، ولك في ((هوريس)) و ((ايزوريس)) و ((ايزيس)) و ((ابيس)) وغيرهم من تناج إبيلس في وادي النيل ما يقفك موفق الندّ للند، بل موقف الجد من إلهة اليونان وآلهة الورمان.

هذه تكاذيب لا تعتمد إلا على محض الخيال، ولها مع ذلك أو لذلك جمالها وجلالها وسحرها الذي يفتن ذوى اللحي من أصحاب الكراسي في الجامعان المشهورات، فإذا أردنا أن ندرس تكاذيبنا التي نبتت في الصحراء ونقلها الرواة إلى الحواضر، حيث عني بها القصاصون قآتت أكلها ضعفين، فإن وسائلنا أوسع ومصادرنا أقرب، ولسنا بمضطرين إلى إن نرجع 5000 أو 6000 سنة قبل الميلاد، بل يكيفنا القرن الخامس الميلادي أو الرابع ليكون نقطة الابتداء.

قلت: ولكن ثم إشكالا: أنسميها الميثولوجيا الأعرابية بالنظر إلى أرومتها؟ ولكن الذين بسطوها ونموها ليسوا من الاعرابية ـ بل ليسوا من العرب ـ في شيء، فالتسمية إذاً كذبة تاريخية.

/ صحفة 396 /

قال: سمها التكاذيب الأعرابية أو الإسرائيلية أو ما شئت، ولا رقيب، فهي كذبة تسم تكاذيب، فليس في الأمر غريب!

قلت: لست أدري مم تسخرون؟ أمن اقتراح تنقية الشريعة الاسلامية من التكاذيب، أم من التكاذيب ذاتها، أم مما لست أدري؟.

قال: مما لست تدري ولا أدري، وإن كنت أدري أن مسألة التكاذيب ليست مسألة الساعة ولا مسألة اليوم، فثم مسائل أخَرُ أولى أن يتجه إليها التفكير، ويتناولها التدبير، فقبل أن ننقي الشريعة الاسلامية أو نصفيها، وهي فيما علم الله آية في النقاء والصفاء، وما كانت التكاذيب لتنال منها إلا ما نالت الأيام من كنوز توت عنخ آمون يوم كشفوها، فلعلها كانت يومئذ أنقي نقاءً وأصفى صفاءً منها يوم دفنوها مع صاحبها ـ قيل هذا لنتساءل: أين الأمة الاسلامية؟ وأين أصحاب التفسير من قوله تعالى: ((إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء))؟.

قلت: تفرقٌ كلمة المسلمين أمرٌ أراده الله ولو شاء ما تفرقوا.

قال: ولقد قال أصحاب الشرك ((لو شاء الله ما أشركنا..)) قالوها وما لهم بها من علم فما كانوا مُعذرين، أفترى المسلمين لو قالوا لو شاء الله ما تفرقنا؛ أعذروا، وسقط عنهم واجب الجمع: جمع الكلمة التي تفرقت؟.

قلت: إذا لمُّ شعث المسلمين فرضاً فهو بطبيعة الحال فرض الكفاية لا فرض عين، فما كانت عامة الأمة لتحمل هذه التبعة التي لا يتهيأ لها إلا القادرون علهيا.

قال: ولكنك تعلم أن فرض الكفاية إذا أهمله أصحاب الكفاية لم يأثموا وحدهم بل أثمت العامة معهم.

