/ صفحه 48/

الفرق بين الدين والمذهب

لحضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الشيخ محمد جواد مغنيه

رئيس المحكمة الشرعية الجعفرية العليا ببيروت

نريد من الدين ـ هنا ـ الإسلام، ومن المذهب أي مذهب من المذاهب الإسلامية السُّنية أو الشيعية، والفرق بين الإسلام وبين أحد مذاهبه من وجهين، أو أن كلامنا في هذا المقام يقع في وجهين من الفروق:

الأول: أن الإسلام أعم، لأنه يشمل جميع المذاهب، والمذاهب أخص، لأنه واحد، ومن ثمرات هذا الفرق أنه إذا قال أتباع مذهب بأن الإسلام يأمر يكذا، ورأى أتباع مذهب آخر العكس فلا يحق لأحدهما أن ينكر على الثاني وينفي عن قوله الصفة الدينية الإسلامية.

لقد انفرد كل مذهب بقول لم يوافقه عليه أحد من سائر المذاهب، كقول الشيعة بأن البنت تختص بالميراث مع عدم الولد الذكر، وقول أبي حنيفة بأن الصلاة تصح بغير الفاتحة، وقول مالك بأن الحامل إذا بلغت ستة أشر فليس لها أن تتصرف فيما زاد عن الثلث، وقول ابن حنبل بأن من تزوج امرأة وشرط ألا يتزوج عليها، يلزمه الوفاء بالشرط، وقول الشافعي بأن شرط الخيار لا يصلح في الإجارة، فكل واحد من هذه الأقوال تخالفه أربعة مذاهب مجتمعة، ومع ذلك لا يسوغ لأحد أن يدعى بأنه ليس من الإسلام، ما دامت المذاهب بكاملها تنتمى إلى كتاب الله وسنة نبيه بنسبة واحدة، وإن نفي الإسلام عن مذهب يستتبع نفيه عن الجميع، وثبوته

/ صفحه 49/

لمذهب يستدعى ثبوته للجميع بدون أدنى تفاوت، وهذ بديهي كالقول بأن المساويين لثالث متساويان.

وكما لا يسوغ نفي الإسلام عن مذهب إسلامي; لا يسوغ أيضاً نسبة حكم في مذهب إسلامي إلى الإسلام بنحو الإطلاق، فلا ينبغي أن يقال: ثبت في الشريعة الإسلامية أو في الفقه الإسلامي كذا، إذا لم تتفق عليه جميع المذاهب السنية والشيعية، بل لا ينبغي أن يقال: السنة تقول كذا إذا خالف أحد مذاهبها، وإنما يقال: ثبت في المذهب الإسلامي الحنفي، أو المذهب الإسلامي الجعفري.

الثاني: أن الإسلام هو الدستور الذي بُينت مواده وأحكامه في الكتاب والسنة، وهي أحكام واقعية ثابتة لا تختلف باختلاف علم المكلفين بها أو جهلهم، أما المذهب فهو عبارة عن رأى صاحبه وفكرته عن الإسلام أو بعض أحكامه، فإذا
كانت فكرته انعكاسا حقيقياً عن حكم الله فهي صواب، والإفخطأ يعذر صاحبه إذا كان قد أفرغ الوسع في البحث والتنقيب عن الدليل، وعليه يكون الفرق بينهما كالفرق بين الوجود الخارجي والوجود الذهني، بين الحقيقة الواقعية وتصورها.

ومن ثمرات هذا الفرق أن مخالفة المذهب ليست دائماً مخالفة لواقع الإسلام وحقيقته، بل لفكرة صاحب المذهب والصورة الذهنية التي تصورها عن الإسلام، لذايعدل الفقيه عن رأيه متى تبين له الخطأ.

إن أفكار الإنسان عالما كان أو جاهلا تتصل اتصالا وثيقاً بحياته وظروفه الخاصة فحياة الأديب تنعكس في أدبه، وحياة الفقيه تنعكس في أحكامه وفتاويه، ومن هنا تعددت الأقوال والمذاهب، ومن هنا قال الإمام أبوحنيفة بجواز التكبير في الصلاة بغير العربية، لأنه فارسى الأصل، وتعددت المذاهب واختلفت، أما الإسلام فواحد لا اختلاف فيه ولا تعدد، كان قبل المذاهب، وسيبقى إلى الأبد.

/ صفحه 50/

ليست آراء الفقيه ظلا حقيقيا للأحكام الشرعية الواقعية، وإنما هي اجتهادات تعبر عن الحكم الواقعي في نظر المجتهد، وليس من شك أن الاجتهاد يقبل الجدال والنقاش، وإن بلغ دليله من القوه ما بلغ، غاية الأمر أن قوة الدليل تضعف احتمال الخلاف، ولا تلغيه بالمرة، وإلا فيخرج عن كونه اجتهاداً، ويصبح ضرورة دينية يشترك في معرفتها العالم والجاهل.

وعلى أي الأحوال فإن الاجتهاد حجة في حقّ صاحبه يجب عليه اتباعه والعمل به، أو قل كما قالت الشيعة الإمامية: إن الحكم الشرعي على قسمين: حكم واقعي، وهو الذي شرع بالتشريع الأولى في حقّ جميع المكلفين، ولم يقيد بعلم أو جهل. وحكم ظاهري، وهو الذي شرع في حقّ المجتهد عند ما تقوم لديه الأمارة من ظواهر الكتاب، أو السنة الثابتة بنقل الثقات، أو إجماع العلماء، أو دليل العقل، وقد يتفق الحكم الظاهري مع الحكم الواقعي، فيكتب للمجتهد أجران، أحدهما على العمل بالواقع، والثاني على ما بذله من جهد، وأحكام المذاهب كلها ظاهرية ليست بحجة إلا في حقّ القائلين بها، حتى هؤلاء يجب عليهم أن يعدلوا عنها إذا انكشف لهم العكس.

وبالتالى فإن التعصب لمذهب هو تعصب للفرد، تعصب لصاحب المذهب بالذات لا تعصب للإسلام، ولا لمبدأ من مبادئه، وإذا كان لابد لنا من التعصب فلنتعصب للدين، للإسلام لا لمذهب من مذاهبه، على أن يكون تعصبنا للإسلام الحرص على تعاليمه، واحترام شعائره، والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، نتعصب للإسلام ببث روح الألفة والتآخى بين المسلمين جميعا.