/ صفحه 51/

قال شيخى

لحضرة الكاتب، الفاضل الأستاذ أحمد محمد بريرى

قال شيخي:

إذا المرء لم يحتل و قد جد جده * * * أضاع وقاسى أمره و هو مدبر

ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلا * * * به الخطب الا و هو للفصد مبصر

فذاك قريع الدهر ما عاش حوّل * * * إذا سد منه منخر جاش منخر

أقول للحيان و قد صفرت لهم * * * و طابي، و يومى ضيق الجحر معور

هما خطتا: إما إسار و منة * * * و إما دم، و القتل بالحر أجدر

و أخرى أصادى النفس عنها و إنها * * * لمورد حزم إن فعلت و مصدر

فرشت لهم صدرى فزل عن الصفا * * * به جؤجؤ عبل و متن مخصّر

فخالط سهل الارض لم يكدح الصفا * * * به كدحة و الموت خزيان ينظر

فأبت الد فهم وما كدت آيبا * * * وكم مثلها فارقتها وهي تصفر كان له كهف في جبل يشتار منه العسل فعرفته لحيان و هم عدوه، فأحذوا عليه الطريق و قالوا استأسر، ولكنه كان قد أعد للامر عدته، و اتخذ له أهبته بأن فتح في الجبل نافذة إلى السهل صب منها العسل على الصخر المنحدر، و هكذا نزل تجذبه الأرض و يمسكه العسل إلى الصخر، فما زال بين بين حتى تسلمه السهل سليماً لم ينقدق له عنق و لم ينكسر له ضلع.. و عاد إلى قومه و ما كاد يفعل، فقد كان الموت يترصده، و كان حرياً أن يموت، لو لا أنه حُوَّل قُلب متبصر صاحب حيل لاتنفد.. إذا سد منه منخر جاش منخر، فهو قريع الدهر حازم أبداً لا يرد مورداً إلا عالماً كيف يصدر.

/ صفحه 52/

لقد كان أمره - لو أنه كان من عامة الرجال - واحدة من اثنتين: ذل الأسر والمنة إن عفوا عنه، و الثانية أن يقتلوه و هي الأولى بالرجل الحر الكريم، على أنّ ثم ثالثة يصادى عنها نفسه، و تالله إنها لمورد الحزم و مصدره: يلصق أو يلسق أو قل يلزق بالعسل إلى الجبل كى يسلمه إلى السهل إلى آخر ما عرفت.

قلت: فمن يكون هذا الحول القلب الذي إذا سد منه منخر جاش منخر: و إن كان التعبير يجلب الغثيان، فما كانت المناخر لتجيش بما تستريح إليه النفوس.

قال: إذا أسلمت ما يجيش به منخراك و منخراً شيخك و ما شئت من مناخر صحيحة أو معتلة الى كيمائى فحلله الى عناصره الاولى; فانه ان يأتيك الا ببعض ما تأكل أو تشرب... فليكن عيشك اذن غثيانا في غثيان على عثيان ما طعمت طعاماً أو شربت شرابا أو فركت فيما تطعم و تشرب.

قلت: فقد يقرأ حديثنا هذا بعض ذوى الذوق السليم، و لا أحب أن أسبب لهم ما سببته لشاب ظريف أنشدته قول الشماخ:

و عرفت رسما دارساً مخلولقا * * * فوقفت و استنطقته استنطاقا

فكانت ((استتنطقته استنطاقا)) هذه وجع قلب أرهقه ارهاقا:

قال: فليته أحرقه احراقاً، وليتك سميت الاشياء و الذوات بأسمائها، فقلت قد يقرأ حديثنا بعض ذوى الذوق المريض، و انك أنشدت شاباً عليلا قول الشماخ فليس من سلامة الذوق أن تنفر من واقع الحياة، الا أن يكون شذوذاً غير متوقع و لامنتظر

قلت: توقع و انتظار أى فرق بينهما؟ و متى أحب شيخى التزيد أو الحشو أو التكرار لمجرد التكرار؟

قال: الفرق بينهما كالفرق بين الليل و النهار، فأنت تتوقع (الواقعة) و تنتظر الفرج، فهذا للخير و ذاك للشر.