قلت: معلوم أنه سبحانه وتعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا يأخذني بجريمة غيري، فكيف إذن تَزِر بالعامة وزر الخاصة؟ على أنه

/ صحفة 397 /

حل وعلا يقول: ((ولا تزر اوزرة وزر أخرى))؟ الواقع أنه ليس بمستطاع أن نوفق بين آي الذكر الحكيم من ناحية وبين هذه القاعدة من الناحية الأخيرى أعنى قاعدة أخذ العامة بإثم الخاصة متى كنا إزاء فرض كفاية، لقد عرَّقوا فرض الكفاية بأنه الفرض الذي إذا قام به البعض سقط عن الكل وإذا لم يقم به البعض أثم وأثم معه الكل إن التعبير نفسه موضع نظر فهو أولا من حيث الشكل لا يجري مجري الفصيح فهم يكرهون تحلية ((بعض)) و ((كل)) بالألف واللام ثم هو ثانياً من حيث الموضوع يناهض حكما من الأحكام التي صدع بها القرآن وصرح غير ذات أو ذوات، ومتى اقترفت فلا يجوز أن تمتد يد العقاب إلى من عدا هذه الذات التي أجرمت.

قال: على رسلك فأنت تهرف بما لا تعرف.. فأما من حيث الشكل فلست أدري لماذا يضنون على ((كل)) و ((بعض)) بأداة التعريف؟ وسواء أكانت العرب هي التي ضنت أم كان النجاة هم الذين ضنوا؛ فإن أصحاب المنطق والكلام والأول والفقه لم يضنوا على ((كل)) و ((بعض)) بل ((الكل)) و ((البعض)) من الكلمات الشائعة اليت تضطرب في مؤلفاتهم كل مظطرب. وأما من حيث الموضوع فإنك تجهل على السلف، وتسرف في جبلك هذا حين تظنهم قَعَّدُوا قاعدة غافلين عن كتاب الله، بل متناقضين وإياه.

إنهم أخذوا العامة بجريمة الخاصة فيما يبدو لك، وواقع الأمر أنهم لم يأخذوا العامة إلا بجريمتها، فلقد أعطى الإسلام عامة المسلمين حق الرقابة على خاصتهم كي تستقر على السراط السمتقيم فإذا أعوَجَّت.. فالويل لها من جواب ((إذا)) الخافضة لشرطها المنصوبة بجوابها، وهكذا يتبين لك أن العامة تترك شرط إذا معلقاً في حين أن عليها الجواب.. إنه وزرها فلا تجسبنها تزر وزر غيرها في مسألة فرض الكفاية، ألاوإني لزعيم لك أن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً هم جميعاً شركاء في هذا الأمر عامتهم وخاصتهم. إلا أن تقيس الإثم بقدر الطاقة.

لقد فهمت العامة منذ كان الإسلام أنها ذات سلطان واسع في الشئون العامة دينية كانت أو دنيوية، وإليك هذه القصة التاريخية فهي مفيدة فيما نحن فيه.

/ صحفة 398 /

روي المسعودي أن أبا حخليفة الفضل بن الحباب الجمحي المتوفي سنة 305 هـ، وكان فصيحاً مُعرِباً لا يتكلف الإعراب بل صار له كالطبع لدوام استعماله إياه من عنفوان حداثته؛ خرج مع بعض أصحابه متفكهين إلى نهر من أنهار البصرة وقد غيروا ظواهر زيهم كي لا يعرفهم لاناس، وكان ذلك أيام المبادئ وهي الأيام التي يثمر فيهما التمر والرطب فيكسبونه في القواصر تمراً وتكون حينئذ البساتين مشحونة بالرجال ممن يعمل في التمر من الأكَرَة وغيرهم، فلما أكاوا قال بعضهم لأبي خليفة غير مُمن له، خوفا أن يعرفه من حضر من العمال في النخل: أخبرني ـ أطال الله بقاءك ـ عن قوله الله عز وجل: ((قوا أنفسكم وأهليكم نارا)) هذه الواو ما موقعها من الإعراب؟ قال أبو خليفة: موقعها رفع، وقوله ((قوا)) هو أمر للجماعة من الرجال. قال له: كيف تقول للواحد من الرجال وللأثنين؟

قال: يقال للواحد من الرجال ((قَ)) وللاثنين ((قيا)) وللجماعة ((قوا)) قال: كيف تقول للواحدة من النساء وللاثنين وللجماعة منهن؟ قال أبو خليفة يقال للواحدة ((قي)) وللاثنتين ((قيا)) وللجماعة ((قين)) قال فأسألك أن تعجل بالعجلة: كيف يقال للواحد من الرجال والاثنين والجماعة، وللواحدة من النساء والاثنتين والجماعة منهن؟.