قلت: فانى أحيل شيخى على غير واحد من زملائه الكبار الذين (يتوقعون الخير) فيما يقولون.

/ صفحه 53/

قال: فلعله بدل غلط: أرادوا أن ينتظروا فتوقعوا غلطاً، كما تقول: اللهم أدخلنى جهنم الجنة. أردت الجنة فقلت جهنم، أو كما يقول النحاة: رأيت زيداً الحمار: أردت الحمار فقلت زيداً.

قلت: هم يفرقون بين بدلى البداء والغلط، فبدل البداء هو ما لا تناسب فيه بين الاثنين، بل هما متباينان لفظاً و معنى نحو مررت برجل امرأة: أخبرت أولا أنك مررت برجل، ثم بدا لك أن تخبر أنك مررت بامرأة دون ابطال الاول، فكأنهما اخباران، و يمثلون لهذا البدل بحديث أحمد و غيره: ((ان الرجل ليصلى الصلاة و ماكتب له نصفها ثلثها)) أخبر أنه يصليها و ما كتب له نصفها، ثم أضرب و أخبر أنه يصليها و ما كتب له ثلثها.. و أما بدل الغلط فهو ما ذكر فيه الاول دون قصد و انما هو سبق اللسان، و بهذا يفارق بدل البداء الذي يعنى كلا الجزءين فقولنا رأيت رجلا امرأة; صالح لان يكون بدل بداء ان قصدت الخبرين، و لان يكون بدل غلط ان أردت الاخبرا بأنك رأيت امرأة ولكنك غلطت فقلت رجلا.

قال: بخ بخ لك فهذا كلام له مدلول: و هو لعمرى لغة القوم، و ما أدراك ما القوم على أن منهم من أنكر بدل البداء و بدل الغلط كليهما، فقالوا في الاول انه مما حذف فيه حرف العطف، و في الثانى انه لم يوجد قال المبرد: بدل الغلط لايكون مثله في كلام الله و لا في شعر و لا في أثر و لا في كلام مستقيم، و قال خطاب لا يوجد في كلام العرب لا نثرها و لا نظمها و قد عنيت بطلب ذلك في الكلام و الشعر فلم أجده، و طلبت غيرى به فلم يعرفه، و ادعى محمد بن السيد أنه وجد في قول ذى الرمة:

لمياء في شفتيها حوة لعس * * * و في اللثات و في أنيابها شنب

قال: فلعس بدل غلط، لان الحوة السواد بعينه، و اللعس سواد مشرب بحمرة، ورد بأنه من باب التقديم و التأخير، و تقديره في شفتيها حوة و في اللثات لعس، و في أنيابها شنب، و شيخك من هؤلاء الذين لايعرفون بدل الغلط و لا بدل البداء.. على أنه قد يبدو لك، و قد تغلط، فقد شاء الله أن تغلط الناس و أن يبدو لها ما لم يكن قد بدا، ولكن ذلك شىء، و البدل في النحو و اللغة شىء آخر.

/ صفحه 54/

قلت: ولكنكم أثبتم بدل الغلط اذ كان حديثنا عن زملائكم الكبار الذين يتوقعون منتظرين.

قال: و ما على اذا لم تفقه البقر. فأنا لم أشاء أن أرمى اخوانى بما لا يحبون، لم أشأ أن أخبرك بأنهم يغلطون فلم أجد لهم درعاً واقية خيراً من بدل الغلط فهم يغلطون علما لا جهلا. أو قل هم يغلطون وفقاً للقواعد. و لان تخطىء بناءاً على القاعدة خير من أن تصيب على خلافها.

قلت: توارد خواطر.. و لو كان المتلكم غير شخى لقلت سرقة من (موليير) الشاعر الفرنسى الذي أبدأ و أعاد في هذا المعنى على ألسنة أطبائه الذين كان يسخر منهم و من طبهم.. فهذا مريض يقررون أنه مائت دون شك في أجل موقوت، الا أن الاجل يفوت، و الرجل لا يموت، فكيف و قد قضت القواعد العلمية بأنه قد مات؟ نعم مات و ان حياته لكاذبة فما دام العلم قد قضى بأن الرجل مقضى عليه فهو لا محالة مقضى عليه و لو شبه له و لغيره أو خيل اليهم أنه حى يرزق.. كلا و أنف الحقيقة في الرغام.. ذلك بأن العلم لا يكذب; فاذا ناقضه الواقع فهذا الواقع غير واقع. و يجوع مريض (موليير) فيغضب الطبيب العالم لان الاموات لايأكلون و لا يشربون فما بال هذا الميت يريد أن يأكل.. اسكت يا رجل فانك ميت هكذا قرر العلم و من أنت حتى تريدنا على أن نكذب صدق العلم و نصدق كذبك.. لقد مت و انقضى على وفاتك زمن طويل..