قال أبو خليفة عجلان: قِ، قيا، قوا، قي، قيا، قين. وكان بالقرب منهم جماعة من الأكرة فلما سمعوا ذلك استعظموه وقالوا: يا زنادقة أنتم تقرءون القرآن بحرف الدجاح وغدوا عليهم فصفعوهم.. فما تخلص أبو خليفة والقوم الذين كانوا معه من أيديهم إلا بعد كرّ طويل.

قلت: إن منا الآن من يريد أن يقرأ القرآن بالحروف الأوردية والسكسوتية واللأتينية وما شئتم من حروف يتكلمها سكان هذه الكرة التي ضاقت بما حملت من لغات وأصحاب لغاب فهم يريدون أن يتخطوها مادَّينَ بسبب إلى القمر أو غيره من السماوات.

قال:

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ****** ولكن أخلاق الرجال تضيق

/ صحفة 399 /

وإنه لقرآن عربي غير ذي عوج، وما كان سبحانه وتعالى ليقو هذا في كتابه المبين غير مرة لمجرد الإخبار.. إنه لقرآن.. وإنه لعربي فإذا كان غير عربي فهو قرآن إن شاءوا، بيد أنه ليس هو الذي نزل به الروح الأمين على قلب خاتم الأنبياء والمرسلين، لقد نسبه منزله إلى اللغة العربية وقد كان سبق في علمه أنها آخر الأمر منتسبة اليه، فليست العربية الآن لغة شعب يتكلمها فطرة وانما نحن نتعلمها في مصر والعراق والجزيرة وإيران وغيرها بوصف كونها لغة القرآن لا لأنها اللغة التي كانت تتكلمها قريش ومن إليها حتى نهاية القرن السادس أو السابع أو الثامن، دنها الآن لغة القرآن أو اللغة القرآنية كما كان يقال في سالف الزمان: لغة العرب أو اللغة العربية.

قلت: أفهم من هذا أن اللغة العربية تعد من اللغات الميتات إذا أغفلنا ذكر القرآن، فنحن نتعلمها في مصر والهند وإيران، وقد نُنجِحُ في تعلمها أيَّما إنجاح، وقد يخفق البدوي النجدي إذا حاول أن يتعلمها إيَّما إخفاق، فالقرآن إذن هو الكائن الحي الأوحد الذي يتكلم العربية ابتداءً أو فطرةً إن صح هذا التعبير أما هي فلا تعدم مكانها بين الأموات ولاتزل منزلتها بين الأحياء إلا به، فلو نقلنا القرآن إلى المسلمين بلغاتهم المختلفة، وأصبح لفارس قرآنها الفارسي، ولتركيا قرآنها التركي، ولنجد قرآنها النجدي، ولصعيد مصر قرآنها الصعيدي الذي يكثر حوشيه ووحشيه إذا قران سكان الوجه البحري ذوو القرآن الرقيق الذي قد يدق على ذوق الصعيد الغليظ، لو فعلنا فمعلتنا هذه لنقلنا لغة القرآن إلى صندوق العدم هناك بجوار شقيقاتها الساميات وبنات عمها من غير الساميات، وبات حُمادَاها أن تدرس في الجامعات كما تدرس السريانية والعبرية واليوانية القديمة واللاتينية.

قال: قد تكون هذه آمال حزب الشيطان، ولكني أقطع بأنها لن تكونآمال الشيطان نفسه، فهو يعلم وإن جهل أفراد حزبه أنه قرآن عربي غير ذي عوج لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه، وأن الذي نزله قرر حفظه على تعاقب الأجيال، وتقلب الأمم من حال إلى حال ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)).