قال: على رسلك فما ابتكر (موليير) و لا سرق شيخك و ليس بمستغرب أن يكون للعلم منطق غير منطق الواقع أفلسنا في باب البدل أو ليس ثم شىء اسمه بدل الكل من البعض، ان بدل بعض من كل يتصوره العالم و الجاهل على حد سواء فأما أن تبدل كلا من بعض فذلك شأن النحاة أو العلماء وحدهم.. أعرب:

رحم الله أعظما دفنوها * * * بسجستان طلحة الطلحات

فأنت تجدك تقول (طلحة) بدل من (أعظما) أو قوله تعالى: ((يدخلون الجنة و لا يظلمون شيئاً جنات عدن)) فجنات و هي كل، بدل من جنة، و هي بعض.

/ صفحه 55/

قلت: و لم لا تكون جنات عدن بعضا من الجنة فهى جنس يشمل جنات عدن و غيرها من الجنات.

قال: و هل (أعظما) جنس بعضه طلحة؟

قلت: أجل فكلنا - أعنى الاحياء جميعاً - أعظم أو عظام متى غادرتنا الحياة أو غادرناها فطلحة الطلحات بعض الاعظم أو بعض العظام ان لم يكفك جمع القلة.

قال: و هكذا نستطيع أن نمضى قدماً (في المحيط الفارغ) الى حيث شاء العلم و الا فما ميزة العالم ااذ لم يستطع أن يجعل من العدم وجوداً.

قلت: فليتنا لم نمض في باب بدل الغلط.

قال: مضيت فيه وفاتك منه أبدع ما فيه فأنت تعلم أنه يغتفر في الشعر مالا يغتفر في النثر الا في بدل الغلط فانهم أو بعضهم يبيحونه في النثر لا في الشعر:

قلت: و سؤالى الاصلى قائم لم تعرضوا له فما كنت لانسى أنى سألت عن ذلك الحول القلب الذي ااذ سد منه منخر جاش منخر، هذا هوالاصل ولست أدرى كيف تفرعت بنا الفروع فخرجنا عن الموضوع.

قال: وأى عجب في هذا، أنهاالسنن الموروثة مذ كان في العالم علم وعلماء وفقه وفقهاء ومذاهب تتفرع عنها مذاهب.. فهل تريدنى على أن أخرج على الاوضاع التي قررت فاستقرت فتقدست فألزمت فاستلزمت أن نحرص عليها أن يعبث بها العابثون الجاهلون الذين لايعرفون كيف يفرعون من الاصل الواحد عشرات بل مئات بل ألوفاً من الفروع التي تنمو فتصبح أصولا ضخمة ذوات فروع لاتلبث أن يلتف حولها فروعها، و هكذا حتى يوم الدين.

قلت: فمؤدى هذا أن ينقلب الوضع فيصبح الفرع أصلا يطغى على الاصل الاصيل.

قال: فدع الاصول و الفروع و عد معى الى ما كنا فيه، أما كنت تتساءل عن الحول القلب الذي اذا سد منه منخر جاش منخر؟ انه ثابت و كنيته أبو زهير:

/ صفحه 56/

و اسماً أتى و كنية و لقبا * * * و أخرن ذا ان سواه صحبا

أو كما قيل:

… * * * و ذا اجعل آخراً اذا اسماً صحبا

فأنت تلعلم أنهم أخذوا على ابن مالك قوله و أخرن ذا ان سوه صحبا، لان اللقب و الكنية عدلان من حيث التقديم و التأخير، و لا كذلك في اللقب و الاسم فللاخير الصدارة، فأما قول الشاعر:

بأنّ ذا الكلب عمراً خيرهم حسبا * * * ببطن شريان يعوى حلوله الذيب

قلت: أنا في غنى عن جواب أما.