/ صحفة 400 /

قلت: إن محمداً رسول الله عليه صلوات الله لم يُلقِ عصاه فإذا هي حية تسعى، ولم يدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، ولم يحي الموتى، ولم يبرئ الأكمه والأبرص، ولم يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله. وإنما كانت آيته هذا القرآن الذي أعجز العرب في أبعد الأشياء عن إعجازهم و أن الأمر كان إنسانياً. أعجزهم في لغتهم حين امتلكوها امتلاكا مثاليا ليس بعده إلا الانحدار بطبيقا للقاعدة الثابتة، قاعدة ((ما تم شيء إلا بدا نقصه)) ففي طور هذا التمام الكامل أو الكمال التام نزل القرآن متحديا أئمة البيان أن يأتوا بعشر سور مفتريات، بل بسورة واحدة مفتراة، فلما لم يستجيبوا علموا أنه إنما أنزل بعلم الله. هو إذن معجزة المعجزات أو آية الآيات، فأنا قد أعجزك في أشياء كثيرة، إلا أن يتناول إعجازي إياك شؤون فطرتك، فذلك شأن خلاق الفِطَر وحده لا شريك له. ذلك الحدث الضخم في تاريخ الانسانية يمكن ألا تدركه الأبصار، بل هي لا تدركه بالضرورة إذا أنت قرأت: ((فاتحة الكتاب)) أو ((قل أعوذ برب الناس)) بلغة غير لغة القرآن، أو بعبارة أدق، إذا خيل لك أنك تقرؤها، فواقع الأمر أنه من المستحيل أن تقرأ القرآن بغير لغته.

قال: رويدك. لكأنك تحاج شيخك في مسألة ترجمة القرآن وكأنه أمرٌ أحاوله فأنت في سبيل إقناعي باستحالته. في حين أن حديثي معك لم ينصب أصلا إلا على شعر تأبط شرا في الغول التي قتلها وأخبر خبرها فتيان فَهم.

قلت: فقد جرنا هذا إلى التكاذيب في الشعر والأدب. وكيف هاجرت من الصحراء إلى الحواضر فالتقت بصنف آخر من الإسرائيليات وغيرها. وكيف تزوج الصنفان وأعقبا بنين وبنات، فكان لنا من الترهات والخرافات صرح يعدل صرح الميثولوجيا اليونانية أو غيرها من المثولوجيات القديمات.

/ صحفة 401 /

قال: صرح مجازا، فهو في الحقيقة أنقاض أو مواد كثيرة ذات ألوان مختلفة يمكن أن يؤلف مها ((كلٌّ فنيّ)) يعجب أولئك الذين يُعنَون بالآلهة والشياطين الخياليين، وهذا ((الكلّ الفني)) ـ بالألف واللام، على رغم أنوف النجاة وأنفى، من جملتها جوٌّ كافٍ لاستفراغ طاقة أولئك الذين يلحدون في آيات الله، والإلحاد في آيات الله ليس جديداً، فما غادر الزنادقة القدماء من مُتَردَّم، ولا تركوا للمحدثين ما يمكنن أن يوصف بأنه جديد بالإضافة إلى التليد من أعملا شياطين الجنّةِ والناس.. فنصيحتي الخالصة لهم ـ ولست أكذبهم أو أسخر منهم ـ أن ييمموا وجوههم نحو التكاذيب ويجمعوا أنقاضها ليقيموا صرحها ولعمري إنه لمجد وذكر.. ومن يدري فقد تسمع بعد عشرين أو ثلاثين سنة أستاذاً يحاضر ((طلبة شعبة التكاذيب)) في إحدى كليات الجامعات مبيناً لهم أن واضع حجر الاساس في هذا المعبد المقدس، معبد التكاريب العربية؛ هو الدكتور عبيد أو هبيد.