قال: ولكن غيرك قد يطلع على حديثنا، و قد يعنيه أن يعرف تفصيل مسألة الاسم و الكنية و اللقب، فقد تجتمع جميعاً، و قد يجتمع الاسم والكنية، و قد يجتمع الاسم و اللقب، و قد تجتمع الكنية و اللقب و قد...

قلت: قد أستطيع أن أؤكد لكم - و قد للتحقيق - أن أحداً ممن يطلع على حديثنا لا تعنيه هذا المسألة. ذلك بأنه اما أن يكون من طرازكم عارفاً لا يعرف، و اما أن يكون من طراز آخر يشغله أمور كثيرة عن الاسم و الكنية و اللقب.

قال: و عمرو ذو الكلب قتيل بطن شريان، انه ليس نحواً و لا صرفاً، و قد يكون من الخير أن تعرف و يعرف غيرك خبره... ماخطبه و كيف و لماذا قتل؟ و قبل هذا و ذاك ما هويته؟ و بعد ذلك كله تلك المرثية المقولة فيه التي مطلعها:

أبلغ هذيلا و أبلغ من يبلغها * * * عنى حديثاً و بعض القول تكذيب

أشعر نسائى هذا أم رجالى؟ و أيا كان قائله ذكراً أو أنثى فما قيمتها من حيث الفن؟ و شىء آخر له خطورته: أثابتة هي لمن نسبت اليه أم مقول انها منحولة؟

قلت: كلها أمور ذات خطر، ولكنى قبل أن نعرض لها أحب أن نعود الى ثابت هذا الذي يكنى أبا زهير فالله يعلم أن اسمه و كنيته لم يغنياً في تعريفنا اياه،

/ صفحه 57/

أفليس له لقب فقد يكون هذا المتأخر لفظاورتبة أحرى أن يعرفه مما تقدمه اسماً و كنية أصليين في التعريف قولا لا فعلا؟

قال: فكنيته - كما شاءت أمه بمشيئة الله - تأبط شرا. ذلك بأنها سئلت عنه و كان قد خرج متأبطا سكينا: فقالت لا أدرى، انه تأبط شراً و خرج. هذه رواية، و في أخرى أن أمه عاتبته اذ كان لا يأتيها بخير على خلاف لداته من الغلمان الذي كانوا يجنون الكمأة لامهاتهم قال لها: اعطنى و عاءً أملاه لك كمأة فأعطته كيساً، فخرج و ملأ كيسه أفاعى صادها. قالت أهذا كله كمأة؟ قال نعم، ففتحت الكيس فرحة فخرجت الافاعى تسعى في دارها. فصرخت وجلة فاجتمع عليها نساء الحى يسألنها ما خطبها فقصت عليهن قصص ابنها. قلن و كيف حمل كل هذه الافاعى؟ قالت لقد تأبطها. قلن لقد تأبط شراً. فكذلك نشأ لقب ثابت أبى زهير و غلب عليه حتى صار ((كما استنبطت بحق)) لا يعرف الا به. فكثيرون أولئك الذين يعرفون تأبط شرا، و قليل منهم الذين يعرفون ثابتاً أبا زهير، أو أبا زهير ثابتاً، فقد آن لنا فيما يبدو أن نرجع الى ابن مالك و الاسم و الكنية و اللقب.

قلت: بل ثم أمور كثيرة تشغلنا عن ابن مالك، و عن النحو بعامة، و عن الاسم و الكنية و اللقب بخاصة. فقد سقتم روايتين في منشأ تأبط شرا أيتهما الاصح؟ أو بعبارة أصح، أيتهما الصحيحة اذ ليس في المسألة من حيث المنطق صحيح و أصح، و انما هي صحة أو عدمها.