قلت: هبيد ليس دكتوراً في الآراب، وإنما هو من شياطين الشعر وقد زعم أعرابي قديم أنه رآه في إحدى رحلاته وهو لا يعرفه وقدم له هبيد عسًّاً من اللبن فعافته نفسه، فلم يَشربه، فقال له: والله لو شربته لكنت أشعر الناس، وانصرف عنه، فندم الاعرابي لات ساعة مَندَم.

وقال:

ندمت على عس الهبيد وشربه ****** لقد حَرَمتنيه صروف المقارد

ولو أنني إذ ذاك كنت شربته ****** لصرت لقومي شاعراً أي شاهر

قال: فقد يكون شربه أحد أعلام القرن العشرين فلم يقع في الخطأ الذي نقع فيه ذلك الاعرابي القديم، وقد يكون هبيد توط مع مقتضيات العصر فأصبح يوحي إلى أصحابه النثر، وقد دالت دولة الشعر.

قلت: تكاذيب الأعاريب، وأساطير الأمم الأخرى والشعر والنثر وشرعة الإسلام، ووحدة المسلمين، والقرآن المبين... ألا ترونه سَمَكا ولناً وتمراً هندياً أو في الأقل ألا ترون افكم تُّرَكبون اللغة والأدب والشرع الحنيف تركبياً مزجياً.

/ صحفة 402 /

قال: صه! فإنمكك تركب الكلام ومعانيه تركيباً جهلياً، وإلا فما وجه العجب في أن يلتم الأدب والشريعة الاسلامية.. إنها لحقيقة قديمة قدم الإسلام نفسه تلك التي تغفل عنها، والظاهر أن الغافلين عنها قد كثروا في هذه الأيام، حتى أصبح من جملتهم بعض الخاصة، ذلك بأن القوم منذ الصدر الأول وقد بدأت الدراسة العلمية قد تبينوا وبينوا أن لدراسة الأدب غرضين: غرضاً أدنى وآخر أعلى، فأما الغرض الأدني فهو أن يحصل للناظر في اللغة والشعر وما إليهما ملكة المنظوم والمنثور، ومتى حصلها فهي حسبه وكفى، ما دام هذا مدى هتمه، فأما أن يسمو إلى الغرض الأعلى، وهو القدرة على استنباط الاحكام من كتاب الله وسنة رسوله فعليه أن يواصل البحث والدرس كي يحيط بهذه اللغة العربية إحاطة تمكن له أن يدرك أسرارها، وإلا فكيف تتصدى للقرآن وهو الأدب المثالي لهذه اللغة وأنت تجهل بعض سرها في حين أنه هو سرها الأعظم.. الأدب إذن هو بعض أدوات الفقيه المسلم، بعضها لا كلها.. إن الكرام الكاتبين في أيامنا هذه ـ وكثيرٌ ما هم ـ يجهلون هذه الحقيقة التاريخية الكبرى وهم لا يعرفون من لغة القرآن إلا قدر ما يعرف البائعونه والبائعات في البيوتات التجارية من لغة ((بلزاك)) و ((فيكتور هيجو)) وأحسبني علم الله تجاوزت بأولئك قدرهم فليس من شك أنك مُلفٍ بي البائعين والبائعات من الفرنسيين والفرنسيات من يحسنون فهم لغتهم إحسانا يرضى عنه العلماء.

قلت: إذا كانت اللغة والأدب بعض أدوات الفقيه لا كلها، فتلك حقيقة أولى بكم ثم أولى أن توجهوا إليها الفقهاء والمتفقهين، لا الكاتبين الذين يسودون وجوه الصحف بما شاءوا من هراء، هو الزبد يذهب جفاء أو هو الورق مصيره إلى الحوانيت والدكاكين كي يلف به ما يجشو المصير في البطون، إذ هو غير ملتف على غذاء الأدمغة والعقول.

قال: أرى أبصار الفقهاء والمتفقهين متجهة وليست في حاجة إلى توجيهك.. ولكنه حلم الحلماء يغرى بهم السفهاء... وها قد نودي للصلاة فلتسع إلى ذكر الله وقية الحديث تأتي إن شاء الله.