قال: قد تكون الصحيحة هذه الرواية أو تلك أو أخرى لم يعرفها شيخك و لا غيره. ألا فلتعلم ان لم تكن علمت أن شيخك يعوزه اليقين في أسباب نزول القرآن المبين، و أنت تعلم أن كتاب الله قد خدم خدمة ما كان الشعر و لا غيره من الاثر ليخدمها، و مع هذا لو سألتنى مثلا لماذا نزلت: ((ان الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعاً لست منهم في شىء انما أمرهم الى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون)) فإن اجابتى لن تتعدى حدود الحكم أو السبب العام المتحقق أبداً في كل زمان

/ صفحه 58/

و مكان، أما لماذا أو فيمن نزلت خاصة فقل ما شئت أو شاء لك أصحاب الرواية: أنزلت في المشركين، أم في أهل الكتاب، في هؤلاء جميعاً، أم في اليهود وحدهم، أم تراها نزلت في المسلمين أهل الضلال و البدع، و جماعات الاحزاب و الشيع التي تفرق الكلمة و تمزق الوحدة، أ مراها نزلت في كل من تقدم. فهو و صف متى تحقق في فرد أو جماعة فهو أو هي من جملة الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعاً و ليس منهم صاحب الرسالة عليه صلوات الله، ليس منهم، و لا يجتمع بهم في شىء، فأنت ترى براءته منهم حازمة كاملة شاملة كل شىء.

قلت: تريدون متعلق (في شىء) فهى حال من الضمير....

قال: صه و قل ان شيئاً كائنا ما كان لا يمكن أن يجمع من أنزل عليه القرآن بأولئك الذين فرقوا دينهم فكانوا فرقاً أو شيعاً أو وحدات متميزة من تلك الوحدة الدينية التي جمعت ما وصى به نوحاً و النبيين من بعده حتى خاتم الانبياء و المرسلين عليه صلوات الله و الملائكة و الناس أجمعين أما متعلق الجار و المجرور و كونه حالا فشىء يعنى النحاة وحدهم.

قلت: فها أنتم أولاء ترجحون قولا على أقوال شتى أو لعلكم تقطعون بأنها انما نزلت في أصحاب الضلال و البدع و الاحزاب و الشيع من المسلمين.

قال: انطباق الحكم عليهم لا ينفى أنه انطبق على غيرهم فأنا لا يعنينى المناسبة أو الغرض أو السبب المباشر في نزول الاية و اذا عنانى فلست أملك الوسائل أو الوثائق التي تقطع بصحة هذا السبب أو ذاك.

قلت: فأنتم اذاً تصرفون أو تحاولون صرف العلماء و أصحاب البحث و الدرس عن دراسة أسباب النزول.. و انها لمحاولة - لو أنجحت - فسلام على دراسات و بحوث و اعتراضات و اجابات يعلم الله وحده كم كلفت الرؤوس الكبيرة و القلوب الذكية من جهد و عناء و اذاً فعلى آثار من ذهب العفاء.

قال: صبراً قليلا و لا أقول جميلا فأنت تستصرخ غير مستصرخ وتندب و تلطم في غير جنازة و الا ففيم الويل و الثبور و عظائم الامور، و من عرض

/ صفحه 59/

لقداسة الاثار و أصحاب الاثار الذين تأبى الا أن تهيل عليهم التراب أو تعفى عليهم و على آثارهم بالطريقة التي ترتضى؟ ان شيخك هذا الذي يحاورك قد يؤلف سفراً أو أسفاراً في أسباب نزول القرآن ولكن ذلك شىء و الامر الذي نعالجه شىء آخر.. فأنا أزعم لك أن لا وسيلة للقطع بأن ثابتاً أبا زهير انما لقب تأبط شرأ لانه تأبط سكيناً أو أفاعى أو شيئاً آخر، ثم أضفت أنه أمر عسير المنال أو متعذر أن تقطع بصحة رواية مادام ثم روايات أخر حتى في أسباب نزول القرآن المبين بله أحاديث الشعراء و قصص المتصعلكين... ادرس ما اتسع لك حقل الدرس و ابحث ما تراكم أمامك كثبان البحث ولكنك قبل هذا مكلف أن تعلم و تعتقد أنه صلى الله عليه و سلم براء من الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعاً براء منهم من أقوالهم و من أفعالهم و من كل شىء يمت اليهم بسبب.

و انه ليبدو أن أسباب النزول ما زالت قائمة أعنى أنها أحداث مستمرة فلقد فرقت الناس مثلا الذين قبل بعثة خاتم الرسل و على عهده و بعد انبعاثه (عليه السلام) الى الرفيق الاعلى حتى في الامور التي تعينت بذواتها و صفاتها فلقد تبت يدا أبى لهب و تب ما أغنى عنه ماله و ما كسب.. و تبت يدا غير أبى لهب و تب ما أغنى عنه ماله و ما كسب، و هو و غيره ممن سبق و اجتمع و لحق سواء في التب، و صلاء النار ذات اللهب.

قلت: و في المرأة حمالة الحطب مغلولة الجيد بحبل المسد.

قال: و فيها دون أدنى ريب فأنت واجد أبا لهب و امرأته حمالة الحطب في كل بيئة من البشر و في كل فترة من الفتر، فتر هذا الدهر الطويل الدائم الممدود على حد تعبير لبيد.

قلت: ان الذين فرقوا دينهم قرئت (فَرَقوا) بالتخفيف.

قال: و فارقوا بالالف، و لا عليك فسواء فرّقوه أو فَرقوه بالتخفيف أو فارقوه بالالف فكلها مؤدية الى الفرقة أو كلها من (فرق) مصدراً أو (فرق) فعلا فلست أدرى أمؤثر أنت أصلية أم مؤثر أصلية الفعل الماضى؟

/ صفحه 60/

قلت: نعم ان صيغة الفعل لاتهمنا من حيث الجوهر ولكن من المهم أن تكون نزلت في أهل الكتاب أو في غيرهم، فلوسلمنا أنها نزلت في الاولين لكان حكمها غير منصب على المسلمين.

قال: منطق يجهله صاحب المنطق و من جاء بعده و يجىء من المنطقيين حتى يوم الدين، فأنت بمنطقك هذا غير المنطقى تعنى ضرورة أن المسلمين اذا فرقوا دينهم و كانوا شيعاً غير مؤاخذين أو غير مأخوذين بهذا العقاب عقاب أنه عليه الصلاة و السلام منهم براء براءة كاملة شاملة كل شىء، فأنا و أنت و من نهج نهجنا مثلا مسلمون على طريقتنا طريقة شيخك.. أنا على رأس الفرقة و أنت و الاتباع و الاشياع تحت لوائها نحارب فنقتل و يقتلنا غيرنا من الشيع الاخر، فكل مسلم على طريقه من الحق له أو عليه أن يقتل غيره من المسلمين ما دام على طريقة أخرى، و يكون معنى الاية مزدوجاً، فهى من وجه تفيد أن الرسول برىء من أهل الكتاب الذي فرقوا دينهم و كانوا شيعاً، و من وجه آخر تفيد أن للمسلمين أو عليهم - فلست أدرى أتراه أمراً واجبا أم جائزاً - أن يفرقوا دينهم و أن يتشكلوا شيعاً على رأس كل شيعة منها شيخ أو زعيم أو رئيس أو أمير أو سمه ما شئت فتلك مسألة شكلية أو اسمية لا تثير اشكالا و انما المهم أن يحرض كل شيعته على قتال الشيع الاخر... و كذلك تتحق الفرقة التي اجازتها الاية الكريمة متى فسرناها بمقتضى منطقك هذا العجيب.

قلت: واضح أنى لا أقصد الى هذا المنطق. فلو ثبت أن النص انما نزل مخبراً عن أهل الكتاب فلا أكثر من أنه أعلن براءة الرسول من قوم هذا شأنهم.

قال: بل ثم أكثر من هذا و هو أنه سبحانه و تعالى ينهى المسلمين أن يكون هذا شأنهم. ذلك ان ثبت كما قلت أن الاية نزلت في أهل الكتاب، لان القرآن لا يقص علينا قصص غيرنا الا واعظاً و مذكراً... انى لابدىء وأعيد و أكرر ثم أعود مبدئاً و معيداً أو مكرراً أن أسباب النزول المباشرة لا تعنينا بوصف كوننا

/ صفحه 61/

مسلمين و انما تعنينا بوصف كوننا من أصحاب البحث و الدرس. و الله وحده يعلم مؤدى البحث و الدرس في أمور مضى عليها قرون تلو قرون.

قلت: يعرف أصحاب القانون شيئاً اسمه الاعمال التحضيرية، فالنص وليد ملابسات شتى تعين على فقهه.. و القرآن هو النص المقدس الاعلى افتريدونه مجرداً عن السوابق؟ و ما عسى أن يكون علة نزوله؟

قال: انه لم ينزل لينظم حياة قوم عاشوا في القرن السادس الميلادى لايتعداهم بل نزل لينظم حياة الادميين الى يوم الدين، فأسباب نزوله قائمة ما قامت الحياة الادمية.. و مع هذا ليكن لك ما أردت وليكن لسبب النزول كما رواه زيد أو عمرو قوة الاعمال التحضيرية للقوانين الوضعية فهل هذه الاعمال التحضيرية ملزمة؟

قلت: الا تكن ملزمة فلا أقل من الاستئناس بها.

قال: أو كما قال صاحب القاموس:

((الانس: البشر كالانسان الواحد انسى، و أنسى جمعه أناسىّ وقرأ يحيى بن الحارث و أناسى كثيراً بالتخفيف، و أناسية و آناس، و المرأة انسان و بالهاء عامية و سمع في شعر كأنه مولد:

لقد كستنى في الهوى * * * ملابس الصب الغزِل

انسانة فتّانة * * * بدر الدجى منها خجِل

اذا زنت عينى بها * * * فبالدموع تغتسِل

و الأُناس الناس، و أنَس بن أبى أُناس شاعر، و الإنسى الايسر من كل شىء و من القوس ما أقبل عليك منها، و الانسان الانملة و ظل الانسان و رأس الجبل و الارض لم تزرع، و المثال يرى في سواد العين جمعه أناسى و انسك و ابن انسك صفيك و خاصتك، و الابوس من الكلاب ضد العقور جمعه أنس، و مئناس، امرأة، و ابنها شارع مرادى و الاغرّ بن مأنوس اليشكرى شاعر جاهلى، و الانيس الديك و المؤانس و كل مأنوس به، و بهاء النار كالمأنوسة، و جارية آنسة طيبة النفس و الانس بالضم و بالتحريك، و الانسة محركة ضد الوحشية، و قد أنس به

/ صفحه 62/

مثلثة النون، و الانس محركة الجماعة الكثيرة، و الحى المقيمون، و بلا لام خادم النبى صلى الله عليه و سلم، و آنسه ضد أوحشه، و الشىء أبصره كأنسه تأنيساً فيهما و علمه و أحس به، و الصوت سمعه، و المؤنسة بلدة قرب نصيبين، و المؤنسية بلدة بالصعيد، و يونس مثلثة النون و يهمز، علم، و استأنس ذهب توحشه، و الوحشىّ أحس انسياً، و الرجل استأذن و تبصّر، و المتأنّس الاسد أو الذي يحس الفريسة من بعد، و ما بالدار من أنيس أحد و المؤنسات السلاح كله أو الرمح و المغفر التسبغه و الترس، و مؤنس كمحدث ابن فضالة صحابى، و كزبير علم و كأمير ابن عبدالمطلب جاهلى، و وهب بن مأنوس من أتباع التابعين، و أبو أناس عبدالملك من جؤبة أخبارى، و أم أناس بنت أبى موسى الاشعرى و بنت قرط جدة لعبد المطلب و جدة لاسماء بنت أبى بكر و غيرهن)).

قلت: نحن مع تأبط شراً، و كانت المناسبة تقتضى أن تنتهى الى مادة ((وحش)) لا الى مادة ((أنس)) فصاحبنا - كما سلف - كان يرى في ((الوحشة)) الانس الانيس.

قال: و هل خلصنا من تزبط شراً فننتهى الى الوحشة أو غيرها؟ ان حديثنا عن ((ثابت أبى زهير تأبط شراً)) ما زال و يظل مستمراً. فلا تتعجل النهاية و نحن في البداية، فالى فرصة أخرى نعرض فيها لمادة ((وحش)) في شعر لتأبط شراً يمدح به ابن عمه ((ابن مالك)) و هو غير صاحب الالفية، أمااليوم فحسبك ((الانس)) و ((الانسانة الفتانة)) التي خجل منها البدر. و لك أن تحقق: أهو شعر مولد كما يبدو لصاحب ((القاموس)) أم شعر عربى يحتج به فتكون ((انسانة)) بالهاء غير عامية؟.